وهكذا عايش سبط ابن الجوزي بعض هذه الأحداث، وراقب بعضها الآخر عن كثب، وسجلها بقلمه في كتابه الماتع «مرآة الزمان» كما رآها وعايشها. منصفا في القول أحايين كثيرة، ومجانبا الصواب أحيانا. كاشفا بصدق عن مشاعره تجاه من صاحبهم من رجال عصره في حالتي المحبة والبغضاء. مظهرا الشماتة أحيانا فيمن ناله أذاهم حامدا الله أن أحياه حتى رأى فيهم ما يسره. فيوسف بن يعقوب، الذي وشى به إلى الوزير أمين الدولة السامري، فأخرجه من دمشق (^١)، حبسه من بعد الملك الناصر يوسف بن العزيز، وعاش شهورا ومات.
والوزير شنق، وعجل بروحه إلى عذاب السعير (^٢)، وآل إلى الدرك الأسفل من النار، فلا رحم الله تلك العظام (^٣).
ويحيى بن مطروح الذي أوقع بصديقه الأمير عز الدين أيبك المعظمي (^٤) رأى الذل والهوان، ولعب به القدر، ولم يمت حتى ذهب بصره (^٥).
والصالح أيوب بن الكامل الذي اعتقل صديقه حتى مات (^٦)، رأى في نفسه العبر، وما نفعه الاحتراز والحذر، وأذاقه الموت كؤوس حتوفه (^٧)،
_________________
(١) تنظر: (ص ١٨٥ - ١٨٦) من هذا الكتاب.
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٧٢).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٧).
(٤) تنظر: (ص ٢١٩) من هذا الكتاب.
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٢).
(٦) تنظر: (ص ٢١٩ - ٢٢٠) من هذا الكتاب.
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٧).
[ ٢٥٨ ]
فانتثر لحمه عن عظامه، وارتحل بآثامه (^١).
ويغلبه أحيانا الضيق من زمانه، فيبالغ في ذمّه، فمن رآه لترحم على ابن المَرْزُبان الذي فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، على حد تعبيره (^٢).
ويُمضي سبط ابن الجوزي ما بقي له من سني عمره في دمشق، في كَنَفِ صاحبها الجديد الناصر يوسف بن العزيز، مكبا على التصنيف، وإسماع مروياته عن شيوخه، ومما سمع منه في منزله بالتربة البدرية بسفح قاسيون مشيخة جدّه أبي الفرج ابن الجوزي، بقراءة أبي بكر بن يوسف بن أبي الفرج الحرَّاني، في مجالس آخرها في ١٢ رمضان سنة ٦٤٩ هـ/ ٢٩ تشرين الثاني ١٢٥١ م، وحضر مجالس السَّماع هذه ثلة من طلبة العلم (^٣).
وكان العُلماء يَسْعَوْن إلى زيارته، وممن زاره في بيته نجم الدين علي ابن المؤرخ الحسن بن محمد القيلويي البغدادي؛ الذي ذيل على تاريخ أبي القاسم السمناني. وكان يتجر بالكُتُب ونَسْخها، فحدثه عما نسخ أبوه منها (^٤). ولم يُخْفِ سبط ابن الجوزي إعجابه بكتاب القيلويي، فيعده أحسن التاريخين (^٥).
وكان يختلف إليه في تلك الأيام المحدّث الحافظ خالد بن يوسف
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٢).
(٢) مرآة الزمان (٢٠/ ١٣٠). وكتاب ابن المرزبان: «تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب»، مشهور متداول، وطبع غير ما طبعة.
(٣) مشيخة ابن الجوزي (٣٨ - ٣٩، ٤٩).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٣٧)، وتاريخ الإسلام (١٤/ ١٠٣ - ١٠٤). وتاريخ أبي القاسم علي بن محمد السمناني هو «الاستظهار في معرفة الدول والأخبار»، فذيل عليه الحسن بن محمد القيلويي تاريخا كبيرًا، ورتبه على الشهور، ونقل عنه أبو شامة في كتاب الروضتين (٤/ ٤٨٢)، وينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ٣٦)، وكلا التاريخين لما يصلا إلينا.
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٣٧).
[ ٢٥٩ ]
النَّابُلُسي الدمشقي، فأحضر إليه ذات يوم جُزْءًا بخط جده أبي الفرج في «فضائل عاشوراء» (^١)، يتحفه فيه. وكان خالد على إلمامه بالحديث واللغة قد حصل أصولا نفيسة (^٢).
وسُئل سبط ابن الجوزي مرة يوم عاشوراء أن يذكر للناس شيئًا في مقتل الحسين ﵁، فصعد المنبر، وجلس طويلا لا يتكلم، ثم وضع المنديل على وجهه، وبكى بكاء شديدًا، ثم أنشأ يقول متمثلا وهو يبكي:
ويل لمن شُفَعاؤُه خُصَماؤُه … والصور في نَشْرِ الخلائق يُنفخُ
لا بُدَّ أن تَرِدَ القيامة فاطم … وقميصها بدمِ الحسينِ مُلَطَّخُ
ثم نزل عن المنبر وهو يبكي، وصعد إلى الصالحية ودموعه تتحدر على خَدَّيْه (^٣).
وكان ينعى في قتله على أهل العراق، قائلا: «لا ذنب لأهل الشام في قصة الحسين ﵇، فإنَّه ما شهد قتله منهم أحد، وإنَّما قتله أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق» (^٤).
وترك لنا معاصره أبو شامة وصفًا لحاله في تلك السنوات، فيقول: «وكان مسكنه يومئذ بالتُّرْبة البدرية، ولزم في آخر عمره سنين كثيرة ركوب الحمار، طالعًا عليه إلى منزله بالجبل، ونازلًا عليه إلى مدرسته العزية بالشرف الشَّمالي (^٥)، وإلى غير ذلك. مقتصدًا في لباسه، مواظبا على
_________________
(١) مرآة الزمان (٦/ ٤٨٥).
(٢) طبقات علماء الحديث (٤/ ٢٣٤)، وينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥)
(٣) البداية والنهاية (١٥/ ٣٠٣)، وعقد الجمان (١٣٤ - ١٣٥)، وينظر: «تذكرة الخواص» (٢٧٤).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٠٧)، وينظر: تذكرة الخواص (٢٨٣)، و(ص ١٨٩) من هذا الكتاب.
(٥) وهي المدرسة العزية البرانية، تنظر: الحاشية رقم ٩ (ص ٢١٨) من هذا الكتاب.
[ ٢٦٠ ]
المطالعة والاشتغال، والجمع والتصنيف، مُنْصفًا لأهل العلم والفضل، مباينا لأولي الجبرية والجهل. وتأتي الملوك وأرباب الدول إليه زائرين وقاصدين» (^١)، «مقتصرًا في مجالس وعظه في جامع دمشق على الأشهر الثلاثة: رجب وشعبان ورمضان كل سبت» (^٢).
ويبدو أنه في آخر سنة من عمره انقطع بمنزله بالتربة البدرية، فلم يبارحه (^٣)، لتشويش مزاج عَرَضَ له، على حدّ تعبيره (^٤). حتى إن الناصر يوسف حين حضر في أوائل سنة ٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م مع الأمراء والقضاة والفقهاء لافتتاح المدرسة الناصرية الكبرى؛ التي أنشأها بباب الفراديس (^٥)، لم يتخلف عن الحضور أحدٌ غيره، فبعث إليه الناصر يسأله الحضور، فاعتذر بسبب ذلك (^٦).
ويبدو أن تشويش المزاج هذا كان بداية مرض استبد به، فظل يغالبه حتى جمادى الآخرة من تلك السنة، حين خط بقلمه في ذلك الشهر آخر خبر في تاريخه «مرآة الزمان» (^٧)، ليتوقف بعده عن الكتابة حتى وفاته ليلة الثلاثاء ٢١ ذي الحجة سنة ٦٥٤ هـ/ ٩ كانون الثاني ١٢٥٧ م (^٨)، في مسكنه بالتربة البدرية (^٩)، عن نحو ثلاث وسبعين سنة (^١٠).
_________________
(١) المذيل على الروضتين (٢/ ١١٧).
(٢) المذيل على الروضتين (١/ ١٦١).
(٣) المذيل على الروضتين (١/ ١٦١)، وينظر: «البداية والنهاية» (١٥/ ٣٠٢).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٢٧).
(٥) درست آثارها، ولم يبق منها إلا جدارها الشمالي، وكانت تقع داخل باب العمارة الجوانية. ينظر: «منادمة الأطلال» (١٤٩).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٢٧).
(٧) المصدر السالف.
(٨) المذيل على الروضتين (٢/ ١١٧)، وذكر ابن واصل وأبو الفداء وفاته سنة ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م، ووهما في ذلك، واستراح إلى وهمهما محقق «مفرج الكروب»، فتابعهما عليه. ينظر: «مفرج الكروب» (٦/ ٢٥٠، ٢٥١)، و«المختصر في أخبار البشر» (٣/ ١٩٧)
(٩) البداية والنهاية (١٥/ ٣٠٢).
(١٠) المذيل على الروضتين (٢/ ١١٧).
[ ٢٦١ ]
وفي غد ذلك اليوم (^١) تخرج دمشق لتشييعه، محمولًا على الأصابع (^٢)، مع سُلطانها الناصر يوسف وأعيانها وأمرائها وفقهائها (^٣)، فيُصلَّى عليه في جامع الحنابلة (^٤)، ويُدفن بتربته بجبل قاسيون (^٥).
ويرثيه شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، الخزرجي الدمشقي (^٦) بأبيات ارتجلها:
ذَهَبَ المؤرّخ وانقضتْ أَيَّامُهُ … فتكدَّرَتْ من بعده الأَيَّامُ
قد كان شمس الدين نورًا هاديًا … فقضى فعم الكائنات ظلامُ
كم قد أتى في وعظه بفضائل … في حُسنها تتحيّر الأفهام
حَزِنَ العراق لفقده وتأسفتْ … مِصْرُ وناح أسى عليه الشَّامُ
فَسَقَى ثرى واراه صوبُ غَمامةٍ … وتعاهدته تحية وسلامُ (^٧)
وكان معاصره المؤرخ أبو شامة من قلة قليلة تخلفت عن حضور جنازته، لمرض اعتراه (^٨). ولم يكن على صلة به، على ما يجمع بينهما من
_________________
(١) صلة التكملة (١/ ٣٤١).
(٢) المختار من تاريخ ابن الجزري (٢٤٠).
(٣) المذيل على الروضتين (٢/ ١١٧).
(٤) الجواهر المضية (٣/ ٦٣٤).
(٥) المذيل على الروضتين (٢/ ١١٧). ولا نعلم من أولاد سبط ابن الجوزي بعد وفاته سوى ابنه عز الدين عبد العزيز، وكان قد درس مكان أبيه بالمدرسة العزية البرانية، وتوفي سنة ٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م، ودفن في مقبرة أبويه بجبل قاسيون. ينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ١٧٧)، وفيه تتمة مصادر ترجمته. وخلف عز الدين ولدًا صغيرًا، فلم يكن له من يربيه، ويقوم بأمره، فنشأ على غير طريقة سلفه. ينظر: «ذيل مرآة الزمان» (١/ ٤٣).
(٦) الوافي بالوفيات (٦/ ١٣٩ - ١٤٠).
(٧) تاريخ علماء بغداد (١٩١ - ١٩٢)، وعقد الجمان (١٣٥).
(٨) المذيل على الروضتين (٢/ ١١٧).
[ ٢٦٢ ]
حبُّ التاريخ وتدوينه، لتباين مشربيهما في الحياة، بين القُرْب من السُّلطان والنأي عنه (^١). ولم يُجمجم أبو شامة رأيه فيه، فقص علينا حُلُما رآه ليلة وفاته، يعبّر به عما في نفسه، فقال: «ورأيت موته مناما تلك الليلة قبل أن أسمع به يقظة إلا أني رأيته في حالة مُنْكرة، ورآه غيري أيضًا كذلك، نسأل الله العافية» (^٢).
ولئن أنكر بعض من عاصره شيئًا من أفعاله في حياته، إنَّ الموت كان به رحيمًا، فقد جنبه رؤية مدينته بغداد بعد نحو سنة من وفاته (^٣) وقد استباحها التاتار، وأَفْنَوْا أهلها بين قتيل وأسير (^٤)، وكان من قتلاهم صديق عمره خاله محيي الدين يوسف؛ أستاذ الدار، والخليفة المستعصم بالله (^٥).
فأغفى إغفاءته الأخيرة وهو يعتقد، كسائر معاصريه، أن الخلافة في بني العباس باقيةٌ إلى يوم القيامة (^٦).
_________________
(١) ينظر كتابي «أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين» (٣٨).
(٢) المذيل على الروضتين (٢/ ١١٧).
(٣) استولى التاتار على بغداد في المحرم سنة ٦٥٦ هـ/ كانون الثاني ١٢٥٨ م. ينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ١٢٤).
(٤) ينظر: «الحوادث الجامعة» (١٥٦ - ١٥٩).
(٥) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٨١، ٣٧٤).
(٦) مرآة الزمان (١٠/ ٤٤٣)، وينظر: «تاريخ مختصر الدول» (٢٧٠).
[ ٢٦٣ ]