- ١ -
لم تكن الكَرَك، وهي البلدة الصَّغيرة، تصلح لإقامة واعظ كبير كسبط ابن الجوزي، فراح يتردّد بينها وبين القدس ونابلس، واستمر على ذلك نحو ستّ سنين (^١).
وكان يقيم بالكرك الشيخ شمس الدين عبد الحميد بن عيسى الخُسْروشاهي، ملازمًا للناصر داود، وهو تلميذ المفسِّر أبي المعالي محمد بن عمر، المعروف بفخر الدين الرَّازي، فكان سبط ابن الجوزي يجالسه، فيحدثه عبد الحميد عن فضائل شيخه فخر الدين، وحُسْن عشرته، واعتنائه بالملة الإسلامية، نافيًا عنه ما أشاعه خصومه من انحرافات. وقد أعجب سبط ابن الجوزي بعبد الحميد وتواضعه، وحُسْن سَمْته، فوصفه فيما بعد بقوله: «كان صديقنا الخُسْروشاهي من كبار الأماثل، جمع أشتات الفضائل، عاقلا، رئيسًا، دَيِّنًا، صالحًا، متمسكًا بالدين، سالكًا طريق السلف الصالحين» (^٢).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٤). وذكر في موضع آخر أنه سكن القدس عشر سنين، ولعل مراده - والله أعلم - مجموع سني إقامته بالقدس طوال حياته، فربما يصح ذلك على وجه التقريب. ينظر: «مرآة الزمان» (١٨/ ١٧١).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٠، ٤٢٦)، والمذيل على الروضتين (٢/ ١٠٤).
[ ١٤٩ ]
بيد أن إقامته الطويلة كانت إذ ذاك بالقدس، وكان يتفق له في أثناء إقامته فيها دخول كنيسة القيامة - التي يقال لها كذلك كنيسة القمامة - ولا سيما في يوم الفضح، ويحضر سبتَ النُّور، وكان يسمى عيد النور، وقد شُغل زمنًا في البحث عن مصدر ذلك النور الذي ينبعث فجأة في الكنيسة تلك الليلة، حتى وقف أخيرًا على سرّه، وقد باحَ لنا بما رآه، فقال: «في وسط القمامة قبة فيها قبر يعتقد النصارى أن المسيح ﷺ صلب ودفن فيه، ثم ارتفع إلى السماء، فإذا كانت ليلة السبت في السَّحَر دخلوا إلى هذه القبة، فغسلوا قناديلها، ولهم فيها طاقات مدفونة في الرخام، وفي الطاقات قناديل قد أُوقدت من السَّحَر، وللقبة شبابيك، فإذا كان وقت الظهر اجتمع أهل دين النصرانية من كل فج عميق، وجاء الأقساء فدخلوا القبة، وطاف النصارى من وقت الظهر حولها يتوقعون نزول النُّور، فإذا قارَبَ غروب الشَّمْس تقول الأقساء: إن المسيح ساخط عليكم. فيضجون ويبكون، ويرمون على القبر الذهب والفضة والنّياب، فتحصل لهم جملة كبيرة، ويردد القسيس هذا القول وهم يبكون ويضجون ويرمون ما معهم، فإذا غربت الشمس أظلم المكان، فيغافِلُهم بعضُ الأقساء، ويفتح طاقة من زاوية القُبَّة بحيث لا يراه أحد، ويُوقد شمعة من بعض القناديل، ويصيح: قد نزل النُّور، ورضي المسيح. وتخرج الشمعة من بعض الشبابيك، فيضجون ضجة عظيمة، ويقولون: نزل النُّور. ويوقدون الفوانيس، ويحملون هذه النار إلى عكا وصور وجميع بلد الفرنج حتى رومية والجزائر، وقسطنطينية وغيرها، تعظيما لها» (^١).
وحدثه ذات يوم بعضُ المجاورين بالقدس: أنَّ صلاح الدين لما فتح القدس وجاء يوم الفضح، دخل القبة التي فيها القبر، وقال: أريد أن أشاهد نزول النُّور. فقال له البَطْرَك: تريد أن تضيع علينا وعليك أموالا عظيمة
_________________
(١) مرآة الزمان (١٨/ ١٧١ - ١٧٢).
[ ١٥٠ ]
بقعودك عندنا، فإن أردت المال فقُمْ عنا! فقام، فما بلغ باب القبة حتى صاحوا: نزل النور (^١).
ولا ندري صحة ما رواه لنا سبط ابن الجوزي عن جماعة من أصحاب صلاح الدين، من أنه عزم على تخريب كنيسة القمامة، وتعفية أثرها، قائلا لأعيان دولته: نحضر البَطْرَك والأقساء والنصارى، ونحفر مكان القبر حتى يطلع الماء، ونرمي التّراب في البحر، ونقول: هذا تراب قبر إلهكم، لتنقطع أطماعهم عن زيارته، ونستريح منهم. فقالوا له: إنَّ أطماعهم لا تنقطع بهذا، وليس مرادهم مكان القبر، إنما هم يعتقدون في نفس القدس، وقُمامة عندهم أفضل من غيرها، وربما أخربوا الجامع الذي بالقسطنطينية والمساجد التي في بلادهم، وقتلوا من عندهم من المسلمين. ثم إنهم يصانعونك على القدس لأجل قمامة، فإذا فعلت ذلك زال ما يصالحونك لأجله، ثم تبطل عليك أموال عظيمة، فتنضر وهم لا ينضرون. فسكت عن خرابها (^٢).
- ٢ -
وفي غياب سبط ابن الجوزي عن دمشق يتطلع الشيخ المحدث تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح إلى محله في الوعظ، ويبلغ ذلك الملك الأشرف موسى، فيقول له: لا تفعل، فإنَّك لا تقدر أن تكون مثل شمس الدين ابن الجوزي، ودونه فما يُرضى لك. فيترك ذلك (^٣).
ويستمر سبط ابن الجوزي على تنقله ما بين الكرك والقدس حتى يقرر العودة فجأة إلى دمشق في منتصف سنة ٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م (^٤)، كما قرر من قبل
_________________
(١) مرآة الزمان (١٨/ ١٧٢).
(٢) المصدر السالف.
(٣) تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦٨).
(٤) ذكر سبط ابن الجوزي أن عودته إلى دمشق كانت سنة ٦٣٣ هـ، وهو وهم منه على عادته في ذلك، فقد ذكر القرشي أنه كان في دمشق في شعبان سنة ٦٣٢ هـ، وهي =
[ ١٥١ ]
مغادرتها. ويطوي عنا سبب عودته إليها، مجتزئًا بالقول: «ثم جَرَتْ أسبابٌ أوجبت قدومي إلى دمشق» (^١).
ويبدو أن سبط ابن الجوزي قد اضطر إلى العودة إليها. ولعل من أهم أسبابها عزم من كان يقيم بكنفه، وهو الناصر داود؛ صاحب الكَرَك على السفر إلى بغداد، واعتصامه بالخليفة المستنصر بالله، لخوفه من قصد عمه الكامل له، بعد فساد العلاقة بينهما (^٢).
وهي أسباب تنفي دعوة الأشرف له، ولذلك ظل سبط ابن الجوزي حانقًا عليه، لإهماله له، على ما كان بينهما من مودة، فلزم بيته بعد عودته، ولم يسع إلى لقائه، والتقرب إليه. وقد عبر عما يعانيه من ضيق في تلك الأيام بأبيات نظمها، وراح يرويها لمن يزوره من العلماء، وهي:
عليك اعتمادي يا مفرِّجَ كُرْبتي … ويا مُؤنسي في وحدتي عند شِدَّتي
ويا من نقضت العهد بيني وبينه … مرارًا فلم يُظهر علي فضيحتي
أغثني فإنّي قد عصيتك جاهلا … أغثني فقد طالت بذنبي بَلِيَّتي
فلو أنَّ لي عينًا تسحُ بأدْمُعِ … لنُحْتُ على نفسي وطالت نياحتي
ولكن ذنوبي أرهبتني جراحها … فقلَّتْ دموعي من شقائي وقسوتي
فأصبحت مأسورًا بذنبي مقيدًا … فوا سوء حالي من بلائي وغفلتي (^٣)
ويبدو أن يد الزمن قد محت ما في قلب الأشرف من جفاء له، ورأى من حسن السياسة كذلك أن يستميله إلى جانبه لما له من منزلة في قلوب الدمشقيين، فأظهر السُّرور بقدومه، وخفَّ إلى زيارته، وأحسن إليه، وحرص أشد الحرص على إرضائه. ولم يكن إرضاؤه سهلًا، فقد استعصم
_________________
(١) = السنة التي عزم فيها الناصر داود على السفر إلى بغداد، مما اضطره كما أرى إلى العودة إلى دمشق، والله أعلم. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٣٥٤)، و«مفرج الكروب» (٥/ ٨٧)، و«الجواهر المضية» (٣/ ٦٣٥).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٤).
(٣) مفرج الكروب (٥/ ٨٧، ١٠٠).
(٤) الجواهر المضية (٣/ ٦٣٥).
[ ١٥٢ ]
سبط ابن الجوزي بعزة العالم، وتمادى في تأبيه عليه وامتناعه. حتى إنَّ الأشرف زيادة في إكرامه، فصل له خِلْعة سنية ليلبسها، فامتنع من لبسها، فأصر عليه الأشرف أن يلبسها ولو ساعة، ليعلم الناس أنه قد رضي، وزال ما كان بينهما من وَحْشة. ثم بعث له بغلته الخاص، وعشرة آلاف درهم (^١).
وكان الأشرف قد شرع سنة ٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م ببناء مسجد بعد هدمه خان الزَّنْجاري؛ وكان خانًا مشهورًا بالفجور والخواطئ وشُرب الخمر (^٢)، وفيه جميع أسباب الملاذ، ويجري فيه ما لا يُحدُّ ولا يوصف. وكان قيل للأشرف عنه: إن مثل هذا لا يليقُ أن يكون في بلاد المسلمين (^٣). فتم جامعًا كبيرًا حسنًا (^٤)، فسماه الناس «جامع التوبة»، كأنه تاب إلى الله تعالى، وأناب مما كان فيه (^٥).
وبعد عصر يوم عرفة (^٦) سنة ٦٣٣ هـ/ ١٢٣٦ م، جلس فيه سبط ابن الجوزي للوعظ، وحضر مجلسه الأشرف موسى (^٧)، وبكى بكاء شديدًا تأثرًا بما يسمع، وأعتق مماليكه وجواريه (^٨). ثم التفت إلى سبط ابن الجوزي حين انتهى المجلس، قائلا له: قد رجع الحقُّ إلى نصابه، ومثلك يصلح أن يكون في خرائب نابلس والقدس والكَرَك! والله إن دمشق تغار عليك أن تكون في غيرها (^٩).
وهكذا عاد الودُّ القديم بين الصديقين، فصار الأشرف يزوره في بيته (^١٠)، ويستفتيه فيما يُشكل عليه من أحكام (^١١)، ويستعين به في التقرب من بعض العلماء.
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٤).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٣٥).
(٣) وفيات الأعيان (٥/ ٣٣٤).
(٤) المذيل على الروضتين (٢/ ٣٤).
(٥) وفيات الأعيان (٥/ ٣٣٤).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥١).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٤).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥١).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٤).
(١٠) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٧).
(١١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣١٨).
[ ١٥٣ ]
من ذلك ما وقع للأشرف مع الشيخ عز الدين بن عبد السلام في مسألة كلام الله تعالى، والخلاف فيها مشهور بين الأشاعرة والحنابلة، وكان الأشرف يميل إلى رأيهم، ويتعصب له. فلما زال ما بينهما صار الأشرف يطلب أن يُقرأ عليه تصانيف الشيخ عز الدين الصغار، مثل رسالته «مقاصد الصلاة».
وذات يوم دخل سبط ابن الجوزي عليه، فناوله الأشرف «مقاصد الصلاة»، وقال له: اقرأها. فقرأها بين يديه واستحسنها، وقال: لم يصنف أحد مثلها. فقال له الأشرف: طرز مجلسك الآتي بذكرها، وحرِّضِ النَّاس عليها. فلما كان مجلس وعظه صَعِدَ سبط ابن الجوزي المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه ﷺ، وقال: اعلموا أنَّ أفضل العبادات البدنية الصَّلاة، وهي صلة بين العبد وربه، فعليكم بمقاصد الصلاة، تصنيف ابن عبد السلام، فاسمعوها وعُوها واحفظوها، وعلموها أولادكم، ومَنْ يعزُّ عليكم. فكان لكلامه وقع عظيم، وكُتب منها من النسخ ما لا يُحصى عدده (^١).
وتمضي الأيام به في صُحبة الأشرف، وهو في أرغد عيش، وأحسن حال، وأهنأ بال، على حدّ تعبيره (^٢).
* * *
ولم تدم طويلا هناءة باله، ورغد عيشه، إذ ألم بالأشرف مرض في رجب سنة ٦٣٤ هـ/ آذار ١٢٣٧ م، فصار سبط ابن الجوزي من عواده كل يوم (^٣).
وطال مرض الأشرف (^٤) واشتدَّ، وأخذت قواه في الضعف والانحلال (^٥)، حتى إنَّه أحس بدنو أجله، فقال له سبط ابن الجوزي ذات
_________________
(١) طبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٢١٨، ٢٢٧ - ٢٢٩، ٢٣٩).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٤).
(٣) المصدر السالف.
(٤) مفرج الكروب (٥/ ١٢٨).
(٥) مفرج الكروب (٥/ ١٣٧).
[ ١٥٤ ]
يوم: استعد للقاء الله، فما يضرُّك. فأجابه الأشرف: لا والله، بل ينفعني (^١). ثم التفت إلى وزيره جمال الدين بن جرير، قائلا له: يا جمال الدين، في أيش تكفنوني؟ فقال: حاشاك من ذلك. فقال: دعني من هذا، فما بقي في قوة تحملني أكثر من نهار غد، وتواروني (^٢). ثم طلب منه أن يكفّنوه بثياب المشايخ الصالحين الذين التقاهم، وكان يحفظها لمثل هذا اليوم. وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله. وفاضت روحه إلى بارئها نهار يوم الخميس ٤ المحرم سنة ٦٣٥ هـ/ ٢٨ آب ١٢٣٧ م، عن نحو ستين سنة (^٣).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٦).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٤).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٥)، والمذيل على الروضتين (٢/ ٤٠)، ومفرج الكروب (٥/ ١٣٨، ١٤٥)، والسلوك (ج ١/ ق ٢٩٦/ ١). ودفن بقلعة دمشق إلى أن بنيت تربته الأشرفية شمالي كلاسة جامع دمشق، فنقل إليها في جمادى الأولى سنة ٦٣٥ هـ/ كانون الثاني ١٢٣٨ م، ولم يبق منها الآن إلا قبره. ينظر: «مرآة الزمان» (٢١/ ٢١٤، ٢٢/ ٣٥٣، ٣٥٥)، و«مفرج الكروب» (٥/ ١٤٣، ١٤٥)، و«المذيل على الروضتين» (٢/ ٤٠ - ٤١)، واستقصيت فيه مصادر ترجمته، و«منادمة الأطلال» (٢٤، ٣٢، ٣٧٠، ٣٧٢).
[ ١٥٥ ]