-١ -
ويشرع المُعَظَّم عيسى بنُ العادل في تنفيذ ما عزم عليه من بناء قلعة الطُّور، في العُشْر الأوسط من ذي الحجة سنة ٦٠٧ هـ/ أيار ١٢١١ م (^١). وأقام العمل فيها حتى أشرف على إكمال سُورها في أواخر سنة ٦٠٨ هـ/ أيار ١٢١٢ م، والرُّسُل في أثناء ذلك تتردَّد بين العادل وبين جان دي بريين من أجل عقد هدنة جديدة. ويرى الصُّليبيون أنهم لا يقوون الآن على مجابهة المسلمين، والقلعة آخذة بالتمام، فيؤثرون عقد هدنة (^٢)، مُدَّتها خمس سنين على أن تبدأ من المحرّم سنة ٦٠٩ هـ/ تموز ١٢١٢ م. وقبل أن يجف حِبرها يرسل جان دي بريين الرّسائل إلى روما طالبًا فيها من البابا أن يُعدّ حملة صليبية جديدة، تكون متأهبة للقدوم إلى فلسطين عند انقضاء أجلها سنة ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م (^٣).
أما العادل، ففور انتهائه من أمر الهدنة، فرَّق عساكره (^٤)، وسار نحو الكرك، فأقام بها أيامًا، ثم تابع طريقه مطمئنَّ البال نحو القاهرة (^٥).
_________________
(١) المذيل على الروضتين (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٣)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢١٠).
(٣) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٢٤٠).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧٣).
(٥) مفرج الكروب (٣/ ٢٠٧).
[ ٦٦ ]
ولا ريب أن سبط ابن الجوزي في تلك الأيام لم ينقطع عن المعظم عيسى، فكان يزوره في نابلس، أو يلتقيه في دمشق حين يأتي لتفقد شؤونها، مخالفًا بذلك سيرة مشايخه المقادسة من آل قدامة والعلماء ممن يرى النَّأي بنفسه عن السُّلطان، مسوّعًا صنيعه هذا بقوله: «رأيتُ قِوام الخلق كلهم بعلمائهم وأمرائهم، ورأيتُ العلماء بالغالب منقسمين إلى خير يخافُ على دينه، فيبعد عن الأمير، ومنافق يخالط السُّلطان مخالطة الشّرير، مراده استلاب دنياه، فلا يأمره ولا ينهاه .. فإذا كان هذا يؤذي السلطان بالقُرْب منه، والعالم الخير ينأى عنه، فمن الذي ينبهه على الصواب، ويُفقهه بآداب السُّنَّة والكتاب؟» (^١).
واطمأن المعظم لصفاء صداقته، فصار يبوح له في تلك اللقاءات ببعض ما جرى له في حياته (^٢)، وبلغ من قوة تلك الصداقة مع الأيام أن المعظم عيسى لم يَعُدْ يصبر على فراقه، فاصطحبه معه حين عزم على السفر إلى مصر سنة ٦٠٩ هـ/ ١٢١٢ م (^٣) للقاء والده العادل (^٤). ويصلا إلى مصر في جمادى الأولى (^٥)، ويستقبل سبط ابن الجوزي في القاهرة الملك الكامل محمد بن العادل، النائب عن أبيه في مصر، وينزله تكريمًا له في دار الوزارة (^٦). ولعل سبط ابن الجوزي في هذه الزيارة قابل الملك العادل، وسأله عن مولده، فقال: فتوح الرُّها؛ يعني: سنة ٥٣٩ هـ/ ١١٤٤ م. ويُعجب بصحبة العادل، فقد رآه خليقا بالملك، حَسَنَ التدبير، حليمًا صفوحًا (^٧).
_________________
(١) الجليس الصالح (١٩٦).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٧٠).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ١٩١، ٣٤٧).
(٤) مفرج الكروب (٣/ ٢٠٩)، وذكر أن ذلك كان سنة ٦٠٨ هـ/ ١٢١٢ م، وإخاله وهما لا يتفق وسياق الأحداث.
(٥) تذكرة الخواص (٢٦٣).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٤٧).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٣٠)، وينظر عن فتح عماد الدين زنكي للرُّها: «مرآة الزمان» (٢٠/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، و«كتاب الروضتين» (١/ ١٣٨ - ١٤٩).
[ ٦٧ ]
وفي القاهرة يجلس سبط ابن الجوزي في حلقة القاضي الأسعد أبي البركات عبد القوي بن أبي المعالي عبد العزيز ابن الجباب السعدي، يسمع منه (^١).
ويعقد فيها مجالس للوعظ، ويحضرها أعيانها، ومنهم الأمير الشاعر مُرْهَف بن الأمير أسامة ابن منقذ. ويأنس به الأمير، فيزوره، وينشده مقطعات من شعره، منها:
وما زالت الأيام تُوعِدُني المُنى … بلقياك حتى برَّحَتْ بي وعودها
فلما تلاقينا افترقنا فليتنا … بقينا على الحال التي لا نريدها (^٢)
ويقتني سبط ابن الجوزي ديوان الواعظ المِصْري محمد بن إبراهيم بن الكيزاني، المتوفى نحو سنة ٥٦٠ هـ/ ١١٦٥ م (^٣)، فيراه حَسَنَ العبارة، صحيح الإشارة، وفيه رِقّة وحلاوة، وعليه طلاوة. وينشده الأميرُ مُرْهَف أبياتًا مما يحفظ من شعره (^٤).
* * *
وكان في القاهرة الأمير سامة الجيلي (^٥)، وهو آخر من بقي من الصَّلاحية الذين مهدوا المُلْك للعادل، ومن أشدّهم إخلاصا له في حروبه مع أولاد أخيه: الأفضل والظاهر (^٦)، وكانت له قلعتا كوكب وعجلون، وكشأن كلِّ مَنْ يكره مَنْ له منة عليه، قرَّر العادل أن الوقت قد حان للتخلص منه. وكان المعظم عيسى يطمع بامتلاك قلعتيه، وهما القلعتان
_________________
(١) تذكرة الخواص (٢٦٣)، وتنظر ترجمته في: «الوافي بالوفيات» (١٩/ ٤٢)، وترجمة والده أبي المعالي في «كتاب الروضتين» (١٠ - ٦/ ٢)، و«الوافي بالوفيات» (٢٨٧ - ٢٨٩/ ١٨).
(٢) مرآة الزمان (٢١/ ٣٦٣).
(٣) ذكر سبط ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، وعند ابن خلكان في «وفيات الأعيان» (٤/ ٤٦٢)، أنه توفي سنة ٥٦٢ هـ/ ١١٦٦ م.
(٤) مرآة الزمان (٥٥ - ٥٦/ ٢١).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ١٩١).
(٦) كتاب الروضتين (٤/ ٤٢٨)، ومفرج الكروب (٣/ ٢٠٩).
[ ٦٨ ]
اللتان لا تخضعان له مباشرة في بلاده، فطلب منه تسليمهما إليه، فأبى سامة ذلك أشد الإباء (^١).
وخرج المعظم مع أبيه وأخَوَيْه الكامل والفائز إلى دمياط لتفقدها، وفي صحبتهم سبط ابن الجوزي. وكان سامة قد استشعر تغير العادل عليه، فاستوحش منه، ولا سيما أن العادل اتهمه بمكاتبة الظاهر غازي؛ صاحب حلب، وبينهما من العداوة المعلنة والخفية ما بينهما، فاغتنم سامة خروج العادل إلى دمياط، وقرّر الهرب من القاهرة، فخرج منها كأنه خارج للصيد، وأسرع في مماليكه نحو قلعتيه كوكب وعجلون، وكان ذلك يوم الإثنين ٢٩ جمادى الآخرة سنة ٦٠٩ هـ/ ٢٦ تشرين الثاني ١٢١٢ م.
وعَلِمَ والي بلبيس بالأمر، فأرسل حَمَامَ الزاجل إلى العادل يخبره بذلك، فقال العادل لأولاده، وقد خاف أن يُفلت منه: من ساق خلفه فله أمواله وقلاعه. فقال المعظم على الفور: أنا. ثم التفت إلى سبط ابن الجوزي قائلا له: أنا أريد أن أسوق، فسق أنت مع قماشي. ودَفَع إليه بغلة. وركب المعظم من دمياط يوم الثلاثاء غُرَّة رجب/ ٢٧ تشرين الثاني، وساق بنفر يسير خلف الأمير سامة بسرعة فائقة حتى سبقه إلى القدس، وقبض عليه (^٢)، ثم اعتقله بالكَرَك إلى أن مات (^٣)، واستولى على قلاعه وذخائره وخيله (^٤)، ومما استولى عليه كذلك داره في دمشق (^٥).
ولا يسوء سبط ابن الجوزي ما فعله المعظم بالأمير سامة، بل يسوغ
_________________
(١) مفرج الكروب (٣/ ٢١٠).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٩١).
(٣) مرآة الزمان (٢٠/ ٧، ٢٢/ ١٩٢)، ومفرج الكروب (٣/ ٢١٠).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١٩٢).
(٥) مرآة الزمان (٦/ ٢٠). وهذه الدار أخربها الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل سنة ٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م، ثم بني على أنقاضها فيما بعد المدرسة البادرائية. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٠/ ٦، ٢٢/ ٤٠٧)، و«المذيل على الروضتين» (١٢٢ - ١٢٣/ ٢)، ومقالتي عنها في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق: (مج ٨٨/ ٥٠٧ - ٥١٦).
[ ٦٩ ]
له ذلك بأنَّ ما جرى له كان جزاءً وفاقًا لأفعاله الشَّنيعة؛ فقد جاوز هذا الأمير حده في بناء هذه الدار، ومد يده إلى أموال النَّاس وأراضيهم يغتصبها، حتى صح فيه قول القائل: الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب. فكانت هذه الدَّار سبب هلاكه (^١)!
ولم يكتف بهذا، بل إنَّ هذا الأمير واغل في خيانته، فهي تعود إلى أيام ولايته لبيروت زمن السُّلطان صلاح الدين، فقد كان يأخذ مراكب الصَّليبيين، وفيها أموال عظيمة، ولا يُطلع السُّلطان على شيء منها، ثم إنَّه سلَّم بيروت للصَّليبيين سنة ٥٩٣ هـ/ ١١٩٧ م، ومن ثم تمزَّقت أمواله، وتغيَّرت أحواله، وخَرِبَتْ دياره، ودَرَسَتْ آثاره (^٢).
-٢ -
صلته القوية هذه مع الملك المعظم عيسى كانت وراء تحوُّله من المذهب الحنبلي إلى المذهب الحنفي في الفِقْه، مجاراة لهذا الصديق المولع بفقه ذلك المذهب (^٣)، بل المتعصب له (^٤).
فالمعظم عيسى انفرد من بين سائر ملوك بني أيوب، وكلُّهم شافعية، بالانتماء إلى مذهب أبي حنيفة (^٥)، وشيخه فيه شيخ الحنفية في الشَّام الإمام جمال الدين محمود بن أحمد الحصِيري، وكان يحترمه ويُكرمه، ومما قرأ عليه كتاب «الجامع الكبير» للإمام محمد بن الحسن الشَّيباني (^٦). ويقال: إِنَّ أباه العادل لامه في ذلك، فأجاب أباه على سبيل المداعبة: «أما تَرْضَوْنَ أن
_________________
(١) مرآة الزَّمان (٦/ ٢٠ - ٧).
(٢) مرآة الزَّمان (٢١/ ٣٨٥، ٥٢/ ٢٢).
(٣) ذيل مرآة الزَّمان (١/ ٤١).
(٤) ينظر صور من تعصبه في: «مفرج الكروب» (٤/ ٢١١).
(٥) مفرج الكروب (٤/ ٢١١).
(٦) مرآة الزَّمان (٢٢/ ٣٥٩). ثم ولاه تدريس المدرسة النورية سنة ٦١١ هـ/ ١٢١٤ م. ينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ٤٦)، و«سير أعلام النبلاء» (٢٣/ ٥٤).
[ ٧٠ ]
يكون فيكم رجل واحد مُسلم!» (^١).
ولحبه لأبي حنيفة أمَرَ الفقهاء أن يجردوا له مذهبه دون صاحِبيه، فجردوا له المذهب في عشر مجلدات، وسماه «التذكرة»، فكان لا يفارقه سفرًا ولا حضرًا، يطالعه دائمًا، وعلى ظهر كل مجلدة منه كتب بخطه: «أنهاه حِفْظًا عيسى بن أبي بكر بن أيوب». فقال له سبط ابن الجوزي يوما: «ربما يُؤخذ هذا عليك؛ لأنَّ أكبر مدرّس في الشام يحفظ القدوري مع تفرغه، وأنت مشغول بتدبير الممالك تكتب خطك على عشر مجلدات أن قد حفظتها! فأجابه المعظم: ليس الاعتبار بالألفاظ، وإنما الاعتبار بالمعاني، سَلُوني عن جميع مسائلها، فإن قصَّرتُ كان الصحيح معكم، وإلا فسلِّمُوا لي ما قلت» (^٢).
ومن تأليف المعظَّم كتابُ «السَّهْم المُصيب في الرد على الخطيب»، رَدَّ فيه على ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن جماعة من المحدثين من مطاعن على أبي حنيفة (^٣). وشَرَحَ «الجامع الكبير» في عِدَّة مجلدات بإعانة غيره (^٤). وكان يُعطي لمن يحفظ نص «الجامع الكبير» مئة دينار (^٥).
وعلى الشيخ جمال الدين الحَصِيري؛ شيخ المعظم، قرأ سبط ابن الجوزي «الجامع الصغير» للإمام محمد بن الحسن الشيباني، و«مختصر القُدُوري»، وتنويها بمنزلته كتب له الحَصِيري خطّه عليهما بالاعتراف له بفنون العلوم ومعرفة الأحاديث والمذاهب (^٦).
_________________
(١) مفرج الكروب (٤/ ٢١١).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
(٣) مفرج الكروب (٤/ ٢١٢).
(٤) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٥٩)، وتاج التراجم (١٧٢).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٩)، وفيه: «الجامع الكبير» للكرماني، وهو وهم فاتني التنبيه عليه، فالجامع الكبير هو للإمام محمد بن الحسن الشيباني، كما هو معروف. وأما أبو الفضل عبد الرحمن بن محمد الكرماني، فله شرح عليه. ينظر: «تاج التراجم» (١٢٢، ١٨٩).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٩).
[ ٧١ ]
وقرأ على الفقيه الحنفي الورع الزاهد شرف الدين إسماعيل بن إبراهيم مصنفه «مقدمة في الفرائض»، و«الجامع الصغير» (^١).
ولم يرق لأصحابه المقادسة انتقاله لمذهب أبي حنيفة، كما لم يرق لهم من قبل انتقال شيخه أبي اليُمْن الكندي (^٢)، فانتقده بعض الحنابلة بحدة على تحوله هذا، وجَبهه أحدهم ذات يوم، وهو على منبر وعظه بقوله: إذا كان الرجل كبيرًا ما يُرجع عنه إلا لعيب ظهر له فيه، وأي شيء ظهر لك في الإمام أحمد حتى رجعت عنه؟ فغضب سبط ابن الجوزي، وقال له: اسكت. فأجابه الرجل بهدوء: أما أنا فقد سكت، وأما أنت فتكلّم. فرام سبط ابن الجوزي الكلام، فأرتج عليه، ونزل عن المنبر (^٣).
ولم يخف الذهبي - وميله للحنابلة معروف (^٤) انزعاجه من هذا الانتقال، فاغتمزه بأنه كان لأجل الدُّنيا (^٥). وكأنَّ الدُّنيا لم تكن مقبلة عليه قبل ذلك!
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣١٦).
(٢) لم يكن سبط ابن الجوزي بدعًا في الانتقال عن مذهبه، فكذلك كان شيخه أبو اليمن الكندي حنبليًا من قبل، فانتقل حنفيا، ولم تشفع له منزلته عند المقادسة، فغمزه الموفق عبد الله ابن قدامة بذلك، وقال: «انتقل إلى مذهبه لأجل الدنيا». ينظر: «سير أعلام النبلاء» (٣٥، ٣٨/ ٢٢). ومن قبله كان جده أبو الفرج، لحسد الحنابلة له، يفكر بالانتقال عن مذهبه، ويقول: «والله لولا أحمد والوزير ابن هبيرة لانتقلت عن المذهب، فإني لو كنت حنفيا أو شافعيًا لحملني القوم على رؤوسهم». ينظر: «مرآة الزمان» (٢١/ ٢٢٥).
(٣) ذيل مرآة الزمان (١/ ٤١).
(٤) المنهل الصافي (١٢/ ٢٣٣).
(٥) تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦٨). ودافع ابن تغري بردي عن انتقاله لمذهب أبي حنيفة، ردًّا على الذهبي، مجردًا له من أسبابه، وأهمها صلته بالملك المعظم عيسى بقوله: «أما قوله: انتقل حنفيا للدنيا، ليس بالقوي، فإن والده كان حنفيا، ونشأ هو ببغداد، فعلمه مؤدبه على مذهب جده أبي الفرج ابن الجوزي، فلما ترعرع وكبر وتفقه تبع الأصل، واستمر على مذهب والده قبل أن يلي الوظائف بسنين، وميل الحافظ الذهبي إلى سادة الحنابلة معروف». ينظر: «المنهل الصافي» (١٢/ ٢٣٣).
[ ٧٢ ]
وحاول قطب الدين اليونيني، وهو الحنبلي، أن يخفف من وقع هذا الانتقال على الحنابلة، فقال: «وعندي أنه لم ينتقل عن مذهبه إلا في الصورة الظاهرة، والله أعلم» (^١).
وقوله هذا لا يُسعده دليل، ولا تؤيده الوقائع؛ فإنَّ سبط ابن الجوزي لتأكيد انتقاله إلى مذهب أبي حنيفة انتقالًا لا رُجْعى عنه، شرع في تأليف كتاب مختصر للانتصار له، سماه «الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح» (^٢)، وقدَّمه للمعظم عيسى (^٣)، ثم توالت من بعد تأليفه في بسط أدلته وشرح مذهبه (^٤)، ومنها كتاب أفرده في «مناقب أبي حنيفة» (^٥).
* * *
وعلت منزلة سبط ابن الجوزي في الوعظ، وانتهت إليه رياسته (^٦)، وصار أوحد زمانه فيه، فما إن يجلس على منبره حتى تتعلق به الأبصار (^٧)، وترق لرؤيته القلوب، وتذرف لسماع كلامه العُيون، حتى إنه كان أحيانًا يتكلم في مجلس وعظه بكلمات يسيرة أو يُنشد البيت الواحد من الشّعر، فيحصل لأهل المجلس من الخشوع والاضطراب والبكاء ما لا مزيد عليه.
وغدت مجالسه نزهة القلوب والأبصار يحضرها الصلحاء والعلماء والملوك والأمراء والوزراء وغيرهم (^٨)، وفي مقدمتهم الملك المعظم عيسى (^٩)، وكان يُبكر في حضورها، ويقعد عند المنبر قرب باب المشهد بين
_________________
(١) ذيل مرآة الزمان (١/ ٤١).
(٢) ينظر تفصيل أبوابه (ص ٢٨١) من هذا الكتاب.
(٣) الانتصار والترجيح (٥).
(٤) ينظر على سبيل المثال «مرآة الزمان» (١٦/ ٢٨٢، ١٩/ ١٩٥، ٢٠/ ٢٠، ٢١/ ٢٧٨)، ومؤلفات سبط ابن الجوزي (ص ٢٨١، ٢٨٤، ٢٨٦) من هذا الكتاب.
(٥) تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦٨).
(٦) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٢٩٧).
(٧) طبقات الشافعية للسبكي (٨/ ٢٣٩).
(٨) ذيل مرآة الزمان (١/ ٤٠).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ١٠١).
[ ٧٣ ]
العامة (^١). ويحضرها كذلك: شيخه جمال الدين الحصيّري (^٢)، والقاضي شمس الدين يحيى بن هبة الله ابن سني الدولة، وقد غدا من أصدقائه (^٣). والشيخ الزاهد العابد طيّ المصْري، وكان سبط ابن الجوزي يطرب له، ويقول: «كانت مجالسي تطيب بحضوره، وكانت عنده أيام سروره» (^٤). وأمير الحاج علي ابن السلار، وكان غزير الدمعة، لا ينقطع عن البكاء طوال المجلس (^٥)، وصديقه تاج الدين عبد الله بن شيخ الشيوخ (^٦).
ويحدثنا سبط ابن الجوزي عن مجلس من تلك المجالس التي عقدها سنة ٦١٠ هـ/ ١٢١٣ م في جامع دمشق، وهو في نحو التاسعة والعشرين من عمره، بشيء من الزهو، فيقول: «حَضَرَ مجلسي القضاة والأشراف والأعيان، والملك المعظم عيسى، وشيوخنا جمال الدين الحصيّري، وتاج الدين الكندي، والقاضي شمس الدين بن سني الدولة. وكان مجلسًا عظيمًا، احتوى على عشرة آلاف وزيادة على باب مشهد عليّ ﵇. وكان بمجلسي، قارئان، أحدهما يُقال له النجيب البغدادي، إذا قرأ طربنا، والآخر يقال له الشرف ابن ميّ، إذا قرأ أزعجنا. فحكيت للجماعة حكاية الجاريتين المغنيتين - وكان سمعها من جده أبي الفرج ابن الجوزي، وهي أنه كان لبعضهم جاريتان مغنيتان، إحداهما تغني طيبًا، والأخرى مُزْعجًا، فكان إذا غنت الطيبة الصوت يمزّق ثيابه، وإذا غنت القبيحة الصوت يقعد يخيط ما مزق - وكان تاج الدين الكندي قاعدًا في القُبَّة التي في وسط المجلس، فصاح: يا بنيَّ، كلنا اليوم نَخِيط» (^٧).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٩٠/ ٢٢).
(٢) مرآة الزمان (١٠١/ ٢٢).
(٣) مرآة الزمان (٣٥٧/ ٢٢).
(٤) مرآة الزمان (٣٢٨/ ٢٢).
(٥) مرآة الزمان (٣٤٣/ ٢٢).
(٦) مرآة الزمان (٣٨٤/ ٢٢).
(٧) مرآة الزمان (١٠١/ ٢٢)، والمذيل على الروضتين (١/ ١٦٠).
[ ٧٤ ]
ويصف أبو شامة مجالس وعظه بأنَّها من محاسن الدنيا ولذاتها (^١)، وقد حضرها مِرارًا في صِغَره وكبره. وبتصوير ينبض بالحياة، يحكي لنا عن مجلس من تلك المجالس في جامع دمشق، فيقول: «كان يزدحم في مجلسه ما لا يُحصى من الخلق رجالًا ونساء - والنِّساء بمعزل عن الرجال - وكان لا يفارق أحدٌ مجلسه إذا انفض إلا وشوقه مستمر إلى عودته في الأسبوع الآخر، فإنه كان يجلس كلَّ سبت، وتُبسط السجادات والحصر والبسط في كل المواضع القريبة من المنبر ما بينه وبين القُبَّة في يوم الجمعة، ويبيتُ النَّاس كل سبت حِلَقًا يقرؤون القرآن بالشُّموع، كل ذلك فرحًا بالمجلس، ومسابقة إلى الأماكن. وعادة الدمشقيين التفرج في أيام السبت، ويبطّلُون عن أشغالهم بالمدينة، وينقطعون في بساتينهم، وكانوا لا يفوتون حضور المجلس. ثم ينصرفون منه إلى فُرجهم، فلا ينقضي يومهم إلا بالتذاكر لما وقع فيه من المحاسن وإنشاد الأشعار، والتحدث بمن أسلم فيه أو تاب، وإيراد ما كان فيه من سؤال وجواب» (^٢).
-٣ -
وتتعزز مع الأيام صلته بالملك المعظم عيسى، ولم تخلُ صلته به من التزلف إليه، فقد قال له يومًا، وكان المعظم لا يقيم وزن الشعر: فيك ضَرْبٌ من النبوة ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] (^٣). وبادله المعظم قُرْبًا بقرب؛ حتى كان يخصه بالقيام له دون غيره من العلماء إذا دخل عليه مجلسه (^٤)، وبات لا يكاد يفارقه.
ويعزم المعظم على الحج سنة ٦١١ هـ/ ١٢١٥ م مع جماعة من خواص أمرائه: عز الدين أيبك، وعماد الدين داود بن موسك، والظهير غازي بن
_________________
(١) المذيل على الروضتين (١/ ١٦٠).
(٢) المذيل على الروضتين (١/ ١٦٠ - ١٦١).
(٣) ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢٨٥).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٣٣).
[ ٧٥ ]
سُنْقُر الحلبي (^١)، وهم من أعز أصدقاء سبط ابن الجوزي كذلك (^٢)، فيرافقهم إلى الكرك (^٣)، ويقيم فيها منتظرًا أوبة المعظم. وما إن يعلم بعودته حتى يخرج مُسْرعًا إلى لقائه على غدير الطَّرْفاء في البرية مع جماعة من الأعيان والأمراء والفقراء والفقهاء. ويبادله المعظم حُبًّا بحب، وقد بلغ من شوقه إليه أنه حين رآه ترجل عن ناقته وعانقه، ولم يلتفت إلى أحدٍ سواه. وشرع يحكي له صفة حجّه وما فعل (^٤)، ذاكرًا له أنه أحرم قارنا، وأتى بجميع مناسك الحج على مذهب أبي حنيفة. ويروع سبط ابن الجوزي ما يراه في كتف المعظم، وقد أكلته الشَّمس وانقشط، فيسأله: ما هذا؟ فيقول له المعظم: ما غطّيْتُ رأسي ولا كتفي مُدَّة ثلاثة عشر يوما (^٥). ثم يسوقا معًا إلى زيزاء؛ وهي من قرى البلقاء الكبيرة، وبها يقام سوق للحجاج (^٦). وكان الملك العادل نازلا على خربة اللصوص، فيعتذر المعظم إلى صاحبه عن اضطراره لفراقه، قائلا له: أريد أبغته حتى لا يلتقيني أحد. ويفترق الصَّاحبان، فيرجع سبط ابن الجوزي إلى دمشق، ويسير المعظم إلى أبيه للاجتماع به (^٧).
ويصل المعظم مع أبيه العادل إلى دمشق في ٢٣ المحرم سنة ٦١٢ هـ/ ٢٤ أيار ١٢١٥ م (^٨)، وفي مجلس وعظه بجامع دمشق يُنشد سبط ابنُ الجوزي قصيدةً له في مدح المعظم، يقول فيها:
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٠).
(٢) ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ١٩٨، ٢٦٥، ٣٠٤، ٤٠٠).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠١)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٥٠).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠١).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٠)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٥١)، ويعقب أبو شامة بقوله: «لم تكن له حاجة إلى كشف كتفه، فإنه لا يُستحبُّ إلا حالة الاضطباع في طواف القدوم، والله أعلم».
(٦) معجم البلدان (٣/ ١٦٣).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠١).
(٨) المذيل على الروضتين (١/ ٢٥٥).
[ ٧٦ ]
كريم إذا ما جئت ترجو أياديا … له فاض من قبل السؤال غزيرها
فما تُدرك الأشعار بعض صفاته … ولو حاكها بشَّارُها وجريرها
ليهنك يا عيسى مساع تضاعفت … لديك بإجزاء الإله أجورها
سبقت بها الزهاد إذ طويت بها … لك الأرض في شِبْرٍ وهان عسيرها
وقفت بها للحج وقفتَك التي … وقفت ونار الحرب باد سعيرها
وكنتَ إمامَ المَوْقِفَيْن عظيمةٌ … مساعيك عند الله جم غفيرها
فلا زلت تكسو الدِّين حُسْنًا ورَوْنَقًا … وتُوضحُ مخفياته وتنيرها
ودانت لك الدُّنيا ودمت ملكها … ولا رجعت إلَّا إليك أمورها
ولما بلغ سبط ابن الجوزي قوله: «وكنت إمام الموقفين»، وعنى بهما موقف الجهاد، وموقف الحجّ، بكى المعظم، وقال: «من أنا حتى يكون لي مساع؟». وزاد بكاؤه. وخاف سبط ابن الجوزي عليه أن يُفتضح بين العامة، فقال له: «لا ينسى الله لك مواقفك في رضائه، وسهرك الليالي في جهاد أعدائه» (^١).
* * *
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٩١ - ٢٩٢).
[ ٧٧ ]