المشهور بكبريت المدني
مفرد جامع. وأديب ضوء أدبه لامع. نافست شمائله أنفاس الشمول والشمال. وقال من ظرفه وأدبه بجنتين عن يمين وشمال. كان لطيف قشرة العشره. تحسد تباشير الصباح بشره. لا تمل ندماؤه مجالسته. ولا تسأم أصحابه مؤانسته. إلى فصاحة ولسن. وتجمل بكل خلق حسن. تقنع بقناع القناعة والكفاف. واشتمل بابراد الصون والعفاف. سلك مسلك من نبذ الدنيا ورآه ظهره. ورضى منها بمسالمة خطوب دهره. ورام انتحال مذهب أهل الحال. فتكلم بعضهم في اعتقاده. ونقل عنه فلتات أشعرت بخفى الحاده. وكانت له اليد الطولى في جميع نوادر الأدب. وانسل إلى تقييد شوارد النكت من كل حدب. وله في ذلك مؤلفات وسام. كأنها في فم الدنيا ابتسام. منها رحلة الشتاء والصيف. ونصر من الله وفتح قريب. ومحك الدهر. وكتاب المباهج. ورشح البال. بشرح البال. وغير ذلك إلا أنه لم يكن له في سائر العلوم. رسوخ قدم معلوم. أخبرني الوالد بسماعه عنه أن أستاذه خالف في تعليمه النظام. وطفر به طفرة النظام. فنقله من الأجرومية إلى الكشاف. وأبدله النشاف من الارتشاف. وله شعر انتظم به في سلك من نظم فمنه ما أنشده لنفسه في رحلته مادحًا شيخ الاسلام بالقسطنطينية يحيى بن زكريا الذي ألف الرحلة باسمه قوله
الجود بالجاه فوق الجود بالمال فكيف بالجود بالأمرين في الحال
وذاك فيمن سما قدرًا ومرتبة وخص باليمن في حال وفي قال
حبر العلوم ومن أضحت براعته تهدى إلى الحق في حل وترحال
مولي الموالي ومن أولاه خالقه من المكارم مجدًا غير رحّال
كنز العفاة ومختار الآله على هداية الخلق من مشهود اضلال
وأكمل الناس من ألفاظه درر مغنى العفاة بهتان وهطال
صدر الشريعة محييها بهمته وصرف فكر فما احياء غزّال
من أفصحت نغمات الكون قائلة لما رأت من علاه أيّ اجلال
لا زال يجنى بيحيى الفضل ما طلعت كواكب السعد من آفاق اقبال
فيا عزيزًا علت في المجد همته وعاد قصاده منه بإفضال
العبد يشكر ما أوليت من منن ويسأل الله يعلى قدرك العالي
لا زلت في دولة تسمو شوامخها بذكرك الطهر ما حققت آمالي
وقوله موريًا في عبد الرحمن العشاقي
قد قلت للمجد من تهوى تواصله فكلنا لك ذو وجد وأشواق
فقال لي بلسان غير معتذر لا أشتهي أن أوافي غير عشاقي
وقوله
وإذا جلست مع الرجال وأشرقت في جو باطنك المعاني الشرد
فاحذر مناظرة الجهول فربما تغتاظ أنت ويستفيد فيجحد
وقوله
يا من يؤمل راحة من دهره صبرًا على ما رمت من خطب عسر
[ ١٥٣ ]
فكن اسم فعل لا يؤثر عامل فيه وإلا فالضمير المستتر
وقوله
من قال لا في حاجة مطلوبة فما ظلم وإنما الظالم من يقول لا بعد نعم
وقوله مضمنًا
يا من تمادى بهجر ماله سبب وصد عمدًا يرى في ذاك تبكيتي
كان هجرك بعد الوصل يا أملي أوائل النار في أطراف كبريت
وهو من قول بعضهم في البنفسج
ولا زوردية تزهر بزرقتها بين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بها أوائل النار في أطراف كبريت
وقال مضمنًا أيضًا
يا من يقول بأن طعم لمى الحبائب لم يرق
وغدا يعنف في الهوى دع عنك تعنيفي وذق
وقوله مضمنًا
مالي وللمجد والأيام عابسة والخط والحظ طول الدهر في عتب
ما أصعب الشيء ترجو فتحرمه لا سيما بعد طول الجهد والتعب
وله أيضًا.
كم من يد قبلتها. ولو استطعت قطعتها.
وهو من قول الأول
وكم من يد قبلتها لتقيّه وكان مرادي قطعها لو أمكنا
وله أيضًا
ينازعني شوقي إلى الهند تارة وأخرى لأرض الروم والشوق لا يجدي
وما الهند من قصدي ولكن بسوحها رأى قصده فيها الفؤاد من الوجد
وأنشد لنفسه في رحلته مضمنًا
فارقت مكة والأشواق تجذبني لها ويممت طه معدن الكرم
فهل درى البيت أني بعد فرقته ما سرت من حرم إلا إلى حرم