الجوهري المكي
جوهري النثر والنظام. زهري السجايا العظام. حلى بعقود نظمه عواطل الأجياد. وسبق بجواد فهمه الصافنات الجياد. فحلا مبرزًا. وراح لقصبات السبق محرزًا. مع أضلاع بفنون العلوم. واطلاع على خفايا المنطوق والمفهوم. وديانة وورع. وصيانة فاق فيها وبرع. وأخلاق وشيم. كأنفاس الرياض غب الديم. كان قد دخل الهند في عنفوان عمره. وابتداء حاله وأمره. فقطن بها خمسة وعشرين عامًا. ثم عاد إلى وطنه وهو يعد عوده فضلًا من الله وإنعامًا. فواجهته بالمخا وهو وارد وأنا صادر. فرأيت منه شخصًا حميد الموارد والمصادر. ولما دخل مكة شرفها الله تعالى أنكر تقلب أمورها. وتغلب ظلم أميرها على مأمورها. ولم ير وجوهًا كان يؤمل الاجتلاء بصباحها ومسائها. فأنشد لسان حاله
أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها
فانقلب راجعًا إلى المخا. ومكث بها برهة حلف أمن ورخا. ثم انتقل منها إلى فارس. الطيبة المفارع والمغارس. فطنب بها خيامه. وبنى فيها على الاقامه. فأقام به حتى قلت ثروته. وشارفت الانفصام من الكفاف عرونه. فوفد على الوالد الهند عام خمس وسبعين. وورد من منهل أمله العذب المعين. فمضت لنا معه أوقات. حمدنا بها الاجتماع والملاقات. ولم يزل بها حتى دعاه أجله فلبى. وقضى من الحياة نحبًا. فتوفى ليلة الأربعاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وألف رحمه الله تعالى وها أنا مثبت من بهي كلامه. وسنى نظامه. ما تنتشق منه النشر العبهري. وتقتني منه صحاح الجوهري. كان أول وفوده علينا بالديار الهندية أهدى إلي كراسة من نثره ونظمه فكتبت إليه ما صورته
زهر الدراري أم نظام الجوهري وشذا السلافة أم شميم العبهر
أم زهر روض قد تبسم ضاحكًا إذ جاده صوب الغمام الممطر
وشذور تبر أم جمان قلائد تزهو وتزهو في مقلد جؤذر
أم هذه ألفاظ مولى ماجد ورث البلاغة أكبرًا عن أكبر
يزري بنظم الدر باهر نظمه ويفوق مكره مذاب السكر
فلشعره الشعرى العبور تضاءلت كرهًا وودت إنها لم تظهر
والنثرة العليا هوت من نثره خجلًا وقالت ليته لم ينثر
قد أعجز البلغاء معجز أحمد فنثر كلهم بعجز مقصر
يا مهديًا لي من سنيّ نظامه ونثاره درًا بهيّ المنظر
شكرًا لفضلك شكر ممنون فقد حليت جيدي من نظام الجوهري
سلام ما المسك الداري بأذكى منه نفحًا. وثناء ما الزهر الدراري بأبها منه لمحا
سلام على تلك الخلائق إنها هي الثمرات الطيبات إذا تجنى
ثناء على تلك المكارم إنها هي الشرفات العاليات إذا تبني
[ ١١٦ ]
وبعد فقد وصلت الكراسة العظيمه. الحاوية من الدر نثيره ونظيمه. فما الدراري في أفلاكها. ولا الدرر في أسلاكها. بأبهى من كلماتها في ترصيعها.؟ وأزهي من فقراتها في تسجيعها. ولقد حار المملوك بين ذلك المنظوم والمنثور. فوقف متعجبًا حتى تذكر الحديث المأثور. إن من العشر لحكمه. وإن من البيان لسحرًا. فعلم أن مثل ذلك ليس إلا في قدرة من سحر بالبيان وسخر بالعقول سخرًا. على رسلك يا فارس البلاغه. والأخذ من حسن القول بلاغه. إذا جريت في مضمارك فمن يجاريك. وإذا بريت أقلامك فمن يباريك. فلله شهاب فكرك الذي قد وقد. وأقلامك النافثات في العقود لا في العقد. ما هذا السحر الذي تتلى عنده سورة الفلق. وما هذا النظم والنثر اللذان أصبح منهما البلغاء في قلق. فهلا غضضت من عنانك قليلًا. وأرحت من راح جواد فكره وراءك كليلًا. ولعمري أن البلاغة قد قلدتك مقاليدها. وملكتك طريفها وتليدها. فأنت حميد الكلام ولا أقول عبد حميده. فلو تأخر عصره لكان من أقل خدام فضلك وأذل عبيده. ولا يتوهم المولى أن ذلك من باب المبالغه. في اطراء تلك الكلمات البالغه. والقلم وما يسطرون. لو سمع ما يصفه به أهل البلاغة ويطرون. لعلم أن المملوك موجز. عند ما قيل في ذلك المعجز. فالله تعالى يديمك للبلاغة والبراعه. ويبقى بوجودك وجود الأدب واليراعه. فإن الأدب جسم أنت له روح. ولولاك لأصبح وهو بالعراء مطروح. فراجعني بقوله
يا مهديًا وشي الربيع المزهر بل روضة تزهو بحسن المنظر
غناء باكرها الحيا وتفتحت أزهارها غب السحاب الممطر
ردّت لنا من نشرها زمن الصبا وشممت منها طيب تلك الأعصر
ارتاح سكرًا من سلافة لفظها وهي المصونة عن خمار المسكر
لله درك من همام بارع في كل فن غنية المستخبر
ما هذه الدرر التي أبرزتها شبه المجرة في خلال الأسطر
لا غرو إن ساد الأنام بفضله من كان ندبًا من سلالة حيدر
من معشر شم الأنوف وليدهم أدنى محل خطاه فوق المشتري
حاز الموّة والفتوّة والسخا والعلم والتقوى وطيب العنصر
فليهنك الشرف الرفيع ومجدك ال عالي المنيع وحسن قول المخبر
واسلم ودم في عزة وجلالة بادٍ علاك على ممر الأدهر
وصل وصلك الله إلى كل مقام علي. وأجل قدرك حتى يقر بفضلك كل من هو بالفضل ملي. ويعترف بكمالك في كل فن أربابه. ويغترف من علمك أهل ذلك العلم وأصحابه. تقريظك الذي فاق بقريضه كل قريض فائق. وينثره كل نثر رائق. فخجل المملوك من ارساله بالكراسه. وعلم أن ارسالها لم يكن من الكياسه. وقد كان يقدم في ذلك رجلًا ويؤخر أخرى. لعلمه أنها إلى من ترسل وبين يدي من تقرى. وعلى كل حال كما قيل. جهد المقل دموعه. وإلا فمن جمدت طبيعته. وخمدت قريحته. وطال عهده بالمنثور والمنظوم. ومال عن قول الشعر وممارسة العلوم. فجدير أن يستر عواره. ويخفى نثره وأشعاره. ولا يعرضها على من ألقت إليه الفصاحة قيادها. وأعلت به اسنادها. وهو يظهرها تارة في حلبة الأشعار وتارة في كسوة الانشا. ويبرزها طورًا حضريه. وطورًا نجديه. ويتصرف فيها كيف يشا وهي له أطوع من اليد. وأذل من العبد. إن دعاها أجابته. وإن ناداها لبته. وإن أعرض عنها استقبلته وإن هجرها أتته. شعر
فقد ملكتها دون البرايا فها هي لا تميل إلى سواكا
وتلقيتها عن آبائك الكرام. المشتهر صيت فضلهم بين العلماء الأعلام. الذين ارتقوا من المجد ذروته. واقتعدوا صهوته. وتناقلت بأحاديث فضله الركبان. وتطاولت لنيل نيلهم أعيان الأعيان. وقد أعطاك الله في شبيبتك من الفضل. ما يحير الفكر ويبهر العقل. ويتمناه الشاب والكهل. ويترجاه أهل العقد والحل. والمرجو والمأمول صون هذا المعترف بعجزه عن تعاطي ما لا يستطيعه من الأمور. فإن تعالى ما لا يستطاع مذموم عند الخواص مستهجن عند الجمهور. وعليك السلام. في المبدا والختام. ما يتعطر به المداد عند تحبيره. ويتخير القلم ابان تحريره. وترتاح الروح عند سماعه. وتنير مرآة النفس وقت انطباعه. والسلام.
[ ١١٧ ]
ومن انشائه قوله أيضًا مستدعيًا بعض أصحابه. يا مولانا الذي ودادي له مقرون بالاخلاص. والتزامي بولائه التزام العام بالخاص. اليوم يوم تكاثفت غيومه. ولطف أديمه. وترنمت أطياره. وفاحت أزهاره. ورقت حواشيه. وغاب واشيه. وهو وإن كان من أيام عاشوراء التي يتراكم فيها الحزن ويزيد. إلا أننا نجليه بتجديد اللعن على يزيد. فبحق الحسين. إلا ما أقررت برؤيتك العين. وقوله مراجعًا الوالد عن كتاب كتبه إليه وهو بشيراز وقد صدر عجز الأبيات المصدر بها الكتاب شعر
ما الورد ينضح بالندى أثوابه والغصن رنحه الصبا وشبابه
والبرق يلمع كالمباسم ضاحكًا والروض يهتك بالحيا جلبابه
والهائم الممطول فاز بوصله من غير وعدٍ قدمت أسبابه
والناحل المنهوك زال سقامه والا شيب الموخوط عاد شبابه
والنازح المهجور يقرع ليله سن الندامة إذ أتت أحبابه
والعاشق السهران يفتح بغتة بيدي حبيبته المليحة بابه
أوفي وأوفر بهجة ومسرة من عبده لما أتاه خطابه
بل لا أرى أحدًا أشد تواجدًا مني إذا وافى إليّ كتابه
يقبل الأرض التي تباهي بحصبائها الدر. وتضاهي بأزهارها النجوم الزهر. بين يدي صدر صدور السادات الأفاضل. وبدر بدورها في المحافل. سيد العلماء المحنقين. وسند الفقهاء المدققين. فخر الموالي الكرام. ذخر العلماء الأعلام. من إذا نظم لم يرض من لدر إلا بكباره. وإذا نثر فالأنجم الزهر بعض نثاره. حائز الفضائل. عن أسلافه السادة الأماثل. مرجع الأفاضل. عند ادهام الخطوب النوازل. نتيجة الأصول المقدسة النبويه. خلاصة الفروع الطاهرة العلويه. ذي المجد السامي الرفيع. والمحل العالي المنيع. المولى الأعظم. الهمام الأفخم. مولانا وسيدنا الأمير نظام الدين أحمد بن مولانا السيد محمد معصوم. لا زالت ألويته بالنصر عاليه. وأنديته بالمجد ساميه. ما دامت الأفلاك مزينة بالنجوم. وينهي المملوك أنه لما وصل إليه ذلك الكتاب السامي الشريف. والخطاب العالي المنيف. وعجز عن الاتيان بمثله لما أودع من الجزاله. رأى في أوله أبياتًا فصدرها وعجزها خروجًا بحسن التخلص من الخجاله. وقال في اطرائه وتعريفه. ومدحه وتوصيفه.
من أين للورد البهيّ بهاؤه والروض يخجل من سنا أزهاره
ألفاته تحكي الغصون وإنما همزاته فاقت على أطياره
فما أحسن معانيه التي انسكبت في قوالب الألفاظ فحار فيها السبكي. ومبانيه التي لو شبهتها باللآلي لخفت أن تتظلم مني وتشتكي. ولو قلت أنها في الرقة كديوان الصبابه. لقيل أنه بالنسبة إليها كالصبابه ولو ساويتها بحلبة الكميت. لقيل لي لا يستوي الحي والميت. فالأولى أن يقال ليس له في حسن المعني وسلاسة الألفاظ نظير. ويعترف من أراد تشبيهه بالعجز والتقصير. ولا بدع فهو نتيجة أفكار من أعطته البلاغة زمامها فهي في انقياده. وأطاعته الفصاحة فهو يتصرف فيها حسب مراده. وأما شوقي فلو اتسع الوقت لبيان كيفيته. وامتد الزمان لتعداد كميته. لذكرته بما يعجز البلغاء عن بلوغ مداه. ويعترف الشعراء المعروفون بالاغراق في الكلام عن ادراك منتهاه
لو شاهد البرق شوقي في تلهبه لم يبتسم في الدياجي من مهابته
وأما أحوالي فهي بحمد الله جارية على النهج المستقيم. ناطقة بشكر الله الكريم. والعبد لا يزال كثير السؤال عن أحوالكم. والترقب لوصول أمثالكم.
إذا كان حال السيد الندب صالحًا فحال الفتى المملوك لا شك محمود
وما أشار إليه المولى من أن المأمول عدم العدول عن سنن المخاطبة بألسنة الأقلام. فإن في ذلك اطفاء نائرة الآلام. فكيف العدول عن هذا المطلب. وبه يتسلى المشوق ويطرب. وهو أعزه الله لا يزال شخصه بين عيني يمثل. ووده من قلبي مؤثل. ولساني بشكره ناطق. وحسان بياني في ميدان ثنائه سابق. ودعائي له متواصل عقيب الصلوات. وفي وقت الخلوات. فالله تعالى يطيل بقاءه الذي تتبلج به الأيام. وتستنير به قلوب الأنام والسلام. ومن شعره قوله مادحًا الوالد
كلما غنت على الدوح الحمام هيجت أشواق قلبي المستهام
[ ١١٨ ]
ذكرته ساجعات المنجني ورُبا نجد وهاتيك الخيام
وليال ما صفا لي بعدها طيب العيش ولا صافي المدام
حيث لا أصغي لعذل راتعًا في ميادين التصابي والغرام
حيث لي شغل بربات الخبا عن شراب وطعام ومنام
حيث مالي شافع إلا الصبا في الهوى إن عز من هند المرام
لست أنسى ليلة إذ أقبلت وتلقتني ببشر وابتسام
قلت يا هند إلى من أشتكي نقض عهد من حبيب لا يرام
فاستشاطت ثم قالت جذلًا هل وفت حسناءُ قبلي بالذمام
ثم أبدت عتبًا يا ليته طال لما طاب في ذاك المقام
فاعتنقنا واشتكينا ما بنا ولدمع العين في الخد انسجام
هل ترى من بعدهم لي عوض غير حزن وبكاء وسقام
فاسقني خمرًا لأطفى حرقي وأروّى حر قلبي والأوام
وانشدا شعر الذي ألفاظه تزدري بالدرّ من حسن النظام
أحمد ابن السيد المعصوم من عن مداه قصرت كل الكرام
مذ نشا قرت به عين العلا وارتضته بعلها قبل الفطام
حاز علمًا في صباه وافرًا لم يحزه عالم في ألف عام
خلق كالروض وافاه الصبا غب ما باكره صوب الغمام
هاشميّ نسل طه أحمد ليس فخر فوق هذا للأنام
زرع الفضل له في مهجتي روض ودّ مثمر زهر الكلام
التفات منه أقصى مطلبي إنما الدينار مطلوب الطعام
فله لا زال مدحي دائمًا طربًا ينشد في خاص وعام
فكرتي قاصرة عن مدحه فلهذا عجلت بالاختتام
وقوله معارضًا لقصيدته السابقة وماد حاله أيضًا
سلام على وادي العقيق ورنده وعز لياليه وسالف عهده
فلي فيه ظبي صائد كل ضيغم أغار عليه بين كثبان نجده
إذا الشمس غابت في مغارب أفقها بدا لك بدر من فواحم. جعده
يعلك من فيه شراب له شذا كنفحة روض عند تفتيح ورده
أرى الدعص يربو كي يشاكل ردفه وغصن النقا ينمو لتشبيه قدّه
وبدر الدجى يزهو إذا قيل مثله ويطوى حديث المسك مع نشر برده
ويعلو مقام النجم إن قلت أنه كمبسمه الوضاح أو درّ عقده
غدوت أجيل الطرف في روض حسنه فعدت وقلبي في وثاق بوجده
فمن لي بقلب مثل قلبي بعد ما أضيع زمانًا في مهامه بعده
يقولون لي في الحب هل لك رتبة فقلت لهم أعلى الذّرى لي بسعده
فما العشق إلا من كرام عشيرتي وما الحسن إلا من توابع جنده
وما القطر إلا من تقاطر أدمعي ولا البرق إلا من حشاي ووقده
فقولوا له إني صريع لحاظه وإني عليل مذ نبئت بفقده
عسى أنه يرضى بلثمي كفه إذا هو لم يسمح بتقبيل خده
سلام عليه بكرة وعشية وإن لم يفه تيهًا عليّ بردّه
فقد لذت من شوقي إلى غير منصف بحضرة من لاذ الأنام بمجده
فما سائلي إلا على جود أحمد ولا قائل إلا باعلان حمده
يلوح سناء الفضل من درّ لفظه ويظهر قدر النصل من قطع حده
يحار بسيط البحر في وسع علمه ويقصر فهم الحبر عن نيل قصده
يصول على أسد العرين بنفسه ويثني عنان الجيش ما ضي فرنده
جزيل العطايا يسبق القول فعله كريم السجايا غير مخلف وعده
فلا زلت أهدي للمسامع وصفه وأقطف زهر القول من روض ورده
وكتب إليه الوالد قصيدة مطلعها
إلى أحمد الشيخ النبيل تحية تغشاه مني بكرة وأصيلا
[ ١١٩ ]
فراجعه بقوله
أتت كي تداوي بالسلام عليلًا فقلت سلام لا عدمت مثيلا
هي الشمس لاحت في صباح صحائف هي البدر نالت من مدادك نيلا
هي الخمر في أفعالها بعقولنا على السحر قد زادت به تمثيلا
إذا أنشدت فالطرف عند نشيدها عن السمع يهوى أن يكون بديلا
ترجلت الركبان عند سماعها وقالوا أعدها لا عدمت خليلا
وساق بها العيس الحداة تشوّقًا إليه وساروا بكرة وأصيلا
فلا عجب إن عظمت لجلالة ونظم جليل أن يكون جليلا
فقد صاغها من نال كل فضيلة بباع له في الفضل دام طويلا
وذاك نظام الدين أحمد الذي أنار لطرف المكرمات سبيلا
هو السيد المفضال والسيد الذي يريك فراتًا من نداه ونيلا
له النسب الوضاح والرتبة التي غدا دوها طرف الحسود كليلا
إذا غاص في بحر المداد يراعه أفادك درًّا بالغناء كفيلا
له همة لو حاولت زحلًا على مكانته القصوى أتاه ذليلا
له شيم لو خالط البحر بعضها لا شفي صدا قلب وبل غليلا
إذا قلت هذا من أكابر هاشم كفتني سجاياه عليه دليلا
ومن رقيق شعره قوله
ما شمت برقًا سرى في جنح معتكر إلاّ تذكرت برق المبسم المعطر
ولا صبوت إلى خل أسامره إلاّ بكيت زمان اللهو والسمر
شلت يد للنوى ما كان ضائرها لو غادرتنا نقضي العيش بالوطر
في خلسة من ليالي الوصل مسرعة كأنما هي بين الوهن والسحر
لا نرقب النجم من فقد النديم ولا نستعجل الخطو من خوف ومن حذر
وأهيف القدّ ساقينا براحته كأنه صنم في هيكل البشر
منعمين وشمل الأنس منتظم يربو على نظم عقد فاخر الدرر
فما انتهينا لأمر قد ألمّ بنا إلاّ وبدّل ذاك الصفو بالكدر
لا در در زمان راح مختلسًا من بيننا قمرًا ناهيك من قمر
غزال انس تجلى في حلى بشر وبدر حسن تجلى في دجى الشعر
وغصن بان تثنى في نقا كفل لا غصن بأن تثنى في نقا المدر
كأن ليلى نهاري بعد فرقته ما أقاسي به من شدة السهر
يا ليت شعري هل حالت محاسنه وهل تغير ما باللحظ من حور
فإن تكن بجنان الخلد مبتهجًا فاذكر معنىّ الأماني ضائع الخطر
وإن تأنست بالحور الحسان فلا تنس الليالي التي سرّت مع القصر
وقوله أيضًا
كيف أسلو من مهجتي في يديه وفؤادي وإن رحلت لديه
إن طلبت الشفاء من شفتيه جاد لي بالسقام من جفنيه
إن حلف السهاد عين رأته وجنت ورد جنتي خديه
كلما رمت سلوة قال قلبي لا تلمني على العكوف عليه
لست وحدي متيمًا في هواه كل أهل الغرام تصبو إليه
وهذه ملح اخترتها من مقاطيعه التي سماها لآلىء الجوهري فمنها قوله
كيف يرجو العمر فانٍ بالله من قد قيدت الذنوب طول حياته
لا لعمري أم كيف يشرق قلب صور الكائنات في مرآته
ومنها قوله أيضًا
إذا مضت الأوقات من غير طاعة ولم يك محزونًا فذا أعظم الخطب
علامة موت القلب أن لا ترى به حراكًا إلى التقوى وميلًا عن الذنب
وقوله أيضًا
في المنع والاعطاء كن شاكرًا واستقبل الكل بوجه الرضا
فالخير للعارف فيما جرى ورب منع كان عين العطا
وقوله
لا تجهلن قدرًا لنفسك إنها علوية ترقى لما شبهها
والنفس كالمرآة يصقلها التقى قسرًا ويظلم بالمعاصي وجهها
وقوله
[ ١٢٠ ]
إن حزت علمًا فاتخذ حرفة تصون ماء الوجه لا يبذل
ولا تهنه إن ترى سائلًا فشان أهل العلم أن يسئلوا
وقوله
جانب اللهو والبطالة واحذر من هوى النفس إن أردت السعاده
واعبد الله ما استطعت بصدق مطلب العارفين صدق العباده
وقوله
قل للذي يبتغي دليلًا من غير طول على المهيمن
ما ذرة في الوجود إلا فيها دليل عليه بين
وهو من قول الأول
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
ومنها قوله أيضًا
إذا التبس الأمران فالخير في الذي تراه إذا كلفته النفس يثقل
فجانب هواها واطرح ما تريده من اللهو واللذات إن كنت تعقل
وهذا من قول الأحنف بن قيس كفى بالرجل رايًا إذا اجتمع عليه أمران فلم يدر أيهما الصواب أن ينظر أعجبهما إليه وأغلبهما عليه. فليحذره. وأقدم منه قول أبي الفتح البستي
وإن هممت بأمر. ولم تطق تخريجه فقس قياسًا صحيحًا. واحكم بضد النتيجه
ومن مقاطيعه في الغزل قوله
ولقد سقتنا البابلية إذ رأت إنا نحدثها لنسبر حسنها
خمرًا ادارتها العيون فأذهبت منا العقول ولم تفارق دنها
وقوله
أخجلت بدر الدياجي إذ تم في بدء أمرك
فعاد في النقص حتى حكى قلام ظفرك
وقوله
وظبي نافر مما رآه يذل لحسنه الملك المهيب
عرفت مزاجه فانقاد طوعًا ومن عرف المزاج هو الطبيب
وقوله
وأهيف كالسيف ألحاظه وقده المياس كالسمهري
أخجلني ثغر له باسم فأعجب لثغر مخجل الجوهري
وقوله
قال عذولي إذ رأى أخا الغزال الأعفر
هذا الذي مبسمه فتت قلب الجوهري
وقوله
جرح اللحظ خال خد غلام فضح البان قدّه باعتداله
فإذا ثار طاعنًا لفؤادي قال خذها من طالب ثار خاله
وقوله
لما بدا البدر يجلو دجى الظلام واسفر
ذكرت وجه حبيبي والشيء بالشيء يذكر
وقوله في غير ذلك
واسمح الناس كفا من لا يقول ويفعل
واعذب الشعر بيت يرويه عذب المقل
وقوله
تذكرت إذ جاء الحجيج بمكة ونحن وقوف ننظر الركب محرما
فصرت بأرض الهند في كل موسم يجدد تذكاري لقلبي مأتما
وقوله
ولو أن أرض الهند في الحسن جنة وسكانها حور وأملكها وحدي
لما قستها يومًا ببطحاء مكة ولا اخترت عن سعدي بديلًا هوى هند
وقوله
وقالوا بالمخا خير كثير فقلت صدقتم وبها الأمان
ولكن حرها يشوي البرايا ولولا الريق لاحترق اللسان
وقوله
شبهت أمواج بحر الهند حين رست به السفائن من هند ومن صين
بأسطر فوق قرطاس قد اتسقت والسفن فيا علامات السلاطين
وقوله
إذا لم تكن ناقدًا للرجال وصاحبت من لاله تعرف
فخالفه في بعض أقواله فإنك عن خلقه تكشف
ونظم هذين البيتين وأرسل بهما إلي لأشرف عليهما.
لا تعذلوني في وقت السماع إذا طربت وجدًا فخير الناس من عذرا
حتى الجماد إذا غنت له طرب أما ترى العود طورًا يقطع الوترا
[ ١٢١ ]
فكتب إليه مقرظًا. وصل البيتان بل القصران. فما ألفظاهما إلا الدر النظيم. فلا وحقك لم يفز بمثلهما العصران. لا الحديث ولا القدم فلله درك. ما أحقد درك. وأبهج في أسلاك المعاني درك. ولقد خاطبت بمعناهما عند سماعهما من عذل. وطربت لحسن سبكهما طر من منح عند نشوته سبيك النضار وبذل. بل طرب لهما حتى الجماد. ومن ذا الذي سمعهما وما ماد. فالله تعالى يبقيك للأدب كهفًا يرجع إليه. وذخرًا يعول عند اشتباه الألفاظ والمعاني عليه. وقد نظمت البارحة أبياتًا في العود. أحببت أن يلاحظهما بملاحظتك لهما السعود.
وعود به عود المسرة مورق يغني كما غنت عليه الحمائم
إذا حركت أوتاره كف غادة فسيان من شوق خليّ وهائم
يرنح من يصغى إليه صبابة كما رنحته في الرياض النسائم
والسلام. فراجعني بقوله. يا مولاي الذي إن عد أرباب المجد عقدت عليه الخناصر. وإن ذكر أصحاب الفضل فلا يدانيه متقدم ولا معاصر. ولو أمدني ابن العميد واضرابه والصاحب بن عباد وأصحابه. ما استطعت تقريظ أبياتك الأبيات إلا منك. الممتنعات إلا عنك. فأنت فريد دهرك. ولا أقول في هذا الفن. ووحيد عصرك. وليس ذلك عن ظن. وقد دعتني داعية الأدب. إلى أن أقول إن العود يفوق آلات الطرب. فمدحته كما مدحته. ووصفته كما وصفته. وقلت
فاق كل الآلات في اللحن عود حين تعلو أصواتها وترن
فكان الحمام دهرًا طويلًا علمه ألحانها وهو غصن
والسلام. قلت وهذا من قول أبي الفضائل أحمد بن يوسف الطيبي
من أين للعود هذا الصوت تطربنا ألحانه بأطاريف الأناشيد
أظن حين نشا في الدوح علمه سجع الحمائم ترجيع الأغاريد
ومثله قول معاصره الصفي الحلي
وعود به عاد السرور لأنه حوى اللهو قدمًا وهو ريّان ناعم
يعذّب في تغريده وكأنما يعيد لنا ما لقنته الحمائم
وما أحلى قول بعضهم فيه
وعود له نوعان من لذة المنى فبورك جان يجتنيه وغارس
تغنت عليه وهو رطب حمامة وغنت عليه قينة وهو يابس