- ١ -
في أثناء غياب سبط ابن الجوزي في بغداد، قدم الصالح أيوب إلى دمشق يوم الخميس ١٩ ذي القعدة ٦٤٤ هـ/ ٢٨ آذار ١٢٤٧ م (^١)، ومعه الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ (^٢). وكان يوم دخوله يومًا عظيمًا لكثرة من خرج في استقباله من الناس والزينة (^٣). فأحسن إلى أهلها، وتصدق على المدارس والربط، وخلع على أعيانها الخِلَع السنية (^٤)، وفرق الأموال على فقرائها. وأقام فيها خمسة عشر يوما (^٥). بينما سار الأمير فخر الدين يوسف إلى طبرية، ونازل الصليبيين فيها (^٦).
ثم رحل إلى بعلبك، فرتّب أمورها، وأمر بإصلاح أسوارها وتحصينها (^٧). ثم عاد إلى دمشق، ليسير منها إلى بُصرى (^٨)، وكان نوابه قد
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩٨)، والمذيل على الروضتين (٢/ ٨١).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٧)، وينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ٨٢).
(٣) المذيل على الروضتين (٢/ ٨٢).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩٨).
(٥) المذيل على الروضتين (٢/ ٨٢).
(٦) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٧). يذكر ابن واصل حصار فخر الدين لطبرية عقب منازلته للكرك، ولا يذكر مرضه، وهو على حصار بصرى، وعودته إلى القاهرة. ينظر: «مفرج الكروب» (٥/ ٣٧٨).
(٧) مفرج الكروب (٥/ ٣٧٣).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩٨).
[ ٢١٥ ]
تسلَّموها من نائب الصَّالح إسماعيل (^١). ثم مضى منها إلى صرخد، وتسلمها من صاحبها عز الدين أيبك المعظمي (^٢)، فيقدم عز الدين إلى دمشق، وينزل بالنيرب (^٣). ويرحل الصالح أيوب إلى بلاد بانياس، ويتسلم حصن الصبيبة من السعيد حسن بن العزيز عثمان بن العادل (^٤)، فيقطعه إقطاعًا بمصر (^٥)، ويتسلم حصن الصَّلت من الناصر داود (^٦). وكان من قبل قد تسلم عجلون.
وهكذا صفت البلاد كلُّها للصالح أيوب، ولم يبق خارجًا عن سلطانه إلا الكرك، وبها الناصر داود بن المعظم عيسى، وهو في حُكْم المحصور (^٧).
ويرجع الصالح أيوب إلى مصر، ويبقي عساكره بالساحل محاصرين الصليبيين في طبرية (^٨)، وفي طريقه إلى مصر يمر بالقدس، ويأمر بعمارة سوره، كما تمنى عليه سبط ابن الجوزي من قبل (^٩)، ثم يصل إلى القاهرة في أوائل المحرم سنة ٦٤٥ هـ/ أيار ١٢٤٧ م (^١٠).
ويشدد الأمير فخر الدين يوسف حصاره لطبرية حتى يفتحها عَنْوة في ١٠ صفر سنة ٦٤٥ هـ/ ١٦ حزيران ١٢٤٧ م (^١١)، فيهدم قلعتها (^١٢) التي أعاد الصليبيون عمارتها، وسرعان ما يستولي بعدها على جبل الطور، وحصن شقيف أرنون. ثم يتحرك لمنازلة عسقلان (^١٣)، فيحاصرها، ويقاتل عليها قتالا عظيمًا (^١٤)، حتى يستولي عليها عَنْوَة في ١٢ جمادى الآخرة سنة ٦٤٥ هـ/ ١٤ تشرين الأول ١٢٤٧ م (^١٥)، ويلقى معظم المدافعين عنها
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٦).
(٢) مفرج الكروب (٥/ ٣٦٣).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩٨).
(٤) المذيل على الروضتين (٢/ ٨٢).
(٥) مفرج الكروب (٦/ ١٣٦).
(٦) المذيل على الروضتين (٢/ ٨٢).
(٧) مفرج الكروب (٥/ ٣٦٣).
(٨) المذيل على الروضتين (٢/ ٨٢).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩٨)، وينظر: (ص ١٧٧) من هذا الكتاب.
(١٠) مفرج الكروب (٥/ ٣٧٥).
(١١) المذيل على الروضتين (٢/ ٨٢).
(١٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٧).
(١٣) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٩٩).
(١٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠١).
(١٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٨).
[ ٢١٦ ]
مصرعهم، ومن تبقى منهم يقع في الأسر (^١).
ويعود الأمير فخر الدين يوسف ليقيم في دمشق (^٢)، ويسكن في دار سامة. وكان سبط ابن الجوزي قد عاد إليها من بغداد، فيزوره فخر الدين يوسف في مسكنه بالتربة البدرية، ويرغب إليه في العودة إلى مجالس وعظه في جامع دمشق، كما كان في أيامه السالفة، فلا يسعه إلا الاستجابة له (^٣).
ويعقد سبط ابن الجوزي أول مجالسه في جامع دمشق يوم السبت الأول من شهر رجب، وحتى آخر يوم سبت من رمضان، كما جرت عادته في ذلك (^٤)، بعد انقطاع دام نحو إحدى عشرة سنة، منذ مغادرته دمشق عقب وفاة الأشرف موسى (^٥).
ويحركه الشوق إلى زيارة الشيخ الفقيه محمد بن أحمد اليونيني بِعَلْبَك (^٦)، وهو شيخ الحنابلة بها (^٧)، وتلميذ شيخه الأثير أسد الشام عبد الله اليونيني (^٨)، ويتذاكر معه أخبار الملك الأشرف موسى، وما رؤي له من منامات صالحة تدلُّ على حُسن خاتمته (^٩).
وكان عقب رجوعه إلى دمشق من بغداد، قد سعى لدى نواب الصالح أيوب في إطلاق سراح أمة اللطيف ابنة منافسه في ميدان الوعظ ناصح الدين عبد الرحمن بن النجم الحنبلي (^١٠). وكانت أمة اللطيف قد قامت على خدمة
_________________
(١) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٠٠).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٢٨).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٠).
(٤) المذيل على الروضتين (١/ ١٦١).
(٥) ينظر: (ص ١٥٦) من هذا الكتاب.
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٥).
(٧) المذيل على الروضتين (٢/ ١٤٨).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٥٢)، و«ذيل مرآة الزمان» (١/ ٤٣٠، ٢/ ٣٩)، وينظر: (ص ٣٧ - ٣٩) من هذا الكتاب. وهو والد قطب الدين موسى بن أحمد اليونيني؛ مختصر «مرآة الزمان». ينظر: «ذيل مرآة الزمان» (٢/ ٣٨)، و(ص ٢٦٦) من هذا الكتاب.
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).
(١٠) ينظر: (ص ١٤٥ - ١٤٦) من هذا الكتاب.
[ ٢١٧ ]
الصَّاحبة ربيعة خاتون؛ أخت السُّلطان صلاح الدِّين مُدَّة، فحصل لها منها أموال عظيمة (^١)، وهي التي أرشدتها إلى وقف مدرستها الصَّاحبة على الحنابلة (^٢). وبعد وفاتها سنة ٦٤٣ هـ/ ١٢٤٦ م، لاقت أمَّةُ اللطيف الشَّدائد والأهوال (^٣)، بسبب هذه المدرسة (^٤)، فحبست بقلعة دمشق، وصودرت وأُخذت أموالها. فدخل سبط ابن الجوزي في قضيتها، وبالغ في أمرها، وكُلّلت مساعيه بالإفراج عنها بعد نحو سنة، وكانت أقامت في محبسها ثلاث سنين (^٥).
- ٢ -
وتتجدد بدمشق صلة سبط ابن الجوزي بالأمير عزّ الدين أيبك المعظمي. وكانت علاقته به تعود إلى أيام الملك المعظم عيسى بن العادل، فهذا الأمير كان من مماليكه المقربين النجباء، اشتراه سنة ٦٠٧ هـ/ ١٢١١ م، وهو يبني قلعة الطور (^٦)، وفوض إليه أستاذ داريته، وظهر منه من العقل والسداد ما أوجب تقديمه على الأولاد، وأعطاه قلعة صَرْخد، فأقام بها يضاهي الملوك (^٧)، حتى انتزعها منه الصَّالح أيوب بن الكامل في هذا العام (^٨).
وكان عز الدين أيبك قد بنى من المدارس في دمشق مدرستين للحنفية: المدرسة العِزّية البرانية، وفيها قُبَّة لتكون تربته (^٩)، والمدرسة العزية
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩١).
(٢) القلائد الجوهرية (١/ ٢٣٧). وتقع مدرسة الصاحبة الآن شرقي الصالحية في حارة الأكراد. ينظر: «القلائد الجوهرية» (١/ ٢٣٦ - ٢٤٦)، و«منادمة الأطلال» (٢٣٧ - ٢٣٨).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩١).
(٤) القلائد الجوهرية (١/ ٢٣٧).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٩١ - ٣٩٢).
(٦) ينظر: (ص ٦٦) من هذا الكتاب.
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٣).
(٨) تنظر: (ص ٢١٦) من هذا الكتاب.
(٩) لم يبق منها الآن إلا القبة وبابها، وتقع في زقاق الصخر، مقابل ثانوية جودة الهاشمي. ينظر: «منادمة الأطلال» (١٨٣ - ١٨٥).
[ ٢١٨ ]
الجوانية (^١)، وذُكر له مدرسة ثالثة كانت في جامع دمشق؛ هي أشبه بحلقة تدريس (^٢). ومن أَوْلى من صديقه القديم سبط ابن الجوزي ليتولى النظر في شؤونه؟ ولذلك يفوّض إليه في هذا العام - أي: سنة ٦٤٥ هـ/ ١٢٤٧ م - النظر في أوقافه ومدارسه، ويقبل سبط ابن الجوزي هذا التفويض على كُرْه منه وحيَاء من الأمير (^٣).
وكان أمير دمشق وقتئذ جمال الدين بن مطروح يكن العداوة لعز الدين، فتواطأ مع جماعة من الأمراء على الإيقاع به، فزوروا رسالة إليه، وادعوا أنها جاءته من حلب من عند الصالح إسماعيل؛ عدو الصالح أيوب اللدود. فاتهموه بمكاتبته، وكتبوا إلى الصالح أيوب يخبرونه بذلك (^٤). وكان الصالح أيوب يطوي قلبه على بغضه لوقوفه في السنين السالفة مع أعدائه (^٥)، فأمر على الفور باعتقاله، وأن يُحمل إلى القاهرة تحت الحوطة، فاعتقل في ١٣ ذي القعدة سنة ٦٤٥ هـ/ ١١ آذار ١٢٤٨ م، وحُمل إلى القاهرة، واعتقل فيها.
وزاد الأمر سوءًا أن إبراهيم بن الأمير عز الدين (^٦)، لأمر ما مضى إلى
_________________
(١) درست آثارها، وقد حدد أبو شامة موقعها قديما، فقال: داخل دمشق بالكشك، تعرف قديما بدار ابن منقذ. قلت: يفهم من ذلك أن المدرسة العزية الجوانية كانت تقع شمالي جامع دمشق، قريبا من دار الأمير أسامة ابن منقذ؛ لأن داره كانت إلى جوار تربة السلطان صلاح الدين بن أيوب، وهي التي صارت المدرسة العزيزية. ينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ١٠٧)، و«كتاب الروضتين» (٤/ ٤٣٣)، و«منادمة الأطلال» (١٢٩، ١٨٦).
(٢) ينظر: «منادمة الأطلال» (١٨٦).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠١).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٢).
(٥) ينظر: (ص ٢٠٧، ٢٠٨) من هذا الكتاب.
(٦) ذكر سبط ابن الجوزي أن إبراهيم هذا ليس ابنا للأمير عز الدين من صلبه، وإنما هو ابن جاريته المنتحل إليه. وربما دفعه إلى هذا القول سوء تصرفه وعقوقه. أما أبو شامة - وكان صديقا لإبراهيم - فنسبه صراحة إلى أبيه عز الدين.
[ ٢١٩ ]
الصَّالح أيوب بمصر، ووشى بأبيه، قائلًا: إن أموال أبيه قد بعث بها إلى الحلبيين، وأول ما نزل بها من صرخد أودعها عند سبط ابن الجوزي. ثم سعى بحاشية أبيه كذلك قائلًا: عندهم أمواله فأمر الصالح أيوب باعتقال الحاشية، وحَمْلهم إلى مِصْر، فحملوا، ولم يظهر عليهم مما قيل درهم. ويبدو أن الصالح أيوب لم يجرؤ على اعتقال سبط ابن الجوزي معهم. ولما بلغ عز الدين، وهو في اعتقاله، اجتماع ابنه إبراهيم بالصالح أيوب، وقع إلى الأرض، وقال: هذا آخر عهدي بالدُّنيا. ولم يتكلّم بعدها (^١) حتى توفي في أوائل جمادى الأولى سنة ٦٤٦ هـ/ ٨ آب ١٢٤٨ م (^٢)، ودفن بباب النصر.
ويأسى سبط ابن الجوزي لِمَا حلّ بصاحبه الأمير عز الدين، وموته غريبًا مظلومًا، فينقلب على الصالح أيوب، وعلى أمير دمشق جمال الدين بن
_________________
(١) = ومال قطب الدين اليونيني إلى قول سبط ابن الجوزي، فقال: وهو أَخْبَرُ بذلك، ويدل عليه ما فعله به وبحاشيته. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٤٠٢)، و«المذيل على الروضتين» (٢/ ١٠٧)، و«ذيل مرآة الزمان» (١/ ١٧).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٢)، وذيل مرآة الزمان (١/ ١٦).
(٣) هذا ما ذكره ابن خلكان في تاريخ وفاته، وكان إذ ذاك بالقاهرة، وحضر الصلاة عليه ودفنه. والغريب حقا أن سبط ابن الجوزي اضطرب في تاريخ ترحيله إلى القاهرة، وسنة وفاته، ولم يتثبت منه. يظهر ذلك مما ساقه اليونيني في «ذيل مرآة الزمان» وهو ينقل غالبًا عنه، وإن لم يصرّح بذلك، فقال: «ولم يتكلم بعدها حتى مات، ودفن ظاهر القاهرة بباب النصر سنة خمس وأربعين وست مئة». وبذلك نتبين ما أسقطه اليونيني في اختصاره ل «مرآة الزمان» من ذكر سنة وفاته، ففيه «ولم يتكلم بعدها حتى مات ودفن بباب النصر». وهذا يتسق مع ما ورد في آخر كلام سبط ابن الجوزي عنه: وقيل: إنه مات سنة سبع وأربعين وست مئة. وهو ما ذكره كذلك اليونيني في «ذيله». ثم يعود سبط ابن الجوزي، ويضرب صفحا عما سلف، ويذكر أن عز الدين أيبك حمل إلى القاهرة تحت الحوطة سنة ٦٤٧ هـ، وقيل: في سنة ٦٤٦ هـ! ينظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٩٦)، و«مرآة الزمان» (٢٢/ ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٠٧)، و«ذيل مرآة الزمان» (١/ ١٦).
[ ٢٢٠ ]
مطروح. ويسعى جاهدًا إلى نقل عز الدين من القاهرة إلى دمشق، ودفنه في قبته في المدرسة العزية البرانية. فيتمُّ له ذلك بعد حين على يد أحد مماليك عز الدين، فيحمله في تابوت إلى دمشق. ويرثيه سبط ابن الجوزي بكلمات فيها حزن وعزاء، قائلًا: «خُتم للأمير عز الدين بالشهادة، كما عاش في دنياه تحت تلك السعادة … ودفناه في قُبَّته بين العلماء والفقهاء والمحدثين والقُرَّاء، وأعطاه الله في آخرته ما كان يتمناه في دنياه، وأناله أرفع الدرجات، والأعمال بالنيات» (^١).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣).
[ ٢٢١ ]