- ١ -
مع نهاية انحسار فيضان النيل، وذلك في ٢٣ رجب سنة ٦٤٧ هـ/ ٣١ تشرين الأول ١٢٤٩ م، أخذ الصَّليبيون في الاستعداد للخروج من دمياط للزحف نحو القاهرة. ولما أتموا استعداداتهم خرجوا منها في ١٢ شعبان/ ٢٠ تشرين الثاني - قبيل وفاة الصالح أيوب بيومين - متجهين جنوبًا نحو المنصورة (^١).
وفي طريقهم إليها اعترضتهم فروعُ النّيل، وأكبرها فرع يعرف بالبحر الصَّغير، يتفرع من مجرى النيل الرئيسي جنوبي المنصورة، ويسير مجتازًا أشموم طناح إلى بحيرة المنزلة، عازلًا بذلك ما يعرف بجزيرة دمياط. خلف هذا البحر الصغير حشد الأمير فخر الدين معظم قواته، وأرسل خيالته لإيقاع الاضطراب في صفوفهم عند اجتيازهم فروع النيل. بيد أن هذه المناوشات لم توقف زحفهم، وتابع الملك لويس التاسع تقدمه ببطء وحذر (^٢) حتى وصل إلى فاسكور، وسفنه في النيل تحاذيه، ثم رحل منها يوم الخميس ٢٤ شعبان/ ٢ كانون الأول.
وعلى مقربة من فاسكور دارت رحى معركة بين المسلمين والصليبيين في ٢٩ شعبان/ ٧ كانون الأول، ارتدت على إثرها الخيالة المصرية (^٣).
_________________
(١) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٥٥).
(٢) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٥٧).
(٣) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٥٧).
[ ٢٣١ ]
وقتل من الصليبيين عدة (^١).
وشد من أزرهم ما تسرب إليهم من أنباء عن وفاة الصالح أيوب، فتشجعوا لدى سماعها، ورأوا أن حكومة مؤلفة من امرأة ورجل كهل لن تلبث أن تنهار (^٢). فتابعوا طريقهم مجدين، ونزلوا بشارمساح. وفي يوم الاثنين ٧ رمضان/ ١٤ كانون الأول نزلوا البرمون، فاشتد الخطب، وعظم الكرب لقربهم من المنصورة. وفي ليلة الاثنين ١٣ رمضان/ ٢٠ كانون الأول (^٣)، عسكر الصليبيون على ضفاف البحر الصغير تجاه المنصورة (^٤)، ورست سفنهم إلى جانبهم، ووقفت سفن المسلمين بإزاء المنصورة. فخندق الصليبيون عليهم خندقا، وأداروا سورا وستروه بالستائر، ونصبوا المجانيق، ووقع القتال بين الصليبيين والمسلمين برا وفي النيل (^٥).
* * *
أما في حصن كيفا فقد وصل إليه فارس الدين أقطاي (^٦) وحث المعظم تورانشاه على سرعة الحركة، وطلب منه أن يوليه الإسكندرية، فوعده بها (^٧).
وخوفا من أن يحول بدر الدين لؤلؤ؛ صاحب الموصل والحلبيون بينه وبين مقصده، تنكر المعظم تورانشاه (^٨)، وخرج من حصن كيفا يوم السبت ١١ رمضان سنة ٦٤٧ هـ/ ١٨ كانون الأول ١٢٤٩ م مع جماعة من أصحابه وخواصه، تاركا فيه ابنه الملك الموحد عبد الله، وله نحو عشر سنين.
وسار مجدا (^٩)، عابرا البلاد. ولم يفطن له أحد من ملوك الأطراف حتى
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٤٧).
(٢) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٥٧).
(٣) مفرج الكروب (٦/ ١٠٧ - ١٠٨)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٤٧).
(٤) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٥٨).
(٥) مفرج الكروب (٦/ ١٠٨)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٤٧).
(٦) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٤٥).
(٧) مفرج الكروب (٦/ ١٠٦).
(٨) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٢).
(٩) مفرج الكروب (٦/ ١٠٦).
[ ٢٣٢ ]
وصل إلى عانة (^١)، وهي من بلاد الخليفة (^٢) بعد أربعة أيام (^٣)، فعدى الفرات (^٤)، متوجهًا إلى دمشق على طريق بادية السماوة (^٥)، حتى وصل إليها يوم الثلاثاء ٢٩ رمضان/ ٥ كانون الثاني، فأقام بقلعتها، وأحسن إلى أهلها (^٦). ووردت إلى القاهرة بشائر وصوله إلى دمشق، واستقراره بقلعتها في ٤ شوال/ ١٠ كانون الثاني (^٧).
وأرسل الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ جماعة من المماليك إلى دمشق، تستعجله في القدوم إلى مصر، فأوهمه بعضُهم أن فخر الدين قد حلف العساكر لنفسه، ومتى وصلت قتلك. فتوقف المعظم في دمشق، وأنفق الأموال ليستميل بها عسكر مصر، وحلف المماليك الذين بعثهم فخر الدين إليه على قتله (^٨).
وبقي المعظم مقيمًا في دمشق سبعة وعشرين يومًا (^٩)، ثم خرج منها إلى المنصورة يوم الإثنين ٢٦ شوال/ ١ شباط (^١٠)، وقد عزم حين وصوله إليها على الفتك بالأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ، لما بلغه عنه من طمعه في الملك، ومحبَّة النّاس له (^١١).
- ٢ -
وكان القتال في تلك الأيام متصلا بين المُسلمين والصليبيين (^١٢)، وكان أكثر ما ينكي بالصليبيين هؤلاء المطوّعة الذين يتحيَّلون في التخطَّفِ منهم كل حيلة (^١٣).
_________________
(١) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٢).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٠٦).
(٣) مفرج الكروب (٦/ ١٠٨).
(٤) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٢).
(٥) مفرج الكروب (٦/ ١٠٨).
(٦) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٢).
(٧) مفرج الكروب (٦/ ١١٠).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٠).
(٩) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٩).
(١٠) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٢).
(١١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٩).
(١٢) مفرج الكروب (٦/ ١١١).
(١٣) مفرج الكروب (٦/ ١٠٩ - ١١٠).
[ ٢٣٣ ]
وظل الجيشان نحو ستة أسابيع على تلك الحالة (^١)، يفصل بينهما البحر الصغير - وكان فيه مخايض رقاق (^٢) - حتى كان يوم جاء فيه أحد الأقباط إلى معسكر الملك لويس التاسع، وعرض عليه أن يدله (^٣) على مخاضة من تلك المخايض تعرف بمخاضة سلمون (^٤)، يعبرون منها البحر الصغير، لقاء مال يعطيه له (^٥).
وفي فجر الثلاثاء ٥ ذي القعدة سنة ٦٤٧ هـ/ ٩ شباط ١٢٥٠ م، ركب الصليبيون، وقصدوا تلك المخاضة (^٦)، وشرعوا في اجتيازها، وتولى روبرت الأخ الثاني للملك لويس التاسع قيادة مقدمة الجيش، بمن كان بها من الداوية، وتلقى منه أوامر صارمة بألا يهاجم المصريين إلا بعد أن يأذن له. وعبر الصليبيون المخاضة في عناء وبطء، ولم يكد روبرت يجتاز البحر الصغير مع رجاله حتى عزم على المبادرة بالهجوم، خشية أن يضيع عنصر المفاجأة، فأهمل أوامر الملك، وأصر على متابعة الزحف إلى معسكر المسلمين (^٧). فلم يشعر المسلمون إلا والصَّليبيون (^٨) قد حملوا عليهم وقت السَّحَر على غِرَّة (^٩)، فاندفعوا بين أيديهم مهزومين (^١٠).
في ذلك الوقت كان الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ يغتسل في الحمام (^١١)، فأتاه الصَّريخ بأن الصليبيين قد هجموا على المعسكر (^١٢)، فخرج مدهوشًا، لم يتسنَّ له لبس لأمة الحرب، وركب فرسه على عجل (^١٣) ليكشف الخبر، وليس معه سوى بعض مماليكه وأجناده، فالتقى مصادفة
_________________
(١) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٥٨).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١١١).
(٣) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٥٨).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١١١).
(٥) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٥٨).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١١١).
(٧) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩).
(٨) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٤٩).
(٩) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٢).
(١٠) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٨، ٤١١).
(١١) مفرج الكروب (٦/ ١١١).
(١٢) مفرج الكروب (٦/ ١١١).
(١٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٤٩).
[ ٢٣٤ ]
كتيبة من الداوية، فحملوا عليه، فهرب من كان معه (^١)، وتركوه وحيدًا يدافع عن نفسه، فطعنه واحدٌ من الداوية برمح في جنبه (^٢)، فوقع عن الفرس، وتكاثروا عليه، فضربوه في وجهه بالسيف عرضًا وطولًا ضربتين، فقتلوه، وله من العمر ست وستون سنة (^٣).
وبمقتل الأمير فخر الدين (^٤) تمت لروبرت السيطرة على المعسكر. وعندئذ توسل إليه مقدم الداوية أن ينتظر حتى يجتاز الملك وسائر الجيش المخاضة ليلحقوا به، بيد أن هذا النصر السريع فتح شهية روبرت للقتال، فعزم على أن يستولي على المنصورة (^٥).
ومع أن العساكر قد انهزموا بين يديه (^٦) إلا أن مماليك الصالح أيوب البحرية - وفيهم ركن الدين بيبرس البندقداري (^٧) - ظلوا متماسكين (^٨).
وبدهاء ورباطة جأش تركوا الصليبيين يتدفقون على المدينة، وقد كمنوا لهم في سككها وشوارعها، حتى إذا بلغوا أسوار قلعتها (^٩)، وتفرقوا في
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١١).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٤٩).
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١١). ثم حُمِلَ من أرض المعركة في مركب إلى القاهرة، فدفن عند والدته، قريب من ضريح الإمام الشافعي، ولم يخلف إلا بنتًا واحدة. تنظر ترجمته في: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٤١٠ - ٤١٢)، ومفرج الكروب (٦/ ١١٣ - ١١٥)، واستقصيت مصادرها في تحقيقي لكتاب «المذيل على الروضتين» (٢/ ٩٢).
(٤) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٠).
(٥) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٥٩).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٤٠٨).
(٧) كان ركن الدين بيبرس البندقداري مملوكًا للأمير علاء الدين أيدكين البندقداري؛ أحد مماليك الصالح أيوب، وأمرائه الكبار، واتفق أن الصالح أيوب غضب عليه مرة واعتقله، وأخذ مماليكه، وركن الدين واحدًا منهم، فصار له. وهو الذي سيحكم من بعد مصر والشام، ويلقب بالظاهر بيبرس. ينظر: «مفرج الكروب» (٦/ ١٢٨)
(٨) مفرج الكروب (٦/ ١١٢)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٠).
(٩) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٦٠).
[ ٢٣٥ ]
أزقتها (^١)، وانهزم الناس منهم يمينًا وشمالًا (^٢)، وأيقنوا بالظفر، انقضّ عليهم هؤلاء المماليك، وحملوا عليهم حملة واحدة عظيمة، زعزعوا بها صفوفهم، وأخذتهم سيوفهم، فأثخنوا فيهم قتلًا وجرحًا، وطرحوهم في أزقة المنصورة، وكادوا يستأصلونهم (^٣)، حتى حال بينهم الليل (^٤)، فلم يُفلت منهم إلا عدد قليل. واعتصم روبرت وحرسه في بيت من بيوتها، غير أن المماليك اقتحموا البيت، وأجهزوا عليه مع حرسه (^٥).
وهذه هي أولى المعارك التي كان النَّصْر فيها حليف هؤلاء المماليك وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم. ووردت بشراها على المعظم تورانشاه، وهو في طريقه إلى مصر (^٦).
- ٣ -
وبينما كان الملك لويس التاسع على وشك الفراغ من اجتياز البحر الصغير، بلغته هزيمة الصليبيين بالمنصورة، فبادر على الفور بإقامة خط أمامي لمواجهة ما يتوقعه من هجوم من قبل المماليك. وأمر المهندسين بإنشاء جسر على مجراه، واتخذ الرماة مواضعهم على الطرف البعيد للنهر كي يحموا الجند عند عبورهم، وكان لويس حريصًا على أن يلحقوا به (^٧).
ولم يلبث المماليك أن خرجوا من المنصورة، وهجموا على موقع الصليبيين الجديد، ليحولوا دون بنائهم الجسر، فلم ينجحوا في ذلك، واكتمل بناؤه مع غروب شمس يوم الأربعاء ٦ ذي القعدة/ ١٠ شباط. فاجتازه الرماة الصليبيون، ورجع المماليك إلى المنصورة. ونصب الملك لويس التاسع معسكره في ذلك الموقع، وعلم وقتئذ بمصرع أخيه روبرت،
_________________
(١) مفرج الكروب (٦/ ١١١).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٠).
(٣) مفرج الكروب (٦/ ١١٢).
(٤) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥١).
(٥) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٦٠).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١١٣).
(٧) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٦٠ - ٤٦١).
[ ٢٣٦ ]
فاغرورقت عيناه بالدموع (^١). وألفى نفسه في موقف صعب خطير، يُشبه ما حدث من قبل للحملة الصليبية الخامسة (^٢)، فها هو جيشه يقف في مكان قريب من المكان الذي وقفت فيه، لا يريم، فالكارثة التي حلت به في المنصورة جعلته عاجزًا عن شنّ هجوم عليها، ولا نجاة له مما هو فيه إلا أن يقع في مصر من الاضطرابات والفتن ما يحملهم على أن يعرضوا عليه شروطًا للصلح يقبلها. وإلى أن يحين ذلك لجأ إلى تحصين معسكره، وتدعيم الجسر على البحر الصغير (^٣).
* * *
وتتواتر الأخبار بقرب وصول المعظم تورانشاه إلى مصر، فيخرج القاضي بدر الدين السِّنْجاري إلى لقائه بغزة، ثم يخرج الأمير حسام الدين بن أبي علي إلى قرب الصَّالحية، فيتلقاه بها يوم السبت ١٦ ذي القعدة/ ٢٠ شباط، وينزل بها في قصر والده، ويقدم إليه جمع كثير من الأمراء ومماليك والده للسلام عليه، ويقع وقتئذ التصريح بوفاة الصالح أيوب، بعد كتمان له دام نحو ثلاثة أشهر (^٤)، ولم يكن أحد قبل هذا اليوم ينطق بموته (^٥).
ثم يرحل المعظم من الغد إلى المنصورة (^٦)، ويصل إليها يوم الخميس ٢١ ذي القعدة/ ٢٥ شباط (^٧)، ويتلقاه الأمراء والمماليك البحرية، ويستقر في قصر أبيه (^٨).
وأول ما بدأ به أن أخذ مماليك الأمير فخر الدين يوسف الصغار، واستولى على ثروته التي خلفها، ولم يعط ورثته شيئًا، وأخذ يسبه (^٩)، ويجعل حسناته سيئات، ويقول: أنفق الأموال وأطلق المحابيس، أيش ترك
_________________
(١) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٦١).
(٢) ينظر: (ص ١١٦) من هذا الكتاب.
(٣) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٦٢).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١١٥ - ١١٦).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٢).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١١٦).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٣).
(٨) مفرج الكروب (٦/ ١١٨).
(٩) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٣).
[ ٢٣٧ ]
لي أنا؟ فكان حفظه الملك وسياسة العسكر، ومقاتلة الفرنج من أكبر ذنوبه، على حدّ تعبير سبط ابن الجوزي (^١).
ثم ركب المعظم بالعساكر إلى قبالة الصليبيين، وناوشهم القتال، وشدَّد حصارهم في منزلتهم التي نزلوها. وقدَّم إليه جماعة من العلماء، منهم الشيخ العلامة عز الدين بن عبد السلام (^٢).
* * *
وكانت الميرة تأتي للصليبيين من دمياط، فعمد المسلمون إلى مراكب حملوها على الجمال إلى بحر المحلَّة، وألقوها فيه، بعد أن شحنوها بالمقاتلة، مستفيدين مما فيه من ماء أيام زيادة النيل، وكمنوا للصليبيين. فلما حاذتهم مراكبهم المقلعة من دمياط، خرجوا عليها، ووقع القتال بين الفريقين. وأمدَّتِ المسلمين أساطيلهم منحدرة من جهة المنصورة، فطوقوا بذلك مراكب الصليبيين، وأخذوهم أخذا باليد، فقتلوا وأسروا منهم نحو ألف، وسلبوا نحو خمسين مركبًا، واستولوا على ما فيها من ميرة، ثم حملوا الأسرى على الجمال، وقدموا بهم إلى المنصورة. وانقطعت بسبب ذلك الميرة عن معسكر الصليبيين، وضعفوا ضعفًا شديدًا، واشتد عندهم الغلاء من يومئذ، وعدِمت الأقوات، وباتوا محصورين لا يستطيعون المُقام ولا الذهاب. واستضرى عليهم المسلمون، وطمعوا فيهم (^٣).
وحاول الصليبيون مرة أخرى إيصال الميرة إلى معسكرهم المحاصر، فخرج عليهم المسلمون في مراكبهم يوم الإثنين ٩ ذي الحجة/ ١٥ آذار، وهو يوم عرفة، فالتقوا بمراكب الصليبيين، فاستولوا منهم على نحو اثنين وثلاثين مركبا، فازداد عند ذلك ضعف الصليبيين، وقوي عندهم الغلاء (^٤).
وأدرك الملك لويس التاسع حينئذ أنْ لا بدَّ له من بذل ما في وسعه
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١١).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١١٩).
(٣) مفرج الكروب (٦/ ١٢٠ - ١٢١).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١٢٢).
[ ٢٣٨ ]
لتخليص جيشه، وذلك بالتقهقر نحو دمياط، وأعدَّ نفسه للدخول في مفاوضات مع المسلمين. فأرسل إلى تورانشاه يعرض عليه (^١)، أن يسلم دمياط مقابل تسليم بيت المقدس له، وبعض بلاد الساحل (^٢). بيد أن الوقت قد فات على شرط كهذا الشرط بعد أن عرف المسلمون ما عليه من ضعف (^٣)، فلم تقع الإجابة إلى ذلك. فأسقط في يد الملك لويس، وعزم حينئذ على التقهقر إلى دمياط (^٤)، ودعا قادته للاجتماع به لمناقشة هذا الأمر، فتوسلوا إليه أن يتسلل بحرسه إلى دمياط، فأبى في كبرياء أن يتخلى عن رجاله. فتقرَّر نقل المرضى على السفن بطريق النيل، وأن يتخذ الأصحاء من الجند الطريق الذي سبق أن سلكوه في قدومهم (^٥).
واستعدادًا للرحيل أحرق الصليبيون يوم الجمعة ٢٦ ذي الحجة/ ١ نيسان أخشابهم كلها كيلا يستفاد منها، وأتلفوا مراكبهم (^٦). وفي ليلة الأربعاء ٢ المحرم سنة ٦٤٨ هـ/ ٧ نيسان ١٢٥٠ م (^٧) رحلوا بفارسهم وراجلهم متوجهين إلى دمياط ليمتنعوا بها، وانحدرت مراكبهم في النيل قبالتهم (^٨). واتخذ الملك لويس التاسع مكانه في مؤخرة الجيش كيما يشجع العساكر الذين ضلوا الطريق.
وتنبه المماليك البحرية في المنصورة لتحرُّك الصليبيين، فنهضوا لمطاردتهم، واكتشفوا أن الصليبيين جميعًا قد اجتازوا البحر الصغير، وأن مهندسيهم نسوا أن يدمروا الجسر العائم، فاجتازوه (^٩). ومع طلوع صباح يوم الأربعاء كان المسلمون قد أحاطوا بالصليبيين في فارسكور، وبذلوا
_________________
(١) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٦٤).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٢٢).
(٣) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٦٤).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١٢٢).
(٥) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١٢٢)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٤).
(٧) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٣).
(٨) مفرج الكروب (٦/ ١٢٤).
(٩) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٦٥).
[ ٢٣٩ ]
فيهم سيوفهم، واستولوا عليهم قتلا وأسرًا (^١)، ولم يسلم منهم إلا الشاذ (^٢). وأبلت المماليك البحرية، ولا سيما ركن الدين بيبرس البندقداري في هذه الوقعة بلاء حسنًا، وبان لهم أثر جميل.
والتجأ الملك لويس التاسع وعدَّة من أكابر أصحابه إلى تل منية (^٣) عبد الله من ناحية شرمساح (^٤)، ووقفوا به مستسلمين، طالبين الأمان، فأتاهم الطواشي جمال الدين محسن الصالحي، فأمنهم (^٥)، فنزلوا على أمانه. واقتيدوا إلى المنصورة، فقيد الملك لويس بقيد من حديد، واعتقل في دار فخر الدين إبراهيم بن لقمان؛ كاتب الإنشاء، ووكل بحفظه الطواشي صبيح المعظمي (^٦)؛ أحد خُدام المعظم تورانشاه (^٧).
وسيرت البشائر بهذا النصر العظيم إلى مصر والقاهرة وسائر البلاد (^٨) وطلب المعظم من الملك لويس، وهو في حبسه، بألا يتنازل فحسب عن دمياط، بل عن كل ما للصليبيين في بلاد الشام. فأجابه لويس بأن هذه البلاد تخص الملك كنراد بن الإمبراطور فردريك الثاني، وما من أحد غيره يستطيع أن يتخلى عنها. فبادر إلى إغفال هذا الاقتراح، وألزمه أن يفتدي نفسه بمبلغ ضخم، فوافق الملك لويس (^٩).
ورحل المعظم والعساكر (^١٠)، ومعه الملك لويس (^١١) من المنصورة باتجاه دمياط، ونزل بفاسكور، وأقيم مخيمه فيها، ونُصب له إلى جانبه برج من خشب، كان يصعد إليه في بعض الأوقات (^١٢) للهوه (^١٣).
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٥).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٢٤).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٦).
(٤) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٤).
(٥) مفرج الكروب (٦/ ١٢٤).
(٦) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٦).
(٧) مفرج الكروب (٦/ ١٢٤).
(٨) مفرج الكروب (٦/ ١٢٦).
(٩) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٦٧).
(١٠) مفرج الكروب (٦/ ١٢٦).
(١١) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٦٧).
(١٢) مفرج الكروب (٦/ ١٢٦).
(١٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٦).
[ ٢٤٠ ]
والغريب حقا أن المعظم تورانشاه تراخى عن قصد دمياط، ولو أسرع الوصول إليها، والنزول عليها، وطلب تسليمها والملك لويس التاسع في قبضته لحصل له ذلك في أقرب الأوقات (^١).
_________________
(١) مفرج الكروب (٦/ ١٢٦ - ١٢٧).
[ ٢٤١ ]