بن الأمير نظام الدين أحمد الحسيني
أخي وشقيقي. وابن أبي وصديقي. ومن لا أرى غيره بي أحق. إذا حصحص الحق. لا كما قال مهيار الديلمي
سألتك بالمودة يا ابن ودي فإنك بي من ابن أبي أحق
ماجد ثبتت في المجد وثائقه. وفاضل نشبت بالفضل علائقه. أحرز من الأدب النصيب الأوفر. وتمسك منه بما أخجل طيب نشره المسك الأذفر. إلى دماثة شيم وأخلاق. ما شان قشيب أبرادها أخلاق. وصدق صداقة وصفاء. وحسن مودة ووفاء. أبرم بهما عقد إخائه. وهب بذكائهما نسيم رخائه. وله شعر تأخذ بمجامع القلوب طرائقه. ويملك مسامع أولى الأشواق شائقه ورائقه. فمن قوله
تذكرت أيام الحجيج فأسبلت جفوني دمآءً واستجد بي الوجد
وأيامنا بالمشعرين التي مضت وبالخيف إذ حادي الركاب بنا يحدو
وقوله مخاطبًا لي
وما شوق مقصوص الجناحين مقعد على الضيم لم يقدر على الطيران
بأكثر من شوقي إليك وإنما رماني بهذا البعد منك زماني
وقوله
[ ١٨ ]
الا لا سقى الله البعاد وجوره فإن قليلًا منه عنك خطير
ووالله لو كان التباعد ساعة وأنت بعيد إنه لكثير
وله
ألا يا زمانًا طال فيه تباعدي أما رحمة تدنو بها وتجود
لألقى الذي فارقت أنسي مذ نأى فها أنا مسلوب الفؤآد فريد
وكتب إلي مادحًا وعلى فنن البلاغة صادحًا
أفل أيهذا القلب عما تحاوله فإنك مهما زدت زاد تشاغله
دع الدهر يفعل كيف شاء فقلما يروم امرؤُ شيئًا وليس يواصله
وما الدهر إلا قلبٌ في أموره فلا يغترر في الحالتين معامله
ويا طالما طاب الزمان لواجدٍ فسرّ وقد سآءت لديه أوائله
رعى وسقى الله الحجاز وأهله بلثٍّ تعمّ الأرض سقيًا هواطله
فإنّ به داري ودار عزيزة عليّ ومهما أشغل القلب شاغله
ولكن بي شوقًا إلى خلتي التي متى ذكرت للقلب هاجت بلابله
أبيت ولي منها حنين كأنني طريح طعان قد أصيبت مقاتله
هوى لك ما ألقاه يا عذبة اللما وإلا فصعب ما أنا اليوم حامله
أكابد فيك الشوق والشوق قاتلي وأسأل ممن لم يجب من يسائله
تقى الله في قتل امرئ طال سقمه وإلا فإن الهجر لا شك قاتله
صليه فقال طال الصدود فقلما يعيش امرؤ والصد ممن يقاتله
حزين لما يلقاه فيك من الجوى فها هو مضنى مدنف الجسم ناحله
بلى ان يكن لي من علي وعزمه معين فإني كلما شئت نائله
فذاك أخي حامي الذمار وسيدي وذخري الذي ألقى به ما أحاوله
وذاك الذي لولاه ما عرف الندى ولا عرف التفضيل لولا فضائله
أعز همام يمتطي صهوة العلا فتعلو به بين الأنام منازله
فلا فخر إلا فخره وعلاؤه ولا جود إلا ما هو اليوم باذله
يعز إذا ذلت أسود لدى الوغا وتسعد منه في الحروب قبائله
له بين أبناء الملوك مخايل فيا حبذا ذاك الفتى ومخايله
إذا ما أتاه سائل نال سؤله ونال جزيلًا فوق ما هو آمله
ويأتي إليه طالب الجود راغبًا فيرجع مسرورًا بما نال سائله
فيا ملجئي في النائبات ومن به إذا رمت أمرًا في الزمان أواصله
إليك فقد جاءتك منى قصيدة أتت تشتكي دهرًا تعدي تطاوله
ودم ذا علاءٍ في البرايا وسؤدد رفيع مكان لا علاء يطاوله
فراجعته بقولي
إليك فقلبي لا تقر بلابله إذا ما شدت فوق الغصون بلابله
تهيج له ذكري حبيب مفارق زرود وحزوري والعقيق منازله
سقاهن صوب الدمع منى ووبله منازل لا صوب الغمام ووابله
يحل بها من لا أصرح باسمه غزال على بعد المزار أغازله
تقسمه للحسن عبل ودقة فرن وشاحاه وصمت خلاخله
وما أنا بالناسي ليالي بالحمى تقضت وورد العيش صفو مناهله
ليالي لا ظبى الصريم مصارم ولا ضاق ذرعًا بالصدور مواصله
وكم عاذل قلبي وقد لج في الهوى وما عادل في شرعة الحب عاذله
يلومون جهلًا بالغرام وإنما له وعليه بره وغوائله
فلله قلب قد تمادى صبابة على اللوم لا تنفك تغلي مراجله
وبالحلة الفيحاء من أبرق الحمى رداح حماها من قنا الخط ذابله
تميس كما ماس الرديني مائدا وتهتز عجبًا مثل ما اهتز عامله
مهفهفة الكشحين طاوية الحشا فما مائد الغصن الرطيب ومائله
[ ١٩ ]
تعلقتها عصر الشبيبة والصبا وما علقت بي من زماني حبائله
حذرت عليها آجل البعد والنوى فعاجلني من فادح البين عاجله
إلى الله يا أسماء نفسًا تقطعت عليك غرامًا لا أزال أزاوله
وخطب بعاد كلما قلت هذه أو آخره كرت على أوائله
لئن جار دهر بالتفرق واعتدى وغال التداني من دها البين غائله
فإني لأرجو نيل ما قد أملته كما نال من يحيى الرغائب آمله
كريم وفي إحسانه ونواله بما ضمنت للسائلين مخايله
من النفر الغر الذين بمجدهم تأطد ركن المجد واشتد كاهله
جواد يرى بذل النوال فريضة عليه فما زالت تعم نواقله
لقد أُلبست نفس المعالي بروده وزرّت على شخص الكمال غلائله
أجل همام أدرك المجد نيله وأدرك مولى سح بالفضل نائله
وقد أيقنت نفس المكارم إنها لتحيا بيحيى حين عمت فواضله
أخ لي ما زالت أو أخي إخائه مؤطدة منه ببر يواصله
له همة نافت على الأوج رفعة تقاصر عنها حين همت تطاوله
ليهنك مجد يا ابن أحمد لم تزل فواضله مشهورة وفضائله
أبى الله إلا أن ينيف بك العلا ويعلي بها الفضل الذي أنت كافله
وما زلت تسعى في المكارم طالبًا مقامًا تناهي دونه من يحاوله
رويدك قد جزت الأنام برتبة يشير لها من كل كف أنامله
سأشكر ما أهديت لي من الزاهر يجول عليها من ندى الحسن جائله
ودم سالمًا من كل سوء مهنيًا بما نلته دهرًا وما أنت نائله
وأثني على ما صغته من قلائد تحلى بها من جيد مدحي عاطله
ودونكها من بعض شكري وما عسى يفي بالذي أوليت ما أنا قائله
وكتب إلي أيضًا
لعلى روحي ومالي فداء وله مني الثنا والدعآء
هو ذخري إن خفت من ريب دهري وهو كهفي وملجائي والرجاء
وهو الماجد الكريم المرجى للمعالي وهو الهدى والضياء
كيف أنسى زمان أنس تقضى هو فيه السرور والسراء
دمت يا سيدي وكهفي عليًا وملاذًا دامت لك العلياء
فأجبته بقولي
هذه الأرض قد سقتها السماء فأسقياني سقتكما الأنواء
بنت كرم قد هام كل كريم في هواها وطاب منها الهواء
واجلواها عذراء تحكي عروسًا ألبستها نطاقها الجوزاء
وأنشداني مديح يحيى ليحيا ميت هجر قد عز منه الشفاء
هو عوني على العلا ورجائي حبذا العون في العلا والرجاء
وهو أنسى في وحشتي وسروري في همومي وديمتي الوطفاء
شمل الخلق فضله فأقرت بنداه الأموات والأحياء
فبيحيى لا يبرح الفضل يحيا والمعالي به لهن اعتلاء
أحكم الود منه عقد إخائي هكذا هكذا يكون الإخاء
وكتب إلى أيضًا
أستغفر الله أنت الفائق الأمم بالعلم والحلم والأفضال والكرم
ألست أنت الذي أضحت فضائله مشهورة كاشتهار النار في علم
العقد ما رحت ترويه وتنظمه من فاخر القول ذي الإعجاز والحكم
أنت الذي رحت لي لهفًا وملتجأ فلا أخاف مدى الأيام من عدم
خفف عليّ فقد حملتني مننا أقلها وافر في أعين الأمم
لا درّ درّ زمان عنك أبعدني فقد دنا بي إلى الأحزان والألم
لا تحسبن جوابي عنك آخره تأخير ودّ ولا تغضب ولا تلم
[ ٢٠ ]
أنت العليم بما في القلب يا أملى من الوداد فجد بالعفو لي ودم
فأجبته بقولي
مهلًا سقتك الغوادي هاطل الديم من ذا يباريك في قول وفي حكم
نظمت قسرًا نجوم الأفق زاهرة ورمت نظمي وأين الأفق من كلمي
ما الدر في نسق والبدر في أفق والليث في نقم والغيث في كرم
أبهى نظامًا وأسنى منك مطلعًا أدهى انتقامًا وأجدى منك في نعم
فهل لمن رام أن يحكي علاك علا في مثل هذي المساعي الغر من قدم
إن رمت فخرًا فقل ما شئت من همم إن رمت مشيًا فطأ ما شئت من قمم
وكتب إلي أيضًا
وزائرة والبدر يتبعها وهنا ونور سناها من سنا نوره أسنى
رداح لها في الحسن أعظم آية تراها إذا ما أقبلت تخجل الغصنا
لها في صميم القلب خافي محبة وسر وداد أظهر الأسم أو كنى
حليف غرام في هواها مولع بها دائم الأسقام من هجرها مضنى
يذكرها عهد المحبة والهوى فتعرض عما قال مصغية ظنا
وإن لاح برق من نواحي ديارها أحل بقلبي المستهام بها حزنا
فياليت شعري كم يقاسي صدودها فتى لم يجد صبرًا ويوشك أن يفنى
فوالله رب العرش حلفة صادق لقد ضقت ذرعًا من زماني وما سنا
زمان إذا ما رحت فيه مطالبًا لنيل سرور زادني وهنه وهنا
أسائله تجديد عهد بقربها وهيهات منه أن يمن وما منا
وما كل من يعطى النول ينيله ولا كل من أغناه خالقه أغنى
نعم في بلاد الله طرا ممجد إذا قال قولًا صدق الخبر المعنى
على أخي البر الذي ما قصدته لدى شدة إلا وصادفته ركنا
فتى قط ما لاقيت منه حزونة على أنني صاحبته السهل والحزنا
فلا زال محروس الجناب مؤيدا برب الورى طرًا وأسمائه الحسني
فكتبت إليه بهذين البيتين
أيا ماجدًا قد أحكم اللفظ والمعني ومعه من الابداع ما لم يكن معنا
إليك فقد صيرت سحبان مفحما وأخجلت بالأفضال يا سيدي معنا
ولما ورد الخبر بموت العمة الشريفة من مكة المشرفة كتبت إليه معزيًا له فيها لأنها هي التي تولت تربيته إذ ماتت أمه عن مهده
ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين
أهكذا دوحة العلياء تنقصف وهكذا الشمس في الآفاق تنكسف
وهكذا ظبة الماضي تفل شبا من بعد ما زانها الامضاء والرهف
وهكذا بهجة العليا ونضرتها يذري بمشرفها الأظلام والسدف
وهكذا ذروة المجد الأثيل غدت يضمها بعد حسن الحلية الصدف
لله آية روح فارقت جسدًا وأي جثمان عن ضمه جذف
يا قرة لعيون المجد قد سحنت بكى لها الأشرفان المجد والشرف
إنا لله وإنا إليه راجعون قول من عمه البلى لفقد عمته. وتردد فيه الحزن من لمته إلى قدمه ومن قدمه إلى لمته. أي والله عم الرزء والمصاب. وحفت بهذه المصيبة الأرزاء والأوصاف
مصاب قضي أن لا تأسى بعدما مضى منجدًا صبري وأوغلت متهما
نعي الناعون واضحة المحيا ألوف البيت ذي العمد الطوال
من البيض العقائل من معد بنين قبابهن على الجلال
نعوا ظبة لابيض مشرفي قديم الطبع عاديّ الصقال
لله أي شمس نعوا. وأي حزن دعوا. وأي دوحة ذوت. وأي نجمة خوت. وأي بهجة ولت. وأي نعمة فاتت. وأي عمة ماتت.
فياليت شعري هل درى الموت من دها ويا هل أديم الأرض يعلم من أخفى
بكى بعدها من كان لا يعرف البكا وودت رجال لو تشاطرها الحتفا
[ ٢١ ]
آه لهذه المصيبة القاضيه. وواه لتلك الحبيبة الماضيه. مضت والله الشمس أخت البدر. والمحجة بنت الصدر. والغرة في جبهة الكرم. والقرة لعين الحرم.
مضت عفة الأثواب لم تبق روضة غداة ثوت إلا اشتهت إنها قبر
يا مولانا هذه نفثة مصدور. ونبذة من وصف هذه الرزية التي صدعت الصخور. فما ظنك بالمصدور. فياليت شعري كيف حال مولاي بعدها. وقد أفرشته حجرها. وأورثته بموتها أجرها. والله إن المصاب بها لجليل. وإن الحزن عليها لقليل. وأهالها من غريبة في وطنها. وجيدة في قطعنها. ووحيدة في عطنها. صد عنها القريب. وحن عليها الغريب. إلى الله الملجأ من هذه المصيبه. وبرسوله التأسي في فقد هذه الحبيبه. فصبرًا يا مولانا على هذه المصيبة صبرًا. وجبرًا لهذه القلوب المنكسرة جبرًا.
ولو كان في الدنيا خلود لواحد لكان رسول الله فيها المخلدا
ومن ذا الذي يبقي من الموت سالمًا وسهم المنايا قد أصاب محمدا
فالله تعالى يلهمنا وإياكم الصبر الجميل. على هذا الرزء الجليل. إنه ولى ذلك وكتبت إليه أيضًا معزيًا عن أم ولد له. العلوم الشريفة محيطة بأن هذا الأمر. لا محيد عن القلق له إلا الصبر. فسيدي بحمد الله أولى من تدرع جلبابه. وأعلى من علم إن مآل الخلق إلى هذا المصير الذي لا يسد أحد بابه. وتسهيل الخطب أوضح من أن يذكر. والله تعالى هو الذي يحمد على المكروه ويشكر. فعوضك الله عنها. أفضل ما يكون منها.
فإنك رأس المال ما دمت باقيًا فعوضت عنها بالمثوبة والأجر
على إنها لم تذهب بحمد الله تعالى إلا وقد كسرت سورة اللهف. بمن أبقته رحمها الله تعالى أكرم خلف.
إذا رضى الإناث الموت قسمًا فمشكور إذا ترك الفحولا
فالله تعالى يحييك لاقتناء ألف مثلها. ويبقيك بقاء يفترع من المكارم حزنها وسهلها. والسلام