- ١ -
بعد الانتصار على الصليبيين أخذ المعظم تورانشاه في إبعاد رجال الدَّولة (^١)، وإحلال من أتى معه من حصن كيفا محلَّهم (^٢). وكذلك اطَّرح مماليك أبيه البحرية، وخصوصًا مقدَّمهم فارس الدين أقطاي (^٣)، بل أشيع عنه أنه يريد إرساله إلى الموصل، وقتله هناك (^٤).
وكانت شجرُ الدُّر لما وصل تورانشاه إلى القدس قد مضت إلى القاهرة (^٥)، فبعثت إليها يتهددها، ويطالبها بمال أبيه وما تحت يدها من الجواهر. فداخلها خوفٌ منه، لما بدا منه من الهَوَج والخِفَّة، وكاتبت المماليك البحرية بما فَعَلَتْه في حقه؛ من تمهيد الدَّولة وضبط الأمور حتى حضر وتسلم المملكة، وما جازاها به من التهديد والمطالبة بما ليس عندها. فغضبوا لها، وحنقوا من أفعاله (^٦).
وكان المعظم قد وعد فارس الدين أقطاي بأن يُقطعه الإسكندرية، فلم يفِ له بذلك ولا أرضاه (^٧). فتنكر له أقطاي، وكتم الشر (^٨)، وكان يرجو منه أن يكون أقرب الناس إليه لِمَا قاساه من المشاق الشديدة في طريقه من
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٨).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٩).
(٣) مفرج الكروب (٦/ ١٢٧).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١٢٨).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٧).
(٦) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٨).
(٧) مفرج الكروب (٦/ ١٢٧).
(٨) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٨).
[ ٢٤٢ ]
حُصّنَ كيفا حتى أوصله إلى المنصورة (^١). فحرَّك كتاب شجر الدُّرِّ منه ما كان ساكنا (^٢).
وكان قد نُمي إلى المماليك البحرية أنه إذا سَكِرَ في الليل جمع ما بين يديه من الشَّمْع، وضرب رؤوسها بالسيف حتى تتقطع، ويقول: هكذا أفعل بالبحرية. ويسمي كلَّ واحدٍ منهم باسمه. فزادهم نفورًا منه، واتفقوا على قتله (^٣).
فلما كان بكرة يوم الإثنين ٢٨ المحرم سنة ٦٤٨ هـ/ ٣ أيار ١٢٥٠ م (^٤) مُدَّ السماط العام كالعادة، وأكل الناس، ومعهم المعظم تورانشاه، ولما انتهوا وتفرق الأمراء إلى خيامهم، ونهض المعظم من مجلسه إلى خيمة له ليختلي بنفسه، دخل عليه ركن الدين بيبرس البندقداري، وجذب سيفه، وضربه به، فوقعت الضربة بين إصبعين من أصابع المعظم، فجرحته جُرْحًا خفيفا. ورمى ركن الدين بيبرس السيف من يده رُعْبًا وهرب، ورجع المعظم إلى مجلسه، واجتمع بين يديه أصحابه والبحرية، فقالوا: أي شيء جرى؟ فقال: جرحني بعض البحرية. فقال له بعضهم: ربما فعل هذا بعض الإسماعيلية. فقال: ما فعل بي هذا إلا البحرية (^٥)، والله لا أبقيت منهم بقية (^٦). فخافت البحرية منه حينئذ واستشعروا. ثم قام المعظم، وصَعِدَ برج الخشب، وأحضر الطبيب ليداوي يده (^٧)، وهو يتوعدهم (^٨). فاجتمعت البحرية، ومقدَّمهم فارس الدين أقطاي، وخافوا منه على أنفسهم (^٩)، وأشار بعضهم بإتمام الأمر فيه، وقال: بعد جرح الحية لا ينبغي إلا قتلها. فركبوا
_________________
(١) مفرج الكروب (٦/ ١٢٩).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٨).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٥٩).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٣)، ومفرج الكروب (٦/ ١٢٨).
(٥) مفرج الكروب (٦/ ١٢٨).
(٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٧).
(٧) مفرج الكروب (٦/ ١٢٩).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٧).
(٩) مفرج الكروب (٦/ ١٢٩).
[ ٢٤٣ ]
وتسلّحوا، وأحاطوا بخيمته وبرجه الخشب (^١). ففتح المعظم طاقات البرج، واستغاث بالناس، فلم يجبه أحد، ولم يأتِ أحدٌ من الأمراء لنصرته؛ لأن الجميع كانت قلوبهم نافرة منه، وأيضًا خافوا على أنفسهم؛ لأنَّ المماليك البحرية كانوا مستعدين، ولهم قوة، وهم في غاية الشجاعة (^٢). فاستغاث المعظم برسول الخليفة، وكان في المعسكر، فركب، وكلمهم فيه، فردوه، وخوفوه من القتل، وخَرْق حُرمة الخلافة (^٣)، فرجع إلى خيمته.
ثم أحضروا نارًا (^٤)، وأمروا زَرَّاقًا بإحراق البرج، فامتنع، فضربت عنقه، ثم أمروا زراقًا آخر، فرمى البرج بنفط، فأحرقه، فخرج المعظم من بابه، وناشدهم الله في الكفّ عنه، والإقلاع عما نقموا عليه، وطلب تخلية سبيله (^٥). فناداه فارس الدين: انزل، فما عليك بأس. وتوعدوه بالقتل إن لم ينزل، فنزل من البرج، فاعتنقه فارس الدين أقطاي، فاستجار به المعظم، وقال: الذي وعدتك به من إقطاعك الإسكندرية أنا مقيم عليه، وأفعل معك ما تريد. فلم يثق بقوله، وقصده حينئذ ركن الدين بيبرس مرة ثانية، وبيده السيف، فركض المعظم هاربًا نحو النيل، وفيه مراكب ليعتصم بها (^٦)، وهو يقول: ما أريد مُلْكًا، دعوني أرجع إلى الحصن، يا مسلمين ما فيكم من يصطنعني ويجيرني؟ وجميع العسكر واقفون فلم يجبه أحد (^٧). ودخل في النيل إلى أن وصل الماء إلى حلقه، فرجع، فضربه بيبرس بالسيف، فوقع في الماء، فضربه بالسيف ضربة على عاتقه، فنزل السيف من تحت إبط اليد الأخرى، فوقع مَيْتًا. ورُمي في جُرْف على حافَةِ النيل، وردم عليه التراب، وبقي هناك حتى ليلة الأربعاء (^٨)، وقد انتفخ، ولم يتجاسر أحد على دفنه
_________________
(١) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٥).
(٢) مفرج الكروب (٦/ ١٢٩).
(٣) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٥ - ٩٦).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١٢٩).
(٥) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٥).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١٢٩ - ١٣٠).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٠).
(٨) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٥ - ٩٦).
[ ٢٤٤ ]
حتى شفع فيه رسول الخليفة (^١). فنقل إلى الجانب الآخر من النيل مجرورًا بطرف ثوبه في الماء بصنارة إلى أن عُدّي به، فحُفر له في الرمل، ودفن، وغُيِّب قبره (^٢)، ولم يستكمل الثلاثين من عمره (^٣).
ولما فرغ من قتله نادى المماليك: لا بأس، الناس على ما هم عليه، إنما كانت حاجة فقضيناها (^٤).
وبقتل المعظم تورانشاه انقرضت دولة بني أيوب في مصر، وكانت مدتها إحدى وثمانين سنة (^٥).
- ٢ -
واجتمع الأمراء والمماليك البحرية، وأعيان الدولة وأهل المشورة في فاسكور، واتفقوا على إقامة شجر الدُّرِّ أم خليل؛ جارية الصالح أيوب في مملكة مصر (^٦)، وعز الدين أيبك التركماني الصَّالحي (^٧)؛ أحد المماليك البحرية على أتابكية العسكر (^٨).
ورحل الأمير عز الدين الرومي الصالحي إلى القاهرة، فصَعِدَ إلى القلعة، وأنهى إلى شجر الدُّرِّ ما جرى الاتفاق عليه، فأعجبها، وصارت الأمور كلها بيدها (^٩). وخُطب لها بالسلطنة بسائر الديار المصرية (^١٠)، ونقش اسمها على السكة، ومثاله: المستعصمية الصَّالحية، ملكة المسلمين، والدة الملك المنصور خليل أمير المؤمنين (^١١). وهذا أمر لم نعرف أنه جرى مثله في الإسلام قبل ذلك، على حد تعبير ابن واصل (^١٢).
* * *
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٤١٧).
(٢) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٦).
(٣) مفرج الكروب (٦/ ١٣٠).
(٤) المذيل على الروضتين (٢/ ٩٦).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦١).
(٦) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢).
(٧) مفرج الكروب (٦/ ١٣٢).
(٨) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٢).
(٩) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٢).
(١٠) مفرج الكروب (٦/ ١٣٣).
(١١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٢).
(١٢) مفرج الكروب (٦/ ١٣٣).
[ ٢٤٥ ]
ولما استقرَّت القاعدة على ذلك شرعوا في الحديث مع الملك الأسير لويس التاسع في تسليم دمياط (^١)، وأداء نصف ما عليه من المال، مقابل أن يُخلَّى عنه (^٢)، على أن يدفع نصفه الثاني عند وصوله إلى عكا (^٣).
وأرسل الملك لويس إلى من بدمياط من الصليبيين لتسليمها للمسلمين، فسُلِّمَت إليهم يوم الجمعة ٣ صفر سنة ٦٤٨ هـ/ ٨ أيار ١٢٥٠ م (^٤)، بعد استيلائهم عليها نحو أحد عشر شهرًا (^٥)، فأفرج عنه ظهر ذلك اليوم (^٦)، فانتقل مع نبلائه إليها، وأخذ يلتمس المال اللازم لتسديد القسط الأول من الفدية، ولما أنجز تسليمها أبحر هو وأصحابه في مساء ذلك اليوم إلى عكا (^٧). فأقام فيها، ولم يغادرها إلى فرنسة. وما لبث أن جرى الاعتراف به حاكمًا فعليا على ما بقي من مملكة بيت المقدس (^٨).
ثم بعد أيام رحلت العساكر من المنصورة متوجهة إلى القاهرة، فدخلوها يوم الخميس ٩ صفر/ ١٤ أيار، وضُربت بها البشائر أيامًا متوالية لنصرة المسلمين على الصليبيين، واسترجاع ثغر دمياط (^٩). وعمَّتِ البشائر كذلك سائر البلاد الإسلامية (^١٠).
وفي يوم الإثنين ١٣ صفر/ ١٨ أيار خلعت شجر الدُّرِّ على الأمراء وأرباب الدولة، وأنفقت فيهم الأموال وفي سائر العسكر (^١١).
ثم أفرج من بعد على من بقي من أصحاب الملك لويس، وسائر الأسرى في مصر، ممن أُسر في معركة المنصورة وسواها من أيام العادل
_________________
(١) المصدر السالف.
(٢) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٣).
(٣) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٧١).
(٤) مفرج الكروب (٦/ ١٣٤).
(٥) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٣).
(٦) مفرج الكروب (٦/ ١٣٤).
(٧) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٧١ - ٤٧٢).
(٨) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤).
(٩) مفرج الكروب (٦/ ١٣٥).
(١٠) مفرج الكروب (٦/ ١٣٤).
(١١) مفرج الكروب (٦/ ١٣٦)، والسلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٦).
[ ٢٤٦ ]
أبي بكر، وابنه الكامل محمد، فساروا إلى البر الغربي، ثم أقلعوا إلى عكا (^١).
وودعهم جمال الدين يحيى بن مطروح بأبيات، يسخر فيها من ملكهم لويس التاسع، يقول فيها:
قُلْ للفرنسيس إذا جِئْتَه … مقالَ نُصْح من قؤول فصيح
أجرك الله على ما جرى … مِنْ قَتْلِ عُبَّادِ يسوع المسيح
أتيتَ مِصْرًا تبتغي مُلْكَها … تحسبُ أَنَّ الزَّمْرَ يا طبل ريح
فساقك الحَيْنُ إِلى أَدْهَم … ضاق به عن ناظريك الفسيح (^٢)
وكل أصحابكَ أوْدَعْتَهمُ … بحُسْن تدبيرك بطن الضريح
ألهمكَ اللهُ إلى مِثْلِها … لعلَّ عيسى منكم يستريح
وقُلْ لهم إن أزمعوا عودة … لأخذ ثأر أو لفِعْلٍ قبيح
دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق والطواشي صبيح (^٣)
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٣).
(٢) الحين: الهلاك، والأدهم: القيد. ينظر: «لسان العرب» (حين، دهم).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، وينظر: «مفرج الكروب» (٦/ ١٢٥ - ١٢٦).
[ ٢٤٧ ]