بن جعفر بن بركات بن أبي غي الحسني رحمه الله تعالى: عماد أبنية المجد والمكارم. ورافع شرف آبائه الخضارم. نسب في السيادة كعمود الصبح. وحسب تنزه بجده الحسن عن القبح. طلع في أفق الجلالة بدرًا. وسما في سماء الإيالة قدرًا. رايته في حضرة الوالد بالديار الهنديه. وقد تفيأ ظلالها وأفاض مكارمه النديه. وكان قد دخلها في سنة اثنين وستين وألف فرأيت الفضل فيه مصورًا. وجنيت به روض السرور منورًا. ولقد كان يجمعني وإياه مجلس والدي حسب الاقتراح. وبيننا من المصافاة ما بين الراح والماء القراح. وهو كهل شبت بالظرف شمائله. وهبت باللطف جنائبه وشمائله. وربما جمعتنا حلبة أدهم وكميت. أو بيت شعر لم تتحكم عليه لو ولا ليت. فتنتقل من متن جواد إلى شرح بيت. وله شعر يفعل بالألباب فعل السحر أُثبت منه ما هو أحلى من جنا النحل. وأجدى من القطر في البلد المحل. كنت حين دخولي هذه البلاد. كتبت إليه بقصيدة ضمنتها التبرم من الاغتراب والبعاد. أقول فيها
هل يعلم الصحب إني بعد فرقتهم أبيت أرعى نجوم الليل سهرانا
أقضي الزمان ولا أقضي به وطرًا وأقطع الدهر أشواقًا وأشجانا
ولا قريب إذا أصبحت ذا حزن إن الغريب حزين حيثما كانا
أرى فؤادي وإن ضاقت مسالكه بمدح نجل رسول الله جذلانا
عمار أبنية المجد الذي رفعت آباؤه الغرّ من ناديه أركانا
السيد الماجد الندب الشريف ومن قد بزّ بالفضل أكفاء وأقرانا
سما به النسب الوضاح فاجتمعت فيه المحامد أشكالًا وألوانا
يا واسع الخلق إفضالًا ومكرمة وموسع الخلق إنعامًا وإحسانا
فقت الكرام بما أوليت من كرم لله درك مفضالًا ومعوانا
ما قلت في المجد قولًا يوم مفتخر إلا أقمت عليه منك برهانا
لا زلت في الدهر مرضيّ العلا أبدًا ونائلًا من إله الخلق رضوانا
عليك مني سلام الله ما صدحت ورق الحمام وهزّ الريح أغصانا
فراجعني بقوله
يا من تذكر خلانًا وجيرانا وصار يمسي سمير النجم سهرانا
صادٍ إلى مورد قد كان يألفه عذب به يشتفي من كان ولهانا
له به مرتع طابت موارده اليوم بالهند يا لله ما حانا
يا ماجدًا حاز سبقًا في القريض وفي نهج البلاغة حتى فاق أقرانا
أحسنت لا زلت في أمن وفي دعة جزاك ربك بالاحسان إحسانا
وحق جدك إن العين في غرق والقلب في حرق وجدًا لما آنا
عليك بالصبر يا مولاي معتصمًا إن النفيس غريب حيثما كانا
كذا الليالي عهدناها مبدلة بالقرب بعدًا وبعد الوصل هجرانا
فلا رأيت مدى الأيام حادثة من الزمان ولا همًا وأحزانا
قد ضاق صدري لما أبدت من كمد من لاعج البين ليت البين لا كانا
لكن لي آملًا في الله خالقنا وحسن ظني متى ندعوه أولانا
[ ١٦ ]
ان يجمع الشمل في تلك البقاع وإن يروي غليل صدٍ ما زال حرّانا
بحق آبائك الغرّ الكرام ومن غدوا لنا دون كل الناس أعوانا
ما حركت نسمات الريح مورقة من النبات وهزّت منه أفنانا
من شعره قوله مخاطبًا الوالد
زرت خلًاّ صبيحةً فحباني بسؤآل أشفى وأرغم شاني
قال لما نظرت نور محياه ونلت المنى وكل الأماني
كيف أصبحت كيف أمسيت مما ينبت الحب في قلوب الغواني
فتحرجت إن أفوه بما قد كان مني طبعًا مدى الأزمان
يا أخا المجد والمكارم والفضل ومن لا أرى له اليوم ثاني
أدرك أدرك متيمًا في هواكم وأكففن عنه صولة الحدثان
وأبق وأسلم منعمًا في سرور ما تغنت ورق على غصن بان
فراجعه الوالد بقصيدة أولها
ليت شعري متى يكون التداني لبلاد بها الحسان الغواني
وبها الكرم مثمر والأقاحي ضحكت عن ثغور زهر لجاني
والبساتين فائحات بعطر يخجل العنبر الزكي اليماني
وطيور بها تجاوبن صبحًا وعشيًا كنغمة العيدان
وبألحانها تذيب ذوي اللب وتحيي ميتًا من الهجران
وتمشى بها الظباء الحوالي مائسات كناعم الأغصان
كل خود تسطو بلحظ حسام وتثنى كما قنا المران
وجهها الصبح إنما الفرع منها ليل صب من لوعة الحب فاني
غادة كالنجوم عقد طلاها ما اللآلي وما حلى العقيان
إن ياقوت خدها أرخص الياقوت سعرًا وعائب المرجان
ومنها
كل يوم يقضى بقرب لديها فهو يوم النيروز والمهرجان
ومنها
تلك من فاقت الظباء افتنانًا فلذا وصفها أتى بافتنان
ما لمضنى أُصيب من أسهم اللحظ م نجاة من طارق الحدثان
أذكرتني أيام تلك وأغرت أعيني بالبكاء والهملان
ومنها
نفثات كالسحر يصدعن في قلب معنىًّ من الملامة عاني
ومنها
كلمات لكنها كالدراري وسطور حصت بديع المعاني
إذ أتت من أخ شقيق المعالي فائق الأصل غرة في الزمان
ضافي الود صافي القلب قرم كعبة المجد في ذرى كيوان
ذاكرًا لي بها تزايد شوق وولوعًا به مدى الأزمان
ففهمت الذي نحاه ولكن ليت شعري يدري بما قد دهاني
أنا قيس في الحب بل هو دوني لا جميل حالي ولا كابن هاني
يا أخا العزم قد سلمت ووجدي طافح زائد بغير تواني
فلحتفي أبصرت من قد رماني وعنآءٌ تصيد الغزلان
إن تشأ شرح حال صب كئيب فلقد قاله بديع المعاني
مرضي من مريضة الأجفان عللاني بذكرها عللاني
هذا البيت للشيخ محيي الدين العربي ﵁ مطلع قصيدة وبعده
غنت الورق في الرياض وناحت شجو هذا الحمام مما شجاني
بأبي طفلة لعوب تهادى من بنات الخدور بين الغواني
طلعت في العيان شمسًا فلما أفلت أشرقت بأفق جناني
عاد شعر السيد وله مذيلًا بيت أبي زمعه جد أمية بن أبي الصلت ومادحًا الوالد
أشرب هنيئًا عليك التاج مرتفعًا برأس غمدان دارامنك محلالا
تسعى إليك بها هيفاء غانية مياسة القد كحلا الطرف مكسالا
إذا تثنت كغصن البان من ترف وإن تجلت كبدر زان تمثالا
كأنها وأدام الله بهجتها تكونت من محيا دهرنا خالا
وكيف لا وهي أمست فيه ساحبة بخدمة السيد المفضال أذيالا
[ ١٧ ]
ذاك الذي جل عن تنويه تسمية شمس علت هل ترى للشمس أمثالا
الباسم الثغر والأبطال عابسة والباذل المال لم يتبعه انكالا
عارٍ من العار كاس من محامده لا يعرف الخلف في الأقوال إن قالا
إن قال أفحم ندب القوم مقوله أوصال أخجل ليث الغاب إن صالا
علا به النسب الوضاح منزلة عن أن يماثل إعظامًا وإجلالا
خذها ربيبة فكر طالما حجبت لولا علاك وودّ قط ماحالا
وأصفح بفضلك عن تقصير منشئها وحسن بشرك لم يبرح لها فالا
ثم الصلاة على أزكى الورى نسبًا وآله الغرّ تفصيلًا وإجمالا
قال المؤلف: لقد رأيت هذا المادح ساحبًا أذيال العز والجلال. بحضرة ممدوحه هذا السيد المفضال. وقد أنزله بأعز مكان. وأحله عنده محل ابن ذي يزن من رأس غمدان. حتى وعده بوعد. شام من وميض بارقه السعد. فلم يلبث أن استوفى ملء مكياله. وهتفت به من دواعي آجاله. فوافت المسكين منيته. قبل أن تقضى أمنيته. وهكذا خلق الدهر الغرام. وكم حسرات في نفوس كرام. وكانت وفاته يوم الجمعة لعشر بقين من شوال سنة تسع وستين وألف رحمه الله تعالى وقلت أرثيه
لنا كل يوم رنة وعويل وخطب يكلّ الرأي وهو صقيل
بكيت لو أن الدمع يرجع ميتًا وأعولت لو أجدى الحزين عويل
لحى الله دهرًا لا تزال صروفه تكرّ علينا دائمًا وتصول
علام وفيما قد أصاب مقاتلي وما شهدت منه عليّ نصول
وحملني خطبًا تضآءلت دونه وما أنا قدمًا للخطوب حمول
بموت كريم ماجد وابن ماجد له المجد دار والعلآء مقيل
فتى قد عنت يوم الهياج له القنا وراح الحسام العضب وهو ذليل
بكاه القنا الخطيّ علمًا بأنه كسير وإن المشرفيّ كليل
فمن للعوالي بعد كفيه والندى ومن في صفوف الناكثين يجول
ومن بعده للسيف والضيف والعلا ومن بعده للمكرمات كفيل
ربيب علىً شحّ الزمان بمثله وكل زمان بالكرام بخيل
نعاه لنا الناعي فضاق بي الفضا وراحت دموعي الجامدات تسيل
وهيهات أن تأتي النسآء بمثله ويخلف عنه في الأنام بديل
سأبكيك يا عمار ما ناح طائر وما ندبت بعد الرحيل طلول
مصابي وإن طولته عنك قاصر ودمعي وإن أكثرت فيك قليل
لك الدهر في قلبي مكان مودّة ودادك فيه ساكن ونزيل
وإنّ هاطلات السحب شحت بسقيها سقاك من الجفن القريح همول
عليك سلام الله مني تحية مدى الدهر ما غال البرية غول