باكثير
[ ٢٦٦ ]
خاتمة مغلقي الشعراء باليمن. ونابغة العصر وباقعة الزمن. ينتهي نسبه إلى كنده وهو نسب تقف الفصاحة قديمًا وحديثًا عنده وكان كاتب الانشا للسلطان عمر بن بدر ملك الشحر وشاعره الذي ينفث في عقود مدائحه سحر البيان وبيان السحر وله ترسل وانشاء تصرف في اعجازهما كيف شاء وديوان شعره مشهور تتلو محاسنه السن الأيام والشهور وقد وقفت عليه وصرفت عنان النظر إليه. فاستصغيت منه ما اصطفيت وأوردت منه ما أردت ولم يزل كاتبًا للسلطان المذكور في عهده ثم لولده عبد الله بن عمر من بعده حتى انقضى أجله وعمره وخوفي من أفق الحياة قمره فتوفى بالشحر عام خمس وعشرين وألف وكان قد عمر طويلًا ولبس من العيش ثوبًا جميلًا وهذا حين أتيت ما اخترته من ديوانه والتقطته من فرائده وعقيانه فمنه قوله منه قصيدة أولها
رعيا لأيام تقضت بالحما فزنا بها ووشاتنا غفلاء
جاد الزمان بها وأسعفنا بمن تهوى ولم تشعر بنا الرقباء
ومنادمي بدر على غصن على حقف له قلبي العميد خباء
عذب المقبل عاطر الأنفاس در باق النفوس شفاهه اللعساء
متبسم عن أشنب شيم له مهما تبسم في الدجى لالاء
ما مسك دارين بأطيب نكهته منه وقد ضاعت له رياء
عبر النسيم يجر فضل بروده فحبته من كافورها الانداء
فتعطرت من طيب فائح نشره أرواحنا وسرت لنا السراء
فسقى الاله مراتع الغزلان من وادي النقاء وهمت الأنواء
وتهللت برياضها سحب الحيا وسرت عليها ديمة وطفاء
حتى يراها أبهج روضة فيروقه الاصباح والامساء
والطير عاكفة بكل حديقة فكأنها بلحونها قراء
والروض مبتهج الحياء فكأنه وافاه من عمر الندى ايماء
وقوله في صدر أخرى
هذي المرابع والكثيب الأوعس وظبا الخيام الانسات الكنس
قف بي عليها ساعة فلعل أن يبدو لي الخشف الأغن الألعس
فلطالما عفت الكرى عن ناظري شوقًا إليه ومدمعي يلتجس
ينهل سحًا مثل منهمر الحيا فوق المحاجر مطلقًا لا يحبس
واغن ناعم طرفه سلب الكرى عني فطرفي ساهر لا ينعس
اشتاقه ما لاح صبح مسفر في أفقه أو جن ليل حندس
منها
يا عاذلي دعني وشأني إن لي قلبًا بغير الحب لا يستأنس
لك قدرة أن لا تلوم وليس لي صبر به دون الهوى اتلبس
كيف السلو عن الأحبة بعدما دارت على من الصبابة أكؤس
نقل الصبا نشر الحبيب وحبذا نشر به ريح الصبا تتنفس
آها ولا يجدي التأوّه والأسى فالصبر أجمل والتجمل أكيس
وقال أيضًا
جاد الغمام مواقع الغزلان ومرابع الرشاء الأغن الغاني
وسرى عليها كل أسحم هاطل غدق سبح بوابل هتان
يحيى ربوعًا طالما لعبت بها الغيد الحسان نواعس الأجفان
من كل فاترة اللحاظ إذا رنت سلبت سحر اللحظ كل جنان
فكأنها الأقمار تطلع في دجى ليل من المسترسل الفينان
وكأنما تلك القدود إذا انثنت قضب تمايل في ربى الكثبان
وبمهجتي خشف أغن مهفهف أصمى فؤادي إذ رنا فرماني
ظبي من الأعراب في وجناته قوت القلوب وسلوة الأحزان
بالله ما طالعت طلعة وجهه إلا ورحت براحة النشوان
ماء الشبيبة فوق ورد خدوده يجري على متلهب النيران
ذابت عليه حشاشتي وجدا به وصبابة وجفا الكرى أجفاني
لم أنس أيام التواصل واللقا والشمل مجتمع بوادي البان
ومنادمي من قد هويت وبيننا الصرف الكميت تدار في الأدنان
[ ٢٦٧ ]
شمس مطالعها سعود كؤوسها بين الندامي في مروج تهاني
في روضة مفروشة أرجائها بالورد والمنثور والريحان
تتراقص الندماء من طرب بها بتراجع النغمات والعيدان
لم لا يواصلنا السرور ونحن في الفردوس بين الحور والولدان
وقال في صدر أخرى
اشتاق من ساكني ذاك الحمى خيما لأجلها زاد شوقي في الحشا ونما
ولاعج البين والتبريح من كمد أجرى من العين دمعًا يخجل الديما
ما جن ليلي إلا بت من كلف ارعى النجوم بطرف يستهل دما
لولا هوى شادن في القلب مرتعه ما اشتقت وادي النقا والبان والعلما
ولا طربت غل نظم القريض ولا عليّ بالوجد سلطان الهوى حكما
نفسي الفداء لظبي وجهه قمر وبرجه في سما قلبي العميد سما
يصمى فؤادي بنبل من لواحظه عن قوس حاجبه مهما رنا ورما
في ثغره الدر منظومًا فيا لك من ثغر شنيب يريك الدر منتظما
جل الذي صاغه بدرًا على غصن على كثيب وأبداه لنا صنما
لم يكسه الحسن ثوبًا من مطارفه إلا كسبي جسدي من عشق سما
وقال أيضًا
بنشر وادي الفضا نشر النسيم سرى فافهم الصب عن أهل الحمى خبرا
أهدي التحية من أهل الخيام إلى حليف وجد يقاسي الوجد والسهرا
لكنه جد في وجدي واذكرني تلك الربوع وبان الحي والسمرا
منها
ولي من العرب ظبي ما رأى بصري شهبًا له في الورى بدوًا ولا حضرا
كالبدر وجهًا وبدر التم مبتسمًا والظبي جيدًا وغصن البان إن خطرا
كم ليلة زارني فيها على وجل مستوفزًا خائفًا مستعجلًا حذرا
يمشي الهوينا حذار الكاشحين وقد أرخى الستور ظلام الليل واعتكرا
قبلت مبسمه عشرًا على عجل فقام عني إلى التواديع مبتدرا
فكدت أشربه لثمًا وأهصره ضما وأثنى عناقًا قده النضرا
وقال أيضًا
يا مولعًا بالصد والاخلاف متعمدًا بصدوده اتلافي
ما كان ضرك لو وصلت وجدت لي قبل التلاف من اللقا بتلافي
كلفتني أرعي النجوم ومدمعي كالعارض المتهلل الوكاف
متمزق الأحشاء من ألم النوى هل عطفة يا مايس الأعطاف
أم هل تجود على الكئيب من اللما العذب الرضاب بأول الأعراف
قسمًا بمنظرك المنير وقدك الل دن النضير وردفك المتجافي
إني بعشقك صرت مشترك العنا بين اللما والقد والأرداف
وقال أيضًا
وعجز كل بيت معكوس كلمات صدره وفيه رد الصدر على العجز
تيمني من هواه واكمدي واكمدي من هواه تيمني
حيرني من سناه حين بدا حين بدا من سناه حيرني
ترشقني بالنبال مقلته مقلته بالنبال ترشقني
عذبني بالصدود واتلفى واتلفى بالصدود عذبني
صيرني فيهواه ذا قلق ذا قلق في هواه صيرني
يمطلني باللقا ويمطلني
وكلها على هذا الأسلوب.
وله من أخرى
عاذلًا في الغرام مهلًا فقلبي حملته الأحباب ما لا يطيق
كيف يصغى إلى اللوائم صب في حشاه من الفراق حريق
سلبته اللواحظ البابليات وأودى به القوام الرشيق
وسباه أغن أحوى رداح يسند العشق حسنه المعشوق
قد كفاه عن المهند لحظ وعن الرمح قده الممشوق
[ ٢٦٨ ]
روض خديه جنة لاح فيها جلنار وسوسن وشقيق
وله مبسم يضيئ سناه عن شتيت حكاه در نسيق
ظلمه في لماه شهد مذاب في سلاف رياه مسك فتيق
خصره يشتكي من الردف فاعجب كيف يقوى عليه وهو رقيق
وله أيضًا
جاد وبل الغمام شيحًا وضالا ورياضًا بالسفح مدت ظلالا
لا جفاها الحيا فلى ثم ربع لم أزل مكثرًا عليه السؤالا
تسحب الغيد في رباه ذيولًا تتهادى من النعيم اختيالا
ورشيق القوام ما ماس إلا أخجل الغصن قامة واعتدالا
ما تثنى إلا ثني كل قلب نحوه تابعًا إذا مال مالا
صاد قلبي لما تصدى لقتلي بلحاظ يريش منها النبالا
لوعتي في هواه أزكت غرامي وأعادت آناء ليلي طوالا
كلما لاح بارق من زرود فاض وادي عقيق دمعي وسالا
ويعجبني من موشحاته على طريقة أهل اليمن قوله وهو مما يتغنى به وكان سبب نظمه له أنه أتى زائرًا بعض سادات عصره. فأراد السيد أن يسمع شيئًا من شعره. وكان للسيد ولد جميل الصورة. له في المحاسن أعظم آية وسوره. فأمره أن يلبس أفخر ثيابه. ويمر عليهما في ذهابه وايابه. فلما مر متمايلًا. أنشأ الشيخ قائلًا
زلّ يخطر مثل خوط البان مايس شادن زان الملابس
ورمى قلبي بفاتر طرف ناعس لحظه نائل وقائس
لؤلؤي الثغر معسول اللواعس عيطلي في القلب كانس
بيت
خاله الزنجي لورد الحد حارس لا تدنسه اللوامس
قلت وامحبوب قلبي هل تواصل والذي تهواه حاصل
لا تخف واشي ولا نمام ناقل لا ولا تدري العواذل
جد بطيب الوصل يا حلو الشمائل إن عقلي فيك ذاهل
بيت
ما ألذ الوصل في ديجور دامس وحبيب القلب آنس
جنتي في بهجة الخد المورد واعتناق الخد الأملد
وارتشا في سلسل الريق المبرد من لمى الثغر المنضد
لو سمح لي بالتداني ظبي ثمهد لاشتفى قلبي من الصد
بيت
وانجلى عن مهجتي غيم الوساوس وانطفى حر المقابس
ويح قلبي كلما إن الحمائم لم يزل ولهان هائم
كم أقاسي كم أكايدكم أكاتم كم أداري من لوائم
ساهر الأجفان دمعي كالغمائم والذي أهواه نائم
نصب عيني شخصه قائم وجالس فردًا وبين المجالس
بيت
عاذلني دعني فما قلبي بك أشبه لا ولا ذقت المحبه
لو صفا لك من رحيق العشق شربه كان قلبك قد تنبه
سر طريق أهل الهوى وإلا تنبه تعتلق منهم بصحبه
ينجلي همك وتحظى بالنفائس من مصونات العرائس
وقد كتبته على مصطلحهم وتقدم التنبيه على أنهم لا يراعون الاعراب في هذا النوع من النظم بل اللحن فيه مقصود والله أعلم