- ١ -
عقب رجوعه من الحج راح سبط ابن الجوزي يأوي في أويقات فراغه إلى مسكنه في التُّرْبة البدرية، منكبا على مطالعاته وتآليفه (^١)، ومستقبلا زواره من العلماء والفقهاء والأمراء، وممن كان يزوره في تلك الأيام المحدث الفقيه تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن، المعروف بابن الصَّلاح (^٢)، صاحب كتاب «علوم الحديث»، الذي ذاع صيته في الآفاق، واقترن باسمه (^٣).
كان ابن الصَّلاح يدرِّس بالمدرسة الصلاحية ببيت المقدس، وقد غادره عند خراب سوره، وقدم دمشق مع القادمين إليها (^٤). ويبدو أنه انتظر أشهرًا، وهو يؤمل أن يوليه المعظم إحدى مدارسها، وكان المعظم يكرهه، فجاء إلى سبط ابن الجوزي يلتمس مساعدته، فاستجاب له. وما زال بالمعظم حتى استصلحه له، على حد تعبيره (^٥)، وولاه التدريس.
_________________
(١) المذيل على الروضتين (١/ ٣٠٧).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩٣).
(٣) وابن الصلاح من علماء ذلك العصر الكبار. ينظر: ما وصفه به الإمام الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٢٣/ ١٤٢ - ١٤٣)، وكتابي «أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين» (٣٥).
(٤) طبقات علماء الحديث (٤/ ٢١٥)، وينظر: (ص ١٠٥ - ١٠٦) من هذا الكتاب.
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩٣).
[ ١٠٩ ]
بالمدرسة الرواحية (^١).
وكما توسط سبط ابن الجوزي لابن الصلاح، حاول أن يستصلح المعظم لمحمد بن أبي الفضل بن زيد الدولعي الشافعي؛ خطيب جامع دمشق بعد عمه عبد الملك بن زيد. وكان المعظم قد منعه من الفتوى، فسأله السبط: لم مَنَعْتَه؟. فأجابه المعظم: ما منعته، وإنما منعه شيوخ مذهبه وأكابرهم، كتبوا إليَّ يقولون: هذا رجل جاهل، غليظ الطبع، وفتاويه كلها خطأ، ولا يحل لك أن تمكنه من الفتوى في الفروج والأموال (^٢).
ويبدو أن شفاعة سبط ابن الجوزي عند المعظم لم تكن تتعدى تلك الوَسَاطات للعلماء، أما ما يتعلق منها بالسياسة وشؤون الحكم فكان يتجنبها، فنراه لا يتدخل أبدًا حين عَزَلَ المعظم صديقه الأمير المبارز المعتمد إبراهيم بن موسى عن شحنة دمشق، لبغضه له، بعد أن تولاها نحو خمسين سنة، وأنزله من قلعة دمشق إلى داره، وحَجَرَ عليه، وبالغ في ذلك.
وكان للمبارز المعتمد منزلة كبرى عند سبط ابن الجوزي، ولم ينس أياديه عليه مُذْ تعرف إليه، ولطالما لَهِجَ لسانه بالثناء عليه، بقوله: «كان مُحسنًا إليَّ، ومتفضّلا علي، خدمني بنفسه وجاهه وماله، وجَمَعَ لي بين خيري الدنيا بتفضله وإفضاله». ولذلك واصل زيارته له في داره كل ليلة جُمُعة حتى وفاته، ولم ينقطع عنه أحيانًا إلا بسبب منع زيارته، وغَلق باب داره في بعض الأوقات (^٣).
* * *
وممن كان يزور سبط ابن الجوزي الأمير مبارز الدين سنقر الحلبي الصلاحي؛ وكان من كبار أمراء السُّلطان صلاح الدين بن أيوب، وله معه مواقف مشهورة (^٤).
_________________
(١) ينظر: «وفيات الأعيان» (٣/ ٢٤٤)، و«سير أعلام النبلاء» (٢٣/ ١٤١).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٢٦، ٣٥٠).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٦، ٢٨١ - ٢٨٢).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٦٥).
[ ١١٠ ]
كان مبارز الدين سُنْقُرُ يقيم في دار شبل الدولة الحُسَامي، القريب من التُّرْبة البدرية، وقد قَدِمَ من ماردين سنة ٦١٨ هـ/ ١٢٢١ م بعد أن وعده المعظم عيسى خديعةً له بتوليته نابلس (^١). وكان الأشرف موسى قد نقم عليه لميله للأفضل علي بن صلاح الدين (^٢).
ووصل مبارز الدين إلى دمشق، ومعه جُملة من المال والخيل المنسوبة العربية، والجمال والبغال، والسلاح والمماليك شيء كثير. وخرج المعظم للقائه، ونزل في دار شبل الدولة. ثم أعرض عنه المعظم، وراح يُماطله بما وَعَدَه به حتى تفرق عنه أصحابه، وتبدد ماله. فصار يقضي أيامه مغموما مهموما.
فكان الأمير في ساعات غمه يزور جاره سبط ابن الجوزي (^٣)، يبثه همه، ويحدثه أحيانا عن بعض أخبار السلطان صلاح الدين (^٤)، وأولاده (^٥). ويشكو له إعراض المعظم عنه، وكيف خدعه، وسبط ابن الجوزي يسليه ويهون عليه.
ودخل عليه مرة، وهو يقرأ في كتاب عن ملوك اليمن، فسأله المبارز: أيش تقرأ؟ فقال السبط: أخبار ملوك اليمن. فقال المبارز: اقرأ لي. فقرأ له: فلان الملك عاش ألف سنة، ومات بالغَمِّ، وفلان عاش مئة سنة ومات بالغم، فقال المبارز: وأنا أموتُ بالغم (^٦).
* * *
وكان المعظم في تلك الأيام مغمومًا كذلك، ولكن لاستيلاء الصليبيين على دمياط، ويخشى من استيلائهم بعدها على مصر كلها، ولذا كان يفكر في دخول طرابلس، ومهاجمتهم في عُقْر دارهم، لتشتيت جهودهم عنها.
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٦٤/ ٢٢).
(٢) مفرج الكروب (٤/ ٢٣).
(٣) مرآة الزمان (٢٦٤/ ٢٢).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢).
(٥) مرآة الزمان (٦٨/ ٢٢).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٦٤).
[ ١١١ ]
ولتنفيد خطته تلك ذهب إلى أخيه الأشرف موسى في حران، حائثًا له على توحيد جهودهما، وما زال به حتى استجاب له، واجتمعت العساكر في حران، فسار بهم المعظم، وقطع الفرات، ونزل على حمص. وسار الأشرف على إثره، ونزل في سَلَمْيَة.
ويخرج سبط ابن الجوزي من دمشق على نية الغزاة، ويجتمع بالمعظم على حمص في ربيع الآخر سنة ٦١٨ هـ/ حزيران ١٢٢١ م. ويبثه المعظم همومه، قائلا له: قد سحبت الأشرف إلى ها هنا بأسناني، وهو كاره، وأخاف من الفرنج أن يستولوا على مِصْر، وهو صديقك، فأشتهي تقوم تروح إليه، فقد سألني عنك مرارًا. ثم كتب المعظَّم إلى الأشرف كتابًا بخطه نحو ثمانين سطرًا. فأخذ سبط ابن الجوزي الكتاب، ومضى به إلى سَلَمْيَة.
ولندع سبط ابن الجوزي يصفُ لنا وقائع تلك السفارة، ولقاءه بالأشرف، وما كان منه، فيقول: وبلغ الأشرف وصولي، فخرج من الخيمة، والتقاني، وعاتبني على انقطاعي عنه، وجرى بيني وبينه فضول، وقلت له: المسلمون في ضائقة، وإذا أخذ الفرنج الديار المصرية ملكوا إلى حضرموت، وعفوا آثار مكة والمدينة والشام، وأنت تلعب! قُمِ السَّاعة وارحل. فقال: ارموا الخيام والدهليز. وسبقته إلى حمص، والمعظم عينه إلى الطريق، فلما قيل له: وصل فلان. ركب والتقاني، وقال: ما نمت البارحة، ولا أكلتُ اليوم شيئًا. فقلت: غدًا يصبح أخوك على حمص. فلما كان من الغد أقبلت الأطلاب (^١)، وجاء طُلَّب الأشرف، والله ما رأيتُ أجمل منه ولا أحسن رجالًا، ولا أكمل عُدَّة. وسُرَّ المعظم سرورًا عظيمًا، وجلسوا تلك الليلة يتشاورون، فاتفقوا على الدخول في السَّحَر إلى طرابلس يشوّشُون على الفرنج، وكانوا على حال، فأنطق الله الأشرف على غير قصد، وقال للمعظم: يا خوند عِوَض ما ندخل الساحل، ونُضعف خيلنا
_________________
(١) الأطلاب جمع، مفردها طلب: وهي من لغة الكرد، وتعني الكتيبة، قل عددها أو كثر، يقودها رئيس أعلى. ينظر: «تكملة المعاجم العربية» (٧/ ٦٣).
[ ١١٢ ]
وعساكرنا، ونضيع الزمان ما نروح إلى دمياط ونستريح؟ فقال له المعظم: قول رماة البندق؟ (^١) قال: نعم. فقبل المعظم قدمه، ونام الأشرف، فخرج المعظم من الخيمة كالأسد الضَّاري يصيح: الرَّحيل الرحيل إلى دمياط. وما كان يظن أن الأشرف يسمح بذلك. وساق المعظم إلى دمشق، وتبعته العساكر. ونام الأشرف في خيمته إلى قريب الظهر، وانتبه، فدخل الحمام، فلم ير حول خيمته أحدًا، فقال: وأين العساكر؟ فأخبروه الخبر، فسكت، وساق إلى دمشق، فنزل القصير يوم الثلاثاء ٤ جمادى الأولى/ ٢٦ حزيران، فأقام إلى سلخه، وعَرَضَ العساكر تحت قلعة دمشق، وكان هو وأخوه المعظم في الطَّيَّارة بالقلعة، وساروا إلى مِصْر غُرَّة جُمادى الآخرة/ ٢٣ تموز (^٢).
ويبدو أن سبط ابن الجوزي - وقد خرج من دمشق على نية الغزاة - لم يفسخ ما عزم عليه، وسافر معهما إلى مصر، وإن لم يصرح بذلك (^٣).
-٢ -
وكان الصليبيون قد حشدوا قواتهم لمهاجمة القاهرة، وتقدموا يوم السبت ٢٥ جمادى الأولى ٦١٨ هـ/ ١٧ تموز ١٢٢١ م، من دمياط جنوبًا، ووصلوا إلى فارسكور في اليوم التالي (^٤).
ونادى الكامل بالنفير العام، وألا يبقى أحد إلا خرج لقتال الفرنج (^٥). واتجه بقواته شمالًا، فعبر نحو بحر أشموم، وتقدم إلى شارمساح، غير أنه
_________________
(١) أي قول أهل الفتوة، وكانوا يرمون بالبندق. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (٢٢/ ١٩٤، ٢٠٢).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٣) ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢٩٢)، و«الحملة الصليبية الخامسة» (٤٠).
(٤) مفرج الكروب (٤/ ٩٤)، و«الحملة الصليبية الخامسة» (٣١٧).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٣٨).
[ ١١٣ ]
آثر الرجوع ثانية إلى معسكره الحصين في المنصورة. ومن ثم وجد الصليبيون الطريق أمامهم مفتوحًا، ولم يعترض مسيرهم سوى مناوشات يسيرة، فوصلوا إلى شارمساح، واستولوا عليها يوم السبت ٢ جمادى الآخرة/ ٢٤ تموز، وكانت خرابًا (^١).
ثم تابعوا مسيرهم، فخرجوا من شارمساح، ووصلوا في اليوم نفسه؛ أي: ٢ جمادى الآخرة/ ٢٤ تموز (^٢)، إلى طرف جزيرة دمياط (^٣)، فأقاموا معسكرهم هناك دون مقاومة تُذكر (^٤)، وأصبحوا بذلك في مواجهة القوات الإسلامية، لا يفصل بينهما إلا بحر أشموم (^٥)، وهم موقنون أشد اليقين أن مصر كلها قد غدت في قبضتهم (^٦).
وانشغل الصليبيون بتحصين معسكرهم الجديد كعادتهم، فأحاطوه بالخنادق والأسوار، وقبعوا فيه ما يقرب من شهر، كانوا خلاله يرمون العساكر الإسلامية بالمنجنيق والجُروخ معتقدين أنهم منتصرون لا محالة (^٧). ولغرورهم هذا لم يصحبوا معهم من المؤن إلا ما يكفيهم لأيام فحسب، لاعتقادهم أنهم لن يلاقوا مقاومة في طريقهم إلى القاهرة، وسيتزودون بالمؤن من القرى التي يسيطرون عليها في طريقهم (^٨).
في تلك الأثناء وصل الأشرف موسى إلى مصر في ٢٣ جمادى الآخرة ٦١٨ هـ/ ١٤ آب ١٢٢١ م (^٩).
وخف الكامل لاستقبال أخيه الأشرف، مستبشرًا به (^١٠)، واستقر الرأي
_________________
(١) الحملة الصليبية الخامسة (٣١٧).
(٢) الحملة الصليبية الخامسة (٣١٩).
(٣) مفرج الكروب (٤/ ٩٤).
(٤) الحملة الصليبية الخامسة (٣١٩).
(٥) مفرج الكروب (٤/ ٩٤)، وتاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٩٨)، والحملة الصليبية الخامسة (٣٢٢).
(٦) الكامل (١٢/ ٣٢٨).
(٧) الحملة الصليبية الخامسة (٣٢٥).
(٨) الكامل (١٢/ ٣٢٩).
(٩) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٣٩).
(١٠) مفرج الكروب (٤/ ٩٤)، والكامل (١٢/ ٣٢٨).
[ ١١٤ ]
بينهما على التقدم إلى خليج بحر المحلة (^١)، في البر الغربي (^٢)، لضرب مؤخرة السفن الصليبية، ولقطع خطوط المواصلات البحرية التي تعتمد عليها القوات الصليبية في دمياط (^٣). وهكذا سارت السفن الإسلامية، ومعها حراقة كبيرة عليها الأمير بدر الدين حسُّون إلى رأس بحر المحلة (^٤)، المواجه لشارمساح، وهناك اشتبكت مع السفن الصليبية، واستولت عليه (^٥). وفي الوقت نفسه تقدَّمت شواني المُسلمين في فرع دمياط، واشتبكت مع السفن الصليبية المتقدّمة الراسية بحذاء المعسكر الصليبي؛ شمالي المنصورة، وتمكنت من أسر ثلاث قطع من السفن الصليبية، بمن فيها من الرِّجال والمُؤَن والسّلاح والأموال (^٦)، ففرح المسلمون بذلك، واستبشروا، وقويت نفوسهم (^٧).
ثم وجه إليهم الكامل ضربته القاضية (^٨)، إذ أوعز إلى جماعة من عسكر المسلمين، فعبروا بحر المحلَّة إلى برّ دِمياط، حيثُ يُعسكر الصَّليبيون، وفتحوا بَثْقًا عظيمًا في النيل، الذي كان في فورة زيادته، فغمر الماء أكثر تلك الأرض، وصار حائلا بين الصليبيين وبين دمياط، ولم يتبق للصليبيين من طريق يسلكونها غير الشريط الضَّيِّق المحاذي للنيل، ويمتد من معسكرهم حتى دمياط، عندئذ أمر الكامل بنصب جسور عند أشموم طناح، فعبرت العساكر عليها، وملكوا هذا الشريط الضَّيِّق، قاطعين على الصليبيين طريق العودة إلى دمياط، وهكذا سُدَّت جميع الطرق في وجوه الصليبيين، وغدوا محصورين من الجهات كافة (^٩)، وبذلك سيطر المسلمون على أرض
_________________
(١) الكامل (١٢/ ٣٢٩).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٣).
(٣) الحملة الصليبية الخامسة (٣٢٦).
(٤) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٣٩).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٣)، والحملة الصليبية الخامسة (٣٢٦).
(٦) الحملة الصليبية الخامسة (٣٢٦).
(٧) مفرج الكروب (٤/ ٩٥)، والكامل (١٢/ ٣٢٩).
(٨) الحملة الصليبية الخامسة (٣٢٩).
(٩) مفرج الكروب (٤/ ٩٦)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٣).
[ ١١٥ ]
المعركة سيطرة تامة (^١).
وبينا الصليبيون على تلك الحال، وصل إليهم مركب عظيم يسمى مرمة، وحوله عدة حراقات يحمونه، وهي مشحونة بالميرة والسلاح، وما يحتاجون إليه، فوقعت عليه شواني المسلمين، وقاتلوا عليه قتالا شديدًا حتى ظفروا بالمركب وما معه من الحراقات، فاستولوا عليها، فلما رأى الصليبيون ذلك سقط في أيديهم (^٢). وأدركوا حينئذ مع صباح يوم ٢٧ جمادى الآخرة ٦١٨ هـ/ ١٨ آب ١٢٢١ م (^٣)، أن جيش المسلمين قد تفوق عليهم، واكتمل تطويقهم، ولم يعد لديهم ما يكفيهم من المؤن إلا لأيام، وأن طريق الرجوع إلى دمياط قد قطعت بعدما تمكنت البحرية الإسلامية من إغراق سفنهم التي حاولت العودة أو الاستيلاء عليها (^٤).
وتشاورت القيادة الصَّليبية فيما يجب عمله، وقد أحيط بهم (^٥)، فلم يكن أمامهم إلا طريقان لا ثالث لهما: إما الاستسلام للمسلمين، ووقوعهم أسرى في أيديهم. وإما القيام بمحاولة يائسة للتراجع برًا نحو دمياط، والتحصن بها (^٦). واستقر رأيهم على التراجع، وهو عندهم أهونُ الشَّرين (^٧).
ففي الصباح الباكر من يوم الخميس ٦ رجب ٦١٨ هـ/ ٢٦ آب ١٢٢١ م، بدأ جيش الصليبيين في التراجع (^٨)، ولم يكن انسحابه منظمًا، إذ رفض كثير من الجنود أن يُريقوا نبيذهم على الأرض، وآثروا أن يشربوه، فثَمِلُوا، وكانوا فاقدين لوعيهم حين صدرت إليهم الأوامر بالمسير. ثم إنَّ
_________________
(١) الحملة الصليبية الخامسة (٣٣٠).
(٢) مفرج الكروب (٤/ ٩٦)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٣).
(٣) الحملة الصليبية الخامسة (٣٢٨).
(٤) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٩٨)، والحملة الصليبية الخامسة (٣٢٨).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٤).
(٦) مفرج الكروب (٤/ ٩٧).
(٧) الحملة الصليبية الخامسة (٣٣٠).
(٨) الحملة الصليبية الخامسة (٣٣١).
[ ١١٦ ]
الفرسان التيوتون أشعلوا النيران، حماقةً منهم، بكل ما لم يستطيعوا حمله من خيام ومجانيق وأثقال بالمعسكر، فدلُّوا بذلك المسلمين على انسحابهم (^١). وكان النيل يزداد ارتفاعًا من الفيضان، فأصدر الكامل أوامره بفتح قناطر الشاطئ الشرقي للنّيل، فتدفقت المياه إلى الأراضي المنخفضة المتاخمة للنهر، فأوحلت، وصار الصَّليبيون يشقون طريقهم وسط البرك والخنادق المُوحِلَة، والفُرْسان المسلمون من خلفهم يطاردونهم (^٢)، فتعثروا في تراجعهم وتثاقلوا، فعندما حلَّ يوم الجمعة ٧ رجب/ ٢٧ آب لم يكونوا قد تراجعوا إلا مسافة قصيرة، والمياه محيطة بهم من كل جانب، والعساكر الإسلامية سدَّتْ عليهم طريقهم الوحيدة إلى دمياط (^٣).
ويبدو أن المعظم عيسى تصادف وصوله في هذا الوقت إلى مصر، وقد أخبر، وهو في الطريق، أن الصليبيين يتراجعون إلى دمياط، فاتجه على الفور نحوها، يسابقهم إليها (^٤).
وحاول الملك جان دي بريين إنقاذ القوات الصَّليبية مما حاق بها، فحثَّ جنوده على المقاومة والصمود، وجمع بعض الفرسان الرهبان لدَفْعِ المسلمين، فنَشِبَتْ معركة استمرت حتى فجر يوم السبت ٨ رجب/ ٢٨ آب، قتل فيها ألوف الصليبيين.
ومع شروق الشمس كانت سهام المسلمين ما تزال تنهال عليهم من كل صوب، وقد عَجَزَت خيولهم من الطمي والمياه الغامرة عن الحركة، فغدا الصليبيون كالضفادع في الماء، أو كالسمك في الشباك، على حد تعبير أحدهم، وقد هدهم الجوع والإرهاق، وحينئذ أدركوا ألا نجاة لهم مما هم فيه، فألقوا السلاح، ولم يعد يُسمع منهم غير البكاء والنحيب
_________________
(١) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩).
(٢) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٩٩).
(٣) الحملة الصليبية الخامسة (٣٣١ - ٣٣٢).
(٤) الكامل (١٢/ ٣٢٨).
[ ١١٧ ]
والأنين (^١). ورأوا أن لا حل إلا بعَرْض الانسحاب بأمان لقواتهم كلها لقاء تسليم دمياط للمسلمين (^٢). وبعد استطلاع آراء القادة العسكريين اتفقوا على إنفاذ رسول للكامل لعرض الأمر عليه (^٣).
وتشاور الكامل مع أهل بيته، فأشار عليه بعضُهم ألا يؤمنهم، بل يأخذهم أخذا باليد، وقد صاروا في قبضته، وبذلك يأخذ منهم دمياط، وجميع ما بقي لهم من البلاد الساحلية في الشام.
ولم ير الكامل هذا برأي، فقال: إنَّ هؤلاء ليسوا جميع الفرنج، وإذا أبدناهم لا نقدر على أخذ دمياط إلا بمطاولة وحروب كثيرة (^٤)، ولا سيما أنها ذات أسوار منيعة، والفرنج زادوا في تحصينها عندما استولوا عليها، ولا يُؤمن مع طول محاصرتها أن يَفِدَ ملوك الفرنج نجدة لمن فيها (^٥)، وحينئذ سيقدم إلينا منهم أضعاف هؤلاء، وتعود الحربُ جَذَعَة، والعساكر قد ضَجِرَتْ من الحرب وكلت (^٦).
فاتفقت الآراء على بذل الأمان لهم، وتسلم دمياط منهم (^٧). وبينما كانت المراسلات مترددة بين الطرفين قدم المعظم من جهة دمياط، فازداد موقف المسلمين قوة، وموقف الصَّليبيين خِذْلانًا وَوَهْنًا (^٨). ودامت المفاوضات بينهم حتى يوم الإثنين ١٠ رجب ٦١٨ هـ/ ٣٠ آب ١٢٢١ م (^٩) وتم الاتفاق على انسحاب قوات الصليبيين بأمان لقاء تسليم دمياط (^١٠)، وتبادل الأسرى، وعَقْد هُدنة مُدَّتُها ثماني سنين (^١١)، يكون خلالها لأي ملك
_________________
(١) الحملة الصليبية الخامسة (٣٣٢ - ٣٣٣).
(٢) مفرج الكروب (٤/ ٩٧).
(٣) الحملة الصليبية الخامسة (٣٣٣).
(٤) مفرج الكروب (٤/ ٩٧).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٤).
(٦) مفرج الكروب (٤/ ٩٧).
(٧) مفرج الكروب (٤/ ٩٨).
(٨) الكامل (١٢/ ٣٣٠).
(٩) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٠١).
(١٠) مفرج الكروب (٤/ ٩٧).
(١١) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٥)، وتنتهي سنة ٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م.
[ ١١٨ ]
أوروبيُّ الحقُّ في خَرْقِها (^١). على أن يأخذ الكامل رهائن من ملوكهم لا من أمرائهم إلى حين تسليم دمياط (^٢).
وفي يوم الأربعاء ١٢ رجب/ ١ أيلول، وهو اليوم الرابع لاستسلام الصليبيين، أمَرَ الكامل بإقامة السُّدود، فانحسرت مياه الفيضان عن معسكرهم، المحصور بين النيل وبحر أشموم، وبذلك تمكن الصليبيون من السير شمالًا حتى وصلوا إلى قرب العادلية، وهناك أقام لهم الكامل جسرًا ليعبروا إلى جيزة دمياط، متجنّبًا بذلك دخولهم إليها. وبعد تكامل خروجهم من معسكرهم الغارق بالأوحال سُلِّمت دمياط للمسلمين، بعد أذان العصر من يوم الأربعاء ١٩ رجب ٦١٨ هـ/ ٨ أيلول ١٢٢١ م (^٣). وعَهِدَ الكامل باستلامها إلى الأمير شجاع الدين جلدك المُظفري، وولاه إيَّاها (^٤).
وفي اليوم الذي سُلِّمت فيه دمياط جلس الكامل محمد بظاهر البرمون مجلسًا فخمًا، في خيمة كبيرة عالية، ومدَّ سِماطًا عظيمًا، وأحضر ملوك الصَّليبيين، ووقف المعظم عيسى والأشرف موسى والملوك في خدمته، فهال الصليبيين ما شاهدوه من عظمة وبهاء (^٥)، وقام الشاعر الحلي، فأنشد بين يديه:
هنيئًا فإِنَّ السَّعْدَ راحَ مُخَلَّدا … وقد أنجز الرحمنُ بالنَّصْرِ مَوْعدا
حبانا إلهُ الخَلْقِ فتحًا بدا لنا … مبينًا وإنعامًا وعزا مُؤَيَّدا
إلى أن يقول:
أعُبَّادَ عيسى إنَّ عيسى وحِزْبَه … وموسى جميعًا يخدمون محمدا (^٦)
_________________
(١) الحملة الصليبية الخامسة (٣٣٤).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٤).
(٣) الحملة الصليبية الخامسة (٣٤٣ - ٣٤٤)، والمذيل على الروضتين (٢/ ٤١)، ومفرج الكروب (٤/ ٩٩).
(٤) مفرج الكروب (٤/ ٩٩).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٥٨)، ومفرج الكروب (٤/ ٩٨ - ٩٩)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٥).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
[ ١١٩ ]
وأشار عند قوله عيسى إلى المعظم، وعند قوله موسى إلى الأشرف، وعند قوله محمدًا إلى الكامل، وهذا من أحسن شيء اتفق، على حد تعبير أبي شامة (^١).
وفي اليوم نفسه أطلقت الرهائن، وتم جلاء القوات الصليبية عن مصر، فرجع بعضُها إلى أوربة، وبعضها الآخر إلى عكا (^٢).
ودخل المسلمون دمياط، ورأوا تحصين الصليبيين لها تحصينا عظيمًا، فغدت لا تُرام، ولا يُوصل إليها (^٣). ثم دخلها من بعد الكامل بعساكره (^٤)، وفي خدمته إخوته وملوك بيته، وكان لدخوله مسرَّة عظيمة، وابتهاج زائد، ثم رجع الكامل إلى القاهرة، فدخلها في ١٢ رمضان ٦١٨ هـ/ ٣٠ تشرين الأول ١٢٢١ م (^٥).
ولم ينس الكامل وقوف أخيه المعظم إلى جانبه في هذه المحنة العظيمة، ولعله في هذا الموطن قال لسبط ابن الجوزي مادحا له: ومَنْ حَفِظَ علي البلاد وأحياني بعد الموت غيره! (^٦). وعمت البشائر برجوع دمياط إلى المسلمين (^٧).
_________________
(١) المذيل على الروضتين (١/ ٣٤٦).
(٢) الحملة الصليبية الخامسة (٣٤٤).
(٣) الكامل (١٢/ ٣٣١).
(٤) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٥).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٦).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٩٢).
(٧) مفرج الكروب (٤/ ١٠٥)، والكامل (١٢/ ٣٣١).
[ ١٢٠ ]