- ١ -
ولصرف المعظم عن تحالفه مع السلطان جلال الدين مَنْكَبُرتي، رأى الكامل أن يلجأ إلى خُطَّة قد تكون أنجعَ في فَصْم عُرى هذا التحالف الذي اقترب خطره من مصر (^١)، وينذر بزوال حكم البيت الأيوبي، وذلك بإشغال المعظم بخطر يتهدده، ويُشعره بالحاجة إلى إخوته والاستعانة بهم، وهل غير الخطر الصَّليبي يفعل ذلك؟ فأرسل الكامل الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ إلى الإمبراطور فريدريك الثاني، يدعوه للقدوم إلى عكا، ويَعِدُه بإعطائه بيت المقدس، وهو تابع للمعظم، وبعض البلاد الساحلية التي فتحها عمه السلطان صلاح الدين بن أيوب (^٢).
وحين بلغ المعظم خبر هذه السفارة، قرَّر عندئذ أن يقطع كل صلةٍ له بالبيت الأيوبي، ويفزع إلى حليفه جلال الدين، مستنجدا به على أخيه الكامل، ويَعِدُه أن يدخل في طاعته، فيخطب له، ويضرب السكة باسمه. ووافق جلال الدين على هذه التبعية، وسير إليه خلعة، فلبسها المعظم، وشق بها سكك دمشق، معلنا انتماءه الجديد، وقطعَ خُطبة الكامل (^٣).
* * *
_________________
(١) كانت ولاية دمشق زمن المعظم تمتد من جنوبي حمص، وحتى عريش مصر، تنظر: الحاشية رقم ١ ص (٩٠) من هذا الكتاب.
(٢) مفرج الكروب (٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧، ٢٣٤)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
(٣) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٥٩).
[ ١٢٨ ]
وكانت هدنة الكامل مع الصليبيين تنتهي سنة ٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م (^١)؛ أي: بعد نحو سنتين من الآن، وكانت الأخبار تصل إليه من هناك، كما تصل إلى المعظم (^٢)، متحدثة عن إعداد حملة صليبية جديدة، يقودها الإمبراطور فردريك الثاني (^٣).
فمنذ هزيمة الصَّليبيين في دِمْياط سنة ٦١٨ هـ/ ١٢٢١ م، قام الملك جان دي بريين بزيارة إلى أوربة، ملتمسا مساعدتها، وباحثا عن زوج لابنته يولاند التي ورثت عرش مملكة بيت المقدس بعد وفاة والدتها (^٤)، وقد اختير الإمبراطور فردريك الثاني زوجًا لها، وعُقد قرانهما سنة ٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م (^٥)، فأصبح فردريك بذلك إمبراطورًا على ما يُسمَّى مملكة بيت المقدس (^٦). وبارك البابا هونوريوس الثالث هذا الزواج، آملا من ورائه أن يفي الإمبراطور أخيرًا بوعوده، ويتوجه إلى الشرق بحملته الصَّليبية (^٧).
ومع أن الإمبراطور فردريك الثاني استقبل سفارة الكامل أحسن استقبال، إلا أنه لم يبذل وعودًا في قبولها، إذ كان منهمكا في إعداد حملة صليبية قوية. ولكي يبقي باب المفاوضات مفتوحًا، أرسل رسولًا إلى القاهرة (^٨)، ومعه هدية وتُحَفٌ غريبة، فتلقاه الكامل بالقرب منها، وأكرمه إكرامًا زائدًا، واهتم بتجهيز هدية سَنِيَّة للإمبراطور، وعين للمسير بها الأمير جمال الدين ابن منقذ الشَّيْزَري (^٩).
ثم قدم رسول الإمبراطور هذا إلى دمشق، للاجتماع بالمعظم، وليتعرف إلى رأيه فيما عرضه أخوه الكامل؛ لأن بيت المقدس تابع له،
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٤٥)، وينظر: (ص ١١٨) من هذا الكتاب.
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٨).
(٣) الحملة الصليبية الخامسة (٣٦٢).
(٤) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٠٩).
(٥) تاريخ الحروب الصليبية (٣١٢ - ٣/ ٣١١).
(٦) العلاقات السياسية (٢٨٩).
(٧) الحملة الصليبية الخامسة (٣٦٢).
(٨) تاريخ الحروب الصليبية (٣/ ٣٢٧).
(٩) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٦٠).
[ ١٢٩ ]
فأغلظ له المعظم في الجواب، قائلا، وهو يُعرّض بأخيه الكامل: قل لصاحبك، ما أنا مثل الغير، ما له عندي سوى السيف (^١).
وراح يجهز عساكره إلى نابلس، خوفًا من اتفاق الكامل مع الإمبراطور (^٢)، وفي أثناء ذلك وقع مريضًا بالدوسنطاريا (^٣) في منتصف شوال سنة ٦٢٤ هـ/ ٢٨ أيلول (١٢٢٧ م) (^٤)، ثم ما لبث أن توفي في صبيحة يوم الجمعة الفاتح من ذي الحجة سنة ٦٢٤ هـ/ ١٢ تشرين الثاني ١٢٢٧ م (^٥)، عن نحو سبع وأربعين سنة (^٦).
وكان يقول في مرضه: لي عند الله تعالى في أمر دمياط ما أرجو أن يرحمني به (^٧).
وبكلمات تقطرُ بالألم يصوّر لنا صديقه سبط ابن الجوزي ساعاته الأخيرة، بقوله: «وآخر عَهْدي به ليلة الجُمُعة تاسع عشرين ذي القعدة، دخلت عليه آخر النهار، وعنده ولده الملك الناصر داود، وكريم الدين الخلاطي، ويعقوب الحكيم، وقد تغيرت أحواله، وطلع الموت في محاسن وجهه المليح، فبكيتُ، فقال: حاشاك، حاشاك. وتحته طراحة خفيفة، ومِخَدَّة ولحاف، وعلى رأسه كوفية، وعند رأسه صينية فيها تراب، فقلتُ
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٤)، والمذيل على الروضتين (١/ ٣٩٦).
(٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٩).
(٣) الكامل (١٢/ ٤٧١)، ومفرج الكروب (٤/ ٢٠٨). وقال سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢٨٩): «وكثرت الأقوال أنه سُقي السم، واتهم به جماعة، وربك الخبير». قلت: والأرجح أنه مات بالدوسنطاريا كما ذكر ابن الأثير وابن واصل؛ لأن سبط ابن الجوزي نفسه ذكر في مرآة الزمان (٢٢/ ٢٧٤) أن المعظم مرض في أواخر رمضان سنة ٦٢٢ هـ/ تشرين الأول ١٢٢٥ م مرضًا عظيمًا أَشْفَى منه، ثم أبل، ولم يزل ينتقض عليه حتى مات.
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٩).
(٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٩٠).
(٦) مفرج الكروب (٤/ ٢٠٨).
(٧) الكامل (١٢/ ٤٧٢).
[ ١٣٠ ]
لكريم الدين: ما هذه؟ قال: يتيمم لكل صلاة. وكان المعظم يقول: والله ما فاتتني صلاة قط» (^١).
ثم يحدثه كريم الدين الخلاطي عن تلك الساعات التي أعقبت انصرافه، فيقول: بات تلك الليلة ساهرًا، فغفت عينه قبل الفجر، وكان قد قام قيامًا عظيمًا، ففتح عينيه وقد كادت الشمس أن تطلع، فلم يقدر على التيمم، فصلى بالإيماء. وكان يقول: الموت خير من الحاجة إلى الناس، ويقول: قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري عبدٍ أبدًا» (^٢)، وكم في منخري من تُراب في سبيل الله (^٣).
ويفقد سبط ابن الجوزي بوفاة المعظم عيسى أعز أصدقائه من الملوك، ويتجلَّى حُزنه عليه بما أغدق عليه من صفات، فقد «كان شُجاعًا، مقدامًا، كثير الحياء، متواضعًا، مليحَ الصُّورة، ضحوكًا، غيورًا، جَوَادًا، حَسَنَ السِّيرة والعِشْرة، محافظًا على الصحبة والمودة» (^٤).
وينتشر خبر وفاته بدمشق، ويحزن عليه أهلها لحبهم له، فقد كان مُحْسنًا إليهم، ذابًا عن حريمهم، رفيقًا بهم، يعرف صغيرهم وكبيرهم.
ويصوّر لنا سبط ابن الجوزي حزن أهل دمشق عليه بقوله: «وجرى على الرعية في وفاته ما لم يجر عليهم عند موت أحدٍ من الملوك. ورأيتُ بنات البيوت اللواتي لم يخرجن قطُّ من خدورهن من أوائل الليل يأتين إلى تحت القلعة، وقد شقَقْنَ ثيابهن ونشَرْنَ شعورهنَّ، يلطِمْنَ عليه، ثم يمشين في الأسواق، ويلطِمْنَ إلى الصباح، أقمن على ذلك شهرًا. وكذا في الميادين».
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٩).
(٢) بنحو هذا اللفظ أخرجه أحمد في «المسند» (٧٤٨٠)، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.
(٣) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠).
(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦).
[ ١٣١ ]
ويقام العزاء له في جامع دمشق ثلاثة أيام، ويتكلّم سبط ابن الجوزي أول يوم في عَزَائه، فيتهدج صوته، ويغلبه البكاء على فراقه (^١).
ولعله عناه حين أجاز يوما بيت أبي العتاهية:
وإني لمشتاق إلى ظلّ صاحب … يروقُ ويصفو إِنْ كَدِرْتُ عليه
فيقول السبط:
يوافِقُني في كلِّ أمرٍ أرومُه … ويغفر ذنبي إن أسأتُ إليه (^٢)
وكان المعظم قد وصَّى أن يُحمل إلى جبل قاسيون، ويُدفن على باب تربة والدته تحت الشجرة، فلم تُنفّذ وصيته، ودفن في قلعة دمشق (^٣).
-٢ -
لم تُثْنِ الكامل وفاة أخيه المعظم عن انتزاع دمشق من ابنه الناصر داود الذي ولي بعده، إذ كان عليه أن يحصد أخطاء سياسات أبيه، وتحالفه مع جلال الدين. وإلى أن تواتي الكامل اللحظة المناسبة لذلك، أرسل إليه في ٨ صفر سنة ٦٢٥ هـ/ ١٨ كانون الثاني ١٢٢٨ م منشور الولاية له (^٤).
وربما في خُطوة يمهد بها لذلك أرسل الكامل إلى الناصر داود يرغب إليه أن يتنازل له عن قلعة الشوبك، ليجعلها خزانة له. فقابل الناصر داود هذه الرغبة بالرفض، وجاهر بالجفاء، وهذا ما كان الكامل يتوقعه، فشرع حينئذ في انتزاع دمشق منه (^٥). وتجهز لمحاربته في شهر رجب سنة ٦٢٥ هـ/
_________________
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٩٠).
(٢) مرآة الزمان (١٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
(٣) ثم أخرج من القلعة يوم الثلاثاء، مستهل المحرم سنة ٦٢٧ هـ/ ٢٠ تشرين الثاني سنة ١٢٢٩ م، ودفن تحت قبة مدرسته المعظمية، وكان قد بناها غربي جبل قاسيون سنة ٦٢١ هـ/ ١٢٢٤ م، وفيها قبر والدته وأخيه المغيث، وقد درست. ينظر مرآة الزمان (٢٢/ ٢٩٠، ٢٩٢، ٢٩٤)، والمذيل على الروضتين (١/ ١٧٣)، ووفيات الأعيان (٣/ ٤٩٥)، ومفرج الكروب (٤/ ٢١٨، ٦/ ٧٩)، والقلائد الجوهرية (١/ ٢١٩، ٢٢٩)، ومنادمة الأطلال (٢٠١).
(٤) المذيل على الروضتين (٢/ ٥).
(٥) مفرج الكروب (٤/ ٢٢٥).
[ ١٣٢ ]
أيار ١٢٢٨ م، واستناب على مصر ابنه الصالح نجم الدين أيوب، ومعه لتدبير أمورها الأمير يوسف بن شيخ الشيوخ (^١).
وخرج الكامل بعساكره من القاهرة يوم الأحد ١٩ شعبان سنة ٦٢٥ هـ/ ٢٥ تموز ١٢٢٨ م، فوصل إلى تل العجول، وأقام معسكره فيه (^٢)، وبعث ولاته إلى نابلس والقدس والخليل، وهي تابعة للناصر داود (^٣)، فولاهم عليها (^٤).
وانزعج الناصر داود من استيلاء عمه الكامل على بلاده (^٥)، وخاف أن يقصده، ويأخذ دمشق منه (^٦)، فحلف عساكره، واستعد للحرب. وقدم لمؤازرته عمه الصالح إسماعيل بن العادل، والأمير عز الدين أيبك المعظَّمي، فقويت بهما نفسه (^٧).
ورأى الناصر داود أن يستعين بعمه الأشرف موسى كذلك، فأشار عليه الأمير عز الدين أيبك بمداراة الكامل، وقال له: لا تبعث إلى الأشرف، وداو الأخطر. فلم يلتفت الناصر إلى قوله (^٨)، وأرسل إلى عمه الأشرف يستنجد به، ويطلب حضوره إلى دمشق (^٩). فوجدها الأشرف فرصة لا تفوّت، وطالما تشوف إليها، لما في قلبه من محبة لدمشق، ومَيْل إلى تملكها، وكان يعمل على ذلك سرا (^١٠). فأسرع إلى دمشق مع قلة من عساكره (^١١)، تاركًا جيشه في الشرق خوفًا من جلال الدين (^١٢). ووصل إليها في العشر الأخير من رمضان سنة ٦٢٥ هـ/ آب ١٢٢٨ م (^١٣)، فزينت دمشق
_________________
(١) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٦٣).
(٢) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٦٣).
(٣) مفرج الكروب (٢٢٧/ ٤).
(٤) مفرج الكروب (٢٢٨/ ٤).
(٥) مفرج الكروب (٢٢٧/ ٤).
(٦) الكامل (١٢/ ٤٨٠).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٦٤).
(٨) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٩٦).
(٩) الكامل (١٢/ ٤٨٠).
(١٠) مفرج الكروب (٢٢٩/ ٤)، والسلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٦٤).
(١١) الكامل (١٢/ ٤٨٠).
(١٢) مفرج الكروب (٤/ ٢٣٩).
(١٣) مفرج الكروب (٤/ ٢٢٩).
[ ١٣٣ ]
لقدومه، وضربت بها البشائر، ونُصبت القباب، وخرج الناصر داود لاستقباله (^١).
وكان الكامل قد سار إلى بيت المقدس، ثم قدم إلى نابلس (^٢)، ونزل بدار المعظم فيها (^٣)، وشَحَن تلك البلاد بالعساكر (^٤). فلما بلغه قدوم أخيه الأشرف موسى إلى دمشق، رحل من نابلس، وعاد إلى معسكره في تل العجول (^٥).
* * *
ويصل الإمبراطور فردريك الثاني بعد أيام إلى عكا في ٥ شوال سنة ٦٢٥ هـ/ ٧ أيلول سنة ١٢٢٨ م (^٦). ويرسل فور وصوله رسولا إلى الكامل، وهو في تل العجول، يقول له: كان الجيد والمصلحة للمُسلمين أن يبذلوا كل شيء، ولا أجيء إليهم، والآن فقد بذلتم لنائبي في زمان حصار دمياط الساحل كله، وإطلاق الحقوق بالإسكندرية، وما فعلنا. وقد فعل الله لكم ما فعل من ظفركم وإعادتها إليكم، ومَنْ نائبي؟ إن هو إلا أقل غلماني، فلا أقل من إعطائي ما كنتم بذلتموه له. فتحير الكامل (^٧)، وشعر بالضيق والحرج لاستغنائه عن الإمبراطور الآن؛ لأنَّ السبب في استدعائه كان المعظم، وقد توفي، ولا يمكنه الآن دفعه ومحاربته، لما تقدم بينهما من السفارات، فاضطر إلى مراسلته وملاطفته (^٨)، وعيّن الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ سفيرًا بينهما (^٩).
وأما الأشرف فكان منشرح الصدر، فها هو الآن يقيم في دمشق، ويتنزه في بساتينها، وهي في الصَّيْف في غاية النضارة وحسن الفواكه،
_________________
(١) مفرج الكروب (٤/ ٢٢٨).
(٢) الكامل (١٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠).
(٣) مفرج الكروب (٤/ ٢٢٨).
(٤) الكامل (١٢/ ٤٨٠).
(٥) الكامل (١٢/ ٤٨٠)، ومفرج الكروب (٤/ ٢٣٠).
(٦) العلاقات السياسية (٣٠١).
(٧) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٦٦).
(٨) مفرج الكروب (٤/ ٢٣٤).
(٩) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٦٦).
[ ١٣٤ ]
فيزداد تعلقه بها، ويتخذ خُطوة لامتلاكها، فيرسل إلى أخيه الكامل رسولًا من ثقاته، يشفع في العلن للناصر داود، ويطلب منه إبقاء دمشق عليه (^١). أما في السِّرِّ فيستعطفه، ويعرفه أنه ما جاء إلى دمشق إلا طاعة له، وموافقة لأغراضه (^٢). فيلين الكامل لرجائه، ويخاطب رسوله بما فيه إطماع له بملك دمشق. فيطمئن الأشرف حينئذ لذلك، ويسعى لإخراج الناصر من دمشق تمهيدًا لاستيلائه عليها، فيشير عليه إشارة الناصح المشفق بأن يمضي في صحبته إلى نابلس، ويتابع هو طريقه إلى الكامل، ويصلح الأمر معه. وبغفلة الواثق يجيبه الناصر داود إلى ذلك (^٣). ويصلا إلى نابلس، فيقيم الناصر داود بها، ويرحل الأشرف إلى غزة للاجتماع بالكامل (^٤). فيصل إليها ليلة عيد الأضحى ١٠ ذي الحجة سنة ٦٢٥ هـ/ ١٠ تشرين الثاني سنة (١٢٢٨ م) (^٥). ويخرج الكامل لاستقباله، ويعود به إلى معسكره في تل العجول (^٦).
وكما هو متوقع، فقد تم الاتفاق أخيرًا بين الكامل والأشرف على انتزاع دمشق من الناصر داود، وأن تكون للأشرف وما معها من البلاد إلى عقبة فيق (^٧). وأن يتنازل للكامل من بلاده في الشرق عن حرَّان والرَّقَة والرُّها وسَرُوج ورأس عين وجملين والمُوَزَّر (^٨). ويبلغ الناصر داود ما اتفق عليه عماه، فيرحل من نابلس عائدًا إلى دمشق قلقًا خائفًا، ويستعد للحصار (^٩).
_________________
(١) مفرج الكروب (٤/ ٢٢٩).
(٢) الكامل (١٢/ ٤٨٠، ٤٨٢).
(٣) مفرج الكروب (٤/ ٢٣٠).
(٤) مفرج الكروب (٤/ ٢٣٠).
(٥) الكامل (١٢/ ٤٨٠).
(٦) مفرج الكروب (٤/ ٢٣٠).
(٧) مفرج الكروب (٤/ ٢٣١).
(٨) مفرج الكروب (٤/ ٢٥٨).
(٩) مفرج الكروب (٤/ ٢٣٩).
[ ١٣٥ ]