الموصلي الشامي
رحلة تضني إليه الرواحل. وتطوي للقياه المراحل. باعه في الفضل مديد. وسهمه في أهداف العلم سديد. لا تدرك في السبق غايته. ولا تتأخر عند ازدحام الآراء رايته. عض العلم بضرس قاطع. وأنار ظلم الجهل بنور من صبحه ساطع. وكان قد انتقل من بلده إلى البلد الحرام. فقطن به منتظمًا في سلك علمائه الكرام. وبه ألف كتابه الذي سماه الاسعاف. بشرح أبيات القاضي والكشاف. وهو كتاب لم تكتحل عين الدهر له بنظير. ولا احتوى على مثل أزهار ألفاظه وثمار معانيه روض نضير. وقد دبج في ديباجته يذكر شريف مكة وسلطانها وحامي حوزة قطانها وقصادها الميمون السكنات والحركات الشريف حسن بن أبي نمي بن بركات فأجازه عليه من المال ألف دينار ومن الاقبال ما أصابه أفق أمله وأنار ولم يزل مقيمًا في ذلك الحرم وأردا مناهل الفضل والكرم حتى نشاء ظلم وزير الشريف المذكور وهو الذي روع الأجنة في الأحشاء والأفراخ في الوكور ستبيح جيران بيت الله العتيق الشقي المعروف بابن عتيق فكان من مخازيه الشنيعة وفعلاته التي قبح بها صنيعه أن دعي المشار إليه إلى شهادة زور على اغتصاب شيء من متاع الدنيا المنزور فلم يجبه إلى ما دعا ولا صدقه فيما ادعى فنصب له العداوة والبغضاء وتجاوز على التجاوز والاغضاء حتى كان لا يلقبه إلا بالنصراني ولا يراه إلا بعين الآثم الجاني ولم يزل يدب له الضراء ويريد له البأساء والضراء إلى أن رماه عند الشريف ببهتانه وجرى على عادته في ظلمه وعدوانه وسعى إليه بأنه لا يزال ينسب إلى هذه الدولة المظالم وياتفك لها ما يتبرا منه مؤتفك ظالم ويكتب بذلك إلى أمراء الأروام وهو مقبول عند أولئك الأقوام ومتى لم يتلاف أمره. شب نار التلاف جمره وحسن له أجلاه عن البلد الحرام قبل أن يؤول قدحه إلى الاضرام فأذن له الشريف في اجلائه فشمر له عن ساعد بلائه والزمه بالخروج في الحال وأمره لوقته بالارتحال ولم يمهله لينقل له. أو يرى ما عليه وما له. فخرج متوجهًا إلى مدينة الرسول. وقد ترنق ورد حياته المعسول. وما أبعد عن مكة مرحلتين حتى استولى الوزير الشقي على داره. وأظهر صولة قهره واقتداره. واصطفى جميع ما فيها قبل الفوات. ونادى عليه في الأسواق كما ينادي على تركة الأموات فبلغ الشيخ الخبر في أثناء الطريق فأصبح وهو في يم الهم غريق ففاجأه أجله قبل وصوله إلي المدينة ولاقاه من أولاه دنيا ودينه وأطلق من قيد هذه الدار المحفوفة بالارزاء والاكدار وذلك في سنة سبع وألف ومن شعره قوله مادحًا الشريف حسن سلطان الحرمين وأودعها ديباجة كتابه الاسعاف
بدر الملوك أمير المؤمنين أبو على الحسن السامي به شام
[ ٢٢٢ ]
خليفة الله من دارت بنصرته وما يشاء من الأفلاك أجرام
في كل ناد له صيت يهيم به في كل واد عداه خشية هاموا
لو سابق الدهر لاستدراك غايته لرد مما حواه الدهر أعوام
قل للخوارج موتوا في ضلالتكم فإنما الدين عند الله اسلام
هذا ابن بنت رسول الله طاعته فرض وفيه لأنف الدهر ارغام
يطيعه من أطاع الله متقيًا ومن عصاه عليه النص الزام
وفي أولى الأمر قول الله حجتنا وهم ائمتنا بالحق قد قاموا
يا حجة الله والحبل المتين ومن في غير مرضاته الطاعات آثام
أن يمل نابغة الجن القريض فلي في نظم مدحك من جبريل الهام
فها كهادرة بل بحر فائدة لدى العقول ببذل الروح تستام
تبقى وتذهب أشعار ملفقة كغرة في جباه الدهر أوشام
واسلم ودم في سرور ثم في دعة ما قام بالروح بل بالله أجسام
وأنشد للمعري في ترجمته من كتابه المذكور
تقضى صاحب التوارة موسى وأوقع بالخسار من افتراها
وقال رجاله وحي أتاه وقال الآخرون بل افتراها
وما حجي إلى أحجار بيت كؤوس الخمر تشرب في ذراها
إذا رجع الحكيم إلى حجاه تهاون بالشرائع وازدراها
قال فأجبته أنا وقلت
وحال الله من أعمى لعيني بصيرته تناهت في هماها
يقول إذا الحكيم رعى حجاه تلاعب بالشرائع وازدراها
فما هذا الخبيث إذًا حكيم ولكن ليس يدري ما طحاها
وما أحسن قوله في آخر كتابه المذكور مؤرخًا عام تمامه وهو غاية في الانسجام
وليك ذا الأخير من كتابي وما قصدته من انتحابي
من شرحي الموسوم بالاسعاف شواهد القاضي مع الكشاف
تم بعون الله مع اسعافه ومحض امدادي من ألطافه
وجوده الغمر الذي عم الأمم وفضله العم المسمى بالكرم
وسعد من قد ألفت سطوره لأجله وانتظمت نحوره
ورصعت خطبته باسمه وحليت إذ جعلت برسمه
من قد تحلت باسمه المنابر وافتخرت بذكره الدفاتر
من عمرت بعدله البقاع وارتفع الشقاق والتراع
وما بقى للبوم في بلاده من سكن فهج مع أولاده
والأسد في زمانه مع النعم رابضة والذئب يرعى والغنم
ومن بقى في عصره من جائر يصول ظالمًا سوى الجاذر
من زوال الفتنة حتى ما بقى منها سوى الذي يسر الخدق
من ذلت الملوك والقياصره لعزه بل الأسود الكاسره
ومن أقول في مديحه ومن ومن ومن إلى انقضاء ذا الزمن
لا برحت سدته الشريفة جامعة للنكت اللطيفه
حاوية لسائر المعارف حائزة لسائر اللطائف
محط أهل العلم والآداب وكعبة القصاد والطلاب
بجده النبيّ ثم آله وصحبه وتابعي منواله
واتفق الفراغ يوم عاشر وقت الغروب من ربيع الآخر
على يد المفتقر الاواه منشئه خضر بن عطاء الله
وسائر الأتباع والأصحاب مؤرخًا قد انتهى كتابي