- ١ -
لا ندري متى سافر سبط ابن الجوزي من القدس إلى مصر (^١)، هل كان ذلك عقب مسير الصالح أيوب والناصر داود إليها، أم بعد رجوع الناصر منها؟ ولكن ما ندريه أنه أقام بالقاهرة بصحبة ملكها الجديد الصالح أيوب، حتى غدا من جُلسائه، وصار يبوح له ببعض ما جرى له مع الناصر داود في القدس، وفي طريقه إلى مصر. ومما قاله له: حلفني على شيء ما تقدر عليه ملوك الأرض، وهو أن آخذ له دمشق وحمص وحماة وحلب والجزيرة والموصل وديار بكر وغيرها، ونصف ديار مصر، ونصف ما في الخزائن من المال والجواهر والخيل والثياب وغيرها، فحلفتُ من تحت القهر والسيف.
ثم إنه لما أخرجني نَدِمَ وعزم على حبسي، فرميتُ روحي على ابن قليج، فقال: ما كان قصده إلا أن يتوجه إلى دمشق أولًا، فإذا أخذناها عُدنا إلى مصر.
وليلة وصلنا إلى بلبيس شرب، وشطَحَ إلى العادل، فخرج من الخركاة، وقبل الأرض بين يديه، فقال له: كيف رأيت ما أشرت عليك، ولم تقبل مني؟ فقال العادل: يا خوند التوبة. فقال: طيّب قلبك، الساعة أطلقك. ثم أردف الصالح: وجاء، فدخل علينا الخيمة، ووقف، فقلتُ: بسم الله، اجلس. فقال: ما أجلس حتى تُطلق العادل. فقلتُ: اقعد. وهو
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٤، ٣٦٦).
[ ١٨١ ]
يكرر الحديث، فسكت، ولو أطلقته لضرب رقابنا كلنا. ونام، فما صدَّقتُ بنومه، وقمتُ في باقي الليل، أخذتُ العادل في مِحَفَّة، ودخلت به القاهرة. ولما دخلنا القاهرة بعثت إليه بعشرين ألف دينار، فعادت إليَّ مع غلماني. وقال لي مرة: بس يدي ورجلي. ويُبدي سبط ابن الجوزي استغرابه مما يقال عن ابن صديقه، وهو يعرفه من صغره، فيقول للصالح أيوب: ما أظنُّه يبدو منه هذا، وهو رجل عاقل! فيقسم له الصالح أيوب بالله إنَّ هذا وقع منه (^١).
ويحكي له الصالح أيوب فيما يحكي عن خديعة عمه الصالح إسماعيل له في أَخْذِ دمشق منه، وكيف جرت وقائعها، وعمَّا قام به نجم الدين ابن سلام في ذلك، ثم يردّد بغضب قائلا: إن فتح الله على يدي دمشق لأفعلن به وأَصْنَع (^٢).
* * *
ويلوذُ سبط ابن الجوزي بالصمت لعجزه عن الدفاع عن صديقه نجم الدين، وهو الذي عرفه بكرم أخلاقه، وحبّه للصالحين، وفي الوقت نفسه لا يخفي امتعاضه منه لمناصرته الصالح إسماعيل على غدره وظلمه، فيقر بأنه «دخل في أشياء لا تليق بأبناء جنسه طمعًا بالدُّنْيا» (^٣).
وقد كان يبلغه ما يقع بدمشق وقتئذ من مظالم الصالح إسماعيل ووزيره أمين الدولة السامري (^٤)، وحتى من قاضي قضاته رفيع الدين عبد العزيز بن عبد الواحد الجيلي، فقد كان فاسد العقيدة، دَهريًّا، مستهترا بأمور الشريعة، يخرج سكرانا إلى صلاة الجُمُعة ومجلس الحُكْم، وداره مثل الحانات، والنساء بالرجال مختلطات (^٥).
_________________
(١) مرآة الزمان (٣٦٦/ ٢٢ - ٣٦٧).
(٢) مرآة الزمان (٣٥٩/ ٢٢)، وكان نجم الدين صديقا لسبط ابن الجوزي، تنظر: (ص ٤٣) من هذا الكتاب.
(٣) مرآة الزمان (٣٨٣/ ٢٢).
(٤) مرآة الزمان (٤٢١/ ٢٢).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٥).
[ ١٨٢ ]
ويحرّك فشو ظلمهم شمس الدين محمد بن سعد المقدسيّ؛ كاتب الصالح إسماعيل على نظم قصيدة، ينصح له فيها بعزل وزيره أمين الدولة السامريّ، والقاضي الرفيع ونوابهما، آملا أن يجد منه أذنا صاغية، ولكن هيهات، ومما قاله له فيها:
يا مالكًا لم أجد لي من نصيحته بدا … وفيها دمي أخشاه منسفكا
اسمع نصيحة مَنْ أَوْلَيْتَه نِعَمًا … يخافُ كُفْرَانَها إِنْ كَفَّ أو تَرَكا
والله ما امتدَّ مُلْكُ مدَّ مالِكُه … على رعيته من ظُلْمه شَبَكا
وزيره ابنُ غَزَالٍ والرفيعُ به … قاضي القضاة ووالي حَرْبِه ابن بكا
جماعة بهم الآفات قد نُشِرَتْ .. والشَّرْعُ قد مات والإسلام قد هلكا
ويكتب نسخة منها بخطه لسبط ابن الجوزي بعيد عودته إلى دمشق، فيطرب لها، ويبلغ سروره بها أن يقول: «لو كتبت بماء الذهب على الأحداق لكان ذلك أقل من القليل (^١)».
-٢ -
إذ لم يطل مكثُ سبط ابن الجوزي بالقاهرة، فنراه يعود منها إلى القدس، برغم الحفاوة التي لقيها من الصالح أيوب، بل إنه يفاجئنا برجوعه إلى دمشق سنة ٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م (^٢)، دون أن يوضح الأسباب التي دفعته للرجوع إليها في ذلك الزمن الصعب، فهل كان حقًا يتوقع ترحيبًا من صاحبها الصالح إسماعيل بعد ما شاع من صُحبته لعدوّه اللدود الصالح أيوب؟
فقد كان الصالح إسماعيل يتقلَّبُ في تلك الأيام على فراش الخوف من ابن أخيه الصَّالح أيوب، منذ أن غدر به، وانتزع دمشق منه، واعتقل ولده المغيث (^٣). وكان يخشى أن يهاجمه مع حليفه الناصر داود (^٤). فتلفت
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٢١ - ٤٢٢).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٧١).
(٣) مفرج الكروب (٥/ ٣٠١ - ٣٠٢)، وينظر: (ص ١٦٩) من هذا الكتاب.
(٤) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٧٨).
[ ١٨٣ ]
حوله باحثًا عن حليف قوي لمساعدته على محاربته، فلم يجد أمامه إلا الصَّليبيين، فكاتبهم، فأَبَوْا أنْ يجيبوه لِمَا طلب إلا بأن يسلّم إليهم حضني شقيف أرنون وصفد (^١)، وهما من أمنع الحصون (^٢)، فوافق على ذلك (^٣).
وامتنع والي حصن شقيف أرنون من تسليمه للصليبيين، فخرج الصالح إسماعيل من دمشق، ومضى إلى الشقيف، فعذَّب واليه واستأصله لامتناعه من تسليمه، ثم سلمهم الحصن بنفسه، وكان عامرًا. وسلم إليهم صفد، وكانت خرابًا (^٤).
فلما تسلمهما الصليبيون (^٥) سنة ٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م (^٦)، باشروا بعمارة صفد، وعظم بذلك الضرر على المسلمين، واشتدَّ إنكارهم لما فعل واستعظموه (^٧). وكان من أشدّ المنكرين له مُفتي دمشق وخطيبها الشيخ عز الدين بن عبد السلام (^٨).
ورأى الصالح إسماعيل، وقد تقوى بتحالفه مع الصليبيين، أن يبدأ غريمه بالحرب، فأرسل إلى المنصور إبراهيم؛ صاحب حمص، وإلى الحلبيين، وإلى الصليبيين أنه عازم على قصد مصر، ويطلب منهم النجدات. وأَذِنَ للصليبيين في دخول دمشق، وشراء السلاح منها. فأكثروا من ابتياع الأسلحة وآلات الحرب من أهل دمشق. فأنكر المسلمون ذلك، ومشى أهل الدين منهم إلى العلماء، واستفتوهم (^٩)، فأفتى الشيخ عز الدين بن عبد السلام بتحريم بيع السلاح للفرنجة؛ لأنهم يشترونه لقتال المسلمين به، ولم يكتف بفتياه، بل قطع الدُّعاء للصالح إسماعيل في خطبته بجامع دمشق، وصار يدعو: اللَّهُمَّ أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا، تُعزُّ فيه وليك،
_________________
(١) مفرج الكروب (٥/ ٣٠٢).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ٣٠١).
(٣) مفرج الكروب (٥/ ٣٠٢).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨١).
(٥) مفرج الكروب (٥/ ٣٠٢).
(٦) المذيل على الروضتين (٢/ ٥٤).
(٧) مفرج الكروب (٥/ ٣٠٢).
(٨) مفرج الكروب (٥/ ٣٠٣).
(٩) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٠٤).
[ ١٨٤ ]
وتذلُّ فيه عدوك، ويُعمل فيه بطاعتك، ويُنهى فيه عن معصيتك. والناس يضجون بالدُّعاء (^١). وبسط عز الدين لسانه فيه، وأكثر من التشنيع عليه، وساعده على ذلك إمام المالكية الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب (^٢).
وكان الصالح إسماعيل في ذلك الوقت غائبًا عن دمشق، فكُوتب بذلك، فورد كتابه بعزل الشيخ ابن عبد السلام واعتقاله هو والشيخ أبي عمرو بن الحاجب (^٣). فسجنا بقلعة دمشق، وتولى الخطابة بجامع دمشق عماد الدين داود بن عمر بن يوسف المقدسي الشافعي (^٤).
ثم أفرج عنهما لما رجع إلى دمشق (^٥)، وأمرهما بملازمة بيوتهما (^٦)، وألزم الشيخ عز الدين بن عبد السلام ألا يُفتي ولا يجتمع بأحد البتة، فاستأذنه الشيخ في صلاة الجمعة، وأن يأتي إليه طبيب أو حلاق إذا احتاج إليهما، وأن يذهب إلى الحمام، فأَذِنَ له (^٧).
* * *
في غمرة تلك الأحداث المضطربة يقدم سبط ابن الجوزي دمشق، ويستقر بمسكنه بالتُّرْبة البَدْرية، ويعاود التدريس بالمدرسة الشبلية. فيوجس
_________________
(١) طبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٢٤٣).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٠٤).
(٤) المذيل على الروضتين (٢/ ٥٤).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٠٤).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٧٠).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٠٤). ثم إن الصالح إسماعيل أخرج الشيخين عز الدين بن عبد السلام، وأبا عمرو بن الحاجب من دمشق، فمضى عز الدين إلى مصر، ووصل إليها سنة ٦٣٩ هـ/ ١٢٤١ م، فتلقاه الصالح أيوب بالإكرام والاحترام لمنزلته في العلم، ولما صدر عنه من التشنيع على الصالح إسماعيل؛ عدوه اللدود ومضى أبو عمرو إلى الكرك، وأقام عند الناصر داود مدة، ثم سافر إلى مصر. ينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ٥٧ - ٥٨)، و«مفرج الكروب» (٥/ ٣٠٣)، و«طبقات الشافعية» للسبكي (٨/ ٢١٠)، و«السلوك» (ج ١/ ق ٢/ ٣٠٨).
[ ١٨٥ ]
الوزير أمين الدولة السَّامري خِيفة من مجيئه، فيدس إليه مدرسًا من أعوانه وعيونه، هو يوسف بن يعقوب. فيزور يوسف ذات يوم سبط ابن الجوزي في مسكنه، ويجري بينهما الحديث عن الصَّالح أيوب، وخروجه من الحبس بالكرك، واجتماعه به في القدس. ويسترسل سبط ابن الجوزي في حديثه، مطمئنا إليه.
ويمضي يوسف مندفعًا إلى الوزير السَّامري، وينهي إليه حديثه، ناسبًا إليه كذبًا وزُورًا أنه ما أخرج الصَّالح أيوب من الحبس إلا سبط ابن الجوزي. فيتلقَّفُ السَّامري هذه الوشاية، ويشير على الصَّالح إسماعيل بإخراجه على الفور من دمشق.
فيخرج في حر شديد إلى حماة (^١)، وفيها بيت حُميَّة (^٢)، ويضرُّ الحر برأسه حتى كادت تتلفُ عينه، ويذهب بصرها، ولكن الله يمن عليه بالعافية (^٣).
ولم يتح له أن يشهد بدمشق وقتئذ وفاة شيخها الصُّوفي المشهور محيي الدين محمد بن علي ابن عربي الذي توفي في ذلك العام، وما كتبه عنه فيما بعد يشي بأنه لم يكن على صلة به (^٤).
- ٣ -
ولم يتلبث سبط ابن الجوزي طويلًا في حماة، إذ سرعان ما يغادرها إلى مصر، ليقيم فيها نحو ثلاث سنين، من سنة ٦٣٩ هـ/ ١٢٤١ م (^٥)، وحتى أواخر سنة ٦٤١ هـ/ ١٢٤٤ م (^٦)، ليعود بعدها للإقامة في القدس (^٧).
_________________
(١) مرآة الزمان (٣٧١/ ٢٢ - ٣٧٢).
(٢) ينظر: (ص ١٢٢) من هذا الكتاب.
(٣) مرآة الزمان (٣٧٢/ ٢٢).
(٤) مرآة الزمان (٣٧٣/ ٢٢).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦٥).
(٦) مرآة الزمان (٣٧٨/ ٢٢).
(٧) مرآة الزمان (٣٨٢/ ٢٢).
[ ١٨٦ ]
وفي القاهرة يعاود صُحبة ملكها الصَّالح أيوب، وكثيرًا ما كان يبوح له الصالح بذكرياته عما جرى له في حياته، ولا سيما سجنه بالكرك. وقد حدثه ذات يوم من سنة ٦٣٩ هـ/ ١٢٤١ م عن معاناته ليلة اعتقال أمراء الناصر داود له بنابلس، وسوقهم له إلى الكَرَك، فقال: «أركبوني بغلة بغير مهماز ولا مقرعة، وساروا بي إلى البرية في ثلاثة أيام، والله ما كلمتُ أحدًا منهم كلمة، ولا أكلتُ لهم طعامًا حتى جاءني خطيبُ البرية، ومعه ثردة عليها دجاجة، فأكلتُ منها. وأقاموا بي في البرية يومين، ولم أعلم أيش كان المقصود، إذا بهم يريدوا يأخذوا طالعًا نحسًا، يقتضي أنني لا أخرج من الكرك. ثم أدخلوني الكرك ليلا على الطالع الذي كان سبب سعادتي ونحوسهم. ووكل بي مملوكًا له فظا غليظا، يقال له: زريق، فكان أضر علي من كل ما جرى. فأقمتُ عندهم إلى رمضان؛ سبعة أشهر. ولقد كان عندي خادم صغير، فاتفق أنه أكل ليلة كثيرًا، فأتخم، وبال على البسط، فأخذت البساط بيدي والخادم، وقمتُ من الإيوان إلى قريب الدهليز، وفي الدهليز ثمانون رجلا يحفظوني، وقلت: يا مقدمين، هذا الخادم قد أتلف هذا البساط بالله انزلوا به إلى الوادي واغسلوه. فَنَفَر في زريق، وقال: أيش جاء بك إلى هاهنا وصاحوا عليَّ، فعدتُ إلى موضعي» (^١).
* * *
ويبلغ سبط ابن الجوزي، وهو في القاهرة، أن صلاح الدين موسى بن (^٢) شهاب الدين محمد بن خلف المقدسي (^٣)، في سجن الصالح أيوب (^٤). وكان والده وهو من زُهَاد المقادسة في صالحية دمشق - شيخًا له (^٥). وابنه موسى هذا كان خيرًا فاضلا، يحبُّ الفقراء، ويخدم المشايخ،
_________________
(١) مرآة الزمان (٣٦٥/ ٢٢).
(٢) مرآة الزمان (٤٠٦/ ٢٢).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٦٠).
(٤) مرآة الزمان (٤٠٦/ ٢٢).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٦٠)، وتنظر: (ص ٤٢) من هذا الكتاب.
[ ١٨٧ ]
ويمشي في حوائج الناس، ويشتري الأسارى (^١)، وذا معرفة بالشعر والأدب، وله قصيدة في رثاء العماد إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي (^٢). فيسعى سبط ابن الجوزي لدى الصالح أيوب لخلاصه من سجنه، فيتلكأ في الاستجابة له، ولا يطلق سراحه إلا بعد جهد جهيد (^٣).
وإلى القرافة كان سبط ابن الجوزي يختلف إلى زيارة الشيخ الصالح الفاضل أبي العباس ابن تاميت المغربي، وقد صَحِبَ سلطان الموحدين في بلاد المغرب يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وانتفع به، واستفاد منه. فكان أبو العباس يحكي له من أخباره ما رآه وشاهده عيانًا (^٤).
وكذلك كان يتردد إلى زيارة قبر الزاهد أبي الحسن علي بن محمد الصائغ الدينوري، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ/ ٩٤٢ م، وكان من كبار مشايخ مصر في عصره، فكان يدعو الله عنده، ويرى أثر الإجابة (^٥)
وككل زائر للقاهرة كان يمتّع عينيه بمشاهدة الأهرامات (^٦).
ويلتقي فيها خطيبها الفقيه بهاء الدين علي بن هبة الله بن سلامة، سبط ابن الجميزي، وهو إمام فاضل، عارف بمذهب الشافعي، على كَرَم فيه،
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٦).
(٢) أورد سبط ابن الجوزي بعض أبياتها في ترجمة العماد في «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢٢٢).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٦).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٧٢ - ٧٣)، وأورد سبط ابن الجوزي بعض ما حكاه له أبو العباس من أحواله، في ترجمة يعقوب بن يوسف في «مرآة الزمان» (٧٣ - ٧٥/ ٢٢).
(٥) مرآة الزمان (١٧/ ٢٠١، ٢٠٤). وقد أورد سبط ابن الجوزي ترجمة الدينوري في وفيات سنة ٣٣٠ هـ، وذكره الذهبي في وفيات سنة ٣٣١ هـ، وقال: توفي في نصف رجب بمصر. ينظر: «تاريخ الإسلام» (٧/ ٦٤٧ - ٦٤٨)، وسبط ابن الجوزي تعوزه الدقة أحيانًا في ضبط تواريخ وفيات الأعلام والوقائع.
(٦) مرآة الزمان (١/ ١٣٥).
[ ١٨٨ ]
قُلْ أنْ يدخل عليه أحدٌ إلا ويطعمه، فكان يقف مع سبط ابن الجوزي، ويباسطه، ويدعو له، ويشكره (^١).
وفي القاهرة يجتمع به المؤرّخ المشهور شمس الدين أحمد بن محمد ابن خَلِّكان (^٢)، ويصحبه الحافظ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، ويقرأ عليه بعض مروياته عن شيوخه وجدّه أبي الفرج (^٣).
ويقع له، وهو في مصر، تاريخ لم يسمّه، ينقل منه في «مرآته» أخبار دخول شمس الدولة تورانشاه أخي صلاح الدين إلى اليمن (^٤).
ويقف على كتاب «فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» للإمام أحمد ابن حنبل، برواية الإمام النسائي، وهو جزء من كتابه «فضائل الصَّحابة»، فيقتنيه، وهو أحد موارده في مصنفاته (^٥).
وكان له جلسات مع مشايخ مصر يحكون له فيها عما وقع لهم من أخبارها (^٦).
وفي جلسة من تلك الجلسات، تذاكروا في مكان دفن رأس الحسين بن علي ﵁، فأنشده زين الدين أحمد بن عبد الله بن عزاز النَّحْوي، المعروف بابن قُطْنَة (^٧):
لا تطلبوا المولى الحسين … بأرض شرق أو بغرب
ودعوا الجميع وعرّجوا … نحوي فمشهده بقلبي (^٨)
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٢٠).
(٢) ينظر: «وفيات الأعيان» (٢/ ١٥٣، ٥/ ٨٥، ٧/ ٣٦).
(٣) معجم شيوخ الدمياطي (ورقة ٢١١).
(٤) مرآة الزمان (٢١/ ١٩٤ - ١٩٦، ٢٧٣).
(٥) مرآة الزمان (٦/ ٤٣٥)، وينظر: (ص ٢٨٥) من هذا الكتاب.
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٨٩، ١٣١).
(٧) ينظر: «صلة التكملة» (٢/ ٦٠١)، و«تاريخ الإسلام» للذهبي (١٥/ ١٦٤).
(٨) مرآة الزمان (٨/ ١٧٠)، وتذكرة الخواص (٢٦٦ - ٢٦٧).
[ ١٨٩ ]
وكان سبط ابن الجوزي، كجده أبي الفرج، لا يخفي محبته لآل البيت ولا سيما للحسين، ﵃ وأرضاهم (^١).
* * *
ويزور الإسكندرية سنة ٦٤٠ هـ/ ١٢٤٢ م، ويشاهد منارتها المشهورة، ويصعد إلى أعلاها (^٢). ويزور كذلك عمود السواري (^٣). ثم يعاود زيارتها سنة ٦٤١ هـ/ ١٢٤٣ م، ويلتقي علماءها وزهادها، أمثال الشيخ محمد القباري (^٤)، وهو من مشاهير زهادها، وقد بلغ من ورعه أنه إذا رأى ثمرة ساقطة تحت أشجاره في بستانه، ولم يشاهد سقوطها من شَجَرِه، يتورع من أكلها، خوفًا من أن تكون من شجر غيره، قد حملها طائر، فسقطت في بستانه (^٥).
وكانت الإسكندرية وقتذاك معمورة بالعلماء، مغمورة بالأولياء. وقد بلغ من أُنْسِه بها أن استعار في وصفها بيتين للشاعر القيسراني قالهما في دمشق:
أرضٌ تَحُلُّ الأماني من أماكنها … بحيثُ تجتمع الدُّنيا وتفترق
_________________
(١) ينظر: «مرآة الزمان» (٨/ ١٨٠ - ١٨١)، و(ص ٢٦٠) من هذا الكتاب. ولا تعني محبتهما لهم بغض غيرهم، ولعل قصيدة الشاعر يحيى بن سلامة الحصكفي، المتوفى سنة ٥٥٣ هـ/ ١١٥٨ م، التي قالها في آل البيت، وأوردها سبط ابن الجوزي في الجزء ٢٠/ ٤٩٠ - ٤٩٣ من «المرآة»، وفي «تذكرة الخواص» (٣٦٥ - ٣٦٧)، ومن قبله جده أبو الفرج في «المنتظم» (١٠/ ١٨٤ - ١٨٧)، تبين اعتقاده في ذلك مع تعظيمه في الوقت عينه للخلفاء الراشدين وأئمة المذاهب الفقهية المتبوعة. ولعل رأي سبط ابن الجوزي فيما جرى بين الصحابة على رأي جده أبي الفرج، فقد ذكر عنه قوله: ما وقع الخلاف بين أحد من الصحابة وبين علي إلا والحق مع علي .. فإن جرت من غيره هفوة فهو مسكوت عنها، لقوله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي». ينظر: «مرآة الزمان» (٢١/ ٢٥٨، ٢٢/ ١٠٧، ١٠٩)، و«مسند الإمام أحمد ابن حنبل» (١١٠٧٩)، وتنظر: (ص ٢٨٤ - ٢٨٦) من هذا الكتاب.
(٢) مرآة الزمان (١/ ٧٦).
(٣) مرآة الزمان (١/ ١٣٨).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٧٨).
(٥) المذيل على الروضتين (٢/ ١٩٨).
[ ١٩٠ ]
إذا شدا الطَّيْرُ في أغصانها وقفت … على حدائقها الأسماعُ والحَدَقُ
ويسأله أهلها الجلوس للوعظ، فيجلس بها مجلسين (^١)، في الجامع الجيوشي، ويحضر القضاة والعلماء، ويجتمع له من الخلق ما لم يجتمع لغيره (^٢)، ويتوب فيهما نحو من ألفين. فلما عزم على العود إلى القاهرة، قام بعض أفاضلها، فأنشده قصيدة، من أبياتها:
ذكرتُمْ فِراقًا فاستهلت مدامعي … وزادَ لهيب النار بين ضلوعي
وأصبحت ميتًا من سماع فراقكُمْ … أودُّ بأني لم أكن بسميع
فيا أهل هذا الثَّغْر ترضَوْنَ غيبةً … لشمس علوم آنست بطلوع
قفي شَمْسَنا قبل الفِراقِ هُنَيَّةً … فلسنا على علم بوقتِ رجوع
فقد وقفت شمسُ السَّماء ليوشع … وما ذاك من أفعالها بشنيع
فنحن ضيوف والقَراءُ ثلاثةٌ … وَجُودُك يا مولى الأنام شفيعي
فكان البيت الأخير هو الباعث له على عقد مجلس ثالث لهم، ولم يستطع مغادرة الإسكندرية إلا ليلا، لتعلُّق أهلها ووجدهم به ولا كوجد المجنون بليلى، على حدّ تعبيره (^٣).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٧٨).
(٢) تاريخ علماء بغداد (١٩٠ - ١٩١).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٧٨).
[ ١٩١ ]