بن حسن بن شدقم الحسيني
سيد رقى من المكارم ذراها. وتمسك من المحامد بأوثق عراها. دأب في كسب المآثر فتى وكهلًا. وسلك من مسالكها حزنًا وسهلًا. فملك جوامحها ذلك المراسن. واجتلا أحاسنها مسفرة المحاسن. وهو ممن دخل الديار الهندية فسطع بها بدره. وعلا صيته وارتفع قدره. ولما اجتمع بالوالد انعقدت بينهما عقود المحبه. والقط كل منهما طائر صاحبه في فح مودته حبه. فتعاطيا كؤوس الوداد اغتباقًا واصطباحًا. وتجاذبا أهداب الاصطحاب مساء وصباحًا. ومن نوادره الحسنه. ونكته المستحسنه. ما جرى له مع الوالد في بعض الأيام. والدنيا إذ ذاك فتاة والدهر غلام. وذلك أن الوالد كان ممن يفضل أبا تمام على المتنبي. ويكشف قناع الترجيح ولا يغبي. وإذا عذله في ذلك أديب. قال أنا لا أسمع عذلًا في حبيب. وكان السيد المذكور ممن يرى لأبي الطيب الفضل. والمنطق الفصل في الجد والهزل. غير أنه يعرض بذلك عند الوالد ولا يصرح. ويمسك القول به عند المنازعة ولا يسرح. حتى اتفق أن الوالد ركب يومًا متنزهًا إلى بعض الحدائق. وفي صحبته السيد المذكور وجمع من حماة الحقائق. ولما استقربهم الجلوس. في ذلك المجلس المأنوس. أرسل الوالد يدعوني إلى الحضور. لذلك المحفل المحفوف بالسرور. فركبت إليه في جحفل من العساكر. وسرت مسرعًا لأصابح طلعته الشريفة وأباكر. فلما قربت من المكان أثارت سنابك الخيل. من الغبار ما ساوى النهار بالليل. فسأل الوالد رافع الأخبار. عن السبب المثير لذلك الغبار. فأنهى إليه الخبر. فقال السيد مبادرًا صدق المتنبي وبر. فالتفت الوالد إليه عند ذلك المقال. وقال له ما عنى مولانا بهذا المقال. فقال إن سيدنا لا يزال يفضل أبا تمام. ويرى لأبي الطيب نقصًا وله التمام. وأبو الطيب مدح مولانا وولده قبل هذا بنحو من خمسمائة عام. ووصف موكبه هذا وصفًا يعرفه الخاص والعام. حيث قال كأنه شاهد هذا المقام.
يشرق الجو بالغبار إذا سار علي بن أحمد القمقام
فأي الشاعرين أحق بالتفضيل. وأيهما أشعر على الجملة والتفصيل. فاستحسن الوالد جميع الحاضرين منه هذه النادرة. وأحمد وافي الأدب موارده ومصادره. وله الأدب الذي بهرت فرائده. وصدق منتجعه رائده. على أنه لم يتعاط نظم الشعر إلا بعدما اكتهل. وجاءت فرسان القريض جاهدة وجاء هو مجليهم على سهل. فمن شعره قوله مادحًا الجناب النبوي عليه وآله أفضل الصلاة والسلام
أقيما على الجرعاء في دومتي سعد وقولا لحادي العيس عيسك لاتحدى
فإن بذاك الحي الفًا ألفته قديمًا ولم أبلغ برؤيته قصدي
عسى نظرة منه أبل بها الصدي ويسكن ما ألقاه من لاعج الوجد
وإلا فقولا يا أمية إننا تركنا قتيلًا من صدودك بالهند
يحن إلى مغناك بالطلح والفضا ويصبو إلى تلك الأثيلات والرند
قفا نندب الأطلال أطلال عامر ونبكي بها شوقًا لعل البكا يجدي
إلى ذات دل يخجل البدر حسنها مرنحة الأعطاف ميّاسة القد
جهنم والفردوس قلبي ووجهها من الشوق والحسن البديع بلا حد
سقاها الحيا ما كان أطيب يومنا بموردها والحي وردًا على ورد
وقد نشرت أيدي الغمام مطارفًا كستها أديم الأرض بردًا على برد
وقد رفعت فوق الحزوم سرادقًا من الشعر والأضياف وفدًا على وفد
بدوت لحبيها وإلا فإنني من الساكنين المدن طفلًا على مهد
[ ١٥١ ]
وملت إلى ماء البشام لأجلها وأعرضت عن ماء مضاف إلى الورد
وغادرت نخلًا بالمدينة يانعًا وملت إلى السرحات من عارضي نجد
وحاربت أقوامي وصادقت قومها وبالغت في صدق الوداد لهم جهدي
فلا إثم في حبي لها ولقومها وإن يك أن الله يغفر للعبد
ولا سيما أن جيته متوسلًا بمرسله خير النبيين ذي المجد
أبي القاسم المبعوث من آل هاشم نبيًا لارشاد الخلائق بالرشد
دنى فتدلى من ملكي مهيمن كما القاب أو أدنى من الواحد الفرد
ألا يا رسول الله يا أشرف الورى ويا بحر فضل سيبه دائم المد
لأنت الذي فقت النبيين زلفة من الله رب العرش مستوجب الحمد
يناجيك عبد من عبيدك نازح عن الدار والأوطان بالأهل والولد
ويسأل قربًا من حماك فجد له بقرب فقرب الدار خير من البعد
ليلثم أعتابًا لمسجدك الذي به الروضة الفيحاء من جنة الخلد
فإن له سبعًا وعشرين حجة غريب بأرض الهند يصبو إلى هند
إذا الليل واراني أهيم صبابة إلى طيبة الفرا طيبة الندّ
وأسبل من عيني دمعًا كأنه عقيق غدا وادي العقيق له خدي
سميراه في ليل غرام وزفرة تقطع أفلاذ الحشاشة كالرعد
عليك سلام الله ما ذر شارق وما لاح في الخضراء من كوكب يهدي
كذا الآل أصحاب الكرامة حيدر وبضعتك الزهراء زاكية الجد
وسبطاك من حاز الفضائل كلها وسجادهم والباقر الصادق الوعد
وكاظمهم ثم الرضى وجوادهم كذاك عليّ ذو المناقب والزهد
كذا العسكري الطهر ذو الفضل والتقى وقائمهم غوث الورى الحجة المهدي
وقوله مادحًا الوالد
هواي لربات الخدور العوائق وخيل جياد صافنات سوابق
وقوم ظهور العاديات حصونهم ومصباحهم لمع السيوف البوارق
غطاريف كم بل النجيع ثيابهم كماة غداة الروع حاموا الحقائق
أسود إذا ما زارهم ذو تهور تولى بقلب بين جنبيه خافق
بصم القنا تذري جسوم عداتها وتشفي ثراها من دماء المفارق
إذا أدلجت نحو العدو خيولهم تبات ليوث الغاب شبه الخرانق
منازلهم ما بين نجد ويثرب جنوبًا وشامًا في رؤس الشواهق
غيوث إذا حل النزيل بأرضهم وإن أمها الباغي فهم كالصواعق
كرام يجازون الجميل بمثله ويرعون ودًا للحميم المصادق
منيعون إن لاذ المخاف بظلهم كسوه بسربال من الأمن فائق
وودتهم إذا شبهوا بفعالهم فعال كريم طاهر الأصل صادق
أخو الجود جم الفضل أحمد من سما علي الناس محمودًا حميد الخلائق
تناهت إليه المكرمات فلا فتى يجاريه في ريعانها والسمالق
تراه إذا ما جئته متيقظًا لاسعاد مخلوق وطاعة خالق
فحمدًا لربي إذ حباني بوده وصيرني من حزبه والأصادق
حداني على نظم القريض صفاته وشكر أياديه الغوال العوابق
أحب نظام الدين كونك سالمًا وأعداك غرقي في بحار البوائق
وهذا دعاء من صديق مصدق بحبل متين من ولائك واثق
وودك يا ذا القرم والله شاهد بقلب سليم من نفاق المنافق
وكل وداد كان لله خالصًا أتي بشهود مدعيه صوادق
[ ١٥٢ ]
فديتك ما في الناس مثلك عارف وإن كان فيهم من ذكي وحاذق
خصصت بأسرار المرؤة دونهم فلا عجب إذ ذاك منحة رازق
وأكثر أهل الدهر غدر بصحبهم تراهم كسهم مارق اثر مارق
صحبتهم دهرًا فلم أر فيهم سوى غادر أو كاشح أو مماذق
لك الفضل كل الفضل يا خير مفضل على الخلق طرًا لاحقًا بعد سابق
وإن قابلت نعماك قوم لجهلهم بكفر فهم لا شك مرّ الذوايق
بها ثم لا ترعي عهود مودة ولكنها ترعي وفور العلايق
فلاقوا لباس الجوع والخوف والعنا بما صنعوا والعذر شر الطرايق
فخذها ابن معصوم إليك قصيدة أتتك كعقد في مقلد عاتق
تهني بنيروز جديد تجددت سعودك فيه شامخات السرادق
قضيت بها فرضًا لشكرك فائتًا وشكرك مفروض على كل ناطق
وأبرزتها من بحر فكري عندما تذكرت ما بين العذيب وبارق
ودم راعيًا نرعي بأكناف ظله ونأمن فيه من شرور الطوارق