- ١ -
وفي القاهرة، يعاود سبط ابن الجوزي لقاءاته بالشيخ أبي العباس ابن تاميت سنة ٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م، وتجري بينهما مذاكرة في القرافة في تاركِ الصَّلاة، وما حُكمه. وينشده أبو العباس أبياتًا لأبي الفضل طاهر النَّحْوي في حكم تاركها (^١). بيد أننا لم نعد نراه يذكر لنا شيئًا عن لقاءاته مع الصالح أيوب، كما كان عهده في أول قدومه مصر (^٢).
ولعل طبيعة الصالح أيوب، وما فُطِرَ عليه من محبته للعزلة والانفراد، وعدم ميله إلى مطالعة الكتب والعلوم، وقِلَّة مخالطته للعلماء وغيرهم (^٣)، وبطشه وتجبره (^٤)، لم تُسعف سبط ابن الجوزي في توثيق عرى صداقته له، كما كان شأنه مع عميه المعظم عيسى، والأشرف موسى.
ثم إن الصالح أيوب كان منشغلًا في تلك الأيام بالانتقام من عمه الصالح إسماعيل لما كان من غَدْره وخيانته، واسترداد دمشق منه، وها هو الآن قد أتم تجهيز جيشه، وتقدم إلى وزيره معين الدين بن شيخ الشيوخ بالمسير إليها، مطلقا يده فيما يراه دون الرجوع إليه.
فيخرج معين الدين بعساكر مصر من القاهرة، ويصل إلى غزة، وينضم إليه هناك الخوارزمية، ومن فيها من العساكر المصرية. ثم يرحل إلى
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٧٦).
(٢) تنظر: (ص ١٨١، ١٨٦) من هذا الكتاب.
(٣) مفرج الكروب (٦/ ٨٤).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٩).
[ ٢٠٠ ]
بيسان، فينزلها، ويقيم بها مُدَّة يرتّب فيها أموره. ثم يشرع بالزحف نحو دمشق (^١).
ولم يكن الصالح إسماعيل في تلك الأيام في أحسن حالاته، فقد شَلَّ تفكيره الرعب الساكن بقلبه عقب هزيمته بغزة مع حلفائه الصليبيين، فراح يتهيأ للحصار في دمشق على عجل، فخرب كثيرًا من الأبنية حول سورها، وهدم جسر باب توما، وسدَّ النهر هناك، فطفا الماء حتى أغرق المساكن التي على حافة بردى بين جِسْرَي بابي توما والسَّلامة (^٢). وسير وزيره أمين الدولة السامري إلى بغداد مستشفعًا بالخليفة المستعصم بالله، متوسلا إليه ليصلح ما بينه وبين ابن أخيه الصالح أيوب. فرجع ولم يظفر بطائل. فازداد خوفًا على خوف، لعلمه أن لا طاقة له مع حليفه المنصور إبراهيم؛ صاحب حمص بعساكر مصر لكثرتها، وقلة عسكرهما، مع فناء ما بقلعة دمشق من الذخائر.
وينازل الصاحب معين الدين دمشق، ويضايقها (^٣)، ويقطع الخوارزمية على النَّاس الطرق، زاحفين عليها من كل ناحية (^٤). وتنصب عليها المجانيق، ويُرمى بها من بابي الجابية والصغير، وتُنصب المجانيق من داخل البلد أيضًا، ويترامى الفريقان.
وفي يوم الإثنين ٨ المحرم سنة ٦٤٣ هـ/ ٥ حزيران ١٢٤٥ م يبعث الصالح إسماعيل إلى معين الدين استهزاء به، بسجادة وإبريق وعُكاز، قائلا له: اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بقتال الملوك. فيبعث إليه معين الدين بجَنْك (^٥) ومِزْمار وغلالة حريري أحمر وأصفر، وقال: السجادة تصلح لي، وأنتَ أَوْلى بهذا (^٦).
_________________
(١) مفرج الكروب (٥/ ٣٤١).
(٢) المذيل على الروضتين (٢/ ٦٥).
(٣) مفرج الكروب (٥/ ٣٤٨).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٧).
(٥) الجنك: آلة وترية يُضرب بها كالعود. ينظر: «شفاء الغليل» (١٢٤).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨).
[ ٢٠١ ]
وأصبح معين الدين، فركب بالعساكر، وزحفوا من كل ناحية، ورموا النيران في قصر حَجَّاج (^١)، والشاغور، واستولى الحريق على مساجد وخانات ودور عظيمة (^٢). وبعث الصالح إسماعيل الزرَّاقين يوم الثلاثاء ٩ المحرم، فأحرقوا قصر العادل (^٣)، وأمر بتخريب عمارة العقيبة خارج باب الفراديس، وباب السلامة وباب الفَرَج، وأحرق حكر السماق خارج باب النَّصْر (^٤)، ونُهبت أموال الناس، ورُموا على الطُّرق، واحترق بعضُهم، وجرى عليهم ما لم يجرِ في بلد آخر (^٥)، واشتدَّ الغلاء وعظم البلاء. ثم أحرقت العقيبة في أول ربيع الأول (^٦).
ويعيد الوزير أمين الدولة السامري في أوائل جمادى الأولى محاولة الصُّلح، فيرسل إلى الصاحب معين الدين يسأله الأمان ليجتمع به. فيبعث إليه بثياب له، فيلبسها ويخرج ليلا، فيتحادثان، ويرجع إلى دمشق. ثم يخرج في ليلة أخرى، فيتم الاتفاق على أن يسلّم الصالح إسماعيل دمشق، وأن يخرج منها هو والمنصور إبراهيم بأموالهما، ولا يتعرض لأحد من أصحابهما ولا لشيء مما معهم. وأن يعوّض الصالح إسماعيل عن دمشق بَعْلَبَك وبُصْرَى وأعمالهما وجميع بلاد السَّواد، وأن يكون للمنصور حِمْص وتدمر والرَّحْبَة (^٧).
ولم يُعلم معين الدين الخوارزمية بهذا الصُّلْح (^٨)، إذ لم يكن راغبا بدخولهم دمشق، ودبَّر الأمر أحسن تدبير، فلمنعهم من دخولها أقطعهم الساحل بمناشير كتبها لهم (^٩).
وشاع خبر هذا الصُّلْح في ٨ جمادى الأولى سنة ٦٤٣ هـ/ ١ تشرين
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٨).
(٢) المذيل على الروضتين (٢/ ٦٦).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٨).
(٤) المذيل على الروضتين (٢/ ٦٦).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٨).
(٦) المذيل على الروضتين (٢/ ٦٦).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢١).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٩).
(٩) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢١).
[ ٢٠٢ ]
الأول ١٢٤٥ م، ورحل ليلتئذ عن دمشق الصالح إسماعيل بن العادل نحو بعلبك، والمنصور إبراهيم نحو حمص. ودخل دمشق من الغد في ٩ جمادى الأولى/ ٢ تشرين الأول الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ، ونزل في دار سامة، وهي الدَّار المُعظَّمية الناصرية (^١)، نائبًا بها عن الصالح أيوب (^٢)، واستبشر الناس بهذا الفَتْح لخلاصهم من ظلم الصالح إسماعيل وأعوانه (^٣)
- ٢ -
وكان الصالح أيوب يتحرق للانتقام من عمه الصالح إسماعيل، فأرسل إلى معين الدين ألا يؤمنه، ويقبض عليه، ويرسله إليه. فوصل كتابه بعد إتمام الصلح. فأنكر الصَّالح أيوب (^٤) على الأمراء كيف مكنوا الصالح إسماعيل من الوصول إلى بعلبك، وقال: إنَّ معين الدين حلف له، وأما أنتم فما حلفتم (^٥). وكان لا يرى إلا إعدامه حَنَقًا عليه، بسبب اتهامه بقتل ولده المغيث عمر، ولما بدا منه في حقه (^٦). ثم أمر أن يُسير الوزير أمين الدولة السامري تحت الحوطة إلى مصر، فسيّر واعتقل بقلعة الجبل (^٧) ويغادر سبط ابن الجوزي مِصْرَ عائدًا إلى دمشق بعد رحيل الصالح إسماعيل عنها، والقبض على وزيره أمين الدولة السامري، ويأوي إلى مسكنه بالتربة البدرية بقاسيون (^٨)، مظهرًا شماتته بما حلّ بوزيرها (^٩)، متهما إياه بأنه لم يكن مسلمًا، ولا سامريا، بل كان يتستر بالإسلام، ويبالغ في هدم شريعة المصطفى ﵊ (^١٠).
_________________
(١) المذيل على الروضتين (٢/ ٧١).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ٣٤٩).
(٣) المذيل على الروضتين (٢/ ٧١).
(٤) مفرج الكروب (٥/ ٣٤٩).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢١).
(٦) مفرج الكروب (٥/ ٣٤٩).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢١).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٩).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٧٢).
(١٠) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٩).
[ ٢٠٣ ]
ويعتري معين الدين المرض، ولما يمض على دخوله دمشق سوى أربعة أشهر (^١)، فيكتب الصَّالح أيوب إلى الأمير حسام الدين بن أبي علي الهَذَباني، وهو بنابلس، أن يسير إلى دمشق ويتسلمها (^٢). وبعد وصوله إليها بأيام (^٣) توافي المنية معين الدين ليلة الأحد ٢٢ رمضان سنة ٦٤٣ هـ/ ١٠ شباط ١٢٤٦ م (^٤) عن نحو ست وخمسين سنة، فكان بين بلوغ أمنيته وحلول منيته أربعة أشهر وخمسة عشر يوما، على حدّ تعبير سبط ابن الجوزي (^٥) وبوفاة معين الدين لم يبق من أولاد شيخ الشيوخ صدر الدين (^٦) إلا ابنه فخر الدين يوسف، فيفرج عنه الصَّالح أيوب - وكان قد ألزمه بيته - ويخلع عليه ويؤمره، ويقدّمه، ويُحسن إليه إحسانًا كثيرًا (^٧).
* * *
وأصيب الخوارزمية بخيبة أمل، وقد مُنعوا من دخول دمشق، كما مُنعوا من قبل من دخول مصر. وكانوا يظنون أنهم بمساعدتهم الصالح أيوب على أعدائه سيقاسمهم البلاد، ويمكّنهم من الاستيلاء على أكثرها،
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩١).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢١ - ٣٢٢).
(٣) مفرج الكروب (٥/ ٣٤٩).
(٤) المذيل على الروضتين (٢/ ٧٦).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩١).
(٦) ينظر: (ص ١٠١) من هذا الكتاب. ودفن بجبل قاسيون إلى جانب أخيه عماد الدين بن شيخ الشيوخ. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٣٩١)، و«المذيل على الروضتين» (٢/ ٧٧)، و(ص ١٦١) من هذا الكتاب.
(٧) مفرج الكروب (٥/ ٣٥٢)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٢). ومن أوهام سبط ابن الجوزي ومبالغاته قوله في الإفراج عن فخر الدين: «وفيها أخرج الصالح أيوب فخر الدين بن الشيخ من الحبس بعد أن أقام مدة ثلاث سنين، ولاق شدائد من الضيق والضر والقمل، ولقد بلغني أن القمل ما كان يمكنه من النوم». ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٣٩٠). والصواب ما ذكره ابن واصل، وتابعه عليه المقريزي من أنه لم يكن في السجن في تلك السنين، بل كان مأمورًا بلزوم منزله فحسب.
[ ٢٠٤ ]
وسيقطعهم إقطاعات عظيمة في الدّيار المصرية (^١). أما وقد صاروا الآن في السَّاحل، ولم يحصلوا على ما أمَّلوه، فقد تغيَّرت نيَّاتهم، واتفقوا على الخروج عن طاعة الصَّالح أيوب. فغادروا السَّاحل عائدين نحو دمشق (^٢)، فنهبوا داريا، وأتلفوا ثمارها (^٣).
ثم راحوا يبحثون عن حلفاء لهم، فكاتبوا الأمير ركن الدين بيبرس الصَّالحي بغزة، وهو من أكبر أمراء الصالح أيوب (^٤)، فحسَّنوا له أن يكون معهم يدا واحدة، ويزوّجوه امرأة منهم (^٥). فألقى إليهم سمعه، ولعله مال إليهم بعض الميل (^٦)، فلم يمهله الصالح أيوب، فما إن بلغه خروج الخوارزمية عن طاعته، وميل ركن الدِّين إليهم - على ما نُقل إليه - حتى استدعاه إلى القاهرة، واعتقله بقلعة الجبل سنة ٦٤٤ هـ/ ١٢٤٦ م، فكان آخر العهد به (^٧).
وكاتب الخوارزمية الناصر داود؛ صاحب الكرك، وهو العدو القديم للصالح أيوب، فمال إليهم، واتفق معهم، ونزل إليهم، واجتمع بهم، وتزوج امرأةً منهم، بيد أنه رجع إلى الكرك، ولم يقم معهم (^٨). وللاستفادة من هذا الحلف الجديد سارع إلى استرجاع ما كان له من البلاد، وهي الآن بيد الأمير حسام الدين بن أبي علي (^٩)، فبعث ولاته إلى نابلس والقدس والخليل وبيت جبريل والأغوار (^١٠).
وخوفًا من أن يبقى الصالح إسماعيل وحيدًا في بعلبك بين عدوين: الصالح أيوب والخوارزمية، كاتب الخوارزمية باذلا لهم صداقته، وقدم إليهم، فحلفوا له على القيام بنُصرته (^١١).
_________________
(١) مفرج الكروب (٥/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٢).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨٩).
(٤) مفرج الكروب (٥/ ٣٥٠).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٢).
(٦) مفرج الكروب (٥/ ٣٥٠).
(٧) مفرج الكروب (٥/ ٣٥١)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٣).
(٨) مفرج الكروب (٥/ ٣٥٠).
(٩) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٢)، وينظر: (ص ١٩٦) من هذا الكتاب.
(١٠) مفرج الكروب (٥/ ٣٥٠).
(١١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٢).
[ ٢٠٥ ]