- ١ -
ولم تقتصر صلته على الملك المعظم عيسى، بل تعدّت إلى أخيه الأشرف موسى، وكان حاكمًا على البلاد الشرقية: الرقة وحرّان وخلاط وميافارقين والرُّها (^١)، فنراه عنده في خلاط سنة ٦١٢ هـ/ ١٢١٥ م، وربما وصل إليها في أول شوال من ذلك العام، وغدا مقربًا منه، يجلس معه في منظرة قلعتها، ويحدثه الأشرف عن بعض ذكرياته وما جرى له (^٢). ولم يطل مقامه عنده، إذ إنه لثقته فيه، يرسله في رسالة كتبها بخطه إلى الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين بن أيوب؛ صاحب حلب، في قضايا لا يطلع عليها كاتب (^٣).
ويصل سبط ابن الجوزي إلى حلب، ويلتقي الظاهر غازي لقاءه الأول، ويؤدّي إليه الرسالة، ويتجاذبان أطراف الحديث، ويعرض لهما فيه ذكر الملك المعظم عيسى، فيُبدي له الظاهر احترامه له، وخشيته منه، قائلا: «والله هو واسطة العقد، وعين القلادة، ولولا همته وأنه مشغول بجهاد الأعداء لما قر لي بحلب قرار (^٤)».
وقد ترك الظاهر غازي انطباعًا حَسَنًا في نفس سبط ابن الجوزي، فكتب عنه: «كان قُعْدُدًا بالملك، مهيبًا، له سياسة وفطنة، ودولته معمورة.
_________________
(١) وفيات الأعيان (٥/ ٣٣٠، ٣٣١).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥١ - ٣٥٣).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٣)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٦٨).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٩٢).
[ ٧٨ ]
بالعلماء والفضلاء مزينة بالملوك والأمراء، وكان محسنا إلى الرعية والوافدين عليه. يزور الصالحين ويعتقدهم، ويغيث الملهوفين ويرفدهم، وكان يتوقد ذكاء وفطنة، سريع الإدراك» (^١).
وبحضور الظاهر غازي، يعقد سبط ابن الجوزي مجلسا للوعظ في دار العدل يوم الأحد ٢٤ شوال سنة ٦١٢ هـ/ ١٥ شباط ١٢١٦ م (^٢). ويقص علينا عما جرى في هذا المجلس بقوله: كان بحلب فقير يحضر مجالسي قبل ذلك، وكان ذلك الفقير يقوم في المجلس ويصيح: واه، واه. فيزعج الحاضرين، وكان صالحا، والظاهر أنه تغير حاله فيما بعد ذلك. فلما جلست أي: في هذا المجلس بقي ذلك الفقير يحترق، ويقول: كيف أعمل. ويرددها، فقال الظاهر: قدموه إلى عندي. فقدموه، فقال له: هذا الذي يقوله الشيخ ما هو مليح؟ قال: بلى. قال: فإن أردت أن تصيح، صيح. فعجب الحاضرون.
وحضر في ذلك المجلس رجل أعجمي، يقال له أبو بكر النُّصْبَة، وكان صالحا، وكان يحمل عصا آبنوس، فطابت قلوب الجماعة في ذلك اليوم، وبكوا، فقام النصبة، وجاء إلى الظاهر، وقال له: أنت فرعون، ما تتحرك؟ وثار في وجه النصبة مثل التفاحتين، وخرج (^٣).
ولما انقضى المجلس، نزلت من المنبر، فقام الظاهر والتقاني، وأجلسني إلى جانبه، ودفع إلي بطاقة جاءته من حارم تخبره أن ابن لاون أخذ أنطاكية من الفرنج في هذا اليوم (^٤).
ويحضر سبط ابن الجوزي إلى دار العدل يوم الخميس، لا ليعظ في مرته هذه، بل ليشهد مجلس حكم الظاهر، وفضله في القضايا التي تعرض عليه، وقد جيء إليه في ذلك اليوم بامرأة كذبت على شخص، واعترفت
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٢).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٣).
(٣) ثم مات بعد ثلاثة أيام. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢١٣).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٣).
[ ٧٩ ]
بالكذب، فقال الظاهر لابن شداد القاضي (^١): ما يجب عليها؟ قال القاضي: التأديب. فقال الظاهر: تُضرب بالدُّرَّة شريعة، ويقطع لسانها سياسة. وهنا يتدخل سبط ابن الجوزي، وقد ساءه هذا التفريق بين الشريعة والسياسة، قائلًا: الشريعة هي السياسة الكاملة، وما عداها يكون تعاطيًا عليها. فيطرق الظاهر غازي، ولا يحير جوابًا. وتؤدب المرأة، وتسلم من قطع اللسان (^٢).
* * *
ويرجع سبط ابن الجوزي إلى خلاط، حيث يقيم الأشرف موسى، لينهي إليه جواب الظاهر عن رسالته (^٣). وفي طريقه يمر بالرُّها، ويلتقي فيها شهاب الدين غازي بن العادل، ويبدو أن سبط ابن الجوزي أنس إليه، لِمَا رأى من لطفه، وحفظه للأشعار، وعُذوبة حديثه وحكاياته، وإحسانه إليه. ويعقد كعادته مجلسًا للوعظ في جامعها، ويحضره شهاب الدين غازي، وكان يوما مشهودًا على حد وصفه (^٤).
ولعله عرج منها على ماردين، وزار قلعتها، وتحقق أن فيها عين ماء واحدة، لا كما كان يشاع أن فيها من العيون العذبة عشر أَعْيُن (^٥).
- ٢ -
ويصل إلى خلاط ربما في شهر ربيع الأول سنة ٦١٣ هـ/ ١٢١٦ م (^٦)،
_________________
(١) هو بهاء الدين يوسف بن رافع، المتوفى بحلب سنة ٦٣٢ هـ/ ١٢٣٤ م، صاحب كتاب «النوادر السُّلطانية» في سيرة صلاح الدين، وهو كتاب مشهور متداول، واستقصيت مصادر ترجمته في تحقيقي لكتاب «المذيل على الروضتين» (٢/ ٣٢).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٣)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٧).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٣).
(٥) مرآة الزمان (١/ ٩٥، ٩٦).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٧)، وينظر: «الجليس الصالح» (٢٨٢)، فقد ذكر فيه سبط ابن الجوزي أنه أقام في خدمة الأشرف موسى أربعة أشهر؛ يعني: بعد عودته من =
[ ٨٠ ]
وقد امتلأ إعجابًا بما وصل إليه من منزلة. ويبدو أنَّ الأشرف موسى كان ينتظر قدومه بلهفة، إذ كان الخليفة الناصر لدين الله قد أظهر سنة ٦٠٧ هـ/ ١٢١٠ م - تقربًا للعلماء والعامة - الإجازة التي أخذت له من الشيوخ، وذكرهم في كتابه «روح العارفين»، ودفع إلى أهل كل مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة إجازة عليها مكتوبًا بخطّه: أجزنا لهم ما سألوه على شرط الإجازة الصحيحة، وكتبه العبد الفقير إلى الله تعالى أبو العباس أحمد أمير المؤمنين (^١).
ووصلت للأشرف نسخةٌ من هذا الكتاب، بعث بها إليه الخليفة، فرغب الأشرف في شرحه. ولم يستطع سبط ابن الجوزي، وهو يسوق هذا الخبر أن يطامِنَ من زَهْوه، فهو يذكر أن الأشرف عرض الكتاب على العلماء الذين في خدمته، وأمرهم أن يشرحوه، فلم يقدروا على شرح حديث واحد، فأشار عليه حينئذ بشرحه، وتبيين ما فيه من الفوائد، فاستجاب له، وشرحه (^٢).
ولعل سبط ابن الجوزي انتهى في تلك الأيام من تأليف كتابه «الجليس الصالح والأنيس الناصح» (^٣)، ليكون هديته للملك الأشرف
_________________
(١) = حلب وتكون عندئذٍ نهايتها فى شعبان عند رحيله إلى حرَّان ينظر: (ص ٨٥، ٨٦) من هذا الكتاب.
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧١ - ١٧٢)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٠٩).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ١٧١، ٢٠٧). ثم أوقف هذا الشرح فيما بعد بدار الحديث الأشرفية بدمشق. ينظر: «المذيل على الروضتين» (١/ ٢٦٥). وكأن قطب الدين اليونيني لم يعجبه هذا الادعاء من سبط ابن الجوزي، فاختصر هذا الخبر اختصارًا مختزلا. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢٠٧).
(٤) يعني بعد عودته من حلب، فقد أشار فيه إلى حكم الظاهر غازي بقطع لسان المرأة سياسة دون أن يسميه، وقوله له: إن الشريعة هي السياسة الكاملة. ينظر: «الجليس الصالح» (٥٥)، و(ص ٧٩ - ٨٠) من هذا الكتاب.
[ ٨١ ]
موسى (^١)، ساردًا فيه ما ينبغي للأمير معرفته من سير الولاة وأخبار الصالحين، وما تقوم به الممالك من العدل وذم الظلم، وافتتحه في الباب الأول منه (^٢) في ذكر مولد الأشرف ومنشئه (^٣)، ولم يتوسع فيه ليذكر طرفًا من سيرته وأخباره لعجزه - كما ذكر - عن حصر مناقبه، وقصوره عن إدراك مراتبه، ولأنَّ العلماء من المؤرخين يتطيرون بذكر سيرة الملك في حياته (^٤).
ويعقد سبط ابن الجوزي بقلعة خلاط مجالس للوعظ، يحضرها الأشرف موسى، ويفيض دمعه تأثرًا بما يسمع (^٥).
ولربما قال في تلك المجالس من المواعظ ما خط بعضها في كتابه «الجليس الصالح»، فمما كتبه فيه: «استحلى أرباب الولاية الولايات، فلما انقضى بالصَّرْف زمن التَّصَرُّف جلسوا في عزاء الغَمِّ، فلو رأيتهم عند الموت وقد ذهب خُمار اللذة، وجاءت سياط الحدود، ثم رُدُّوا إلى حبس القبور، فنكل بهم الموكَّل، ثم رُدُّوا إلى صحراء القيامة، فهجَرَتْ عليهم شمس التوبيخ حتى سال وادي الأسى من عرق الأسف، ثم الطامة الكبرى ما يَلْقَوْنَ من سجن، فلو رأيت نادمهم يقول: يا حسرتى على ما فرَّطْتُ في جنب الله (^٦). ومد يده إلى أمل لا يناله: لو أنَّ لي كَرَّة (^٧)، يا ليتني قدَّمْتُ لحياتي (^٨)».
_________________
(١) الجليس الصالح (٢٧).
(٢) ينظر: تفصيل أبوابه (ص ٢٨٣ - ٢٨٤) من هذا الكتاب.
(٣) الجليس الصالح (٢٨، ٣٣ - ٣٤).
(٤) الجليس الصالح (٢٨١).
(٥) المذيل على الروضتين (١/ ٢٦٥)، وهذا الخبر لم يذكره قطب الدين اليونيني في اختصاره للمرآة.
(٦) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ بِحَسْرَنَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦].
(٧) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨].
(٨) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤].
[ ٨٢ ]
وقوله: «يا أَسَفًا للظلمة الفُجَّار، يُخطئون على أنفسهم بالليل والنهار، والشهوات تفنى وتبقى الأوزار … كم ظالم تعدى وجار، فما راعى الأهل والجار، بينا هو يعقد عقد الإصرار، نزل به الموتُ فحل من حُلَّته الإزار، ما صَحِبَه سوى الكَفَن إلى بيت البلى والعفن» (^١).
ويقدم على سبط ابن الجوزي، وهو بخلاط، النظام بن أبي الحديد، ومعه نعل (^٢) يقال: إنها نعل النبي ﷺ (^٣)، فيعرف الأشرف بقدومه، فلما دخل عليه، ومعه النعل، قام الأشرف قائمًا، ونزل من الإيوان، وأخذ النعل، فقبلها، ووضعها على عينيه، وبكى، وخلع على النظام، وأعطاه نفقة، وأجرى عليه جراية، وقال: تكون في الصحبة نتبرك بها (^٤).
ويبلغ سبط ابن الجوزي، وهو هناك، نبأ وفاة الظاهر غازي بن صلاح الدين بحلب ليلة الثلاثاء ٢٠ جمادى الآخرة ٦١٣ هـ/ ٤ تشرين الأول ١٢١٦ م (^٥)، وله نحو خمس وأربعين سنة (^٦).
ويتولى بعده ولده العزيز محمد، وأتابكه المدبر لدولته شهاب الدين طغريل الخادم (^٧)؛ صديقه الزاهد (^٨)، فيحفظ ملكه بحسن تدبيره (^٩)، ويطهر حلب من الفجور والفسق، والخمور والمكوس، حتى إن الأشرف يقول
_________________
(١) الجليس الصالح (٨٤).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٣).
(٣) مرآة الزمان (١٨/ ٣٢٣).
(٤) وبقي النظام بخلاط بعد رحيل سبط ابن الجوزي عنها، واتفق أن مات بها، وأوصى بالنعل للأشرف، فأودعها فيما بعد بدار الحديث الأشرفية بدمشق. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٣٥٣).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٣)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٦٩).
(٦) ولد الظاهر غازي بالقاهرة سنة ٥٦٨ هـ/ ١١٧٣ م. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢١٢).
(٧) مرآة الزمان (٢١٣ - ٢١٤/ ٢٢)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٦٩).
(٨) ينظر: (ص ٣٢، ٤٨) من هذا الكتاب.
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٤).
[ ٨٣ ]
لسبط ابن الجوزي عنه فيما بعد: «إن كان الله في الأرض وليٌّ، فهو هذا الخادم الذي فعل ما عَجَزَ عنه الفحول» (^١).
* * *
وبأسى يحدثنا سبط ابن الجوزي عن لقائه بخلاط الضياء بن الزرَّاد، وهو دمشقي، عالم بالقراءات السبع، وما جرَّته عليه صحبته للأشرف موسى من زَلاَّت، فيقول: «كان صَيّتًا، طيب النغمة، وكان فقيرًا، سافر من دمشق إلى ميافارقين، واتصل بشهاب الدين غازي بن الملك العادل، وأقام عنده. ثم اتصل بالملك الأشرف موسى .. وكان يتردَّد إلينا، ويقرأ طيبًا صحيحًا .. جاءني يومًا وهو نادم حزين يبكي، فسألته عن حاله، فقال: البارحة حضرت عند الأشرف، وناولني قَدَحًا من الخمر، فامتنعتُ من شربه، والأشرف ساكت ينظر إليَّ. وما زالوا بي حتى شربته، فلما حصل في جوفي عضّ الأشرف على يده بحيث كاد أن يقطع أصابعه، وقال لي: والك (^٢) فعلتها! حَطَّيْتَ الخمر على مئة وأربع عشرة سورة! والله لو خُيِّرتُ بين أن أحفظ القرآن كما تحفظه، وأدع ملكي لاخترتُ حفظ القرآن».
ثم يعقب سبط ابن الجوزي على ما آل إليه حاله، بقوله: «ثم تركت حُرمته بعد ذلك» (^٣). والغريب حقًا أنه لا يُعقب على ما فعله الأشرف من مناولته الخمر، ولا على ما فعله جلساؤه من الإلحاح عليه حتى شربه!
ونتساءل: هل ألم سبط ابن الجوزي في تلك السنة، وهو يتجول في بلاد الأشرف، بزيارة قيسارية من بلاد سلاجقة الرُّوم؟ فقد أشار إلينا أنه وقف هناك قرب جبل عَسِيب على قبر الشاعر الجاهلي امرئ القيس، وهو
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٢٧).
(٢) كلمة عامية، لا تزال مستعملة في الشام، تعني تنبيه المخاطب مع زجره، وفصيحها: ويل لك.
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٧٠)، والمذيل على الروضتين (١/ ٣٥٨).
[ ٨٤ ]
أقرب إلى الصحة، كما يقول؛ لأنه مات بالرُّوم (^١). تساؤل يتركنا حيارى في إجابته؛ لأنه اكتفى بتلك الإشارة، ولم يزد.
* * *
ويرى المعظم في وفاة الظاهر غازي فرصة للاستيلاء على حلب، وضمها إلى مملكته دمشق، ويبدو أن مراسلات تبادلها مع أخيه الأشرف في هذا الشأن (^٢).
وينزل الأشرف من خلاط إلى حرَّان في شعبان سنة ٦١٣ هـ/ تشرين الثاني ١٢١٦ م، ويرافقه سبط ابن الجوزي فيسأله الأشرف أن يجلس للوعظ في جامعها، وتضرب للأشرف خيمة كبيرة في الجامع فيجلس فيها، ومعه شيخ حرَّان وخطيبها فخر الدين ابن تيمية (^٣)؛ شيخ سبط ابن الجوزي (^٤). وينطلق سبط ابن الجوزي كعادته بكلماته المؤثرة التي تهز الحاضرين، وقبيل انقضاء المجلس يكتب له أهل حرَّان رِقاعًا كثيرة فيها أسئلة ليجيب عنها، فيجمعها، وبذكاء مرهف، مراعيًا حساسية الشيخ فخر الدين ابن تيمية، يعتذر عن الإجابة عنها، قائلا: «اتركوا هذه إلى يوم مجلس شيخكم يجيب عنها، فهو يطوّل روحه عليكم، أما هذا اليوم فالوقت ما يحتمل». ويُعجب الأشرف بسرعة بديهته، وحُسْن تصرفه، وينفض المجلس (^٥).
ويلتقي سبط ابن الجوزي بحران المجد البهنسي، وكان وزيرًا للأشرف، ثم عزله واستأصله، وأخذ جميع ماله، فيبته المجد بعض شجونه. وكان المجدُ حَسَنَ المحضر، عاقلا - كما وصفه ولم يكن فيه ما يُعاب إلا استهتاره، والله يعفو عنه (^٦).
_________________
(١) مرآة الزمان (١/ ٨٦)، وينظر: «معجم البلدان» (٤/ ٤٢١).
(٢) ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢٠٧).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٧).
(٤) تنظر: (ص ٣٢) من هذا الكتاب.
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٧)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٦٥).
(٦) مرآة الزمان (٣١٤ - ٢٢/ ٣١٣).
[ ٨٥ ]
ويجد سبط ابن الجوزي من الأشرف موسى إحسانًا كثيرًا، ويتفضل عليه فَضْلًا غزيرًا. ويفوّض إليه - ربما رغبة بإبقائه معه - جميع الخوانك التي ببلاده شرقًا وغربًا، وبُعْدًا وقربًا، على حدّ تعبيره (^١). بيد أن سبط ابن الجوزي لم يكن راغبا في الإقامة مع الأشرف، فيقول له ذات يوم: «لا بُدَّ لي في هذه السنة من شيئين: الحج على بغداد، والثاني الاعتكاف بالرقة». فينزل الأشرف على رغبته، ويقول له: «مبارك» (^٢).
ويخرج سبط ابن الجوزي مع أصحاب له من حران في آخر شعبان/ كانون الأول قاصدًا الرَّقَّة، وبينما هو في الطريق، وقد قرب منها، يلوح له من بعيد نجابون بينهم رجل عليه بغلطاق أحمر، فيقع في قلبه أنه المعظم عيسى، فيلتفت إلى أصحابه قائلا: هذه شمائل الملك المعظم. فيقولون له متعجبين: المعظم في دمشق، أيش جاء به إلى ها هنا؟ فلما قرب النجابون منهم إذا به المعظم، وقد أعيت ناقته فينزل عنها، ويتحدث مع سبط ابن الجوزي، ويأكل قليلا من زاده، ويعطيه ناقته، ويأخذ فرسه، ويسأله عن الأشرف أين هو؟ فيجيبه السبط: في الزراعة، وهي في نواحي الرقة، فيسوق إليه المعظم، ويفاوضه في أمر حلب. وكان الأشرف قد حلف لشهاب الدين طغريل الخادم، وأنه أتابك العزيز محمد ولد الظاهر. فيشق على المعظم امتناع أخيه عن مساعدته، ويسكت على مضض.
ويقدم الأخوان المعظم والأشرف إلى الرقة، ويدخلان على سبط ابن الجوزي في معتكفه. ثم يرجع المعظم إلى دمشق (^٣).
وفي مدة إقامته في خانكاه الرَّقَّة معتكفا يختلف إليه من أهلها جمال الدين بن جرير، وكان له بستان ومُلْك يسير يعيش منه (^٤).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٤٢).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٧).
(٣) المصدر السالف.
(٤) ثم إن ابن جرير ما زال يتوصل إلى الأشرف حتى استوزره بدمشق. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٣٦٢)، و(ص ١٥٥) من هذا الكتاب.
[ ٨٦ ]
ويتمُّ الأشرف في أثناء ذلك تجهيز سبط ابن الجوزي إلى الحج، ويعمل له سبيلا مثل سبيله، فيغادر الرقة متوجها إلى بغداد (^١)، عارفًا بإحسان الأشرف إليه وجميله (^٢)، تاركًا في نفسه أطيب الأثر. وقد عبَّر عنه في الأوراق الأخيرة من كتابه «الجليس الصالح» بقوله: «لقد شاهدتُ من مكارم أخلاقه ما لو أعارتني خُطَبُ الزَّمان ألسنتها في وصف فضائله التي اتصلت اتصال السُّعود، وانتظمت انتظام العقود، لما كنتُ إِلَّا عاجزا عن الغرض المقصود» (^٣).
وفي طريقه إلى بغداد يأتيه نعي شيخه تاج الدين أبي اليمن الكندي، وأنه توفي يوم الإثنين ٦ شوال سنة ٦١٣ هـ/ ١٦ كانون الثاني ١٢١٧ م، وصُلِّي عليه بجامع دمشق، وحُمل إلى قاسيون، فدفن به، ولم يتخلف عن جنازته أحد، وكان قد بلغ من العمر نحو ثلاث وتسعين سنة (^٤).
-٣ -
ويرجع سبط ابن الجوزي من الحج في المحرم سنة ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م، سالكًا طريق تبوك والعُلا، متجهًا لزيارة القُدس الشَّريف، ومدينة الخليل، حيث مقام أبي الأنبياء إبراهيم ﷺ، ليجمع كما جرت العادة في ذلك العصر - بين زيارته وزيارة المصطفى، عملا بالحديث الشائع: «من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضَمِنْتُ له الجنَّة» (^٥)، وهو حديث باطل موضوع (^٦)، ومع ذلك رأى العمل به، معللا ذلك بقوله: «وإن لم يتفق على نقل هذا الحديث الثقات، فالأعمال بالنِّيَّات» (^٧).
وكان منذ إقامته بدمشق دائم التَّردُّد إلى القدس كلما سَنَحَ له الوقت،
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٧)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٤٢).
(٣) الجليس الصالح (٢٨٢).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٠)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٧٥).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٨).
(٦) تنزيه الشريعة (٢/ ١٧٦).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٨)، وفي موضع آخر، قال: فيه للمحدثين نظر. ينظر: «مرآة الزمان» (١/ ٤٢٣).
[ ٨٧ ]
ويعقد فيه مجالس للوعظ، وممن كان يحضر مجالسه تلك الملك المعظم حين يلم به (^١)، والأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم الهكاري؛ وهو من أكابر أمرائه (^٢). وصديقه الشيخ الورع عبد الله الأرمني العابد، وكان جوادا سمحا لطيفا، وله مجاهدات ورياضات، وعبادات وسياحات. وكان سبط ابن الجوزي يزوره في زاويته، ومما جرى معه في إحدى زياراته له، ما حدثنا به قائلا: «اتفق أنني يوم عيد الفطر أكلت سمكا مالحا، وصعدت إلى زاويته، وقعدنا نتحدث، فجاءت الشمس علي، وعطشت عطشا شديدا، وإلى جانبه إبريق، فيه ماء بارد، فاستحييت أن أطلبه منه، فاحمر وجهه، ومد يده إلى الإبريق، فقال: اشرب، فكم تكاشر» (^٣).
ولعله في القدس تعرف إلى كاتب الإنشاء البليغ عبد الرحيم بن علي ابن شيث، وكان يتولى ديوانها (^٤)، وصار بينهما مكاتبات (^٥). ويبدو أن صحبته له تعمقت حين قدم إلى دمشق، وصار كاتب السر للملك المعظم (^٦). وقد وصفه لنا بقوله: «كأن الله تعالى جمع له الفضل والمروءة، والكرم والفتوة، والإحسان إلى الخلق، ما قصده أحد في شفاعة فرده خائبا، وكان يمشي بنفسه مع الناس في قضاء حوائجهم» (^٧).
وفي دمشق يعود سبط ابن الجوزي إلى سيرته وشواغله، حتى إذا كان سحر يوم الأربعاء ١٦ ذي القعدة سنة ٤١٦ هـ/ ١٥ شباط ١٢١٨ م تصحو دمشق على نبأ وفاة عالمها وزاهدها العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن علي المقدسي. وكان قد قضى يوم الثلاثاء صائما، وصلى المغرب في جامع دمشق، وأفطر في داره على شيء يسير، وفي الليل جاءته سكرة الموت،
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٩٠).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢٦).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٢٨، ٣٣١). ولإعجاب سبط ابن الجوزي به طول ترجمته في مرآته (٢٢/ ٣٢٨ - ٣٣٢).
(٤) المذيل على الروضتين (٢/ ٦).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٩٥).
(٦) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٠١).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥).
[ ٨٨ ]
فجعل يقول: يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام حتى توفي. فغُسّل وقت السحر، وأخرجت جنازته إلى جامع دمشق، فما وَسِعَ النَّاسَ الجامعُ، وصلى عليه العلامة الشيخ موفق الدين ابن قدامة بعد جهد جهيد (^١). وهال سبط ابن الجوزي كثرة المشيعين، فراح يتأمل الناس من أعلى قاسيون، فإذا أولهم عند مغارة الدم ورأس الجبل إلى الكهف، وآخرهم بباب الفراديس، ولو رمى الإنسان عليهم إبرة لما ضاعت، ولولا المبارز المعتمد وأصحابه لقطعوا أكفانه، وما وصل إلى الجبل إلى آخر النهار، فكان يوما لم ير في الإسلام مثله، على حدّ تعبيره (^٢).
وفي الليل يأوي سبط ابن الجوزي إلى فراشه، وهو يتفكر في جنازته، فيذكر أبيانًا أنشدها الإمام سفيان بن سعيد الثوري في منام رئي له بعد وفاته، ومنها هذا البيت النفيس:
نظرتُ إلى ربِّي كِفاحًا وقال لي … هنيئًا رضائي عنك يا ابن سعيد (^٣)
فيتمنَّى للعماد أن يرى ربَّه كما رآه سفيان عند نزول حُفرته، ويقص علينا سبط ابن الجوزي ما جرى له في تلك الليلة، فيقول: «ونمتُ، فرأيتُ العماد في النوم، وعليه حُلَّة خضراء، وعمامة خضراء، وهو في مكان متسع كأنَّه روضة، وهو يرقى في دَرَج مرتفعة، فقلت: يا عماد الدين، كيف بِتّ، فإني والله مفكّر فيك؟ فنظر إليَّ، وتبسم على عادته، وقال:
رأيتُ إلهي حين أُنْزِلْتُ حُفْرتي … وفارقت أصحابي وأهلي وجيرتي
فقال جُزِيْتَ الخير عنِّي فإنَّني … رضيتُ فها عَفْوي لديك وَرَحْمتي
دأبت زمانا تأمل الفوز والرِّضا … فَوُقِّيْتَ نيراني ولُقِّيْتَ جَنَّتِي
فانتبهت مرعوبا، وكتبتُ الأبيات» (^٤).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢١)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٨٩).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢١).
(٣) تنظر الأبيات في: «مرآة الزمان» (١٢/ ٣٣٤).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٢١ - ٢٢٢)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
[ ٨٩ ]