- ١ -
فما إن انقضت ثلاث سنواتٍ على وفاة جده الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي، وقد بلغ التاسعة عشرة من عمره، حتى شرع في رحلته الأولى لطلب العلم، ولقاء الشيوخ.
فخرج من بغداد في أول سنة ٦٠٠ هـ/ ١٢٠٣ م (^١)، تسبقه شهرة جده، مُتَّجِهًا شمالًا.
فمرَّ على أُوَانا؛ قرية بالدُّجيل، فزار رباط زاهدها الشيخ القدوة العارف محمد بن أبي المعالي بن قائد (^٢)، وكان قد استشهد غيلة سنة ٥٨٤ هـ/ ١١٨٨ م، فشاهد دمه بعد انقضاء تلك السنين، وهو ما يزال طريًّا، على جلد غزال كان يجلس عليه (^٣).
ثم اجتاز بدقوقا (^٤)، وهي مدينة صغيرة بين بغداد وإربل (^٥)، فالتقى خطيبها، وكان يقال له الحُجَّة، فسمع منه الحديث، ثم عقد بها مجالس للوعظ. ولم يطل مقامه فيها، فتابع طريقه إلى إرْبِل، واجتمع فيها بشيخ كيس ظريف يقال له محيي الدين الشاتاني، وكان حافظا للشعر، فأنشد له مُقَطَّعاتٍ مما يحفظ (^٦). وسمع من أعيانها عن مآثر حاكمها مظفر الدين
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٤).
(٢) سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٩٥).
(٣) مرآة الزمان (٢١/ ٣٦٥، ٣٦٦).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٤).
(٥) معجم البلدان (٢/ ٤٥٩).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٤).
[ ٣٠ ]
كُوكُبُري، وما ينفقه من أموال جزيلة على فك الأسارى والخانكات ودار المضيف، وغيرها من أبواب البرّ، وعلى إقامة المولد النبوي الشريف في كل عام، وكان له به احتفال كبير (^١)، وكذلك عقد فيها مجالس للوعظ.
ثم قدم الموصل، وأدرك بها جماعة من مشايخ الإسلام، وحَمَلَةً من حديث المصطفى ﵇، منهم شيخها المحدّث أبو طاهر أحمد بن عبد الله بن أحمد الطُّوسي، فسمع منه الأحاديث النقورية (^٢)، وهي الأجزاء الحديثية التي تفرد بها مسند العراق أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد ابن النقور (المتوفى سنة ٤٧٠ هـ/ ١٠٧٨ م)، وأسانيدها من أعلى الأسانيد (^٣).
ومنهم أخوه خطيبُ المَوْصِل أبو القاسم عبد المحسن بن عبد الله بن أحمد الطوسي (^٤)، ومما قرأ عليه كتاب «اعتلال القلوب» لأبي بكر محمد بن جعفر الخرائطي (^٥).
وسمع كذلك من الشيخ أبي القاسم بن مُسْلم الصَّفَّار الموصلي (^٦). وحدثه أبو بكر القديمي، وإسماعيل الشعار حكاية جرت لشيخهما الزاهد أبي أحمد الحداد مع صاحب الموصل سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي (المتوفى سنة ٥٧٦ هـ/ ١١٨٠ م) (^٧).
وعقد بها مجالس للوعظ، ويبدو أن شهرته سَبَقَته إليها، فحصل له بها القبول التام، إذ كان الناس ينامون ليلة المجلس في الجامع من كثرة الزحام (^٨).
_________________
(١) مرآة الزمان (٣٢٣/ ٢٢ - ٣٢٥)، وتنظر: (ص ٢٧٧ - ٢٧٨) من هذا الكتاب.
(٢) مرآة الزمان (١٣٥/ ٢٢).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣٧٢ - ٣٧٣).
(٤) مرآة الزمان (٨٩/ ٢، ٣٤٤، ٢٣٥/ ٢٠)، والجليس الصالح (١٢٠)، وينظر: «الكامل» لابن الأثير (٤٤٨/ ١٢).
(٥) مرآة الزمان (٣٤٣/ ٦، ١٥٢/ ١٧).
(٦) مرآة الزمان (٢٨٩/ ٢).
(٧) مرآة الزمان (٢١/ ٢٧٥).
(٨) مرآة الزمان (١٣٥/ ٢٢).
[ ٣١ ]
ثم غادرها إلى حران، فسمع من شيوخها: يحيى بن أبي الفتح بن الطباخ الضرير (^١)، وموفق الدين حمد بن أحمد الحراني، المعروف بابن صديق (^٢)، وأبي محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي (^٣)، وخطيبها البارع وواعظها فخر الدين محمد بن أبي القاسم الخضر ابن تيمية (^٤)، وحضر خطبه في جامعها، وسمعه مرة ينشد يوم الجمعة بعد الصلاة على المنبر:
أحبابنا قد نذرت مُقْلتي … ما تلتقي بالنوم أو نلتقي
رِفقًا بقلبٍ مُغْرَمٍ واعطفوا … على سَقَامِ الجَسَدِ المُعْرَقِ
كم تَمْطلوني بليالي اللقا … قد ذَهَبَ العُمْرُ ولم نلتق (^٥)
وكعادته في كل بلد ينزل فيه، عقد سبط ابن الجوزي بها مجالس للوعظ (^٦). ويبدو أنه لم يجد ترحيبًا من فخر الدين ابن تيمية، فكتب عنه في «مرآته»: «كان ضنينا بحران متى نبغ فيها أحدٌ لا يزال وراءه حتى يخرجه منها، ويبعده عنها» (^٧).
ومن ثم شَدَّ الرحال إلى حلب (^٨)، ضيفًا على أتابكها شهاب الدين طُغْريل؛ عتيق صاحبها الملك الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين. وكان شهاب الدين صالحًا عفيفًا، زاهدًا عابدًا. فأنزله في الخانقاه التي
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٥، ١٨٥)، والجليس الصالح (٢٩٢، ٢٩٩).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٢٦)، وتنظر ترجمته في: «تاريخ الإسلام» (١٤/ ١٣٤)، و«توضيح المشتبه» (٥/ ٤٢٠).
(٣) الجليس الصالح (٢٩٨).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٥)، والجليس الصالح (١٦٩، ٢٢٤)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٧٨)، والمذيل على الروضتين (١/ ٣٨٣).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٥).
(٧) المذيل على الروضتين (١/ ٣٨٣)، ووفيات الأعيان (٤/ ٣٨٧)، وهذا النص مما نقله أبو شامة وابن خلكان من كتابه «مرآة الزمان»، وأسقطه اليونيني في اختصاره.
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٥).
[ ٣٢ ]
بناها بظاهر حلب على باب الأربعين عند القناة، واحتفاء به كان يبيت دائما عنده (^١).
ومُدَّة إقامته بحلب انتسجت صداقة بينه وبين أمير من كبار أمرائها، وهو سيف الدين علي بن سليمان بن جَنْدَر، وكان كثير الخير والصدقات الدَّارَّة، والبر الوافر، مع ميل إلى أهل العلم، وله الغزوات المشهورة، فصار الأمير يقوم على خدمته فيها (^٢).
وقد سمع سبط ابن الجوزي من مشايخها، منهم كبير الحنفية (^٣) افتخار الدين عبد المطلب بن الفَضْل الهاشمي البلخي، وله شرح على «الجامع الكبير» للإمام محمد بن الحسن الشيباني (^٤)، وكان يدرس بالمدرسة النُّورية الحلاوية (^٥)، فسمع منه «شمائل النبي ﷺ» (^٦)، وسمع «أسباب النزول» من شيخها عبد الرحمن بن عبد الله بن علوان ابن الأستاذ (^٧)
- ٢ -
ثم يمم وجهه شطر دمشق، فنزل بصالحيتها في سفح جبل قاسيون عند المقادسة (^٨)، وكان له بهم معرفة وأنس، فقد تعرَّف إلى بعضهم في رباط الشيخ محمود بن عثمان النعال في بغداد (^٩). وله صُحبة مع عز الدين محمد، وجمال الدين عبد الله ابني الحافظ عبد الغني المقدسي، أيام
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٢٧).
(٢) مرآة الزمان (٢١/ ٣٩٢، ٢٢/ ٢٧٦).
(٣) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٩٩).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٢).
(٥) مرآة الزمان (٤/ ٣٦٩)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٠٠).
(٦) تنظر: (ص ٤٨) من هذا الكتاب.
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٥)، والجليس الصالح (٢٨٨)، وسير أعلام النبلاء (٢٢) (٣٠٤ - ٣٠٣).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٥)، ويذكر في موطن آخر من كتابه أنه قدم الشام سنة ٦٠٣ هـ، وهو وهم منه. ينظر: «مرآة الزمان» (٢١/ ٣٩١).
(٩) ينظر: (ص ٢١ - ٢٢) من هذا الكتاب.
[ ٣٣ ]
سماعه «مسند الإمام أحمد ابن حنبل» (^١).
وقد راقته صحبة شيخ المقادسة وكبيرهم أبي عمر محمد بن أحمد ابن قدامة، وأخيه الموفّق عبد الله، ونسيبهما العماد إبراهيم (^٢).
وكان أبو عمر وقتذاك في الثانية والسبعين من عمره، صبيح الوجه، كث اللحية، نحيفًا، أبيض أزرق العينين (^٣). وكان قد حضر فيما مضى غزوات صلاح الدين يوسف بن أيوب ضد الصليبيين، هو وأخوه الموفق، وشهدا معركة حطين، وفتح بيت المقدس (^٤)، ثم آثر أبو عمر الاشتغال بالعبادة عن الرواية (^٥).
في تلك الأيام كان منهمكًا في إتمام بناء جامع الحنابلة بجبل قاسيون الذي شرع فيه قبل سنتين. وقد أعانه عليه من ماله أبو داود محاسن، وهو رجل فامي من قاسيون (^٦)؛ يبيع الفواكه المجففة (^٧)، فوضع أساسه، وأنفق عليه ما كان يملكه حتى بلغ قامة. ثم بلغ مُظفّر الدِّين بن زين الدين - صاحب إربل - تعذر إكماله، فبعث إلى أبي عمر مالًا فتممه، ووقف عليه وقفًا (^٨).
وأُعجب سبط ابن الجوزي بحال أبي عمر ومقاله أيما إعجاب، فوصفه لنا فيما بعد أبدع وصف، متتبعا حركاته وسكناته على مدار أيامه، فقال:
«كان معتدل القامة، حَسَنَ الوجه، عليه أنوار العبادة، لا يزال مُبتسمًا، نحيل الجسم من كثرة الصيام والقيام. وكان يصوم الدهر إلا من
_________________
(١) ينظر: (ص ٢٥ - ٢٦) من هذا الكتاب.
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٦).
(٣) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٩).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٧)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢١٥)، وأورد أبو شامة كتاب أخيه الموفق عبد الله في وصف ما شاهده في معركة حطين في «كتاب الروضتين» (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨).
(٥) المذيل على الروضتين (١/ ٢١٤).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ١٢٥).
(٧) اللباب (٢/ ٤١٠).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ١٢٥)، والمذيل على الروضتين (١/ ١١٧).
[ ٣٤ ]
عُذر، ويقوم الليل من صغره، وما كان يُفطر إلا في يوم عيد، ويحافظ على الصلوات الخمس في الجماعات، ويخرج من ثلث الليل الأخير إلى المسجد في الظلمة، فيصلي إلى الفجر، ويقرأ في كل يوم سبعًا من القرآن بين الظهر والعصر، ويقرأ بعد العشاء الآخرة آيات الحرس ويس والواقعة وتبارك و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين. وإذا ارتفعت الشمس لفن الناس القرآن إلى وقت الضحى، ثم يقوم فيصلي الضحى ثماني ركعات، ويقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ألف مرة.
ويزور المقابر بعد العصر في كل جمعة، ويصعد يوم الإثنين والخميس إلى مغارة الدم ماشيًا بالقبقاب، فيصلّي فيها ما بين الظهر والعصر. وإذا نزل جمع الشيخ من الجبل، وربطه بحبل، وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى. ويحمل في الليل إليهم الدراهم والدقيق ولا يعرفونه. ولا ينام إلا على طهارة، ومتى فُتِحَ له بشيء من الدنيا آثر به أقاربه وغيرهم. ويتصدق بثيابه، وربما خرج الشتاء وعلى جسده جُبَّة بغير ثوب. ويبقى مُدَّة طويلة بغير سراويل، وعمامته قطعة من بطانة، فإن احتاج أحد إلى خرقة أو مات صغير يحتاج إلى كَفَن، قطع له منها قطعة.
وكان ينام على الحصير، ويأكل خُبْزَ الشَّعير، وثوبه خام إلى أنصاف ساقيه. وما نَهَرَ أحدًا، ولا أوْجَعَ قلبَ أحد، وكان يقول: أنا زاهد، ولكن في الحرام» (^١).
وما كان يردُّ أحدًا في شفاعة إلى من كان، ولجلالة منزلته لم تكن تُردُّ شفاعته. وقد حضره مرة سبط ابن الجوزي في بدايات تعرفه إليه، وهو يكتب ورقة إلى الملك المُعَظَّم عيسى بن العادل، فكتب فيها: إلى الولد الملك المعظم. فقال له: كيف تكتب هذا والملك المعظم على الحقيقة هو الله تعالى! فتبسم أبو عمر، ورمى له الورقة، وقال له: تأملها؛ وإذا به
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٦ - ١٧٧)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢١٤ - ٢١٥).
[ ٣٥ ]
لما كَتَبَ المعظم كسر الظاء، فصار المعظم، وقال: «لا بد أن يكون يوما عظم الله تعالى». فعقب سبط ابن الجوزي على ما رأى بقوله: «فتعجبت من ورعه، وتحفظه في منطقه عن مثل هذا» (^١).
* * *
وأما أخوه الموفق عبد الله بن أحمد ابن قدامة، فكان في التّاسعة والخمسين؛ أبيض، مُشْرِقَ الوجه، كأنَّ النُّور يخرج من وجهه لحسنه، واسع الجبين، طويل اللحية، نحيف الجسم (^٢)، وهو صاحب «المغني»، ذلك الكتاب الجليل في فقه الحنابلة، الذي شرح فيه مختصر أبي القاسم الخرقي، وشحنه بالأدلة من الكتاب والسُّنَّة.
وكان الموفق قد سمع في رحلته إلى بغداد مع الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي من جد السبط أبي الفرج ابن الجوزي (^٣). وكان معجبًا بوعظه، ويقر بإمامته فيه، إلا أنه لم يرتض تصانيفه في السُّنَّة، ولا طريقته فيها، وكان يقول: «كانت تنفلتُ منه في بعض الأوقات كلمات تُنكر عليه في السُّنَّة، فيُستفتى فيها، ويضيق صدره من أجلها» (^٤).
ولا شك أنَّ هذه الصلة القديمة مع أبي الفرج قوت ما بين سبطه والموفق، وزادها متانة ما وجده السبط عند الموفق من علوم وفنون وورع، حتى قال فيه: «كان إمامًا في التفسير والفقه والحديث والفنون، ولم يكن في زمانه مثله - بعد أخيه أبي عمر والعماد - أزهد منه ولا أورع منه. وكان كثير الحياء، عَزُوفًا عن الدُّنيا وأهلها، هيِّنًا ليّنا متواضعًا، محبا للمساكين. حَسَنَ الأخلاق، جَوَادًا سخيًا. من رآه كأنَّما رأى بعض الصحابة، كأنَّ النُّور يخرجُ من وجهه. كثير العبادة، يقرأُ كل يوم وليلة سبعًا من القرآن، ولا يصلي ركعتي السُّنَّة في الغالب إلا في بيته اتباعًا للسُّنَّة» (^٥)
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٩).
(٢) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٨).
(٣) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٧، ٣٨٠).
(٤) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٨١).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٦٦)، والمذيل على الروضتين (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).
[ ٣٦ ]
وقد لازمه سبط ابن الجوزي، وقرأ عليه الفقه (^١)، و«كتاب التوابين»، و«الاعتقاد»، وغيرهما من مصنفاته (^٢).
وثالثهم جوهرة العصر (^٣)، العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور؛ أخو الحافظ عبد الغني المقدسي. وكان في السابعة والخمسين. وكما يصفه لنا سبط ابن الجوزي: «كان معتدل القامة، شعره إلى أُذنيه، مليح الوجه، بساما، عابدا، مجتهدًا، لا يدخر من الدُّنيا شيئًا، حَسَنَ الصَّلاة، كثيرَ السُّجود والدُّعاء، يُقرئ القرآن والفقه دائما في الحلقة بجامع دمشق، ويجتمع إليه الطلبة كل ليلة بعد العشاء الآخرة، فيحملهم إلى بيته، ويُحضر لهم من الطعام ما تيسر.
وما تعرف إلى أحدٍ من أبناء الدُّنيا قطُّ لا إلى سلطان ولا غيره.
ولا تحرك حركة، ولا مشى خطوة، ولا تكلم كلمة إلا الله تعالى.
وكان يتعبد بالإخلاص. ولقد رأيته مرارًا في الحلقة بجامع دمشق، والخطيب يوم الجمعة على المنبر، فيقوم عماد الدين، ويأخذ الإبريق، ويضع بلبلته في فيه على رؤوس الأشهاد، يُوهم الناس أنه يشرب، وهو صائم» (^٤).
* * *
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٦).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٦٦، ٢٦٨). وذكر سبط ابن الجوزي «في المرآة» (١/ ٢٦١، ٢/ ٧١)، وكذلك في «تذكرة الخواص» (١٦٠) أنه قرأ على شيخه الموفق بقاسيون في شهر ربيع الأول سنة ٦٠٤ هـ، وقد وهم في ذلك، إذ إنه كان في تلك السنة قد رجع إلى بغداد، ومنها حج إلى مكة المكرمة، كما ذكر هو في مواضع أخرى من كتابه. ينظر: (ص ٥٢ - ٥٤) من هذا الكتاب.
(٣) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٥٠).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢٠)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
[ ٣٧ ]
وفي دمشق يلتقي سبط ابن الجوزي الشيخ الزاهد عبد الله بن عثمان بن جعفر (^١) اليونيني، أسد الشَّام (^٢). كان شيخًا طويلًا مهيبًا، أمارًا بالمعروف، لا يهاب الملوك، حاضر القلب، دائم الذكر، بعيد الصيت (^٣). وكانت إقامته ببعلبك، وله فيها زاوية (^٤). وفي الشتاء يأتي إلى عيون الفاسريا؛ ظاهر دمشق بسفح الجبل المطل على دومة، لسخونة الماء بها. وله مسجد صغير على رأس العين يأوي إليه، وكان الدماشقة يخرجون إلى زيارته (^٥).
ولسبط ابن الجوزي تعلُّق بأرباب القُلوب والأولياء، حتى المولهين منهم (^٦)، ويعرف أن طريقتهم غير طريقة الفقهاء والعلماء، وليس على مثل أحوالهم جناح، إذ طالما نُجِّيَ من بحار الهلاك الغَرْقى، وأُغرِقَ السَّيَّاح، على حد تعبيره (^٧). ولذلك لما سمع سبط ابن الجوزي عن كراماته (^٨)، صَحِبَه (^٩)، ثم صار يزوره في زاويته ببعلبك (^١٠).
وترك لنا وصفًا حيًّا له بقوله: «كان صاحب رياضات ومجاهدات، وكرامات وإشارات، لم يقم لأحدٍ من النَّاس تعظيمًا الله تعالى، ويقول: لا ينبغي القيام لغير الله. وما كان يدخر شيئًا، ولا يمس دينارًا ولا دِرْهما، وكان زاهدًا وَرِعًا عفيفًا، وما لبس طول عمره سوى الثوب الخام، وقلنسوة من جلد الغنم تساوي نصف درهم (^١١)».
والشيخ عبد الله - على زُهده وورعه - لم يكن حبيس زاويته، بل كان
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٠١).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٨، ٢٤٩).
(٣) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٠١ - ١٠٢).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٩، ٢٥١).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٥١)، والمذيل على الروضتين (١/ ٣٣٨).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٧٧).
(٧) مرآة الزمان (١٦/ ٣٤١)، وينظر: (٢٠/ ٢٣٦ - ٢٣٧، ٢١/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
(٨) ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢٥٠ - ٢٥١)، والمذيل على الروضتين (١/ ٣٣٨ - ٣٤٠).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٨).
(١٠) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٩).
(١١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، والمذيل على الروضتين (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧).
[ ٣٨ ]
يصدع بالحق (^١)، ويشهد الغزوات لقتال الصليبيين، ويُثخن فيهم (^٢)، وأُوتي شجاعة في قتالهم على قوَّةٍ فيه، فكان لا يبالي بالرجال قلُّوا أو كثروا، وكان قوسه ثمانين رطلا، وما فاتَتْه غزاةٌ بالشام، وكان يتمنى الشهادة، ويلقي نفسه في المهالك (^٣)، ولشجاعته لقب بأسد الشام (^٤).
وفي زورة من زياراته للشيخ عبد الله في زاويته ببعلبك تعرف سبط ابن الجوزي إلى أميرها الشاعر الملك الأمجد بهرام بن فرخشاه بن أيوب، فأنشده قصائد من شعره، وانعقدت بينهما صداقة ومحبة على مدى الأيام، حتى إن سبط ابن الجوزي كان إذا صَعِدَ جبل لبنان للزيارة يجتاز ببعلبك، فيخف إليه الملك الأمجد، ويخدمه، ويُحسن إليه (^٥)
* * *
ويختلف سبط ابن الجوزي في دمشق إلى حلقة شيخها العلامة المُفْتي، شيخ الحنفية، وشيخ العربية، وشيخ القراءات، ومُسند الشام (^٦)، تاج الدين أبي اليُمْن زيد بن الحسن الكندي، وكان إذ ذاك شيخًا جليلا في الثمانين من عمره، وإليه انتهى علم القراءات والروايات، وعلم النحو واللغة في عصره (^٧). حتى وصف بأوحد العصر، وفريد الدهر رواية ودراية بأنواع علم الأدب، وجَمْعِ أصول الكُتُب (^٨). ويلتقي مع جده أبي الفرج في بعض شيوخه (^٩).
وكان الكندي (^١٠) يعقد مجلسه للقراءة عليه في داره بجرون درب العَجَم، وكم ازدحم في ذلك الدَّرْب من شيوخ العلم وطلابه، وأولاد
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٩).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٥٢).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٥١)، والمذيل على الروضتين (١/ ٣٣٨).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٨) المذيل على الروضتين (١/ ٣٣٦).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣١٠).
(٦) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٤).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٨، ٢٠٩).
(٨) المذيل على الروضتين (١/ ٢٦٩).
(٩) مرآة الزمان (٢٠/ ٣٢٨، ٢٢/ ٢٠٩)
(١٠) المذيل على الروضتين (١/ ٢٧١).
[ ٣٩ ]
الملوك وخدمته (^١)، فقرأ عليه سبط ابن الجوزي من جملة ما قرأ كتاب «الصحاح» للجوهري، و«ديوان المتنبي»، و«ديوان الحماسة» لأبي تمام (^٢)، و«الإيضاح» لأبي علي الفارسي، و«المعرَّب» لابن الجواليقي (^٣)، و«الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان» لابن أبي الدُّنيا (^٤)، وكان وهو الواعظ - يستحسن هذا الكتاب (^٥).
وقد وصف سبط ابن الجوزي شيخه الكندي بقوله: «كان طيب الخُلُق، ظريفًا، لا يسأم الإنسان من مجالسته، وله النوادر العجيبة» (^٦).
وفي دار تاج الدين يتعرف سبط ابن الجوزي إلى رئيس دمشق عز الدين مظفر بن المجد ابن القلانسي؛ حفيد مؤرّخها أبي يعلى حمزة بن أسد ابن القلانسي، صاحب كتاب «ذيل تاريخ دمشق»، وكان كيسًا متواضعًا (^٧).
وتعرف فيها كذلك إلى شبل الدولة كافور بن عبد الله؛ خادم ستّ الشَّام؛ أخت السلطان صلاح الدين (^٨).
وممن كان يختلف إلى تاج الدين الكندي للقراءة عليه الملك المحسن أحمد بن السلطان صلاح الدين بن أيوب، فحَمَلَ ابن عمه الملك المعظم عيسى بن العادل على ملازمته (^٩)، فكان المعظم يمشي من القلعة راجلا إلى
_________________
(١) المذيل على الروضتين (١/ ٢٧٠).
(٢) ثم تصدى سبط ابن الجوزي من بعد لشرحها بكتاب «مقتضى السياسة في شرح نكت الحماسة». ينظر: (ص ٢٨٨) من هذا الكتاب.
(٣) المذيل على الروضتين (١/ ٢٧٣). وذكر سبط ابن الجوزي في فاتحة كتابه «مرآة الزمان» (١/ ٩) أنه قرأ «المعرب» على شيخه الكندي بدمشق في شهور سنة ٦٠٤ هـ، وقد وهم في ذلك، إذ كان في تلك السنة في بغداد، ومنها حج إلى مكة المكرمة، كما ذكر هو في مواضع أخرى من كتابه. ينظر: (ص ٥٢، ٥٤) من هذا الكتاب.
(٤) مرآة الزمان (١/ ٤٦٦).
(٥) مرآة الزمان (٩/ ٣٩٧).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٩).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٦٩، ٢١/ ١٣).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤١، ٢٨٢ - ٢٨٣).
(٩) المذيل على الروضتين (١/ ٢٧١).
[ ٤٠ ]
دار تاج الدين، والكتاب تحت إبطه، وأكثر ما يقرأ عليه «كتاب سيبويه» نصا وشَرْحًا، و«الإيضاح» (^١). ولم يُقدَّر لسبط ابن الجوزي في تلك الأيام أن يضمه مجلس مع المعظم في دار تاج الدين (^٢).
وكذلك لم يُقدَّر له الاجتماع بالحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي؛ والد صديقه عز الدين محمد (^٣) في دمشق، فقد كان مقيما وقتئذ في مِصْر، وتوفي فيها يوم الإثنين ٢٣ ربيع الأول سنة ٦٠٠ هـ/ ١٢٠٣ م، ودفن بالقرافة عند الشيخ أبي عمرو بن مرزوق. وقد سمع بعض أخباره من شيخه تاج الدين الكندي، وذكر له أنَّه أعلمُ من الدارقطني والحافظ أبي موسى (^٤).
ومما يذكره سبط ابن الجوزي عنه أن الحافظ عبد الغني حضر عند جده أبي الفرج في بغداد، فتذاكرا، فذكر أبو الفرج رجلا اسمه ويزرة، فقال الحافظ مصححا: وَرِيزة (^٥). ويعني به وَرِيزة بن محمد الغساني (^٦)، فيسلّم له أبو الفرج بالصواب، قائلا: «أنتم أعلم بأهل بلادكم» (^٧).
* * *
ويسعى سبط ابن الجوزي للسماع من قاضي دمشق الزاهد العابد (^٨)، مُسند الشَّام (^٩)، الشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد الصمد بن محمد الحَرَسْتاني، وهو من لِدَات العلامة أبي اليُمْن الكندي، ومسكنه بالحويرة.
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٠).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٣).
(٣) ينظر: (ص ٢٥، ٣٣) من هذا الكتاب.
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤١). والحافظ أبو موسى هو شيخ الإسلام محمد بن أبي بكر عمر بن أحمد الأصبهاني، المتوفى سنة ٥٨١ هـ/ ١١٨٥ م، وهو شيخ الحافظ عبد الغني، سمع منه بأصبهان. ينظر: «طبقات علماء الحديث» (٤/ ١١٢ - ١١٤، ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠، ١٥١).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤١).
(٦) توضيح المشتبه (٩/ ١٨٤).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤١).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢٤).
(٩) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٨٠).
[ ٤١ ]
قبلي جامع دمشق (^١). وكان مواظبا على الصلوات في الجماعات على كِبَرِ سِنّه (^٢)، ينزل من بيته في سُلَّم طويل، فيصلي (^٣) في الصف الأول بمقصورة الخضر بجامع دمشق، قبالة محرابها دائمًا، وهنالك كان يُقرأ عليه الكتب المسموعة، ويجتمع إليه خلق عظيم، مع حُسْن سَمْته، وسكونه وهيبته (^٤). وفي تلك المقصورة سمع منه سبط ابن الجوزي أجزاء حديثية (^٥) من روايته عن شيخه جمال الإسلام علي بن المُسَلَّم الدِّمَشْقي، المعروف بابن الشَّهْرُزُوري (^٦).
وحصل الأسانيد العالية من مسنديها: الشيخ المعمر أبي البركات داود بن أحمد بن محمد بن ملاعب (^٧)، والشيخ أبي القاسم شمس الدين الحسين بن هبة الله بن محفوظ ابن صَصْرى (^٨)، وكان له روايات كثيرة (^٩). وسمع كذلك من شهاب الدين محمد بن خلف بن راجح المقدسي (^١٠)، ومن سُتّ الكتبة نعمة بنت علي بن يحيى ابن الطَّرَّاح، وكانت صالحة زاهدة عابدة (^١١)، ومن خلق كثير سواهم لم يسمهم لنا (^١٢).
وأجاز له زين الأمناء أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر؛ أخو شيخ الشافعية فخر الدين ابن عساكر (^١٣).
* * *
_________________
(١) المذيل على الروضتين (١/ ٢٩١).
(٢) المذيل على الروضتين (١/ ٢٩٢).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢٤).
(٤) المذيل على الروضتين (١/ ٢٩٢).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢٦).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢٥)، وينظر: «المذيل على الروضتين» (١/ ١٧٣).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٦)، وينظر: «المذيل على الروضتين» (١/ ٣٢٠، ٣٢٦).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٦، ٣٠٢ - ٣٠٣).
(٩) المذيل على الروضتين (٢/ ٩)، وتنظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (٢٢/ ٢٨٢ - ٢٨٤).
(١٠) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٦٠).
(١١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٦٤).
(١٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٦).
(١٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٠٦)، وينظر: (ص ٢٦٨ - ٢٦٩).
[ ٤٢ ]
ومع صُحبة سبط ابن الجوزي لزُهّاد دمشق وعلمائها، لم يتوان عن صحبة أهل الدنيا، فنراه يزور صفي الدين عبد الله بن علي ابن شُكر؛ وزير الملك العادل أبي بكر بن أيوب، في قاعته بدرب الشَّعارين (^١)، وكان مهيبًا عالمًا فاضلا، له معرفة بقوانين الوزارة (^٢)
ويلتقي هناك شهاب الدين بن البانياسي، وكان على ديوان جامع دمشق. ويستغل سبط ابن الجوزي انشغال الوزير بالحديث مع زواره، فيتذاكر مع شهاب الدين أخبار السلطان نور الدين محمود بن زنكي (^٣). وكان مغرى بسيرته، شغوفا بجمع محاسنها؛ لأنَّها كما يقول «تحثُّ الطالب على نيل المطالب، وتعدِلُ بهمَّة الرَّاغب على تحصيل الرغائب» (^٤).
ولربما في تلك القاعة يتعرَّف سبط ابن الجوزي إلى أحد عدول دمشق وأعيانها، وهو نجم الدين الحسن بن سالم بن سلام، فتنتسج بينهما صحبةٌ وصداقة (^٥). وكان نجم الدين - كما وصفه - «ذا مروءة، جَوَادًا، سَمْحًا، كريم الأخلاق، حَسَنَ العِشْرة، يحبُّ الصَّالحين، ويزورهم ويبرهم، وله في رمضان ضيافة لا يمنع منها أحدًا» (^٦). وكان أبوه قد عاصر السلطان نور الدين، فراح سبط ابن الجوزي من بعد يستزيده من أخباره مما سمعه من والده (^٧)
وممن تعرف إليهم كذلك شحنة دمشق إبراهيم بن موسى المبارز المعتمد، وكان لطيفا بالرعية، حَسَنَ السياسة، وله مواقف مشكورة في حفظ دمشق من الموبقات والجرائم، وتنعقد بينهما صداقة تزداد مع الأيام رسوخا (^٨)
_________________
(١) مرآة الزمان (٢١/ ٢١٥).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣١٩).
(٣) مرآة الزمان (٢١/ ٢١٥).
(٤) مرآة الزمان (٢١/ ٢٠٣).
(٥) مرآة الزمان (٢١/ ٢١٤).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٩، ٣٨٣)، وينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ٧٥ - ٧٦).
(٧) مرآة الزمان (٢١/ ٢١٤ - ٢١٥).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٠ - ٢٨٢).
[ ٤٣ ]
ويجتمع سبط ابن الجوزي بتاج الدين عبد الله بن شيخ الشيوخ عمر ابن حموية، وكان عائدًا إلى دمشق من مراكش في المغرب بعد إقامته فيها نحو سبع سنين، في كَنَفِ سُلْطان الموحدين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن. وكان تاج الدين مفنَّنا في العلوم؛ الهندسة والطب، عارفًا بالتواريخ، وله أشعار جيدة. ومما أنشده لسبط ابن الجوزي، قوله:
لم ألقَ مُستكبرا إلا تحول لي … عند اللقاء له الكبر الذي فيه
ولا حلا لي من الدُّنيا ولذَّتِها … إلا مقابلتي للتيه بالتيه
وسيثمر اجتماعهما مودة وصحبة تستمر العمر كله (^١).
-٣ -
وكعادته في كل بلد ينزل فيه، يعقد سبط ابن الجوزي بدمشق مجالس للوعظ في جامعها، وجامع الحنابلة بالصالحية (^٢)، واختار لها يوم السبت من كل أسبوع (^٣)، وهو اليوم الذي كان جده يعقد فيه مجالس وعظه (^٤). وقد جَمَعَ الله له حُسْنَ الصُّورة، وطِيبَ الصَّوت، وظرافة الشمائل في الإيراد والجوابات، واللباس وسائر الحركات؛ فكان يزدحم في مجلسه ما لا يُحصى من الخلق رجالا ونساء - والنِّساء بمعزل عن الرجال في الجامعين. وكان لا يفارق أحدٌ مجلسه إذا انفض إلا وشوقه مستمر إلى عودته في الأسبوع الآخر (^٥)، فغدت مجالسه مثل غدوات الجنَّة، على حدّ تعبيره (^٦).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٧٢، ٣٨٣ - ٣٨٤).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٦)، والمذيل على الروضتين (١/ ١٥٩).
(٣) المذيل على الروضتين (١/ ١٦١).
(٤) رحلة ابن جبير (٢٧١)، وينظر: (ص ٢٦) من هذا الكتاب.
(٥) المذيل على الروضتين (١٦٠ - ١/ ١٦١).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٥)، والمذيل على الروضتين (١/ ١٥٩).
[ ٤٤ ]
وكان يحضرها من كبار شيوخ المقادسة: الشيخ أبو عمر (^١)، وأخوه الموفق عبد الله (^٢)، والعماد إبراهيم (^٣). وكان سبط ابن الجوزي يورد فيها من كلام جدّه أبي الفرج وخُطبه ما يتضمن إمرار آيات صفات الباري ﷿، وما جاء في الأحاديث الصحاح من ذلك على ما ورد من غير مَيْلٍ إلى تأويل، ولا تشبيه ولا تعطيل، وهو ما يختاره علماء الحنابلة (^٤). ولذلك كان الموفق عبد الله يفرح به، ويقول له: «قد أحيا الله بك السُّنَّة، وقمع البدعة» (^٥). ويقول له العماد إبراهيم، وكان يحبُّ مجالسه، ولا ينقطع عنها إلا من عُذر: صلاح الدين يوسف فتح الساحل وأظهر الإسلام، وأنت يوسف أحييتَ السُّنَّة بالشَّام (^٦). ويحضر مجالسه كذلك شيخه أبو اليمن الكِنْدي، ويقول له متبسما: «أنا قد صرتُ من زبون المجلس» (^٧).
ومن أجوبته اللطيفة عن الأسئلة التي كان يُسألها في مجالس وعظه، قوله مرة وقد سُئل عن قوله: «أنا سَيِّدُ ولد آدم» (^٨). وقوله: «لا تفضّلوني على يونس بن متى» (^٩). فأجاب: «لأن يونس كان أضعف الأنبياء حالا؛ لأنَّه ذهب مُغاضِبًا إلى قومه، فخاف من عتبه ولومه». ولما قال نبينا: «أنا سَيِّدُ ولد آدم». قيل: بلغت أعلى المراتب، وإن كان العهد قد تقادم، فتواضع وإن كنتَ سيّد العالم، واجبر قلب ذلك الضعيف المنكسر - الذي لولا لطف الله به لصيف في بطن الحوت وشتى - بقولك:
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٩)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢١٩).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٦٦).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢١).
(٤) المذيل على الروضتين (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٦٦).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢١)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٨٨).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٩)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٧٣).
(٨) أخرجه مسلم برقم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(٩) أخرجه بنحوه البخاري في صحيحه برقم (٣٤١٣)، ومسلم (١٩٤) من حديث ابن عباس مرفوعًا.
[ ٤٥ ]
«لا تُفَضّلوني على يونس بن متى» (^١).
* * *
وفي أثناء مقامه بدمشق عنت له زيارة بيت المقدس (^٢)، فدخل المسجد الأقصى، وقرأ على قُبَّة الصخرة مقابل الداخل من بابها القبلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، بنى هذه القبة عبد الله: عبد الملك أمير المؤمنين سنة اثنتين وسبعين» (^٣). ورأى في حائط سُور بيت المقدس الشرقي قبرًا، وعليه مكتوب اسم الصحابي شداد بن أوس الأنصاري ﵁ (^٤)، وكان نزل بيت المقدس، وتوفي فيه (^٥). ثم زار سبط ابن الجوزي قبر الخليل ﵇. وعقد في بيت المقدس مجالس للوعظ، ذكر فيها فضائله.
ثم عاد منه إلى قاسيون (^٦)، وقد اسْتَرْوَحَ إلى المقام فيه (^٧) في صُحبة عُبَّاده وزهاده، ومنهم: الشَّيخ الصَّالح يعقوب الخياط؛ الساكن في مغارة الجوع، فكان سبط ابن الجوزي يزوره فيها، ويسمع منه العجائب عنها، ومما حكاه له أنه يرى فيها الرّجال في الليل، وأن باب المغارة يُفتح ويخرج منه أشخاص عجيبة، على حد تعبيره (^٨).
ويتملى من نعيم الصُّحْبة مع شيخ المقادسة أبي عمر وأخيه الموفق، والعماد إبراهيم، وقد شاهد من أحوالهم في الزهد في الدُّنيا، والورع والفضل والتواضع ما يُروى عن الصحابة والأولياء الأفراد، فأنساه حالهم أهله ووطنه (^٩).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٠٣)، وينظر: (٢٢/ ١٠٤).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٥). ولسبط ابن الجوزي زيارة إلى جبلة، ذكر أنه رأى فيها قبرًا يقال: إنه قبر الإمام الزاهد إبراهيم بن أدهم، وهو ظاهر يزار. ولم يحدثنا عن زيارته هذه إلا بتلك الإشارة العابرة. ينظر: «مرآة الزمان» (١٢/ ٣١٩).
(٣) مرآة الزمان (٩/ ٤٣).
(٤) مرآة الزمان (٧/ ٣٦٤).
(٥) مرآة الزمان (٧/ ٣٦٣).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٥).
(٧) مرآة الزمان (١/ ٨٨).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٦).
[ ٤٦ ]
وتطول إقامته بدمشق حتى أواخر سنة ٦٠٣ هـ/ ١٢٠٧ م (^١) حين يعزم أخيرًا على العود إلى بغداد عن طريق حلب (^٢). فيعقد بجامع الحنابلة في الصالحية آخر مجالسه للوعظ، مودعًا فيه محبيه، وقد وصف لنا بقلمه مجلسه ذاك بقوله: «وجلست بقاسيون، وودعت الناس، فلم يتخلف بدمشق إلا اليسير، وامتلأ جامع الجبل بالناس، فصاحوا علينا من الشبابيك التي بالإيوان: لا، لا؛ يعني: قوموا، فاخرجوا. فخرجنا إلى المصلى. وكان شيخنا تاج الدين الكندي حاضرًا، فلما خرج من الباب زحموه، فانكشف رأسه، ووقعت عمامته، فعز علي، وسألته، وأقسمت عليه أن يمضي إلى دمشق، فامتنع، وقال: لا والله حتى نتمم المجلس. وتاب في ذلك اليوم زيادة على خمس مئة شاب، وقطعوا شعورهم (^٣). وجرى كلام في المغناطيس، وأنه يعشق الحديد، ثم قلت: والخُبَّازى يعشق الشمس، ولهذا كلما مالت الشمس إلى جهة مال الخُبَّازى إليها. فصاح سيف الدين محمد بن تميرك؛ أمير الحاج، وكان حاضرًا: يا مولاي شمس الدين، كلنا اليوم خُبَّازى» (^٤).
* * *
وعقب انفضاض ذلك المجلس الحافل، يغادر سبط ابن الجوزي دمشق، ويصل إلى حلب أوائل شهر ذي الحجة سنة ٦٠٣ هـ/ تموز.
_________________
(١) مرآة الزمان (٣٣/ ١٣٥).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣٥).
(٣) علل أبو الفرج ابن الجوزي قطع الشاب شعره عند التوبة بقوله: «هذه الشعرة أوتار عود، ومعنى قطعها أنه لا أعود». وقال مرة: «الشعر أوتار رباب، يغني عليها شيطان الشباب». ينظر: «مرآة الزمان» (١٠٨/ ٢٢). وقد ذُكر أن الصلحاء كانوا يستحبون حلق الشعر عند التوبة، تشبها بحلق الحاج شعره في منى، وقد غفر له ذنبه. فالحلق دليل صدق النية، وأبين للخضوع والذلة. ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٥٦٤).
(٤) مرآة الزمان (٥٣/ ٢٢، ١٤٩ - ١٥٠)، والمذيل على الروضتين (١٦١/ ١ - ١٦٢).
[ ٤٧ ]
١٢٠٧ م (^١)، وينزل بظاهرها في خانقاه صديقه الأتابك شهاب الدين طغريل (^٢).
وفي حلب يجتمع بالشاعر الغَزِلِ الرَّقيق تاج الدين مسعود بن أبي الفضل النقاش الحلبي، ويُنشده مقطعات من شعره، ويكتبها له بخطه، وما أنشده منها:
مالي سوى حُبِّكم مَذْهَبُ … ولا إلى غيرِكُم مذهب
بدَّدْتُمُ شَمْلي فيا هل ترى … يجمعني يوما بكم مذهب (^٣)
ويضمن سبط ابن الجوزي من بعد بعض أشعاره في كتابه «مرآة الزمان» (^٤)، ولولاه لضاعت عنا أخباره، إذ لم يلتفت إليه غيره من المؤرخين، ولعل السبب في ذلك أن من رآه من معاصريه كان ينسبه إلى البلاهة وعدم الذكاء والفقاهة، إلا أنه - كما وصفه - «كان باطنه كالزناد الوقاد، وظاهره كالجليد والجماد .. فإذا أنشد تساقط من ألفاظه مثل الجمان، وليس الخبر كالعيان» (^٥).
ويلم بمجلس شيخه افتخار الدين عبد المطلب بن الفضل، ويسمع منه للمرة الثانية «شمائل النبي ﷺ» (^٦).
_________________
(١) هكذا قال في «مرآة الزمان» (١٥٠/ ٢٢)، وكان قد ذكر في موضع آخر من «مرآته» (٤/ ٣٦٩) أنه كان في حلب في شوال سنة ٦٠٣ هـ، والغريب حقا، وهو المؤرخ، أن لا يضبط تواريخ حياته!
(٢) ينظر: (ص ٣٢ - ٣٣) من هذا الكتاب.
(٣) مرآة الزمان (١٥٠/ ٢٢).
(٤) مرآة الزمان (١٥٠ - ٤/ ٢٢).
(٥) مرآة الزمان (١٥٥/ ٢٢).
(٦) مرآة الزمان (١٣٥/ ٢٢)، وينظر: (ص ٣٣) من هذا الكتاب. ويبدو أن سبط ابن الجوزي نسي أنه سمع من افتخار الدين أول مرة سنة ٦٠٠ هـ، وهو في طريقه إلى دمشق، فقال في «مرآة الزمان» (٤/ ٣٦٩)، وهو يحكي سماعه لحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء»، قال: وهذا هو الحديث المسند الذي سمعته من شيخنا افتخار الدين أبي هاشم عبد المطلب الهاشمي، وهو أول حديث سمعته منه .. وذلك بمدينة حلب في شوال سنة ثلاث وست مئة بالمدرسة النورية!
[ ٤٨ ]
ويجتمع سبط ابن الجوزي في حلب بعلي ابن عريف النحاسين، المعروف بابن النحاس الدِّمَشْقي (^١)، وكان قد حضر حصار الصليبيين لعيًّا سنة ٥٨٥ هـ/ ١١٨٩ م؛ أي: قبل نحو ثماني عشرة سنة، يوم ألقت أوربة أفلاذ كبدها لاسترداد بيت المقدس من المسلمين بعد موقعة حطين، فأتى من عساكرها عبر البحار إلى عكا ما لا قِبَلَ لصلاح الدين به، فأحاطوا بها (^٢).
وفي أثناء حصارهم لها صنع الصليبيون ثلاثة أبراج من خشب، وألبسوها جلود البقر المُسَقَّاة بالخَلِّ والخمر لئلا تعمل فيها النَّار. وطموا خندق عكا، وسحبوا الأبراج على العَجَل إلى السُّور، فأقبلت أمثال الجبال، فأشرفت على البلد، وفي كل برج خمس مئة مقاتل.
فأيس المسلمون من عكا، وقد حيل بينهم وبين السلطان صلاح الدين. وركب السلطان والعساكر، واجتهدوا في الوصول إلى البلد، فلم يقدروا. ورمى الزَّرَّاقون في عكا الأبراج بالنفط، فلم يحترق منها شيء.
وكان ابنُ النَّحاس، هذا الشاب الدمشقي، في عكا مع المحاصرين، ولم يكن من الجند، وكان عارفًا بالنفط والحريق، فهيأ ثلاث قدور، حتى إذا كان صبيحة يوم الجمعة ٢٠ ربيع الأول من سنة ٥٨٦ هـ/ ٢٧ نيسان ١١٩٠ م (^٣)، قال للأمير بهاء الدين قراقوش (^٤)؛ نائب السلطان صلاح الدين
_________________
(١) مرآة الزمان (٢١/ ٣٧٨)، وكتاب الروضتين (٤/ ١٢٥).
(٢) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٢٨٦). وقد ابتدأ حصارهم لعكا في ٣٠ رجب سنة ٥٨٥ هـ/ ١٣ أيلول ١١٨٩ م حتى سقطت في أيديهم يوم الجمعة ١٧ جمادى الآخرة سنة ٥٨٧ هـ/ ١٢ تموز ١١٩١ م. ينظر وقائع حصارها: «كتاب الروضتين» (٤/ ٧٩ - ٢٦٢).
(٣) مرآة الزمان (٢١/ ٣٧٨)، وفي «كتاب الروضتين» (٤/ ١٢١، ١٢٢) كان ضرب البرج الواحد يوم وصول الظاهر غازي؛ يعني: سحر يوم الجمعة ٢٧ ربيع الأول سنة ٥٨٦ هـ/ ٥ أيار ١١٩٠ م.
(٤) مرآة الزمان (٢١/ ٣٧٧ - ٣٧٨).
[ ٤٩ ]
في عكا (^١): انصب لي منجنيقا. فانتهره، وقال له: قد عَجَزَ الصُّنَّاع عن ذلك، فمن أنت؟ فقال: قد عملت قدورًا الله تعالى، وما أريد منكم شيئًا، وما يضركم أن أرمي بها في سبيل الله، فإن نفعت، وإلا فاحْسُبْني واحدًا منهم. فقال قراقوش: ما يضرُّنا ذلك. ثم نَصَبَ له المنجنيق، فرمى واحدةً في برج، فاحترق بمن فيه، ثم فعل ذلك بالثاني والثالث، فكبر المسلمون، وسمع السلطان صلاح الدين، فكبر والعساكر، وفرح قراقوش والأمراء، وطموه بالخلع والأموال، فلم يأخذ منها شيئًا، وقال: أنا فعلت هذا الله تعالى (^٢).
ويقص ابنُ النَّحاس ما جرى معه في ذلك اليوم العصيب على سبط ابن الجوزي، وكان يحضر مجالس وعظه. وفي مجلس من تلك المجالس طاب قلبه لعذوبة ما يسمع منه، فقال للناس: «اشهدوا أن نصف ثوابي في حريق الأبراج لفلان»؛ وأشار إلى سبط ابن الجوزي (^٣).
وكان سبط ابن الجوزي ينحو باللائمة على السلطان صلاح الدين في سقوط عكا؛ وذلك لسماحه للصليبيين بعد فتحه القُدْس بالمسير إلى صور، فإنَّه ضيع الحزم بذلك كما يقول «ولم ينظر في عواقب الأمور، فإنَّ اجتماعهم بصور كان سببًا لأخذهم البلاد، وقتلهم من قتلوا بعضًا من أجناد الإسلام والأعيان، وقد كان الواجب عرضهم على الإسلام، فإِن أَبَوْا فالسيف، وهو أصدق إنباءً من الكتب، وأنى وكيف» (^٤)
* * *
ولم يطل مُقام سبط ابن الجوزي بحلب، فيفارقها متجها إلى الموصل، وتضمه فيها مجالس مع عمر بن صافي، ويسمع منه بعض
_________________
(١) كتاب الروضتين (٤/ ١٥٤).
(٢) مرآة الزمان (٢١/ ٣٧٨)، وينظر ما يؤيد هذه الرواية: «كتاب الروضتين» (٤/ ١٢٥ - ١٢٦)
(٣) مرآة الزمان (٢١/ ٣٧٨).
(٤) مرآة الزمان (٢١/ ٣٢٢).
[ ٥٠ ]
الأشعار ومناسباتها (^١). ويجتمع بأبي السعادات مجد الدين المبارك بن محمد ابن الأثير (^٢)؛ أخي المؤرخ المشهور عز الدين علي ابن الأثير؛ صاحب كتاب «الكامل في التاريخ» (^٣).
وكان مجد الدين عاقلا مهيبًا، ذا بر وإحسان، وهو لأمراء الموصل بمنزلة الوزير الناصح، إلا أنه انقطع إلى العلم بداره بدرب دراج، لمرض ألم به، وصنف من الكتب الحسان «جامع الأصول»، و«النهاية في غريب الحديث»، و«شرح مسند الشافعي»، وغيرها. فقرأ عليه سبط ابن الجوزي شيئًا من تصانيفه، وأجازه بالباقي (^٤).
وفي الموصل يسمع من نزيلها المسند البغدادي أبي بكر مسمار بن عمر ابن العويس النيار (^٥).
ويلتقي علي بن الحسن الآبنوسي، فينشده أبياتًا في نار السَّذَق (^٦)، وهي ليلة معروفة عند الأعاجم، وكان من عادة سُلطانهم في بغداد أن يأمر فيها بإشعال النيران والشموع العظيمة في السُّفن والزواريق الكبار في دِجْلة، وعلى كل زورق قبة عظيمة، ويبيتُ أهل بغداد على ضفتي دجلة، وقد حملت الملاهي في السُّفن، ولا يبقى ببغداد من حاشية السلطان أحد إلا وهو يحمل الشمع والمشاعل. ويكثر الشعراء في وصف تلك الليلة (^٧).
وبعد مغادرته المَوْصِل يجتاز سبط ابن الجوزي بحران، ويعاود السَّماع بها من شيخه يحيى بن أبي الفتح بن الطباخ الضرير. وكان شيخًا صالحًا، فقيرًا، صَبُورًا على قضاء الله تعالى، دينا (^٨).
_________________
(١) مرآة الزمان (١/ ٤٦٠)، وتذكرة الخواص (٣٣ - ٣٤، ١٦٣).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧١).
(٣) المذيل على الروضتين (١/ ٢٠٧).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧١)، وينظر: «المذيل على الروضتين» (١/ ٢٠٦).
(٥) الجليس الصالح (٤٠)، وتنظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (٢٢/ ١٥٤).
(٦) مرآة الزمان (١٩/ ٤٣١).
(٧) مرآة الزمان (١٩/ ٤٣٠).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ١٨٥)، وينظر: (ص ٣٢) من هذا الكتاب.
[ ٥١ ]