البصير الحسيني الشافعي المكي
ناصر الشريعة والطريقه. وهاصر أفنان رياضهما الوريقه. المخبت الأواه. الناطقة بفضله الألسن والأفواه. السالك مسالك القوم. ذو السيمة الغالية السوم جمع بين العلم والعمل. وبلغ من الفضل منتهى الأمل. فرفل في حلل الزهد والتقى. ورقى من الشرف أشرف مرتقى. إلى بلاغة وبراعه. أرعف بهما مخاطم اليراعه. وفصاحة ولسن. أرهف بهما مخادم الكلام وسن. وكان في عنفوان شبابه. وجدة ردائه وجلبابه. حليف بطالة ولهو. وأليف خلاعة وزهو. لا ينشط إلا إلى بلهنية عيش رغيد. ولا ينبسط إلا إلى مغازلة الخرد الغيد. حتى دعاه داعي التوفيق فأجاب. وكشف له عن وجه الحق الحجاب. فأقصر عن ذلك المدا. فتبدل ذلك اللهو زهدًا وهدى. فقال من التقوى باورف ظل. ومن يهدي الله فما له من مضل. ولا يحضرني الآن من كلامه إلا كتاب كتبه إلى الشيخ عبد الرحمن المرشدي معزيًا له في أخيه وهو إنا لله وإنا إليه راجعون. ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون
إني معزيك لا إني على ثقة من الخلود ولكن سنة الدين
أحسن الله لنا ولكم العزاء في المصاب. وأعظم لنا ولكم الجزاء والثواب. وألهمنا وإياكم الصبر المستحيل ولا أقول الشاق. ذهابًا إلى جواز التكليف بما لا يطاق. فلعمري إنها الصاخة التي أجدبت رياض الأنس وأمحل خصبها. وأقفرت بها ربوع المسرة وضاق رحبها. والخطب الذي يجم عند التسلية عنه نطق الخطيب. اللسن اللوذعي. والعضب الذي يعترف باستحالة مزايلة إزالته حذق الطبيب الفطن الألمعي. بيد أن في مشاهدة صدور الأفعال من مصادرها. ومعاينة ظهور الأسماء بمظاهرها. ما يمنع الجزع الورع عن الاسترسال. وإن جعل غرضًا لنبال الداء العضال. ويمنح المتأله المنيب الأواه. سربال التحقق بحقيقة قل كل من عند الله.
[ ٥٩ ]
وخفف عني ما أقاسي تحققي بأنك أنت المبتلي والمقدر
على أن الحكيم إذا حدق البصر. وحقق النظر. وعرج عن حضيض المجاز إلى ذروة الحقيقه. وركب سفينة النجاة مستمدًا من المبدئ الفياض تأييده وتوفيقه. أعترف بأن ذلك بالنسبة إلى تلك النفس الزكيه. واللطيفة القدسيه. من أكمل النعم. وأفضل القسم. إذ هو في الحقيقة رجوع من الغربة إلى الوطن. وهجوع بعد طول الأرق والوسن. وقفول بعد نيل الآمال. من اقتناص شوارد المعارف وتزكية الأخلاق والأعمال
فكأنها ذكرت عهودًا بالحمى ومنازلًا بفراقها لم تقنع
وصلى الله على سيدنا محمد وآله. فراجعه الشيخ عبد الرحمن بقوله يقبل الأرض حزين خانه صبره. وحانه دهره. وأسيف عضد البين عضده. وكبد الحين كبده. لم تزل الحسرات عليه تتوالى. والزفرات فيه تتعالى. فدمعه المهراق لا يكف إذ يكف. ووجده المحراق بمحاريب ضلوعه معتكف أضحى فريدًا عن الأليف. ووحيدًا عن الحليف. لم تمر به ساعة إلا بعد أن يتجرع من ألم الفراق أعظم غصه. ولم يتجاوز من لحظة إلا بعد أن يسهم له فيها من الهموم بأوفر حصه. حالة أجار الله منها العدا. وأبعد عن قدر مداها المدا. لم يزل الحزن فيها يتجدد. والأسف بمعاهد جوانحه بتعهد. والتذكر في كل آونة يتزايد ويتأكد
يذكرني طلوع الشمس صخرًا وأذكره لكل غروب شمس
قرح الدمع أجفاني. ولم أوفه بذلك فما أجفاني
ولولا كثرة الباكين حولي على اخوانهم لقتلت نفسي
غير إني حين أراجع الوجدان. وأرى بكاء الاخوة على الاخوان. أتوهم تبريد الغله. وأتظنى زوال العله
وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي
فالمسؤل من الأنفاس المتصل سندها بالأنفس الزكيه. المرتفع شأوها إلى ذرى الشؤون العليه. أن تلحظ هذا المصاب بالدعاء بالهام الصبر كيلا تتكرر المصيبه. وأن يعوض ذلك الشاب أعظم الأجر. عما فاته من عنفوان الشبيبه. وأن يرفع له في عليين. من الدرجات إلى الفردوس طريقًا. مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وحسن أولئك رفيقًا