-١ -
ويصل سبط ابن الجوزي إلى بغداد في أوائل سنة ٦٠٤ هـ/ ١٢٠٧ م (^١)، بعد غياب عنها دام نحو ثلاث سنين، فيجد خاله محيي الدين يوسف قد ولي الحسبة بجانبيها الشرقي والغربي.
ويشهد في صفر/ أيلول قدوم قافلة الحاج من مكة (^٢)، وكان أميرها مجاهد الدين ياقوت (^٣)، وقد حجّ معه برهان الدين محمد بن عمر بن مازة الملقب (^٤) بصدر جهان (^٥)؛ وهو من سادات بخارى، ورئيس الحنفية بها وخطيبها (^٦)، ومعه ثلاث مئة من الفقهاء والمتفقهة. وكان عند قدومه بغداد قد تلقاه جميعُ مَنْ بها من الأعيان والعلماء ما عدا الخليفة والوزير، وأُنزل في دار زبيدة على نهر عيسى، وحُمّلت إليه الضَّيافات (^٧).
وسمع سبط ابن الجوزي من الحجاج العائدين ما لقوه من صدر
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٥٧، ١٦٠، ٢٤٩).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٥٧).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ١٥٠).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤٩)، وذكرت الاختلاف في اسمه في تحقيقي لكتاب «نزهة المقلتين» (٦٦)، حاشية رقم (٤).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ١٥٠).
(٦) نزهة المقلتين (٦٦ - ٦٧)، والجواهر المضية (٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤٩).
[ ٥٢ ]
جَهان، وأن غلمانه كانوا يَسْبِقُون الناس إلى المناهل، فيأخذون الماء، فيرشون به حول خيمته، ويسقون أحواض البَقْل على الجمال، فمات عطشا أكثر الناس. ولفداحة مُعاناتهم في صُحبته سموا هذه السنة سنة صدر جهنم.
فلما وصل إلى بغداد لم يخرج أحد للقائه، ولعنوه في وجهه، وسبوه في الأسواق، وكتبوا لعنته على المساجد والجوامع. وخرجت النساء صارخاتٍ مُنَشَّرات الشُّعور، يلطمن على موتاهن، ويقلن: العنوا صدر جهنم. فغادر بغداد، والناس خلفه يسبونه، ولم يقدر أحد على منعهم (^١).
وربما في تلك الأيام كان سبط ابن الجوزي يزور الشيخ مصدق (^٢) بن شبيب بن الحسين النحوي، المقيم في رباط شيخه (^٣) الزاهد الواعظ صدقة بن وزير الواسطي، المتوفى سنة ٥٥٧ هـ/ ١١٦٢ م. وكان صدقه في وعظه وتقشفه الزائد قد أخذ قلوب العوام، حتى عُدَّ من الأولياء الأفراد (^٤). وكان تلميذه مصدق على طريقه في الزهد والعبادة، منقطعًا عن الناس (^٥). فكان سبط ابن الجوزي يجلس إليه، ويسمع منه عجائب من زُهْدِ شيخه وورعه وأمانته وديانته (^٦).
وزار كذلك مشهد الإمام أبي حنيفة النعمان، واطلع فيه على أكثر مصنفات الجاحظ، ولا سيما كتابه «الحيوان»، فلم يعجبه، إذ رأى أنه كتاب كثير الحَشْوِ، قليل الفائدة (^٧).
وزار رباط المأمونية، وكان يسكن فيه داود بن أبي الغنائم الضرير، وهو على رأي الأوائل، ويتستّر بمذهب الظاهرية، فيلتقيه سبط ابن الجوزي، ويسمع منه بعض أشعاره الرقيقة (^٨). ويطالع في وقف هذا الرباط
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٥٧)، والمذيل على الروضتين (١/ ١٨٤).
(٢) مرآة الزمان (٢١/ ٢٩).
(٣) المذيل على الروضتين (١/ ٢٠٠).
(٤) مرآة الزمان (٢١/ ٢٨، ٢٩).
(٥) المذيل على الروضتين (١/ ٢٠٠).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٩).
(٧) مرآة الزمان (١٥/ ٣٥١).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
[ ٥٣ ]
نحوًا من سبعين مجلدًا من كتاب «الفنون» لأبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي، المتوفى سنة ٥١٣ هـ/ ١١١٩ م، وهو في مئتي مجلد، وفيه حكايات ومناظرات وغرائب، وأشعار، ويستحسن بعضها، فيذكرها من بعد في «تاريخه» (^١).
ويبقى مقيمًا في بغداد حتى يأزَفَ أوان الحج، فينضم إلى قافلة أمير الحاج العراقي مجاهد الدين ياقوت، وهي أوَّلُ حجة حجها من بغداد (^٢). وكانت سنة مشهورة، كثيرة الخيرات، عظيمة البركات (^٣)، لولا ما رأى في طريقه من موتى الحُجَّاج في الموسم الفائت ما أذهله، وخصوصًا في النقرة والغُسَيْلة، فقد مشى - كما ذكر - ثلاثة أيام بين الأموات، ورأى ما يزيد على خمسة آلاف ميت (^٤).
وفي مكة يلتقي في قافلة الحج الشامي صديقيه تاج الدين عبد الله بن شيخ الشيوخ عمر بن حمويه (^٥)، وشبل الدولة كافور بن عبد الله الحسامي (^٦)؛ خادم سنّ الشَّام أخت السُّلطان صلاح الدين (^٧)، وكان له حُرمة وافرة، ومنزلة عالية عند ملوك بني أيوب (^٨).
وكان الوقوف بعرفة يوم الأربعاء (^٩)، وهناك وقعت لسبط ابن الجوزي
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٠/ ١٢٦ - ١٢٩، ٢١/ ٢٧٧). ولما يصل إلينا من هذا الكتاب إلا قطعة حققها الدكتور جورج مقدسي، ونشرها في جزأين في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩٧٠ م، ووقع له فيها تحريفات فاحشة.
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٥٧، ١٦٠، ٣٨٤).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٥).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٥٧).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٤).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٢، ٣٨٤)، والمذيل على الروضتين (١/ ١٨٧)، وتنظر: (ص ٤٠، ٤٤) من هذا الكتاب.
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤١، ٢٨٢).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٢).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ١٦٠، ٣٨٥).
[ ٥٤ ]
حادثة غريبة، قصَّها علينا في معرض حديثه عن شيخه عبد الله اليُونِينيّ، ونحن ننقلها عنه، والعُهدة عليه، قال: «وكان له تلميذٌ اسمه توبة، وكان من الصَّالحين الأجواد .. فلما كان يوم عرفة صَعِدْتُ جبل عرفات، وإذا بالشيخ عبد الله قاعد على الجبل مُستقبل الكعبة، وعليه الثوب الخام، وعلى رأسه القَلَنْسُوة السوداء، فسلَّمتُ عليه، فرحب بي، وسألني عن طريقي، وقعدتُ عنده إلى قريب الغياب، ثم قلتُ له: ما تقوم نروح إلى المزدلفة؟ فقال: اسبقني أنت، فلي رفاقٌ. فنزلتُ من الجبل، وأتيتُ المزدلفة، ووقفتُ بها، وجئتُ إلى منى، فدخلت مسجد الخَيْف، وإذا بالشيخ توبة خارج من المسجد، فسلَّم عليَّ، فقلتُ له: أين نزل الشيخ؟ ظنا منّي أنه قد حج معه، فقال: أيُّما شيخ؟ قلتُ: عبد الله. قال: خلَّفْتُه بَعْلَبكَ. فَفَطِنْتُ، فقلتُ: مبارك. ففهم، فلزم بيدي وبكى، وقال: بالله حدّثني أيش معنى هذا؟ فقلتُ: رأيته البارحة على عرفات. وحدثته الحديث» (^١).
وفي مكة يجلس إلى حلقة إمام الحنابلة الشيخ الحافظ المتفنن المقرئ نصر بن أبي الفرج محمد بن علي، البغدادي، المعروف بابن الخَضِري، وكان مجاورًا بها (^٢)، فيسمع منه الحديث (^٣)، وكان كما وصفه السبط مُتعبّدًا، لا يفتر من الطواف، صالحًا ثقة (^٤).
* * *
وبعد قضائه مناسك الحج، يعود سبط ابن الجوزي إلى بغداد (^٥)، ويزور فيها فيمن يزور أحمد بن علي بن مسعود الوراق - مصنف كتاب
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٩).
(٢) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٣، ١٦٤).
(٣) المذيل على الروضتين (١/ ٣٥٣)، ونص سماعه منه مما أسقطه اليونيني في اختصاره ل «مرآة الزمان».
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٦٢)، والمذيل على الروضتين (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ١٦٠، ٢٤٩).
[ ٥٥ ]
«فاكهة المجالس وفاكهة المُجَالس»، وهو في عِدَّة مجلدات، ثم يختصر منه كتابًا سماه «سُلافة العنقود» - فيجلس إليه سبط ابن الجوزي، ويسمع منه بعض الأشعار (^١).
بيد أن الحياة لم تَرُقْ له في بغداد، ولربما آثر ألا يزاحم بها خاله محيي الدين يوسف، وقد بلغ شأوًا عظيمًا في الوعظ كذلك (^٢)، وكان حنينه إلى دمشق لا ينفك يشدُّه إليها، بعد أن ذاق حلاوة نعيمها في صُحبة المقادسة في قاسيونها، فمن سكنه لا يطيب له سكنى غيره (^٣)، فيعزم على العَوْدِ إليهم على نية الإقامة، عسى أن يكون رفيقهم في دار المقامة، على حد تعبيره (^٤).
وفي طريقه إلى دمشق يعرج على حران، ويلتقي فيها رجلا صالحًا من أهلها قد نيف على التسعين بقبة الشيخ حياة (^٥) بن قيس الحراني؛ شيخ حران وزاهدها المتوفى سنة ٥٨١ هـ/ ١١٨٥ م (^٦)، فيحدثه عن قصة يزعم أنها جرت له مع السلطان نور الدين محمود بن زنكي (^٧).
وفي الموصل يعاود اجتماعه بشيخه أبي القاسم عبد المحسن بن عبد الله الخطيب الطوسي (^٨)، ويجتمع بالثقة (^٩) الإمام أبي عبد الله
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٨).
(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٤/ ٢٢).
(٣) مرآة الزمان (١/ ٨٨).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٦)، والمذيل على الروضتين (١/ ١٥٩).
(٥) مرآة الزمان (٢١/ ٢١٢).
(٦) سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٨١ - ١٨٢).
(٧) مرآة الزمان (٢١/ ٢١٢ - ٢١٤)، وهي قصة لا تصح، ودللت على نكارتها في حاشيتي (رقم ١ ص ٢١٤) من «المرآة».
(٨) تذكرة الخواص (٢١٠)، وينظر: (ص ٣١) من هذا الكتاب.
(٩) مرآة الزمان (٢١/ ٣٤٤).
[ ٥٦ ]
الحسين بن عمر بن نصر (^١) ابن باز؛ شيخ دار الحديث المظفرية، وكان قد حضر مع السُّلطان صلاح الدين بن أيوب حصار عكا (^٢)، فيذاكره بغزوات صلاح الدين (^٣). ثم يلم بحلب، ويعقد فيها مجالس للوعظ (^٤).
ويصل أخيرًا إلى دمشق سنة ٦٠٥ هـ/ ١٢٠٨ م (^٥)، وهو ينشد بلسان الظاهر والباطن، متمثلا بقول الشاعر:
فَأَلْقَتْ عَصاها … وَاسْتَقَرَّتْ بِها النَّوى (^٦)
ويُسارع إلى زيارة الشيخ عبد الله اليونيني، وكان توبة قد حدثه حديثه في عرفات، فيعاتبه الشيخ عبد الله على ما فاه به، ويقول له: «لا تَعُدْ إلى مثلها». ويتفهم سبط ابن الجوزي عتاب شيخه له، ويعلله بقوله: «كأنَّه كَرِهَ أن يتحدث له بكرامة في حال حياته» (^٧).
-٢ -
وعَوْدٌ على بدئه، يجلس سبط ابن الجوزي للوعظ في جامع دمشق (^٨)، وجامع الحنابلة بالصَّالحية (^٩). ويحضُرُ فيه خُطَبَ شيخه أبي عمر.
ويتفق له ذات جُمعة من أول سنة ٦٠٦ هـ/ ١٢٠٩ م أن جلس إلى جانبه في أثناء سماع الخطبة شيخه عبد الله اليونيني، فلما كان في آخر الخُطبة، وأبو عمر يخطب، نهض الشيخ عبد الله اليونيني مُسْرعًا، وصَعِدَ إلى مغارة توبة، وكان نازلا بها، فظن سبط ابن الجوزي أنه قد احتاج إلى الوضوء،
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٥٨).
(٢) ينظر الحاشية رقم ٢ (ص ٤٩) من هذا الكتاب.
(٣) مرآة الزمان (٢١/ ٣٤٤).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٣).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ١٦٥).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٦). وعجز البيت: «كما قرَّ عينًا بالإياب المسافر». وهو من قصيدة لمعقر البارقي، وبيته هذا ذهب مثلا. ينظر: «الحماسة البصرية» (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٥٠)، وينظر: (ص ٥٤ - ٥٥) من هذا الكتاب.
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٢).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٩).
[ ٥٧ ]
أو آلمه شيء، فيقول: «فلما صلينا الجمعة صَعِدْتُ وراءه، وقلت: خير، ما الذي أصابك؟ فقال: هذا أبو عمر ما تَحِلُّ خلفه صلاة. قلت: ولم؟ قال: لأنه يقول على المنبر ما لا يصلح. قلت: وما الذي قال؟ قال: الملك العادل، وهو ظالم، فما يَصْدُق. وكان أبو عمر يقول في آخر الخُطبة: اللَّهُمَّ وأَصْلِحْ عبدك الملك سيف الدين أبا بكر بن أيوب. فقلت: إذا كانتِ الصلاة خلف أبي عمر لا تصح، فيا ليتَ شِعْري خلفَ مَنْ تصح! .. وبينا نحن في الحديث إذا بالشيخ أبي عمر، وقد صَعِدَ إلى مغارة توبة، فدخل ومعه مئزر، فسلم، وحل المئزر، وفيه رغيف وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله، الصلاة، ثم قال: ابتداءً قد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «وُلِدْتُ في زمن العادل كسرى» (^١). فنظر إلي الشيخ عبد الله وتبسم، ومد يده فأكل، وقام أبو عمر، ونزل، فقال لي الشيخ عبد الله: يا سيد، ما ذا إلا رجل صالح» (^٢). ولا ريب أنَّ أبا عمر أجلُّ من اليونيني، كما ذكر الإمام الذهبي (^٣).
وفي جلسة له في ذلك العام مع شيخه أبي عمر، حدثه أبو عمر عن شيخه أبي محمد بن برّي، بإسناده إلى كعب الأحبار، قال: «إِنَّا نجد في كُتب الله المُنَزَّلة أنَّ الله أوحى إلى جبل قاسيون أنْ هَبْ ظلك وبركتك وخيرك لجبالِ بيت المقدس، فقال: قد فعلتُ. فأوحى الله إليه: لن تذهب الأيَّام والليالي حتى أردَّ ظلك وخيرك وبركتك، وسيبنى في ظلك بيتُ أُعْبَدُ فيه بعد خراب الدنيا أربعين عامًا».
_________________
(١) حديث لا أصل له، وأورده السخاوي في «فتح المغيث» (٣/ ٣٦)، وابن كثير في «البداية والنهاية» (١٥/ ٤٥)، وقال: هذا الحديث الذي احتج به الشيخ أبو عمر لا أصل له، وليس هو في شيء من الكتب المشهورة. وعجبًا له ولأبي المظفر ثم لأبي شامة في قبول مثل هذا، وأخذه منه مسلما إليه فيه، والله أعلم.
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٧ - ١٧٨)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢١٦ - ٢١٧)، وينظر تعقيب أبي شامة على هذه القصة في: «المذيل على الروضتين» (١/ ٢١٧ - ٢١٨).
(٣) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٠٣).
[ ٥٨ ]
ثم تبسّم الشيخ أبو عمر، وقال: «أرجو أن يكون لجامع الجبل»؛ يعني به: جامع الحنابلة الذي بناه (^١).
ويسوق لنا سبط ابن الجوزي طَرَفًا ممَّا كان يدور بينهما من أحاديث، فلربما سأله ذات يوم عن سبب تسمية الجبل بالصالحية، فيجيبه أبو عمر بحياء وتواضع: «هاجَرْنا من بلادنا، فنزلنا مسجد أبي صالح بباب شرقي، فأقمنا به مُدَّة، ثم انتقلنا إلى الجبل، فقال الناس: الصالحية الصالحية. نسبونا إلى مسجد أبي صالح، لا أنا صالحون. ولم يكن بالجبل عمارة إلا دير الحوراني، وأماكن يسيرة» (^٢).
ومما حكاه له الشيخ أبو عمر عن السُّلطان نور الدين، قال: «كان نور الدين يزور والدي الشيخ أحمد في المدرسة الصغيرة التي على نهر يزيد المجاورة للدير، فجاء يوما لزيارة والدي، وكان في سقف المسجد خشبةٌ مكسورة، فقال له بعض الجماعة: يا نور الدين، لو كَشَفْتَ السَّقف وجددته. فنظر إلى الخشبة وسكت. فلما كان من الغد جاء معماره ومعه خشبة صحيحة، فزرقها موضع المكسورة ومضى، فعَجِبَ الجماعة. فلما جاء إلى الزيارة، قال له بعض الحاضرين: يا نور الدين، فاكرتنا في كشف السقف. فقال: لا والله، وإنما هذا الشيخ أحمد رجل صالح، وإنما أزوره لأنتفع به، وما أردتُ أن أزخرف له المسجد، وأنقض ما هو صحيح، وهذه الخشبة يحصل بها المقصود، فدعوني مع حُسن ظني فيه، فلعل الله ينفعني به» (^٣).
ومما تعلمه سبط ابن الجوزي من أبي عمر دعاء السنة، إذ قال له ذات يوم: «ما زال مشايخنا يواظبون على هذا الدعاء في أول كل سنة وآخرها، وما فاتني طول عمري، وأما أول السنة فإنَّك تقول: اللَّهُمَّ أَنْتَ الأبدي القديم، وهذه سنة جديدة، أسألك فيها العصمة من الشيطان
_________________
(١) مرآة الزمان (١٠/ ١٠٨)، وينظر: (ص ٣٤) من هذا الكتاب.
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٦).
(٣) مرآة الزمان (٢١/ ٢١١ - ٢١٢).
[ ٥٩ ]
وأوليائه، والعَوْنَ على هذه النفس الأمارة بالسوء، والاشتغال بما يقربني إليك يا ذا الجلال والإكرام. فإنَّ الشَّيطان يقول: قد آيسنا من نفسه فيما بقي، ويوكل الله به ملكين يحرسانه.
وأما دعاء آخر السنة، فإنَّه يقول في آخر يوم من أيام السنة: اللَّهُمَّ ما عمِلْتُ في هذه السنة مما نهيتني عنه، ولم تَرْضَه ولم تنسه، وحلمت عنِّي بعد قدرتك على عقوبتي، ودَعَوْتني إلى التوبة من بعد جرأتي على معصيتك، فإنّي أستغفرك منه، فاغفر لي. وما عملت فيها مما ترضاه، ووعدتني عليه الثواب، فأسألك أن تتقبله مني، ولا تقطع رجائي منك يا كريم. فإنَّ الشيطان يقول: تَعِبْنا معه طول السنة، فأفْسَدَ عملنا في ساعة» (^١).
وكانت محبة سبط ابن الجوزي لأبي عمر تتعمق مع الأيام وتترسخ، لما يرى من فضائله الغزيرة وكراماته الكثيرة. ويقص علينا بعضًا مما شاهده منها، فيقول: «أصابني قُولَنْج، وعانيتُ منه شِدَّة، فدخل علي أبو عمر وبيده خَرُّوب شامي مدقوق، فقال: استف هذا. وكان عندي جماعة، فقالوا: هذا يزيد القولنج ويضره. فما التفت إلى قولهم، وأخذته من يده، فأَكَلْتُه، فبرأت في الحال، ومن هذا شيء كثير» (^٢)
وينشده أبو عمر ذات يوم من نظمه، قوله:
أوصيكم بالقول في القُرْآن … بقيل أهل الحق والإتقان
ليس بمخلوق ولا بفان … لكن كلام الملك الدَّيَّانِ
آياتُهُ مُشرقة المعاني … متلوَّةٌ لِله باللسان
محفوظةٌ في الصَّدْرِ والجَنَان … مكتوبةٌ في الصُّحْفِ بالبَنانِ
والقول في الصفاتِ يا إخواني … كالذَّاتِ والعلم مع البيانِ
إمرارها من غير ما كُفْران … من غير تشبيه ولا عُدْوانِ (^٣)
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٨٠ - ١٨١).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٨).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ١٨١).
[ ٦٠ ]
ولذلك وصف سبط ابن الجوزي أبا عمر من بعد بقوله: «كان على مذهب السلف الصالح، حسنَ العقيدة، متمسكًا بالكتاب والسُّنَّة والآثار المروية، ويُمرُّها كما جاءت من غير طعن على أئمة الدين وعلماء المُسلمين، وينهى عن صُحْبة المُبتدعين، ويأمر بصحبة الصالحين» (^١)
* * *
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٩).
[ ٦١ ]