ابن أبي الحسن الحسيني الشامي العاملي
طود العلم المنيف. وعضد الدين الحنيف. ومالك أزمة التأليف والتصنيف. الباهر بالرواية والدراية. والرافع لخميس المكارم أعظم رايه. فضل يعثر في مداه مقتفيه. ومحل يتمنى البدر لو أشرق فيه. وكرم يخجل المزن الهاطل. وشيم يتحلى بها جيد الزمن العاطل. وصيت من حسن السمعة بين السحر والنحر
فسار مسير الشمس في كل بلدة وهب هبوب الريح في البر والبحر
حتى كان رائد المجد لم ينتجع سوى جنابه. وبر يد الفضل لم يقعقع سوى حلقة بابه. وكان له في مبدأ أمره بالشام. مجال لا يكذبه بارق العز إذا شام. بين اعزاز وتمكين. ومكان في جانب صاحبها مكين. ثم انثنى عاطفًا عنانه وثانيه. فقطن بمكة شرفها الله تعالى وهو كعبتها الثانية. تستلم أركانه كما تستلم أركان البيت العتيق. وتستسنم أخلافه كما يستسنم المسك العبيق. يعتقد الحجيج قصده من غفران الخطايا. وينشد بحضرته تمام الحج أن تقف المطايا. وقد رأيته بها وقد أناف على التسعين. والناس تستعين به ولا يستعين. والنور يسطع من أسارير جبهته. والعز يرتع في ميادين جدهته ولم يزل بها إلى أن دعى فأجاب وكأنه الغمام أمرع البلاد فانجاب. وكانت وفاته لثلاث عشرة بقين من ذي الحجة الحرام سنة ثمان وستين وألف رحمه الله تعالى. وله شعر يدل على علو محله. وابلاغه هدى القول إلى محله. فمنه قوله متغزلًا.
يا من مضوا بفؤادي عندما رحلوا من بعد ما في سويد القلب قد نزلوا
جاروا على مهجتي ظلمًا بلا سبب فليت شعري إلى من في الهوى عذلوا
واطلقوا عبرتي من بعد بعدهم والعين أجفانها بالسهد قد كحلوا
يا من تعذب من تسويفهم كبدي ما آن يومًا لقطع الحبل أن تصلوا
جادوا على غيرنا بالوصل متصلًا وفي الزمان علينا مرة بخلوا
كيف السبيل إلى من في هواه مضى عمري وما صدني عن ذكره شغل
واحيرتي ضاع ما أوليت من زمن إذ خاب في وصل من أهواهم الأمل
[ ١٧٩ ]
في أيّ شرع دماء العاشقين غدت هدرى وليس لهم ثار إذا قتلوا
يا للرجال من البيض الرشاق أما كفاهم ما بالذي بالناس قد فعلوا
من منصفي من غزال ماله شغل عني ولا عافني عن حبه عمل
نصبت أشراك صيدي في مراتعه الصيد فنى ولي في طرفه حيل
فصاح بي صائح خفض عليك فقد صادوا الغزال الذي تبغيه يا رجل
فصرت كالواله الساهي وفارقني عقلي وضاقت على الأرض والسبل
وقلت بالله قل لي أين سار به من صاده علهم في السير ما عجلوا
فقال لي كيف تلقاهم وقد رحلوا من وقتهم واستجدت سيرها الابل
وقوله مادحًا بعض الأمراء وهي من غرر كلامه
لك الفخر بالعليا لك السعد راتب لك العز والاقبال والنصر غالب
لك المجد والاجلال والجود والعطا لك الفضل والنعما لك الشكر واجب
سموت على هام المجرة رفعة ودارت على قطبي علاك الكواكب
فيا رتبة لو شئت أن تبلغ السهى بها أقبلت طوعًا إليك المطالب
بلغت العلا والمجد طفلًا ويافعًا ولا عجب فالشبل في المهد كاسب
سموت على قب السراحين صائلًا فكلت بكفيك القنا والقواضب
وحزت رهان السبق في حلية العلا فأنت لها دون البرية صاحب
وجلت بحومات الوغي جول باسل فردت على أعقابهن الكتائب
فلا الذارعات المعتمات تكنها ملابسها لما تحن المضارب
ولا كثرة الأعدا تغنى جموعها إذا لمعت منك النجوم الثواقب
خض الحتف لا تخش الردى واقهر العدى فليس سوى الاقدام في الراي صائب
وشمر ذيول الحزم عن ساق عزمها فما ازدحمت إلا عليك المراتب
إذا صدقت للناظرين دلائل فدع عنك ما تبدي الظنون الكواذب
يبيض المواضي بدرك المرء شأوه وبالسمران ضاقت تهون المصاعب
لأسلافك الغر الكرام قواعد على مثلها تبني العلى والمناصب
زكوت وحزت المجد فرعًا ومحتدًا فاباؤك الصيد الكرام الأطايب
ومن يزك أصلًا فالمعالي سمت به ذرى المجد وانقادت إليه الرغائب
بنو عمكم لما أضاءت مشارق بكم أشرقت منهم علينا مغارب
وفيكم لنا بدر من الغرب طالع فلا غرو إن كانت لديه العجائب
هو الفخر مد الله في الأرض ظله ولا زال تجلى من سناه الغياهب
إلى حلب الشهباء منى بشارة تعطرها حتى تفوح الجوانب
إذا ما مضى من بعد عشر ثلاثة من الدور فيها تستتم المآرب
لقد حدثت عنها أولوا العلم مثلما جرى وانقضت تلك السنون الجوادب
بدا سعدها لما علىّ بدابها ويا طالما قد أنحست وهو غارب
وفوز عليّ بالعلى فوزها به فكل إلى كل مضاف مناسب
كأني بسيف الدولة الآن ورادًا إليها يلاقي ما جنته الثعالب
لقد جاءها صوب الحيا بعد محلها وشرفها من أحكمته التجارب
كريم إذا ما أمحل الغيث أمطرت أياديه جودًا منه تصفو المشارب
أديب أريب لو تجسم لفظه أصابته عقدًا حور للكواعب
فيا أيها المنصور بشراك رتبة بها السعد حقًا والسرور مواظب
مدحتكم والمدح فيكم تجارة بها تثمر النعا وتغلو المكاسب
إلى باب علياكم شددت رواحلي ويا طالما شدت إليها الركائب
[ ١٨٠ ]
بها الفضل منشور بها الجود وافر بها فتح من سدت عليه المذاهب
وماذا عسى أن يبلغ الوصف فيكم إلى غاية هل ينقص البحر شارب
فلا زلتم في أكمل السعد والهنا مدى الدهر ما مالت وماست ذوائب