لله در التاريخ (^٢)، بهذه العبارة المفعمة بنشوة الغبطة يعبر سبط ابن الجوزي عن ولعه بهذا الفن الجميل؛ فن التاريخ، وبشفافية شاعر حقًا، لا تستغرب من واعظ موهوب، يختار لكتابه عنوانًا رائعًا؛ «مرآة الزمان»، تاركا لخيالك أن يسافر عبر الزمن لترى في مرآته ما كان يراه.
وبعبارته هذه اختصر سبط ابن الجوزي أشواق الإنسان للتاريخ على اختلاف انتماءاته وعصوره. ثم علَّل ما أجمله بقوله: لأن الفطر السليمة، والفكر المستقيمة تستشرف إلى معرفة البدايات، وتشرئب إلى إدراك المنشآت. ومن تدبر مجاري الأقدار، ومبادي الليل والنهار، صار كأنه عاصر تلك العصور، وباشر تلك الأمور (^٣)، ولذلك مال الناس «إلى سماع أنباء الأنبياء، والخلفاء والملوك والوزراء والأدباء والشعراء .. وإلى النظر في سير الفضلاء والزهاد والعباد والصلحاء»، بيد أن «الغالب على التواريخ جمع الغث والسمين، والواهي والمتين، والتكرار الخالي
_________________
(١) ذيل مرآة الزمان (١/ ٤٢)، وصلة التكملة (١/ ٣٤١).
(٢) مرآة الزمان (٢/ ٢٧٥).
(٣) مرآة الزمان (١/ ٥).
[ ٢٦٤ ]
عن الفوائد والفرائد» (^١).
لذا رأى أن يؤلف هذا التاريخ، مقدّمًا له بفصول خمسة تكون لتقرير قواعده كالأصول، وهي:
الفصل الأول: في معرفة التأريخ، وهل فرَّقت العرب بينه وبين التوريخ.
الفصل الثاني: في عيون التواريخ والآثار وأسانيد الأخبار.
الفصل الثالث: في انقضاء مُدَّة العالم وما تقدّم من السنين وتقادم.
الفصل الرابع: فيما ينبغي للمؤلف استعماله من الكلام المتسق النظام.
الفصل الخامس: في تراجم الأبواب (^٢).
ثم يشرع بعد ذلك بسرد الوقائع عبر العصور، مفتتحا لها بسيرة نبينا محمد ﷺ، مسلسلا حوادثها على الترتيب الحولي في كل عام، ويترجم لمن توفي فيه من الأعيان والأعلام (^٣). منزّها كتابه - كما ذكر - عن «الخرافات التي ما تسمع إلا من العُميان في الطرقات» (^٤). متسائلا: «هل وضعت التواريخ إلا لتميّز بين الصحيح والسقيم، والسالم والسليم؟» (^٥).
ويبدو أنه ساق كثيرًا من أخباره بأسانيده عن شيوخه، كصنيعه في سائر مؤلفاته، وسماه «مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ليكون اسما يوافق مسماه، ولفظًا يطابق معناه» (^٦).
وكان سبط ابن الجوزي أمينًا لمنهجه الذي اختطه، فأكب على تأليف
_________________
(١) مرآة الزمان (١/ ٦).
(٢) مرآة الزمان (١/ ٧).
(٣) مرآة الزمان (١/ ٦).
(٤) مرآة الزمان (١٤/ ٧٦).
(٥) مرآة الزمان (١/ ٢٧٩).
(٦) مرآة الزمان (١/ ٦). وانفرد أبو المعالي السلامي بتسميته: «مرآة الزمان في وفيات الفضلاء والأعيان». ينظر: «تاريخ علماء بغداد» (١٩١).
[ ٢٦٥ ]
كتابه من أول فصل فيه، وعنوانه «في معرفة التاريخ» (^١)، وحتى آخر خبر خطه قبيل وفاته، حين ألم به مرض حال بين قلمه وأوراقه (^٢). فبلغت مجلداته بخطه نحو أربعين مجلدًا (^٣).
ويبدو أن طوله حال دون تعدُّدِ نُسَخِه، فاقتصرت الاستفادة منه بين معاصريه على نسخته التي بخطه، الموقوفة بدمشق (^٤)، حتى نَهَدَ لاختصاره إلى نحو نصفه ابن صديقه قطب الدين موسى ابن الفقيه الحنبلي محمد بن أحمد بن عبد الله اليونيني (^٥) البَعْلَبكي، المتوفى سنة ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٦ م (^٦)، حاذفًا منه في جملة ما حذف أسانيد سبط ابن الجوزي عن شيوخه، ثم ذيل عليه من سنة ٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م، إلى ما قبيل وفاته (^٧).
وصدر ذيله بمقدمة ذكر فيها باعثه على اختصاره، فقال: «فإنَّه لما كانت الأذهان مصروفة إلى معرفة أخبار من مضى، والاطلاع على أحوال
_________________
(١) مرآة الزمان (١/ ٩ - ١٤).
(٢) ينظر: (ص ٢٦١) من هذا الكتاب.
(٣) وفيات الأعيان (٣/ ١٤٢، ٦/ ٢٣٩، ٣٥٣)، وذكر قطب الدين اليونيني أنه في سبعة وثلاثين مجلدًا. ينظر: «ذيل مرآة الزمان» (١/ ٤٢).
(٤) ممن استفاد منها من معاصريه أبو شامة في «المذيل على الروضتين» (١/ ٩٨)، وابن خلكان في «وفيات الأعيان» (٣/ ١٥٤، ٦/ ٢٣٩).
(٥) ينظر: (ص ٢١٧) من هذا الكتاب.
(٦) ينظر: «معجم الشيوخ» للذهبي (٢/ ٣٤٨)، و«البداية والنهاية» (١٦/ ١٩٤ - ١٩٥)، و«الدرر الكامنة» (٤/ ٣٨٢)، و«الدليل الشافي» (٢/ ٧٥٢)، و«الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ» (ص ٦٧٢).
(٧) ذيل مرآة الزمان (١/ ٤٢)، وتاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦٨)، ومعجم الشيوخ للذهبي (٢/ ٣٤٨)، والبداية والنهاية (١٦/ ١٩٥). طبعت منه دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن أربعة أجزاء، تشتمل على الوقائع من سنة ٦٥٤ هـ/ إلى سنة ٦٨٦ هـ، وذلك سنة ١٣٨٠ هـ/ ١٩٦٠ م، وأصدرت هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، المجمع الثقافي، تاريخ السنوات ٦٩٧ - ٧١١ هـ، دراسة وتحقيق الدكتور حمزة عباس، وذلك سنة ١٤٢٨ هـ/ ٢٠٠٧ م، وهي آخر ما عثر عليه منه.
[ ٢٦٦ ]
من قضى الله له بما قضى، ليستفاد بذلك من سيرة الطراز الأول، والوقوف عند نص أحاديثهم التي بها يُعتبر وعليها يُعوّل، صنّف الناس في ذلك كُتبًا، وساروا بأفكارهم فجلبوا من أخبار الأمم حطبًا وذهبًا. ولما وقفت على بعض ما نصُّوه، وتأملتُ ما أنبؤوا به عن السالفين وقصّوه، رأيتُ أجمعها مَقْصِدًا، وأعذبها موردًا، وأحسنها بيانًا، وأصحها رواية، يكاد خبرها يكون عيانًا، الكتاب المعروف بمرآة الزَّمان، تأليف الشيخ الإمام شمس الدين أبي المُظَفَّر يوسف سِبْط الإمام جمال الدين عبد الرحمن ابن الجوزي، الذي ضمنه ما علا قدره على كل نبيه، ووفّق به على من يناويه، فشرعت في اختصاره، وأخذتُ في اقتصاره» (^١).
ودلل اليونيني على هذا الاختصار بقوله أحيانًا: قال المصنف ﵀ (^٢).
ومن معالمه كذلك إسقاطه بعض تراجمه (^٣)، وتصريحه بتلخيصه بعض أخباره (^٤)، واختصاره لتعليقاته (^٥)، وأحيانًا بتعقيبه عليها (^٦)، وبحذفه لبعض الأشعار لشعراء مشهورين، لم ير فائدة في إيرادها لشهرتها (^٧).
ولم يقف اليونيني عند اختصاره، بل تعداه إلى إضافات يسيرة يزيدها عليه، يصرح في بعضها بنقلها من «وفيات الأعيان» لابن خلكان (^٨)، وبعضها من كتاب «التاريخ الباهر» لابن الأثير (^٩)، ومن «النوادر السلطانية» لابن
_________________
(١) ذيل مرآة الزمان (١/ ٢).
(٢) ينظر على سبيل المثال: «مرآة الزمان» (٢/ ٣٢٢، ٣/ ١١٥، ١٤٦، ٤/ ٧٦، ١٣٤، ٢٤٠، ٢٤٤، ٣٠٩).
(٣) ينظر على سبيل المثال إسقاطه ترجمة الشيخ علي المعروف بالحريري، المتوفى سنة ٦٤٥ هـ/ ١٢٤٨ م. ينظر: «المذيل على الروضتين» (٢/ ٣ - ٨٤)، وتعليقي ثمة.
(٤) مرآة الزمان (٢١/ ٦٨).
(٥) مرآة الزمان (٩/ ٣٨٤، ١٩/ ٤٢١).
(٦) مرآة الزمان (١٣/ ٤٠٨، ١٩/ ٤٢١).
(٧) مرآة الزمان (١٧/ ٣٧١).
(٨) مرآة الزمان (١٧/ ٣٨٥، ١٨/ ١٢٩، ٢١/ ٦٨، ١٩٦، ٢٠٢، ٣٩٧، ٤٠٠، ٢٢/ ٦٣، ٧٧).
(٩) مرآة الزمان (٢١/ ٧٠).
[ ٢٦٧ ]
شَدّاد (^١)، ويغفل بعضها الآخر (^٢)، بل نراه أحيانًا يزيد ترجمة عَلَم من المشاهير؛ لأن سبط ابن الجوزي لم يترجم له (^٣)، ويعتب عليه لأنه قصر في بعضها الآخر، ويستدرك عليه ما فاته منها على زعمه (^٤)، ولعل من أهم زياداته تلك الرسالة المطولة من الخليفة الناصر لدين الله إلى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وجواب صلاح الدين عنها، وذلك بعيد فتح بيت المقدس (^٥).
وساهم اختصار قطب الدين اليونيني له بضياع أصل الكتاب، وشيوع المختصر، وهو ما استفاد منه على الأرجح ابن كثير في «البداية والنهاية» (^٦)، وابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة» (^٧)، وغيرهما من المؤرخين المتأخرين (^٨).
وهذا المختصر هو الذي بين أيدينا الآن على اختلاف نسخه، ولا سيما نُسختي العلائي وأحمد الثالث، وهما من أتمها. ومن مِنَن الله عليَّ - وهي لا تُحصى - أني أوَّلُ من وقف على ذلك من المحققين والباحثين الذين سبقت لهم العناية بهذا الكتاب (^٩). وعلى اختصار اليونيني له سيكون استعراضي لأهم موضوعاته وفصوله.
* * *
_________________
(١) مرآة الزمان (٢١/ ٤٠٠).
(٢) مرآة الزمان (١٢/ ٢٠٣، ٢٠/ ٣٣١ - ٣٣٢، ٢١/ ٣٩٨ - ٤٠٠).
(٣) مرآة الزمان (٢١/ ٣٢ - ٣٥، ١٩٦ - ٢٠٢).
(٤) مرآة الزمان (٢١/ ٧٩ - ١٣٠).
(٥) مرآة الزمان (٢١/ ٣٢٥ - ٣٤٣، ٢٢/ ٦٧).
(٦) البداية والنهاية (١٥/ ٣٠١).
(٧) النجوم الزاهرة (٥/ ٢٩٣، ٧/ ٣٩)، وقد نقل في الموضع الأول قصيدة منه، ثم قال في آخرها: وقد نقلتها من خط عَقِدٍ لا يُقرأ إلا بجُهد. وكأنه يصف بذلك خط اليونيني، ولو كان خط السبط لصرح بذلك، والله أعلم. ثم إنَّ ما جاء فيه مما صرح بنقله من «المرآة» يتوافق مع ما في نسختي العلائي وأحمد الثالث.
(٨) ينظر: «مفتاح السعادة» (١/ ٢٣٥).
(٩) ولعل الدكتور شاكر مصطفى هو أول من تنبه إلى أن طبعة حيدر آباد منه هو
[ ٢٦٨ ]
لم يلتزم قطب الدين اليونيني في اختصاره بإيراد كل ما ورد في الفصول الخمسة التي قدَّم بها سبط ابن الجوزي لتاريخه، بل اختار منها اثنين، الفصل الأول في معرفة التاريخ، وهل فرَّقت العرب بينه وبين التوريخ (^١). ثم قفز إلى الفصل الثالث في انقضاء مُدَّة العالم وما تقدَّم من
_________________
(١) = المختصر، بيد أنه جزم أن ثمة نسخة كاملة من «المرآة» في مكتبة أحمد الثالث بإستانبول، وذلك في كتابه «التاريخ العربي والمؤرخون» (٢/ ٢٦٢). وأطال الوقوف عند هذه المسألة الدكتور مسفر بن سالم الغامدي في مقدمة ما حققه من سنواته، ثم جزم كذلك أن نسخة أحمد الثالث هي النسخة الكاملة منه لا المختصرة، متابعًا في ذلك الدكتور علي سويِّم، معلِّلا تعقيبات اليونيني على بعض أخباره بأنها من تعليقات قارئ للكتاب. ينظر تحقيقه للمرآة (١/ ١٠٦، ١٠٨، ١٢٢)، وستأتي الإشارة إلى طبعته (ص ٢٨٠) من هذا الكتاب. ثم إن ما أُشير إلى اختصاره في حواشي تحقيق طبعة الرسالة إنما كان بتوجيه مني. وقد ضرب عنها صفحًا كاتب مقدّمتها، فقال: «ليس للكتاب نسخة خطية كاملة وسليمة، وإنما هي أجزاء متفرقة من نسخ متعددة … وبعضها كان أجزاء من مختصر اليونيني»!. ينظر: «مرآة الزمان» (١/ ٨، ١٣). ولعل سائلا يسأل: ما دام ما بين أيدينا من «مرآة الزمان»، هو مختصر اليونيني، فلم لم نطلق عليه «مختصر مرآة الزمان»؟ وقد أجبت عن ذلك في مقدمتي الموجزة التي صدَّرتُ بها تحقيقي لجزئه العشرين، وملخصها أن الاعتماد في تحقيقه كان على عِدَّة نُسخ منه، أتمُّها نسختا العلائي وأحمد الثالث، وهما من اختصار اليونيني، وبعضها من اختصار غيره، وقد أشير إلى رموزها في الحواشي. ورغبة مني في إخراج نص من «المرأة» أقرب ما يكون إلى الأصل الذي تركه مؤلفه، آثرت تسميته «مرآة الزمان»؛ لأنه لا يمكن نسبة الكتاب إلى اليونيني، للزيادة التي أضيفت من غيره. ينظر: «مرآة الزمان» (٢٠/ أ - ب). فليُقبل منّي ما قمت به على أنه الصورة الأتم لما وصل إلينا من «المرآة»، ونُسبَتُه إلى سبط ابن الجوزي هي نسبة إلى مؤلّفه الذي وضع أصله، ولا غَضَّ فيها من جهد أحد. وإذا كنتُ أستسمح بذلك الباحثين، وأبسط لهم عُذري، فإن من سبقني من المحققين نشروا هذه المختصرات، ولم يتفطنوا إلى أنها مختصرات، ونسبوها جازمين إلى سبط ابن الجوزي على أنها «مرآة الزمان»، ولم يتوقف عند قولهم أحد!
(٢) مرآة الزمان (١/ ٩ - ١٤).
[ ٢٦٩ ]
السنين وتقادم، وهو فصل طويل، قَسَّمه إلى فصول قصيرة لها عناوين مستقلة، افتتحها بفصل في انقضاء مدة العالم وابتدائه (^١)، ثم ثنَّى بفصل في حدث العالم وإثبات الصانع بالدلائل القواطع (^٢).
ومما ذكره في هذه الفصول حدّ الزمان والأيام، وخلق الأرضين، ومساحتها، وذكر أقاليمها، وبلدانها، وجبالها وهضابها، ومعادنها، وبحارها، وجزائرها، وعيونها وأنهارها، وما في الدنيا من العجائب والغرائب. ثم ذكر سكانها، ومن ملكها وقطع سبلها وسلكها، وانتقل إلى ذكر النار، وخلق الجن والشياطين. ثم تحدَّث عن السموات وخَلْقها، وبروجها ومطالعها، وما بين كل سماء وسماء، وذكر الشمس والقمر، والنجوم السيارة والثابتة ومطالعها. ثم تحدث عن البيت المعمور، وسدرة المنتهى، والكرسي والعرش وحملته، والملائكة المقربين، ثم ختمها بفصل عن الجنة وما لله على عباده في خلقها من المنة (^٣).
ثم شرع بذكر فصول عن الأنبياء وقصصهم، وافتتحها بذكر قصة آدم، وانتهى بقصة عيسى ابن مريم (^٤)، ثم عقد فصلا في عدد الأنبياء والمرسلين وذكر ما بينهم من السنين (^٥)، وفصلا في ترتيب كبارهم (^٦).
ثم انتقل للحديث عن الأمم الماضية والقرون الخالية، فبدأ بذكر الهند وممالكها، ثم ملوك الصين، والفرس، ووقف مطولا عند العرب وأنسابهم، ثم ذكر من كان في الفترة بين عيسى ﴿﵇﴾ ونبينا ﴿ﷺ﴾ (^٧). وبذلك مهد للشروع في السيرة النبوية.
وعلى خلاف أكثر كُتَّابها، فقد اجتهد في ترتيب حوادثها على السنين،
_________________
(١) مرآة الزمان (١/ ١٥ - ١٦).
(٢) مرآة الزمان (١/ ١٧ - ٢٨).
(٣) مرآة الزمان (١/ ٢٩ - ٢٣١).
(٤) مرآة الزمان (١/ ٢٣٢ - ٥٢٦، ٢/ ٧ - ٣٤٣).
(٥) مرآة الزمان (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٦).
(٦) مرآة الزمان (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧).
(٧) مرآة الزمان (٢/ ٣٥٢ - ٦٠٩).
[ ٢٧٠ ]
من مولده ﷺ إلى وفاته، وما تبعها من بيعة الصحابة لأبي بكر رضي ﷺ بالخلافة (^١). ثم ختمها على عادة كُتّاب السيرة بفصول، ومما ذكر فيها أزواجه ﷺ، وخدمه ومواليه، وآلات حربه، وعدد غزواته وسراياه، وكُتّاب الوحي، وصفاته، ومعجزاته، وفصاحته، وأنه آخر المرسلين، وفي أصحابه وفضلهم (^٢).
ثم ذكر الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم الخلفاء الأمويين والعباسيين، وما وقع في زمانهم من أحداث حتى زمنه وقبيل وفاته، مرتبًا لها على الحوليات، مترجمًا في كل سنة لمن توفي فيها من الأعيان والمشاهير. ولم يُخْلِ كتابه من نقدات ذكية على بعض أخباره، بثَّها في تضاعيفه.
* * *
وفي خضم سَرْدِهِ لوقائع تلك السنين على طولها، التي كادت توفي على سبعة قرون، ليس بمستغرب أن يقع سبط ابن الجوزي في أوهام وأخطاء، شأنه في ذلك شأن معظم المصنَّفين في مطولات التاريخ، وهي أوهام يسيرة في جنب هذا الجهد الكبير الذي بذله. وقد ألمعتُ إلى بعضها في تضاعيف هذا الكتاب، وسأذكر بعضها الآخر على سبيل التمثيل لا الاستقصاء.
وأول ما يلفت انتباهنا من أوهامه عدم دِقته في إيراد بعض أخباره (^٣)، أو إسنادها لغير أصحابها (^٤)، وعدم تحققه ممن يرويها عنه (^٥)، وأحيانًا يَهِمُ في سياقها، ويضعها في غير مواضعها (^٦)، رُبَّما متابعة لغيره من المؤرّخين (^٧)،
_________________
(١) مرآة الزمان (٣/ ٤٦ - ٤١٠، ٤/ ٥ - ٢٧٢).
(٢) مرآة الزمان (٤/ ٢٧٣ - ٤١٠).
(٣) مرآة الزمان (٢٠/ ٤٥٦، ٢١/ ٧٣، ٢٢/ ٢٣٤).
(٤) مرآة الزمان (٢٠/ ٤٣٣).
(٥) مرآة الزمان (٢٠/ ٤٤٢، ٢١/ ٢١٢ - ٢١٤).
(٦) مرآة الزمان (٢٠/ ٢٧٤، ٣٤٣، ٣٦٥، ٣٦٦، ٤١٨).
(٧) مرآة الزمان (٢٠/ ٧٥).
[ ٢٧١ ]
وقد يخلط بين خبرين متباعدين في الزمن (^١)، وينسب أبياتًا لغير قائلها (^٢)، وتعوزه الدقة أحيانًا في تحديد سنة بعض الوقائع (^٣)، وسنة ولادة من يترجم له أو وفاته (^٤)، وقد يشتبه عليه اسم من يترجم له أو يتحدث عنه (^٥).
وهي - كما ترى - أوهام لا تخلو منها مطولات كتب التاريخ، ولا تخدش حقًا من قيمة كتابه وأهميته على سَعَته وطوله.
ولذلك نال ثناء عريضًا من مؤرّخينا قدماء ومحدثين، فممن أثنى عليه من القدماء قطب الدين اليونيني، فقال في حديثه عن كتب التاريخ: «رأيتُ أجمعها مقصدًا، وأعذبها موردًا، وأحسنها بيانًا، وأصحها رواية، يكاد خبرها يكون عيانًا، الكتاب المعروف بمرآة الزمان .. الذي ضمنه ما علا قدره على كل نبيه، وفاق به على من يناويه» (^٦)
ثم قال في ترجمته له: «كان عنده فضيلة تامة، ومشاركة في العلوم جمة، ولو لم يكن من ذلك إلا التاريخ الذي ألفه، وسماه بمرآة الزمان، وهو بخطه في سبعة وثلاثين مجلدًا، جمع فيه أشياء مليحة جدًا، وأودعه من الأحاديث الشريفة النبوية - صلوات الله وسلامه على قائلها - وجملة من أخبار الصالحين، وقطعة كبيرة من الأشعار المُستحسنة، وسلك في جمعه مسلكًا غريبًا، وهو من أول الزمان إلى سنة أربع وخمسين وست مئة، هذه السنة التي توفي فيها إلى رحمة الله تعالى» (^٧).
ووصفه ابن خلكان بالتاريخ الكبير، وقد اطلع عليه بدمشق، ورآه بخطه في أربعين مجلدًا (^٨).
_________________
(١) مرآة الزمان (٢١/ ٣٧).
(٢) مرآة الزمان (٢٠/ ٣٤٣).
(٣) تنظر: (ص ٢١٣، ٢٢٠، ٢٢٣) من هذا الكتاب.
(٤) مرآة الزمان (٢٠/ ٤٩، ٣٨٥، ٤٧٨، ٢٢/ ١٨٤، ٢٣٤، ٣١٩).
(٥) مرآة الزمان (٢٠/ ١٦، ٤٥، ٢١/ ٢٠٩).
(٦) ذيل مرآة الزمان (١/ ٢).
(٧) ذيل مرآة الزمان (١/ ٤١ - ٤٢).
(٨) وفيات الأعيان (٢/ ١٥٣، ٣/ ١٤٢، ٦/ ٢٣٩).
[ ٢٧٢ ]
وقال ابن الجزري: «صنَّف التاريخ الكبير على السنين، وهو مرآة الزمان في أكثر من ثلاثين مجلدًا» (^١).
وقال ابن كثير: «وله مرآة الزمان في عشرين مجلدًا من أحسن التواريخ، انتظم فيها المنتظم لجده، وزاد عليه، وذيل إلى زمانه، وهو من أحسن التواريخ وأبهجها» (^٢).
وقال ابن تغري بردي: «تاريخه المسمى مرآة الزمان، وهو من أجل الكتب في معناها» (^٣).
ومن المحدثين أثنى عليه العلامة الشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكِتَّاني، فقال: «هو صاحب مرآة الزمان، ذلك التاريخ العظيم الذي ملأ فراغًا عظيمًا في تاريخ الإسلام، واعتنى الحُفَّاظ به» (^٤).
وذكره الباحث الأستاذ عباس العزاوي، فقال فيه وأطال: «اعتمد آثارًا كثيرة، وعوّل على مراجع لا تُحصى، ومن أهمها تاريخ جده أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، المعروف بالمنتظم. راعى الحوادث التاريخية والوفيات بصورة متوالية، فكان سجلًا مقبولًا، وأثرًا خالدًا، يُعين الطالب، ويرجع إليه للتعرف بالحادث، أو برجال التاريخ المشاهير من علماء وغيرهم.
إن المترجم جمع بين كُتُب الطبقات والحوادث، وسار على نهج جده في ترتيبه، فلخّص جميع ما رأى من كُتُب تاريخية، وتراجم أشخاص، فاستوعب تواريخ العراق وغيره، وأَجْمَل حوادث التاريخ مما وصل إليه، وجلا صفحة تكاد تُغني عن غيرها، فكان مشروعًا عظيمًا، لا يستطيع القيام به فرد بل جماعة .. ويصح أن يُقال: إنَّه خلاصة الآثار في علمائنا ومثقفينا
_________________
(١) المختار من تاريخ ابن الجزري (٢٤١).
(٢) البداية والنهاية (١٥/ ٣٠١)، وعقد الجمان (١٣٢ - ١٣٣).
(٣) النجوم الزاهرة (٧/ ٣٩).
(٤) فهرس الفهارس والأثبات (٢/ ١١٣٨).
[ ٢٧٣ ]
لمختلف العصور إلى أواخر الدولة العباسية» (^١).
وقال الدكتور شاكر مصطفى العالم الأديب: «يمكن أن يُعتبر أكبر التواريخ الإسلامية حَجْمًا، وقد يوازي أو يزيد على تاريخ الإسلام للذهبي» (^٢).
ومن المستشرقين عرَّف به فرانز روزنثال في دراسته الجامعة عن علم التاريخ عند العرب، فقال: «وهو تاريخ عام يتجلّى في القسم الذي خصصه لتاريخ ما قبل الإسلام غزارة علم المؤلف، وشدَّة توثقه العلمي، التي تشبه غزارة علم المسعودي. أما القسم الإسلامي فقد قدم فيه معلومات تاريخية أوسع بكثير مما قدمه ابن الجوزي (^٣)، ويعني به جده أبا الفرج في كتابه «المنتظم».
* * *
ولم يَسْلَم سبط ابن الجوزي كغيره من العُلماء، من النقد، وأحيانًا من التجريح. وكان ابن رجب الحنبلي أول من انتقده، فقد اتهمه (^٤) بقوله: «أبو المظفر ليس بحجة فيما ينقله (^٥)، ومستنده في ذلك على قصة نقلها ابن رجب عن الحافظ يوسف بن خليل في معجمه»، وأوردها في سياق ترجمة قاضي المارستان أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، المتوفى سنة ٥٣٥ هـ/ ١١٤١ م، وذكر نحوًا منها سبط ابن الجوزي، بيد أنه عزاها لابن عقيل!
وملخص القصة كما أوردها ابن رجب، أن أبا بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، كان مجاورًا بمكة، فأصابه في يوم من الأيام جوع شديد، ولم يجد شيئًا يدفعه به، ثم إنه وجد كيسًا فيه عقد من لؤلؤ لم يرَ
_________________
(١) التعريف بالمؤرخين (٦٩، ٧٢).
(٢) التاريخ العربي والمؤرخون (٢/ ٢٦١).
(٣) علم التاريخ عند العرب (٢٠١).
(٤) لسان الميزان (٨/ ٥٦٥).
(٥) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤٤٦).
[ ٢٧٤ ]
مثله، فردَّه إلى صاحبه، ولم يأخذ منه ما بذله له من دنانير جائزة على ذلك.
ثم إنه خرج من مكة، وركب البحر، فانكسر المركب، وغرق مَنْ فيه، وسَلِمَ هو من بينهم على قطعة منه، قذفت به بعد أيام إلى جزيرة، فآوى إلى مسجد فيها، وقعد فيه يقرأ، فلما سمع أهل الجزيرة قراءته أعجبوا به، ورغبوا إليه أن يعلمهم القرآن، ويعلم صبيانهم وشبابهم الكتابة، فحصل له منهم مال كثير، ثم عرضوا عليه أن يزوجوه بصبية يتيمة، فلما زُفت إليه، وجد في عنقها ذلك العقد بعينه الذي وجده بمكة، فأخذته الدهشة، وقص على أهل الجزيرة قصة ذلك العقد، فصاحوا بالتهليل والتكبير، وقالوا له: إن صاحب العقد هو والد هذه الصبية، وإنه كان يقول: ما وجدتُ في الدُّنيا مُسلمًا إلا هذا الذي ردَّ عليَّ هذا العقد، وكان يدعو ويقول: اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه بابنتي. وها قد استجاب الله دعوته، وزوجك من ابنته. فأقام أبو بكر مدة في الجزيرة، رزق من زوجته بولدين، ثم إنها ماتت، ثم مات ولداها فورث العقد، فباعه بمئة ألف دينار، وكان يختم قصته لسامعيه بقوله: وهذا المال الذي ترون معي من بقايا ذلك المال (^١).
ثم عقب ابن رجب على هذه القصة بقوله: هكذا ساق هذه الحكاية يوسف بن خليل في «معجمه»، وساقها ابن النجار في «تاريخه»، وقال: هي حكاية عجيبة، وأظن القاضي حكاها عن غيره.
وقد ذكرها أبو المظفر سبط ابن الجوزي في «تاريخه» في ترجمة أبي الوفاء بن عقيل، وذكر عن ابن عقيل أنه حكى عن نفسه أنه حج، فالتقط العقد، وردَّه بالموسم، ولم يأخذ ما بذل له من الدنانير، ثم قدم الشام، وزار بيت المقدس، ثم رجع إلى دمشق، واجتاز بحلب في رجوعه إلى بغداد، وأن تزوجه بالبنت كان بحلب، ولكن أبا المظفر ليس بحجة فيما
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤٤٣ - ٤٤٥).
[ ٢٧٥ ]
ينقله، ولم يذكر للحكاية إسنادًا متصلا إلى ابن عقيل، ولا عزاها إلى كتاب معروف، ولا يُعلم قدوم ابن عقيل إلى الشام فنسبتها إلى القاضي أبي بكر الأنصاري أنسب، والله أعلم» (^١).
بهذه الحجج يخطئ ابن رجب سبط ابن الجوزي بهذه القصة، وليته اكتفى بذلك، بل يُطلق عليه حُكْمًا مُبْرمًا في كلّ ما ينقله عن غيره بأنه ليس فيه بحجة.
نعم، أورد سبط ابن الجوزي هذه القصة في «مرآة الزمان» وعزاها إلى ابن عقيل المتوفى سنة ٥١٣ هـ/ ١١١٩ م (^٢)، وعنه نقلها الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (^٣)، ولم يعقب عليها.
والحق أن سياق قصة ابن عقيل تختلف في تفاصيلها عن قصة أبي بكر، والعهدة فيها على ابن عقيل نفسه، وليس بمستبعد أن تكون وقعت له، كما وقعت تلك لأبي بكر، فهما قصتان اثنتان مختلفتان، تشابهتا من بعض الأوجه، ولا سيما أنَّ ابنَ عقيل أقدم وفاةً من أبي بكر، فلا يصح أن يُقال عن سبط ابن الجوزي أنه: «ذكرها»؛ لأنَّ ذلك يعني: أن قصتهما واحدة، واختلافهما بالتفاصيل يشي بخلاف ذلك.
ثم إنَّ سبط ابن الجوزي صرح في قصة ابن عقيل أنه نقلها من كتابه المشهور «الفنون»، وهو في مئتي مجلد، وقد طالع فيه ببغداد، ووصفه بقوله: «فيه حكايات ومناظرات وغرائب وعجائب وأشعار» (^٤). ونقل معها عنه حكايات غيرها، لا تقل غرابة عن قصته هذه (^٥). فأين ذلك من قول ابن رجب: «لم يذكر للحكاية إسنادًا متصلا إلى ابن عقيل، ولا عزاها إلى كتاب
_________________
(١) الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤٤٥ - ٤٤٦).
(٢) مرآة الزمان (٢٠/ ١٢٨).
(٣) سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٩ - ٤٥٠).
(٤) مرآة الزمان (٢٠/ ١٢٦).
(٥) ينظر: «مرآة الزمان» (٢٠/ ١٢٦ - ١٢٩)، و(ص ٥٣ - ٥٤) من هذا الكتاب.
[ ٢٧٦ ]
معروف»، ليبني على ذلك حُكمه الجازم: «ولكنَّ أبا المظفر ليس بحجة فيما ينقله»؟
وعلى إجلالي لابن رجب، أرى أنَّه لم يُنصف سبط ابن الجوزي في قوله، ولا أستبعد أنَّ وراء ذلك عداوة خفية كان الحنابلة يحملونها له، لانتقاله في الفقه من مذهب أحمد ابن حنبل إلى مذهب أبي حنيفة النعمان (^١).
وقد ألقت هذه العداوة بظلالها على من جُرِحَ سبط ابن الجوزي، أو دافع عنه، فمع أن الذهبي وصفه بقوله: «كان علامة في التاريخ والسير» (^٢)، فقد وجد نُهْزَةً ليقول فيه، متابعًا على ما يبدو ابن رجب: «وألف مرآة الزَّمان، فنراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله، بل يَخْسِف ويجازف» (^٣).
ومن الأمثلة التي أوردها الذهبي لمجازفاته قوله في ترجمة مظفر الدين كُوكُبُري: «وكانت أمواله قد استنفدتها الصدقات، فكان يُرسل الجواهر فيبيعها بدمشق ويشتري الأسارى، وحُكي لي بإربل أنه ينفق على المولد في كل سنة ثلاث مئة ألف دينار، وعلى الخانكات مئتي ألف، وعلى دار المضيف مئة ألف، وعلى الأسارى مئتي ألف دينار، وفي الحرمين وعرفات والسبيل ثلاثين ألف دينار، غير صدقة السِّرِّ» (^٤).
ولا شك أن هذه الأموال المنفقة كانت جسيمة في مقاييس ذلك العصر، وربما لا تحتملها بلد صغير كإربل، فنرى الذهبي ينقل عنه هذا الخبر، ويصدّره بقوله: «وأما أبو المظفر الجوزي فقال في «مرآة الزمان»، والعهدة عليه، فإنَّه خَسَّاف مجازف، لا يتورَّع في مقاله» (^٥).
_________________
(١) ينظر: (ص ٧٢ - ٧٣) من هذا الكتاب.
(٢) تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦٧).
(٣) ميزان الاعتدال (٥/ ١٩٥).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٢٥).
(٥) تاريخ الإسلام (١٣/ ٩٣٤).
[ ٢٧٧ ]
ولا أنفي عن هذا الخبر ما فيه من مبالغة قد تروق لسبط ابن الجوزي، وهو الواعظ، ولكن ربما غاب عن الذهبي أنه ناقل للخبر عمن حكاه عنه، فالعُهدة عليه، لا على أبي المظفر، والله أعلم.
ثم إن مظفر الدين، لكثرة نفقاته في أبواب البر، قد تغري المتحدث عنه بالمبالغة في وصفها، حتى إِنَّ ابنَ خَلَّكان، وهو من إرْبِل، قال فيه: «لقد كان له من فعل الخيرات غرائب لم يُسمع أن أحدًا فعل في ذلك ما فعله، لم يكن في الدُّنيا شيء أحب إليه من الصدقة»، ثم يسترسل في ذكر صدقاته وأنواع بره، ويختم ذلك بقوله: «ومع الاعتراف بجميله، فلم أذكر عنه شيئًا على سبيل المبالغة، بل كل ما ذكرته عن مشاهدة وعيان» (^١).
وثمة مثال آخر يسوقه الذهبي لمجازفاته كذلك، وهو قوله في حادثة غرق بغداد سنة ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م: «وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة .. وانهدمت بغداد بأسرها والمحال، ووصل الماء إلى رأس السور، وبقي مقدار إصبعين ويطفح عليه، وأيقن الناس بالهلاك، ودام سبع ليال وثمانية أيام حُسُومًا، ثم نقص الماء، وبقيت بغداد من الجانبين تلولا لا أثر لها» (^٢).
والمبالغة في إيراد هذا الخبر لا تخفى، فينقله عنه الذهبي، ويصدره كذلك بقوله: «قال سبط ابن الجوزي بقلة ورع: فانهدمت بغداد بأسرها …» (^٣). ويعقب عليه في «تاريخ الإسلام» بقوله: «هذا من خَسْف أبي المظفر، فهو مجازف» (^٤).
ومن ثم يخلص الذهبي إلى رأي فيه جازم، فيقول: «قد بلوتُ على أبي المظفّر المجازفة وقلة الورع فيما يؤرّخه، والله الموعد» (^٥). ولئن سُلّم
_________________
(١) وفيات الأعيان (٤/ ١١٦، ١٢٠).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٦).
(٣) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٣٠).
(٤) تاريخ الإسلام (١٣/ ٢٧٢).
(٥) سير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٦٤).
[ ٢٧٨ ]
للذهبي في بعض مآخذه عليه، فلا يُسلَّم له حكمه المُبْرم لِمَا فيه من تعميم وإطلاق.
ونرى لكلام الذهبي فيه صدى عند صلاح الدين الصَّفدي، فبعد أن حرّف اسم كتابه من «مرآة الزمان» إلى «مرآة النَّاس»، قال: «هو صاحب مرآة النَّاس، وأنا ممن حسده على هذه التسمية، وهي لائقة بالتاريخ، كأنَّ الناظر في التاريخ يُعاين من ذُكر فيه في مرآة، إلا أنَّ في المرآة صدأ المجازفة منه - رحمه الله تعالى - في أماكن معروفة» (^١).
ولم يرتض ابن تغري بردي قول الذهبي والصَّفدي فيه، فانبرى للدفاع عنه بلهجة لا تخلو من حِدَّة، قائلا: «قول الشيخ صلاح الدين أيضًا ممن اعترف به عن نفسه من باب الحسد، وما نسبه إليه من المجازفة في تاريخه، فإنَّها في أماكن لا حاجة لتحريرها، وأما غير ذلك فإنه في غاية التحرير والنقل عن الثقات، ومن أرَّخ بعده فقد تطفل عليه، واغترف من بحره، واحتاج إليه، ولا سيما الذهبي والصَّفدي، فإنَّ معولهما في تاريخهما على تاريخه» (^٢).
ويقتضيني الإنصاف أن أعيد ما سلف أن قلته بأنَّ أوهام سبط ابن الجوزي في «مرآته»، وأحيانًا مجازفاته، لا تخلو منها مطولات كُتُب التاريخ، ولا تخدش حقًا من قيمة كتابه وأهميته على سَعَته وطوله. طبعات «مرآة الزمان»:
لم يحظ كتاب «مرآة الزمان» بطبعة تامة له إلا مؤخرًا، برغم أن الاهتمام به بدأ مبكرًا.
١ - فأول من اعتنى به المستشرق الأمريكي جويت (Jewett)، فقد صوَّر قطعة مختصرة منه، عن مخطوطة في جامعة ييل تحت رقم ١٣٦، من
_________________
(١) الوافي بالوفيات (٢٩/ ١٢٢).
(٢) المنهل الصافي (١٢/ ٢٣٣).
[ ٢٧٩ ]
مجموعة لاندبرج العربية، ونشرها في شيكاغو سنة ١٩٠٧ م، تتضمن السنوات ٤٩٥ - ٦٥٤ هـ، وهو ما عرف بين الباحثين بالجزء الثامن.
٢ - ثم نشر مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد الدكن، السنوات نفسها ٤٩٥ - ٦٥٤ هـ في جزأين، وذلك سنة ١٣٧٠ هـ/ ١٩٥١ م.
٣ - وقام الدكتور علي سويم من تركيا، فاستخرج منه الحوادث المتعلقة بالسلاجقة في السنوات ٤٤٨ - ٤٨٠ هـ، فحققها، ونشرها في جامعة أنقرة سنة ١٩٦٧ م.
٤ - ونهد له الدكتور إحسان عباس، فحقق الجزء الأول منه، ونشرته دار الشروق في بيروت، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م، ولعله أول من توسع بترجمة لسبط ابن الجوزي، اتكأ عليها بعض الباحثين.
٥ - ونشر الدكتور مسفر بن سالم بن عريج الغامدي السنوات ٤٨١ - ٥١٧ هـ، في جزأين، وصدر عن جامعة أم القرى بمكة المكرمة سنة ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م.
٦ - وكذلك نشرت الباحثة جنان جليل محمد الهموندي السنوات ٣٤٥ - ٤٤٧ هـ، في جزء، وصدر عن الدار الوطنية في بغداد، ١٩٩٠ م.
٧ - وتصدَّى أخيرًا لتحقيقه كاملا مكتب مؤسسة الرسالة لتحقيق التراث في دمشق، فقام على خدمته وتحقيقه ثلة من الأساتذة المحققين، بذلوا وسعهم في تقويم زَيْغه، وإقامة مناده، على اضطراب في نُسخه، وضعف نساخه، ولم يخلُ عملهم من هَنَات، عسى أن تُستدرك في قادم الأيام. وكان لكاتب هذه السطور شرفُ تحقيق الأجزاء الثلاثة الأخيرة منه، وصدر في اثنين وعشرين جُزْءًا عن دار الرسالة العالمية في بيروت، ١٤٣٤ هـ/ ٢٠١٣ م، وعلى هذه الطبعة كانت إحالاتي في هذا الكتاب.
* * *
[ ٢٨٠ ]