حين عشتُ، فيما غَبَرَ من سنين، مع مؤلفات أبي شامة التاريخية، تحقيقا وتعليقا، ثم أفردت دراسة عن حياته وآثاره، لم يكن يخطر في بالي آنئذ أنني سأعيش مع معاصره سبط ابن الجوزي، إلى أن عُرضتْ عليَّ مخطوطات كتابه «مرآة الزمان»، لأرى فيها رأيي. وقد اكتشفت يومئذ، بلذة ممزوجة بألم، وأنا أستعرضُ نُسَخَها وأقابلها، أنَّ ما بين أيدينا من هذا السِّفْر العظيم هو مختصراتُ له؛ أتمها مختصر قطب الدين اليونيني؛ بل إنه لم يقتصر على اختصاره، فأضاف إليه إضافاتٍ يسيرةً في بعض المواضع، وقد خَفِيَ ذلك على من وقف على الكتاب قبلي من باحثين ومحققين. ومن ثَمَّ تطلَّعتُ إلى تحمل عبء تحقيقه، ولأمر ما حيل بيني وبين ما أملتُ، فاخترت تحقيق الأجزاء الثلاثة الأخيرة منه؛ لأنها في أحداثها وتراجمها تتوافق مع العصر نفسه الذي كنتُ وما زلت دائم الانشغال به، وأعني به عصر الزنكيين، ومن بعدهم الأيوبيين في مصر والشام.
وكعادتي كنتُ أدوّن ما يعنُّ لي من ملاحظات في أثناء التحقيق، للاستفادة منها في التقديم له، وعقد ترجمة لمصنفه؛ وما كان يخطر في بالي وقتئذ أنَّني سأصْرَفُ حتى عن تحقيق رغبتي هذه أيضًا لأمر لا أعلمه، فطويتُ آسفا ما كتبتُ، وأودعته درج أوراقي.
وتعاقبتِ السُّنون، ونُشِرَ الكتاب، وقرأتُ أخيرًا مقدمة تحقيقه، وترجمة مؤلفه، ولم يك أتيح لي الاطلاع عليها من قبل؛ فإذا هي مقدمة لا تصف الكتاب حق وصفه، ولا تُنصف مؤلفه بترجمة وافية له، بله ما وقع فيها من أخطاء وعثرات.
[ ٧ ]
وانتابني يومذاك إحساس مؤلم واخز حقًا، فالمقدمة هي أوَّلُ ما يطالعه القارئ من الكتاب، وهي صاحبة الانطباع الأول عنه، إِنْ حُسْنًا وإن شيئًا. وتلك المقدّمة جاءت باضطرابها وأوهامها تسعى بين يدي القارئ، وتلقف تلك الجهود الكبيرة التي بذلت في تحقيقه. ووجدتني أفكر من جديد بالملاحظات التي أودعتها درج أوراقي وكدتُ أنساها؛ فمن حق القارئ علي أن أنشرها بين يديه، ولا سيما أنني أحد المشاركين بتحقيق الكتاب.
ثم إنَّ لسبط ابن الجوزي عليَّ حقًا لا بُدَّ أن أؤديه، ولئن حالت حوائل دون كتابتي عنه فيما سلف، إنَّ أمورًا عديدة تدفعني إليها الآن؛ فقد صَحِبْتُه سنين مع كلماته، باح لي فيها ببعض خفايا حياته، كان قد طواها بين سطور كتابه، فرأيتُني كالمُرْغم على البوح بها للقارئ، وهل التاريخ إلا بوح الإنسان للإنسان على اختلاف الأزمنة والأعصار؟
ومن ثَمَّ، فإِنَّ جُلَّ اعتمادي - فيما أسوق من أخباره على ما أورده منثورًا في تضاعيف كتابه، كلما عنت له مناسبة تدعوه إلى ذكرها. وأخشى ما أخشاه أن يكون قطب الدين اليونيني قد زَهِدَ في بعضها، فأسقطها في اختصاره.
وما أغراني بالكتابة عنه كذلك: أنَّ من سبقني بالترجمة له وذلك في مقدمات تحقيقهم لبعض كُتُبه، ومنهم علماء أجلاء قد وقعوا في أوهام وأغاليط؛ فاختزلوا بعض وقائعها، ووضعوها في غير مواضعها، ولم يقفوا على بعضها الآخر، منساقين من ثَمَّ إلى تحليلات تفتقر إلى الدقة العلمية والاستنباط السليم. وربما وقعوا فيما وقعوا فيه لافتقارهم إلى كتابه «المرآة» تامًا بين أيديهم، فغابت بذلك معالم أساسية من سيرته. ولم ألتزم بالتنبيه على أوهامهم، وهي غير قليلة، تاركًا أمر التَّهَدِّي إليها لمن أراد من الباحثين والقُرَّاء الراغبين.
ثمَّ إِنَّ سبط ابن الجوزي عاش هو والمؤرّخ أبو شامة في عصر واحد، وفي مدينة واحدة؛ هي مدينتي الحبيبة دمشق.
[ ٨ ]
ومع أنْ حُبَّ التاريخ والاشتغال به جَمَعَ بينهما، فقد فرقت بينهما المشارب، فلم يتعارفا. وبينما اكتفى أبو شامة في عُزلته - وهو العالم بالقراءات والفقه - بالانكباب على التاريخ جَمْعًا وتدوينا ومشاهدة، ألقى سبط ابن الجوزي نفسه في عُبابه، مشاركًا بأحداثه، مصاحبا لملوك عصره.
فهما حقًا شخصيتان متباينتان، تمثلان منهجين مختلفين في رؤية التاريخ وتدوينه:
أبو شامة ذلك المؤرخ العالم المُجتنب للسُّلطان، والفاضح لفساد عصره ومُفسديه، فهو يدوّن التاريخ من موقف المُصْلح، ويسعى جاهدًا أن يتثبت مما يكتب، مؤمّلًا أن يُساعد في التغيير نحو الأفضل.
وسِبط ابن الجوزي ذلك المؤرّخ الواعظ، المخالط للسلاطين، والمغتبط بصحبتهم على إنكاره لبعض أفعالهم، فهو أخباري يدوّن التاريخ للتاريخ فحسب، وككثير من الوُعَّاظ تعوزه الدقة أحيانًا فيما يورده، مع وَلَعِهِ بالمبالغة والغرائب.
فمن دواعي الإنصاف للبحث العلمي أنْ نُجْلي صورة سبط ابن الجوزي، وننظر إلى عصره بعينيه، كما جَلَوْنا صورة أبي شامة من قبل، حتى تكتمل النظرتان، وهو أمر يستحق منا عناء البحث والاستقصاء، وأملي أن يستحق القراءة أيضًا.
وختامًا: الله تعالى أسأل أن يعصم قلمي من الخطأ والخطل، وفهمي من الزيغ والزلل، إنه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول ﷺ.
دمشق في ٢٠ المحرم الحرام ١٤٣٨ هـ / ٢١ تشرين الأول ٢٠١٦ م
إبراهيم الربيق
[ ٩ ]