- ١ -
هو: يوسف بن حُسام الدين قِزْأُغْلي بن عبد الله، شمس الدين، أبو المُظَفَّر، التَّرْكي، العَوْني، الهُبَيْري، البغدادي ثم الدمشقي، والحنبلي ثم الحنفي، سبط الإمام العالم المحدّث الواعظ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد ابن الجوزي (^١).
_________________
(١) أجمعت المصادر على إيراد نسبه بهذا السياق على كثرتها، وورد في بعضها اسم أبيه: «قِزْأُوغلي»، و«قِزُغْلي». ويقال كذلك: «زُغْلي»؛ بحذف الألف والقاف تخفيفا. و«قِزْأُغْلي» و«قِزُغْلي» لفظ تركي، ترجمته الحرفية «ابن البنت»، وهو يتوافق معنى مع لفظ «السبط» بالعربية، فهل هو لقب للسبط أم اسم للأب، توافقا معنى، واختلفا لغة؟ صنيع القدماء على أنه اسم للأب، وبعضهم كان معاصرًا له كابن خلكان، وتلميذا له كالدمياطي. وذهب الأستاذ عباس العزاوي - وهو باحث معاصر - إلى أن قزأغلي هو نعت للسبط بالتركية، وليس اسما للأب، وصوابه هو يوسف قزأغلي بن عبد الله، جاعلا بذلك جده عبد الله هو اسم أبيه. وهو اجتهاد منه، لا يؤيده نص. ومشى على خطاه غير واحد من الباحثين. ينظر: «التعريف بالمؤرخين» (٧١). وأغرب الأستاذ حسام الدين القدسي بقوله: «قزغلي .. قزأغلي، كلاهما وما يتصحف عنهما خطأ، ويسعى بعضهم لتعليله تعليلًا أعجميا فاسدًا، والصواب: فرغلي، كما في نسخة قديمة من الوافي بالوفيات، وابن خلكان، وغيرهما من كتب الثقات»! قلت: وما ذكره هو تصحيف للاسم - وكذلك تصحف في مطبوع «الفوائد البهية» =
[ ١١ ]
ولا نعرف إلا القليل عن والديه.
فأبوه: حسام الدِّين قِزْأُغْلي من مماليك الوزير عون الدين يحيى بن محمد ابن هبيرة (^١)، وكان عنده بمنزلة الولد، فأعتقه (^٢). وبعد وفاته تدرجت الأحوال به حتى صار من أعوان صاحب المخزن ظهير الدين أبي بكر ابن العطار (^٣).
وأما والدته، فهي: رابعة بنت الشيخ عبد الرحمن ابن الجوزي (^٤)، ولا نعرف شيئًا عن أمها وأسرتها إلا خالها خاصْبَك، وكان من ملازمي مجلس الشيخ عبد القادر الجيلي، ويوحي اسمه أنه من أصول تركية (^٥).
وكانت رابعة على شيءٍ من العلم كسائر أخواتها (^٦)، فقد سمعتِ الحديث من أبيها ومن مُعظم مشايخه. وأوَّلُ أزواجها أبو الفتح بن رشيد الطَّبَري، زُفّت إليه في المحرم سنة ٥٧٢ هـ/ تموز ١١٧٦ م، ولم يطل عمره معها، فلما تأيمت بوفاته خطبها حسام الدين من أبيها، فزوجها له (^٧) ربما وفاء لمودة كانت له للوزير (^٨) وأولدها يوسف في رجب سنة ٥٨١ هـ/
_________________
(١) = فلا يلتفت لما ذهب إليه. ينظر: «شذرات الذهب» (٥/ ٢٦٦، حاشية رقم ٥)، و«الفوائد البهية» (٢٣٠). واغتر بقول القدسي ناشر وكتب «تذكرة الخواص»، و«إيثار الإنصاف»، و«الانتصار والترجيح»، فتابعوه على وهمه وتصحيفه! وينظر في ضبط قزأغلي: «تاريخ الإسلام» للذهبي (١٤/ ٧٦٨)، و«تاريخ علماء بغداد» (١٩١)، و«الأعلام» للزركلي (٨/ ٢٤٦).
(٢) وفيات الأعيان (٦/ ٢٣٩)، وتاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦٧).
(٣) ذيل مرآة الزمان (١/ ٣٩).
(٤) مرآة الزمان (٢١/ ٢٥٥).
(٥) مرآة الزمان (٢١/ ٢٣٥، ٢٢/ ١١٨)، والمذيل على الروضتين (١/ ١١٢).
(٦) مرآة الزمان (٢١/ ٧٨).
(٧) وهن شرف النساء، وزينب، وجوهرة، وست العلماء الكبرى، وست العلماء الصغرى. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ١١٨).
(٨) مرآة الزمان (٢١/ ٢٣٥، ٢٢/ ١١٨)، والمذيل على الروضتين (١/ ١١١ - ١١٢).
(٩) كان الوزير يحيى بن محمد ابن هبيرة من العلماء الوزراء، وزر للمقتفي لأمر الله العباسي، ومن بعده لابنه المستنجد بالله، ومات مسموما سنة ٥٦٠ هـ/ ١١٦٥ م، =
[ ١٢ ]
تشرين الأول ١١٨٥ م (^١).
ولعله ابنهما الوحيد، فإنَّه لم يحدثنا من بعد عن إخوة له أو أخوات.
_________________
(١) = وكان بينه وبين الشيخ عبد الرحمن ابن الجوزي صحبة ومودة. تنظر ترجمته في: «مرآة الزمان» (٢١/ ٥٨ - ٦٨)، و«كتاب الروضتين» (١/ ٤٤٠ - ٤٤١)، و«سير أعلام النبلاء» (٢٠/ ٤٢٦ - ٤٣٢). وما ذكره قطب الدين اليونيني - وتابعه بعض الباحثين - من أن الوزير ابن هبيرة هو من خطبها له، ولم يمكن الشيخ ابن الجوزي إلا إجابة الوزير إلى ذلك، فزوجها له؛ لا يصح، لما علمت من أن وفاة الوزير ابن هبيرة كانت سنة ٥٦٠ هـ/ ١١٦٥ م؛ أي: قبل أن يتزوجها أبو الفتح بنحو عشر سنين. ينظر: «ذيل مرآة الزمان» (١/ ٤٠). وما جاء في «وفيات الأعيان» (٦/ ٢٣٩): وكان أبوه قزغلي مملوك عون الدين ابن هبيرة، وزوجه بنت الشيخ جمال الدين أبي الفرج؛ لا يصح كذلك؛ لأن قوله: وزوجه، هي محرفة عن قوله: وزوجته بنتُ الشيخ ..، كما جاء في إحدى نسخه على الصواب.
(٢) هذا ما حدثه به خاله محيي الدين يوسف، وكان من لداته، ولعله في ذكره شهر مولده قد حفظ ما لم يحفظه غيره، ولذلك رجحته. ينظر: «ذيل مرآة الزمان» (١/ ٤٢)، واعتمده ابن خلكان في «وفيات الأعيان» (٣/ ١٤٢)، وتلميذه شرف الدين الدمياطي في «معجم شيوخه»، (ورقة ٢١١)، والذهبي في «تاريخ الإسلام» (١٤/ ٧٦٧). ولم يجزم به الحسيني في «صلة التكملة» (١/ ٣٤١) فقال: ومولده نحو سنة ٥٨١ هـ. وذكر سبط ابن الجوزي خاله يوسف في مواضع متفرقة من كتابه «مرآة الزمان»، وساق ترجمة مختصرة له (في الجزء ٢٢/ ١١٧). وكانت والدة سبط ابن الجوزي تخبره أن مولده سنة ٥٨٢ هـ/ ١١٨٦ م. ينظر: «وفيات الأعيان» (٣/ ١٤٢)، و«ذيل مرآة الزمان» (١/ ٤٢). أما الصفدي، وتابعه ابن شاكر الكتبي، فذكر أنه ولد سنة ٥٨٣ هـ/ ١١٨٧ م. ينظر: «الوافي بالوفيات» (٢٩/ ١٢١)، و«فوات الوفيات» (٤/ ٣٥٦). واختلف فيه قول ابن تغري بردي، فذكر في «النجوم الزاهرة» (٧/ ٣٩) أنه ولد سنة ٥٨٢ هـ، وفي «المنهل الصافي» (١٢/ ٢٣٢) أنه ولد سنة ٥٨٣ هـ، وأغرب في «الدليل الشافي» (٢/ ٨٠٥)، فقال: ولد سنة ٦٠٣ هـ!
[ ١٣ ]
ولما ترعرع يوسف اجتذبه جده إليه، فأقرأه وتفقه عليه، وأسمعه الكثير من مروياته، ومن غيره من العلماء (^١).
وكان يوسف يقيم وقتذاك في الحربية (^٢)؛ محلة الحنابلة غربي بغداد (^٣)، في دار مجاورة لقبر زاهدها الورع عليّ بن عمر المعروف بابن القزويني (المتوفى سنة ٤٤٢ هـ/ ١٠٥١ م)، فكان يقف على قبره، ويرى بركة زيارته (^٤).
ويختلف إلى حلقات شيوخها (^٥):
فقرأ القرآن على شيخ القُرَّاء (^٦) رَيْحان بن تيكان بن موسك - وكان قد ختم ألوفًا من الطلبة -، وسمع منه الحديث (^٧).
وسمع كذلك من: عبد الله بن أبي بكر بن أحمد بن طليب - ويعرف بابن السِّنْدان، وكان شيخا صالحًا ثقة (^٨) -، والواعظ عمر بن علي الحربي (^٩)، والزاهد العابد أبي العباس أحمد بن سلمان الحربي - وكان جاره، ويصلي خلفه في المسجد (^١٠)، والشيخ عبد الرحمن بن أبي حامد ابن عَصِيَّة الحربي (^١١)، والشيخ يوسف بن يعقوب الحربي (^١٢)،
_________________
(١) ذيل مرآة الزمان (١/ ٤٠)، وينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ١٤٥).
(٢) مرآة الزمان (١٨/ ٤٧٨).
(٣) مرآة الزمان (١٦/ ٤٢٥).
(٤) مرآة الزمان (١٨/ ٤٧٨)، وينظر: «سير أعلام النبلاء» (١٧/ ٦٠٩ - ٦١٣).
(٥) سبط ابن الجوزي كثير التدليس في أسماء شيوخه، ولهذا آثرت إيرادها كاملة كيلا تلتبس، ولم أنبه على ما تصحف منها أو تحرَّف فيما طبع من مؤلفاته لكثرتها.
(٦) سير أعلام النبلاء (٩٥/ ٢٢).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤١).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٢)، والجليس الصالح (٧٩، ١١٧، ١٤٩، ١٥٦، ١٦٣).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ١١٨).
(١٠) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤٤).
(١١) مرآة الزمان (١/ ٤٤٨، ٦/ ٤٤٤)، وينظر: «التكملة لوفيات النقلة» (٢/ ٦٦ - ٦٧)، و«توضيح المشتبه» (٦/ ٢٨٩).
(١٢) وروى عنه حكاية طريفة جرت في بغداد زمن الخليفة المستنجد بالله. ينظر: «مرآة الزمان» (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
[ ١٤ ]
وعبد الملك بن مظفر أبي غالب الحربي (^١)، وعبد العزيز بن محمود البزاز - المعروف بابن الأخضر (^٢)، وعبد الوهاب بن علي بن علي الصوفي - المعروف بابن سكينة (^٣)، وخاله أبي القاسم علي بن أبي الفرج (^٤)، وزوج خالته أبي الفتح عبد الوهاب بن بُزْغُش المقرئ (^٥)، وعبد العزيز بن دلف (^٦)، وأبي الحسن علي بن يحيى بن بركة القطان - وكان متكبّرًا جدًّا، كما وصفه (^٧)، والنجيب عبد المجيب بن أبي القاسم عبد الله بن
_________________
(١) تذكرة الخواص (١١٢، ٣٦٧)، والجليس الصالح (٥١، ٧١، ٩٣)، وتنظر ترجمته في: «تاريخ الإسلام» (١٢/ ١٢١٨).
(٢) ومن جملة ما سمع منه كتاب «فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» لأحمد ابن حنبل. ينظر: «مرآة الزمان» (٢/ ١٨٦، ٤/ ٣٨٤، ٦/ ٤٤٤، ٢٠/ ٤٦٠، ٢١/ ٢٦١، ٢٦٤)، وترجم له في الجزء (٢٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، ووفاته سنة ٦١١ هـ/ ١٢١٥ م، «وتذكرة الخواص» (١٩)، والجليس الصالح (٢٨)، و«المذيل على الروضتين» (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤)، و«سير أعلام النبلاء» (٢٢/ ٣١ - ٣٢).
(٣) مرآة الزمان (٢٠/ ٢٢٠، ٦/ ٤٤٤، ٧/ ١٠١، ٢٢/ ١٧٤). وروى عن مشايخه عبد الوهاب بن علي الصوفي، وعبد الرحمن بن أبي حامد ابن عصية الحربي، وعبد العزيز بن محمود البزاز حكاية عجيبة جرت للواعظ أبي منصور المظفر بن أردشير العبادي، المتوفى سنة ٥٤٧ هـ/ ١١٥٢ م. ينظر: «مرآة الزمان» (٦/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، ونقلها عنه الذهبي في كتابيه «تاريخ الإسلام» (١١/ ٩١٩)، و«سير أعلام النبلاء» (٢٠/ ٢٣٢). ثم أعاد ذكرها (في الجزء ٢٠/ ٢٥٦ - ٢٥٧)، ونسبها إلى رجل علوي!
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٢١).
(٥) مرآة الزمان (٢١/ ٢٥١، ٢٢/ ٢٠٤)، والجليس الصالح (٥٣، ٧٥، ٩٥)، وينظر: «معرفة القراء الكبار» (٣/ ١١٦٦ - ١١٦٧)، «وتاريخ الإسلام» (١٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥).
(٦) مرآة الزمان (٢١/ ٢٦١)، وينظر: «معرفة القراء الكبار» (٣/ ١٢٤١ - ١٢٤٢)، و«سير أعلام النبلاء» (٢٣/ ٤٤ - ٤٦).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ١٩٤). وذكر سبط ابن الجوزي أنَّ أبا الحسن هذا هو ابن أخت جدته فاطمة، وذكر أن وفاته سنة ٦٠٩ هـ.
[ ١٥ ]
زهير (^١)، وأبي طاهر إبراهيم بن أحمد بن محمد بن حَمَدِيَّة العُكْبَري (^٢)، والمسند المعمر أبي القاسم ذاكر بن كامل الخفاف (^٣).
وحصل إجازة من: محمد بن محمد بن حامد المعروف بالعماد الكاتب الأصفهاني (^٤)، وعلي بن هبة الله بن مسعود البغدادي البزاز (^٥)، وعبد الله بن منصور بن عمران الباقلاوي المقرئ (^٦)، وخطيب دمشق عبد الملك بن زيد الدَّولعي (^٧).
ويتردد إلى مجالس جدّه أبي الفَرَج، وهناك كان يلتقي بعض زائريه، منهم: الحسين بن أحمد الخياري، وكان حُفَظَةً للحكايات والأشعار والملح، فكان يوسف يستمع إلى حكاياته التي يحكيها لجده، وبقي عالقًا في ذاكرته بعضها، فأثبتها من بعد في «تاريخه» (^٨)
_________________
(١) = قلت: وفاطمة هذه هي أخت أبي الفرج لأمه، وهي فاطمة بنت عبد الله بن أحمد البغدادي البزاز، المعروف بابن الطُّوَيْرَة، توفيت سنة ٦٠٥ هـ/ ١٢٠٩ م. وسماها سبط ابن الجوزي جدته، وهي عمة أمّه رابعة، لمنزلتها الكبيرة عنده، وأم شيخه أبي الحسن هذا كذلك هي أخت جدّه أبي الفرج. ينظر: («مرآة الزمان» (٢٢/ ١٦٦) وفيه تحرف الطويرة إلى الطريزة)، و«ذيل تاريخ مدينة السلام» (٤/ ٥٦٥ - ٥٦٦ وفيه وفاته سنة ٦٠٠ هـ، وهو وهم)، والتكملة للمنذري (٢/ ١٥٠ - ١٥١، ٢٥٨ - ٢٥٩).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٦٣)، والجليس الصالح (١٠٥). وتصريحه بالسماع منه سقط سهوًا من طبعتنا للمرآة، فيستدرك من هنا، وهو في (٨/ ٣٥٠) من نسخة خطية مصورة في شيكاغو، سنة ١٩٠٧ م، و(٨/ ٥٣٨) من طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الدكن ١٣٧٠ هـ/ ١٩٥١ م.
(٣) الانتصار والترجيح (٦)، وسقط من المطبوع «إبراهيم» وهو اسمه، وله ترجمة في «مرآة الزمان» (٢٢/ ٤٥)، و«سير أعلام النبلاء» (٢١/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، و«توضيح المشتبه» (٣/ ٣٢٠).
(٤) الانتصار والترجيح (٦، ١٠)، وله ترجمة في «سير أعلام النبلاء» (٢١/ ٢٥٠ - ٢٥١).
(٥) مرآة الزمان (١/ ٦٧، ٢٢/ ١٢٠).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٣٦).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٥٥).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ١٢٦).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٨).
[ ١٦ ]
وفي الصيف يستروح من شدَّة حرّ بغداد في مقابر الإمام أحمد ابن حنبل، وكان يأوي إليها في ذلك الوقت رجل قادم من بلخ اسمه محمد، يكُنُّ من الحرّ في القباب ويصوم الدهر، ويتقوت بالخُبَّازى، ولا يكلّم أحدًا من خلق الله، فأحبَّه الصَّبي يوسف وأَنِسَ به، وكان يعتقده من الأبدال، وبقي هذا الشيخ مقيمًا في المقابر حتى سنة ٥٩٦ هـ/ ١٢٠٠ م، ثم غاب عن عينيه بعد ذلك (^١).
ويبدو أن وعيه تفتح أوّل ما تفتح على أخبار شخصيتين عظيمتين لم يدركهما، أولاهما: الشيخ الإمام العالم عبد القادر الجيلي (المتوفى سنة ٥٦١ هـ/ ١١٦٦ م) (^٢)، فقد أدرك جماعةً من مشايخه يحكون جملة من كراماته الظاهرة، منهم خاصْبَك؛ خاله لأمه، ورجل صالح من أهل الحربية يقال له مظفر (^٣). وثانيتهما: الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة (المتوفى سنة ٥٦٠ هـ/ ١١٦٥ م)، فقد سمع من مشايخه عنه حكايات عجيبة، أثبت بعضها فيما بعد في «تاريخه» (^٤).
وكان يتشوف على حداثة سنّه إلى رؤية كبار عصره، فقد رأى القاضي عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله؛ الملقب لذكائه وفطنته بالقاضي شريح. وبقيت صورته عالقةً في ذاكرته، فهو من ألطف العالم وأذكاهم. وكان هذا القاضي قد أمضى سني حياته الأخيرة منسيًا في سجنه حتى وفاته سنة ٦٠٣ هـ/ ١٢٠٦ م، فكتب عنه فيما بعد يقول: «كان فاضلا، مترسلا، بليغا جَوَادًا، سَمْحًا، حَسَنَ الصُّورة، فصيح اللسان متواضعًا، يصلح للوزارة .. ورسائله مدوّنة في مجلدين» (^٥).
ولم يكن يفوته ما يقع في بغداد من أحداث؛ فحين قُتل طغريل شاه؛ آخر سلاطين السلاجقة، ودخلوا برأسه مرفوعًا على خشبة إلى بغداد في
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤).
(٢) سير أعلام النبلاء (٤٥١/ ٢٠).
(٣) مرآة الزمان (٧٨/ ٢١).
(٤) مرآة الزمان (٦١/ ٢١ - ٦٣).
(٥) مرآة الزمان (١٥٦/ ٢٢ - ١٥٧).
[ ١٧ ]
جمادى الأولى سنة ٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م، كان الصبي يوسف يتطاول بين الجموع التي احتشدت لرؤيته، ويُحِدُّ النظر إليه بعينين شَعَّ فيهما بريق الفضول، فيكتشف أن الموت لم يغيّر من محاسن وجهه، فيصفه لنا من بعد بقوله: «كان من أحسن النَّاس صورةً، ووجهه كأنه القمر، وأثر النشابة في عينه، وعلى خده ضربة» (^١).
وبعيدًا عن تلك الصورة المحزنة شَهِدَ في ذلك العام نفسه مجلس الواعظ الكبير شهاب الدين عمر بن محمد السُّهْرَوَرْدِي، وهو يعظ برباط درب المقبرة، ومنبره طين، وعلى رأسه مئزر صوف (^٢).
* * *
ولم تمض الحياة بالصبي يوسف على هناءتها، فبعد أشهر قلائل من تلك السنة، وكان قد بلغ التاسعة من عمره، وقعت لجده الأثير لديه محنة قاسية انتزعته منه. فقد سيق الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي، أمام ناظريه - وهو في نحو الثمانين من عمره - إلى واسط، وأقام في دار بدرب الديوان، وفُرِضت عليه هناك إقامة جبرية، ووكل حارس على بابه (^٣).
وسبب محنته هذه عداوة قديمة كانت بين الوزير عبيد الله بن يونس، وأولاد الشيخ عبد القادر الجيلي (^٤)، أجَّجَ نارها كبس الوزير ابن يونس بيت حفيده عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر، وكانت عنده كُتُب كثيرة من كُتب الفلاسفة والمنطق والسحر، وهي محظورة في ذلك العصر، فحُكِمَ بإحراقها. وكان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي ممَّن أفتى بذلك، فأحرقت سنة ٥٨٥ هـ/ ١١٨٩ م على مرأى من النَّاس ومسمع. فأسرها عبد السلام في نفسه. ثم إن ابن يونس نكاية بعبد السلام وَلَّى ابن الجوزي مدرسة الشيخ عبد القادر (^٥).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٨).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٢١ - ٣٢٢).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣١)، والمذيل على الروضتين (١/ ٥٧).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٥، ٣٣، ٥٦ - ٥٧).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٥ - ٦)، والمذيل على الروضتين (١/ ١٧٧ - ١٧٨).
[ ١٨ ]
فلما وَلِيَ الوزارة محمد بن علي بن أحمد ابن القصاب في شعبان سنة ٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م (^١)، قبض على ابن يونس وكانت بينهما عداوة وراح يتتبع أصحابه، فقال له عبد السلام: أين أنت من ابن الجوزي؟ هو كان من أكابر أصحاب ابن يونس، وأعطاه مدرسة جدي، وأحرق كتبي بمشورته. فكتب ابنُ القصَّاب إلى الخليفة الناصر لدين الله، وساعده على ذلك جماعة، ولبسوا عليه الأمر، فأمر بتسليمه إلى عبد السلام (^٢).
ولعل الخليفة كان مضطغنًا كذلك على أبي الفرج لما أورده في تاريخه «دُرَّة الإكليل»، الذي ذيَّل فيه على تاريخه «المنتظم» (^٣)، فرآها فرصة لاعتقاله.
وتركت هذه الحادثة آثارًا لا تمحى في ذاكرة الصبي، طفت فيما بعد على قلمه، فكتب يقول: «كان جدي يسكن بباب الأزج في دار بنفشا (^٤)، وكان الزمان صيفًا، وهو جالسٌ في السِّرْداب يكتب، وأنا صبي صغير، وإذا بعبد السَّلام قد هَجَمَ عليه في السِّرْداب، وأسمعه غليظ الكلام، وختم على كتبه وداره، وشتّت عياله، وجرى عليهم ما لم يجر على أقلّ النَّاس. فلمَّا كان أوَّلُ الليل حملوا جدّي إلى سفينة، فأنزلوه فيها، ونزل معه عبد السلام لا غير، وعلى جدّي غلالة بغير سراويل، وعلى رأسه تخفيفة، وحدَرُوه إلى واسط، واستوفى منه الكلام، وجدي لا يجيبه» (^٥)
_________________
(١) الكامل لابن الأثير (١٢/ ١٠٨ - ١٠٩)، وسير أعلام النبلاء (٢١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣١)، والمذيل على الروضتين (١/ ١٧٦).
(٣) مرآة الزمان (٢١/ ٢٦١، ٢٢/ ٣٣).
(٤) هي بنفشا بنت عبد الله؛ جارية المستضيء الخليفة العباسي، وكان لأبي الفرج ابن الجوزي عندها منزلة عالية، توفيت سنة ٥٩٨ هـ/ ١٢٠١ م. تنظر ترجمتها في: «مرآة الزمان» (٢٢/ ١٢٥)، و«المذيل على الروضتين» (١/ ١١٧ - ١١٨)، وذكرت ثمة مصادرها.
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٣١، ٣٣، ٤٧)، والمذيل على الروضتين (١/ ٥٧).
[ ١٩ ]
وفي تلك الدار في واسط أقام الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي وحيدًا مع شيخوخته، ليس له من مُعين عليها، فكان يخدم نفسه، ويغسل ثوبه، ويطبخ ويستقي الماء من البئر (^١). وتلقى ذلك كله بالصَّبْر والحَمْد والشُّكْر (^٢).
* * *
في غيبة جده القسرية راح يوسف يُكمل وحده ما بدأه، فتابع اختلافه إلى حلقات العلم، فقرأ النَّحْو والأدب على الوجيه المبارك بن المبارك الواسطي (^٣)، وعبد الله بن الحسين أبي البقاء العُكْبري (^٤)، وسمع الحديث من مُسند العصر الشيخ الجليل عبد المنعم بن عبد الوهاب ابن كليب الحراني - وكان قد انتهى إليه علو الإسناد (^٥) -، والمحدث أبي القاسم يحيى بن أسعد ابن بوش (^٦)، والمُسند عمر بن محمد بن معمر المؤدّب الدَّارَقَزّي - المعروف بابن طَبَرْزد (^٧) -، وهبة الله بن الحسن بن المظفر الهمذاني (^٨)، وحمزة بن علي بن حمزة - المعروف بابن القبيطي (^٩) -، والمسند المعمر أبي طاهر المبارك بن المبارك ابن المعطوش
_________________
(١) المصدران السالفان.
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٩٥).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
(٤) تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦٨)، وينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢٤٢).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ١٩٥)، والجليس الصالح (١١٤، ١٤٥، ١٤٦)، وسير أعلام النبلاء (٢١/ ٢٥٨ - ٢٦٠).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٥٨، ١٩٥)، والجليس الصالح (٢٩٦).
(٧) يفهم من سياق كلام سبط ابن الجوزي أنه سمع من ابن طبرزد في بغداد، وهو ما صرح به قطب الدين اليونيني. ينظر: «مرآة الزمان» (١/ ٤٤٤، ٢٢/ ١٩٥، ١٧٤ - ١٧٥، ٣٩٣)، و«الجليس الصالح» (٤٨، ١٣٨) و«ذيل مرآة الزمان» (١/ ٤٢). وذكر الذهبي في كتابيه: تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦٧)، و«سير أعلام النبلاء» (٢٣/ ٢٩٧) أنه سمع منه بدمشق. قلت: ولا يستبعد ذلك، فلعله سمع منه مرتين: الأولى في بغداد، والثانية في دمشق، والله أعلم.
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ١٢٧).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤٦ - ١٤٧).
[ ٢٠ ]
الحَرِيمي (^١)، وأبي القاسم عبد الله بن علي بن النفيس الأنباري (^٢). وقرأ على علي بن أحمد بن سعيد بن الدَّبّاس أبي الحسن المقرئ (^٣).
وأجاز له شعره نقيب الطالبيين بالبَصْرة يحيى بن محمد أبو جعفر العلوي، وكان قد قدم بغداد، ومدح الخليفة الناصر لدين الله بقصائد، وكان رقيق الشعر، مليح النظم (^٤). وحصل إجازة كذلك من قاضي تكريت يحيى بن القاسم بن المفرج التكريتي (^٥).
ولا ندري مع مَنْ رحل - وهو في نحو الحادية عشرة من عمره - إلى هَمَذَان، ليسمع من مُسْنِدها الجليل أبي الغنائم شيرويه بن الشيخ الأجل المحدّث شَهْرَدار أبي منصور الحافظ (^٦).
وفي بغداد ينازعه الحنين إلى جده، فيختلف إلى مجالس وعظ أصدقاء جدّه: الشيخ عبد المنعم بن علي بن الصيقل الحراني بمسجد باب المشرعة (^٧)، والشيخ محمد بن سعد الله بن نصر الدجاجي برباط الأخلاطية (^٨)، والشيخ الزاهد محمود بن عثمان بن مكارم النعال، وكان
_________________
(١) تذكرة الخواص (١١٠، ١٢٨)، والجليس الصالح (٢٧، ٤٧، ٥٣، ٦٥، ٧٠، ٢٩٥)، وتنظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (٢١/ ٤٠٠ - ٤٠١).
(٢) تذكرة الخواص (١٢٤)، والجليس الصالح (١٢٣، ١٣٤، ١٣٥)، وينظر: «تاريخ الإسلام» (١١/ ٨٩٥).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ١٣١)، وينظر: «معرفة القراء الكبار» (٣/ ١١٥٦ - ١١٥٨).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٥).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٤٥).
(٦) الانتصار والترجيح (١٢ - ١٣)، وقد ذكر أنه سمع منه بهمذان في رجب سنة ٥٩٢ هـ، وتحرفت في المطبوع منه إلى ٥٧٢ هـ! وتنظر ترجمة أبي الغنائم في: «التكملة لوفيات النقلة» (٢/ ٣٠)، و«تاريخ الإسلام» (١٢/ ١١٩٨ - ١١٩٩).
(٧) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤٤ - ١٤٥).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤٥). والأخلاطية: هي سلجوقي خاتون بنت قليج رسلان بن مسعود، زوجة الخليفة الناصر لدين الله، وكانت حظية عنده، وتوفيت سنة ٥٨٤ هـ/ ١١٨٨ م. ينظر: «مرآة الزمان» (٢١/ ٣٦٤).
[ ٢١ ]
يزوره في رباطه بباب الأَزَجٌ. وكان شيخًا مهيبًا لطيفا، كيسًا باشا، مبتسمًا، يصوم الدهر، ويختم القرآن كلَّ يوم وليلة، ولا يأكل إلا من غزل عمته. وفي رباطه يتعرف سبط ابن الجوزي إلى أهل العلم من المقادسة نزلاء صالحية دمشق، فقد كانوا يأوون إليه، وكان الشيخ محمود يؤثرهم على غيرهم (^١).
وطالما حدثه شيخه عبد الكريم عن عمه الشيخ الزاهد الحنبلي حسن بن مسلم بن أبي الحسن، فيسعى سبط ابن الجوزي إلى زيارته في زاويته بالفارسية؛ وهي قرية بنهر عيسى.
وكان الشيخ حسن قد قضى من عمره أربعين سنة لا يكلم أحدًا من النَّاس، فهو صائم الدهر، وقائم الليل، يقرأ كلَّ يوم وليلة ختمة. فيحكي له جماعة من مشايخ القرية أن السّباع تنام طوال الليل حول زاويته، ولا تتعرض لأحد، وأن فقيرًا نام في الزاوية في ليلة باردة، فاحتلم، فنزل إلى النهر ليغتسل، فجاء السَّبع، فنام على جُبَّته، فكاد الفقير يموت من البرد والخوف، فخرج الشيخ حسن، وجاء إلى السَّبع، وضربه بكمه، وقال: يا مبارك، قد قلنا لك: لا تتعرض لضيفنا، فقام السَّبع يهرول (^٢).
ولم يكن ليخفّف من مس فقده لجده ما يقع أحيانًا في بغداد من مشاهد ساخرة، ولعل أشهرها ما وقع سنة ٥٩٣ هـ/ ١١٩٧ م حين قدم إليها من القدس الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين، منتميا للخليفة الناصر لدين الله، ومفارقًا لملوك بني أيوب، يومئذ خرج جميع أهل بغداد للقائه، وفيهم الفتى سبط ابن الجوزي. كان رأس أبي الهيجاء صغيرًا وبطنه كبيرًا جدا، فكان يندلق على رقبة البغلة التي يركبها. وحين مرَّ بالحربية رآه رجل كواز، فعمل من ساعته كُوزًا من طين على هيئته، وسبقه فعلقه في السوق، فلما اجتاز به أبو الهيجاء ضحك، ثم عمل بعد ذلك أهل بغداد كيزانًا على صورته، وسَمَّوْها أبا الهيجاء السمين (^٣).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٩٣).
(٢) مرآة الزمان (٥٩ - ٦٠/ ٢٢).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٦، ٥٢، ٦٧).
[ ٢٢ ]
وكادت السنة الخامسة على حبس جده تُطوى، وهو في محبسه بواسطة، لم يدخل خلالها حمامًا قط، ولا قرأ سورة يوسف في ختمته للقرآن التي كان يختمها كلَّ يوم، حزنًا على ولده يوسف؛ سميّ سِبْطه (^١).
حتى كان يوم وقف فيه للخليفة الناصر لدين الله - وهو في بستان يتنزه - هذا الابن البار محيي الدين يوسف، وبيده قِصَّة يذكر فيها ما نال أباه وأهله من الضُّرّ، فرق له الخليفة، وأمر بالإفراج عن أبيه. فرجع الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي إلى بغداد في شعبان سنة ٥٩٥ هـ/ حزيران ١١٩٩ م، فخُلِعَ عليه، وأعيد إلى مجلس وعظه عند تربة أم الخليفة.
وفي أول مجالسه للوعظ بعد انقطاعه الطويل عنها تمثل ببيت الشريف الرضي:
إن كان لي ذنب ولم آتِه … فاستأنف العفوَ وَهَبْ ما مضى (^٢)
وعاود سبط ابن الجوزي بنشاطِ الجَذْلان حضور مجالس وعظ جده (^٣)، وهو الحامل للوائه في عصره (^٤)، ينهل منه طريقته وأسلوبه فيما كان يُسمَّى السَّجْع الوعظي (^٥)، وكان لجده فيه ملكة قوية (^٦)، مع ما أُوتِيَ
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣١ - ٣٢)، والمذيل على الروضتين (١/ ٥٧).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٦٧، ١١٧). وذكر سبط ابن الجوزي أن بيت الشريف الرضي هذا أورده في ترجمته - أي: (في الجزء ١٨/ ٢٤٧)، وما بعدها من «المرآة»، في وفيات سنة ٤٠٦ هـ، ولم أقف عليه فيه، ويبدو أن قطب الدين اليونيني قد حذفه في اختصاره. ولم أقف على البيت كذلك في «ديوانه».
(٣) ينظر: «مرآة الزمان» (١/ ١٣٤، ١٥/ ٤١٨).
(٤) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٧).
(٥) ساق سبط ابن الجوزي بعض سجعات جده في الوعظ في ترجمته له. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ١٠٠، ١٠١).
(٦) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٧٧).
[ ٢٣ ]
من طيب الصوت، وحُسْن الحديث، ومعرفة فنونه، ورشاقة عبارته، ولطف شمائله (^١)، وتمثل سبطه ذلك تمام التمثيل. وخَبَرَ وَقْع كلامه في النفوس، فمما سمع من أقواله في مواعظه: «من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه * الطاعة تبسط اللسان، والمعاصي تُذلُّ الإنسان» (^٢)، وسمعه مرة يقول على المنبر: «كتبتُ بأصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مئة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني» (^٣). وسمعه مرة ينشد في مدح الإمام الشافعي:
من أراد الهدى بقول ابن إدري س … هداه وأين كالشافعي
وشفاء العِيّ السُّؤالُ وأَنَّى … بإمام سواه كشاف عِيّ (^٤)
ولعل مديح جده هذا للإمام الشافعي أثار فضوله، فسأله ذات يوم: يا سيدي، لِمَ وقع بعض المحدّثين في أبي حنيفة، رحمة الله عليه؟ فأجابه جده: لأنه أخذ بالقياس. فبادره السبط بقوله: غيره من الأئمة قد أخذ بالقياس! فرد عليه الجد: ولكن هو أكثر قياسًا منهم. فلم يقنع السبط بالجواب، ورد قائلا: هلا وقعوا في أولئك بقدر ما أخذوا من القياس؟ فسكت الشيخ أبو الفرج وكأنه انقطع عن الجواب (^٥). ولا شك أنه كان مسرورا بما ظهر من بديهة سبطه في الحوار على حداثة سنه.
* * *
ومع حضور سبط ابن الجوزي مجالس جده، وما كان يسمعه من شيوخه من الحديث والحكايات، كانت ثقته بنفسه تترسخ، حتى إذا آنس فيها القدرة على أن يجلس كجده لوعظ الناس، وربما بتشجيع منه، عقد أوَّلَ مجلس له سنة ٥٩٦ هـ/ ١٢٠٠ م، وهو في نحو الخامسة عشرة، عند قبر الإمام أحمد ابن حنبل. ويبدو أن مجالسه التي تتالت بعد وجدت قبولًا من
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٧).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١٠٢).
(٣) مرآة الزمان (٩٤/ ٢٢).
(٤) مرآة الزمان (١٣/ ٤١٧).
(٥) ينظر: «الانتصار والترجيح» (٩).
[ ٢٤ ]
أهل بغداد، فوصفها على أسلوبه في السجع بقوله: «فكان يجتمع فيها خلق عظيم، ويهب على تلك المجالس من القبول نسيم، وتَعْرِفُ فيها نَضْرَةَ النَّعيم، ويصحبها كلُّ بارد من الطيب وكل تكريم، وسلام قولا من رب رحيم» (^١).
وفي تلك السنة سمع من جده كتابه «الثبات عند الممات» (^٢)، و«جزء ابن الغِطريف»، وكان جده قد انفرد بروايته، وهو جزء مشهور بين المحدثين (^٣). وربما في نحو تلك الأيام سمع منه «مشيخته» (^٤).
وفي مجلس من مجالس وعظه سمعه ينشد بيتين، تركا في قلبه أثرًا لا يُمحى، وكان جده قد ذكرهما من قبل في كتابه «التبصرة»، وهما:
أهوى عليًا وإيمانٌ مَحَبَّتُهُ … كم مشرك دمه من سيفهِ وَكَفَا
إنْ كنتَ وَيْحَكَ لم تسمع فضائِلَهُ … فاسمَعْ مناقبهُ مِنْ «هل أتى» وكفى (^٥)
وفي تلك السنة كذلك ابتدأ سبط ابن الجوزي بسماع «مسند الإمام أحمد ابن حنبل» على شيخه عبد الله (^٦) بن أحمد بن أبي المجد، بروايته له عن أبي القاسم بن الحصين (^٧)، وبقراءة عزّ الدين محمد بن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (^٨)، وكان عزُّ الدين أحسن الناس قراءة وأسرعها (^٩). وكان يحضر معه مجالس السماع أخوه جمال الدين
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٨٠).
(٢) مرآة الزمان (٧/ ١٢٦).
(٣) تذكرة الخواص (٤٩). وابن الغطريف: هو أبو أحمد محمد بن أحمد ابن الغطريف الجرجاني، المتوفى سنة ٣٧٧ هـ/ ٩٨٧ م، تنظر ترجمته في: «الوافي بالوفيات» (٢/ ٦١)، و«الرسالة المستطرفة» (٨٨).
(٤) مشيخة ابن الجوزي (٣٨ - ٣٩، ٤٩).
(٥) تذكرة الخواص (٣١٧)، وينظر: كتاب «التبصرة» لأبي الفرج ابن الجوزي (١/ ٤٤٥).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤١)، والجليس الصالح (٢٧). وسمع منه كذلك غير «المسند». ينظر: «مرآة الزمان» (٢/ ٢٠٣).
(٧) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦١).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤١، ٢١٤).
(٩) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٤٣).
[ ٢٥ ]
عبد الله (^١)، ولعل صلة سبط ابن الجوزي بهذين الأخوين هي التي قادته فيما بعد إلى صالحية دمشق حيث كان يقيم المقادسة (^٢).
ومع سماعه «المسند» لم يُغفل سماع الشّعر، فكان يلتقي الشاعر المهذب أبا الدُّرِّ الرُّومي، الساكن في المدرسة النظامية، وكان من المتعاطفين مع محنة جده (^٣)، فينشده من أشعاره (^٤)، ويحدثه من أخباره (^٥)، وكان لأبي الدر شهرة في ذلك العصر (^٦).
وكان شيخه عبد الوهاب بن علي بن علي الصُّوفي، المعروف بابن سكينة، صديقًا لجده أبي الفرج، ملازمًا لمجالسه ويزوره، فسأله أبو الفرج ذات يوم بعد عودته من واسط أن يُلبس ابنه محيي الدين يوسف خرقة التصوف، فألبسه إياها (^٧)، وألبسها كذلك - ربما في اليوم نفسه لسبطه شمس الدين يوسف (^٨).
ولم تطل الحياة بالشيخ أبي الفرج ابن الجوزي بعد الإفراج عنه، فكان آخر مجالسه للوعظ يوم السبت ٧ رمضان سنة ٥٩٧ هـ/ ١١ حزيران ١٢٠١ م، وقد أنشد فيه أبياتا عذبة (^٩)، لعله نظمها أيام حبسه في واسط (^١٠)، قال فيها:
الله أسألُ أن يطوّل مُدَّتي … وأنال بالإنعام ما في نيتي
لي هِمَّةٌ في العِلْم ما من مِثْلها … وهي التي جَنَتِ النُّحول هي التي
خُلِقَتْ من القَلَقِ العظيم إلى المُنى … دُعِيَتْ إلى نَيْلِ الكمال فلبَّتِ
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣١٧).
(٢) ينظر: (ص ٣٣) من هذا الكتاب.
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٦).
(٤) مرآة الزمان (٢١/ ٢٩٠).
(٥) مرآة الزمان (٢١/ ٢٩٩).
(٦) توفي سنة ٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م، تنظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (٢٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
(٧) المذيل على الروضتين (١/ ٢١١ - ٢١٢).
(٨) تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦٨).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ١١٤).
(١٠) المذيل على الروضتين (١/ ١٠٨).
[ ٢٦ ]
كم كان لي من مجلس لو شُبِّهَتْ حالاتُهُ لتشبهتْ بالجَنَّةِ فما إن نزل عن المنبر حتى أقعده مرض الشيخوخة، وتوفي ليلة الجمعة بين العشاءين في داره بقطفتا (^١)؛ بالجانب الغربي من بغداد (^٢)، وله نحو سبع وثمانين سنة (^٣).
ووقف سبطه في عزائه، يتكلم عن حياته ومناقبه، وعينه تفيض بالدمع على فراقه (^٤). ولحبه ووفائه له أفرد من بعد ترجمة ضافية له في كتابه «مرآة الزمان» (^٥).
* * *
ويبدو أنَّ سبط ابن الجوزي قد أصاب منزلة في بغداد على صغر سنّه، فحين تُوفِّيتْ زُمُرُّد خاتون - والدة الخليفة الناصر لدين الله في جمادى الأولى سنة ٥٩٩ هـ/ ١٢٠٣ م، وكانت امرأة صالحة، كثيرة المعروف والصَّدَقات - كان هو أحد المتكلمين في عَزَائها. وقد اتفق يوم وفاتها نزول الثلج، وزيادة دجلة زيادة عظيمة، فتكدر نهر عيسى، وتربتها قريبة منه، فأنشد أبياتا، منها:
شابت ليوم وفاتها لِمَمُ الثَّرى … حُزْنًا وجاد لها النَّدَى ببهائه
فلنهر عيسى بعد أُنْسٍ وَحْشَةٌ … وبمائِهِ كَدَرٌ بُعيد صفائِهِ
قامت قيامته فأضحى زائدًا … يَنْمِي وذلك مُؤْذِنٌ ببكائِهِ
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١١٤)، والمذيل على الروضتين (١/ ١٠٨).
(٢) معجم البلدان (٤/ ٣٧٤).
(٣) ذكر سبط ابن الجوزي أن ولادة جده في سنة ٥١٠ هـ على وجه الاستنباط لا على وجه التحقيق. وكان على ما يبدو حريصًا على ضبطها، فقد سأله غير ما مرة عن مولده، وفي كلها يقول له: ما أحققه، ولكن يكون تقريبا في سنة عشر وخمس مئة. ثم إنه سأل أخا جده عمر بن علي، فقال له: في سنة ثمان وخمس مئة. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٠/ ٩٥، ٢٢/ ٩٤، ٩٥).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ١١٥).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٩٣ - ١١٨).
[ ٢٧ ]
وخَلَعَ الخليفة بعد شهر من وفاتها على الأعيان، ومن لم يخلع عليه أعطاه مالًا، ولا شك أن سبط ابن الجوزي قد أصاب يومذاك من خِلَعِ الخليفة أو ماله (^١).
بيد أن الحياة في بغداد لم تَصْفُ له بعد وفاة جده الأثير لديه، والحاني عليه. ولعل مما زاد من ضيقه ما كان يعصف بأسرة الشيخ أبي الفرج من مناكفات وعداوات بين خاليه: محيي الدين يوسف؛ صاحب الخُلُق الحميد، والبار بأبيه في حياته وبعد مماته (^٢)، وخاله أبي القاسم علي؛ الشديد المناوأة لأبيه في حياته.
وما كان أبو الفرج، وهو الواعظ الكبير، ليترك ابنه عليًا على جهالاته، فكان لا يني يردِّدُ على مسامعه نصائحه، مرشدًا له إلى نهج الصَّواب، وهل غير العلم والعمل به يُفضي إليه؟ ولذلك ألَّف له كتابه «لفتة الكبد إلى نصيحة الولد»، راسما له طريق النجاة والرفعة في الدنيا والآخرة، ومؤملًا ألا يُخَيِّب ظنه فيما رجاه منه، سائلًا الله له أن يوفقه للعلم والعمل معا (^٣).
وأصَمُّ عليٌّ سمعه عن نصائح أبيه وإرشاداته، واستمر سادرًا في غيِّه، يوالي من يعاديه (^٤)، ثم صرَّح بعداوته له زمن حبسه بواسط، فأظهر مصنفاته، وباعها بثمن بخس بيع العبيد، ولم يكتفِ بذلك، بل صادق أعداءه (^٥)، ولا سيما عبد السلام حفيد الشيخ عبد القادر، الذي كان سبب محنته (^٦). وقد جمع بينهما عدم الورع (^٧)؛ فهجره أبوه ساخطًا عليه، ومات.
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٢٨ - ١٢٩).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١١٧)، والمذيل على الروضتين (١/ ١١٠).
(٣) ينظر: «لفتة الكبد إلى نصيحة الولد» (٢٦ - ٢٧، ٧٨).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٢)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٥٣).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ١١٧، ٣٢١)، والمذيل على الروضتين (١/ ١١٠).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٢)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٥٣).
(٧) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٥٦).
[ ٢٨ ]
وهو غير راض عنه (^١). فلم يشهد عليٌّ وفاته (^٢)، وحين ذهبوا بجنازته إلى تحت تربة أم الخليفة مكان جلوسه، صلى عليه عليٌّ اتفاقًا؛ لأنَّ الأعيان لم يقدروا على الوصول إليه (^٣).
وبعيد وفاة أبيه تمادى عليٌّ في استهتاره، وسوَّلت له نفسه إفساد ابن أخته يوسف، فدعاه ذات يوم إلى زيارة صديقه عبد السلام، قائلا له: لي صديق يشتهي أن يراك، ولم يعرفه من هو، ولندع سبط ابن الجوزي يحدّثنا عما رآه في زيارته تلك، قال: «فمشيت معه، فأدخلني إلى دار شممت من دهليزها رائحة الخمر، ودخلنا، فإذا الركن عبد السلام جالس، وعنده صبيان مردان، وهو في حالة قبيحة، فلم أقعد، فصاح خالي والركن، فلم ألتفت، فتبعني خالي، وقال: خجلتني من الرجل. فقلتُ له: لا جزاك الله خيرًا. وأسمعته غليظ الكلام» (^٤).
هذه الحادثة وأمثالها ربما عزَّزت لديه الرغبة في مغادرة بغداد، في رحلة لطلب العلم، وليمتحن قدرته في الوعظ فيما يمر به من بلاد، بعد أن نجح في الوعظ في بغداد.
وما ندري هل كان والداه على قيد الحياة قبيل مغادرته بغداد؟ فسبط ابن الجوزي لم يعد يحدثنا عنهما أبدًا، إلا تلك الإشارة اليتيمة إلى والده، حين روى عنه حادثة تتعلق بصاحب المخزن ونائب الوزارة ظهير الدين أبي بكر ابن العطار (^٥)، وإلى والدته حين حدثته عما سمعته من جده أبي الفرج قبيل وفاته (^٦).
* * *
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٢١)، وينظر: «سير أعلام النبلاء» (٢٢/ ٣٥٣).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ١١٧).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ١١٤).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٢)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٥٣).
(٥) مرآة الزمان (٢١/ ٢٥٥، ٢٦٨ - ٢٦٩).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ١١٤).
[ ٢٩ ]