الشافعي المكي
هو من بيت حديثه في الفضل قديم. وقوم انتشوا بسلاف العلم وليس لهم سوى الأدب نديم. بنى لما بنت أوائله. فظهرت للعيان آدابه وفضائله. فدرس وأقرى. وتتبع واستتقرى. وطال في خدمة العلم الشريف عمره. واشتهر في تلك المواطن المنيفة أمره. رأيته بمكة شرفها الله تعالى وقد وقف على ثنية الوداع. وهمت صفاة شمل جيوشه بالانصداع. ويقال إنه أناف على التسعين من السنين وله الأدب الغض. والنظم الذي ما وضع من قدره ناقل ولا غض. فمن نثره قوله من كتاب معزيًا. يحق لشموس العظمة أن تلبس عليه أثواب الحداد. ويقبح ببدر الجلالة أن يطلع بغير لبس السواد. كيف لا وهو بقية الدور الأول. وإنسان عين الأماجد الكمل. ووالله لقد حصل لنا من التعب والكدر. ما فقدنا معه المصطبر. غير أن هذا منهل لا بد من وروده. وإناء زرع لا بد من حصيده. ومن شعره قوله مادحًا الشريف مسعود بن الشريف حسن وهي قصيدة ضمنها ثلاثة أبيات الثاني والثالث منهما تاريخان يخرج أولها من الصدر الأول وثانيها من نون فعلن من العروض وثالثها من ميم مستفعلن من الابتداء
يا ظبية البان ما ترثي لذي كبد مجروحة قد سبى بالأعين النجل
أمسي من الصد والهجران في ألم سويهر الطرف بالهجران في شغل
نويحلًا هائمًا حيران ذا أسف عليل جسم شوى بالهجر منذ قلى
جفا المنام جفون العين منذ هوى والقلب منه بنيران الغرام سلى
لعل يا من حكاها الغصن في ميس داء الغرام يداوي منك بالقبل
آه على ثغرها كم فيه من درر آه على ريقها كم فيه من عسل
رشيقة ليس يسلوها الفؤاد ولو نقلت للحد حيًا غير منتقل
أبهى رداح تجلت في سنا قمر شبيهة الغصن في لين وفي ميل
فارقتها وفؤادي اليوم في ولهٍ إلى محيا يفوق الشمس في الحمل
قال العذول أما تسلو فقلت بمن بالله يا عاذلي دعني ولا تطل
يا غادة طاب لي في عشقها عذلي أما ترقين لي يا غاية الأمل
لولاك يا من لها في القلب مرتبع نزهت نظمي عن الغزلان والغزل
والله لولا الظباء النازحون لما يممت مكحولة العينين بالكحل
أسلة طفلة تسبي بمبتسم منضد يبرى المضنى من العلل
فاقت على الشمس والأقمار طلعتها جميلة ما لها في الحسن من مثل
الآن أشفي من التشبيب والغزل دائي بمدحي لنجل المصطفى وعلي
كهف الأرامل والأيتام ذي حكم له فضائل أهل السهل والجبل
عالي الذرى شامخ المقدار كم منن لكفه في رقاب الناس والدول
امام أهل التقى مولى حوى شرفًا مسعود جد كريم سيد بطل
مؤيد ماجد حاوي العلى ملك لعزمه فعلات البيض والأسل
مظفر قلب من عاداه في وجل كأنه الليث في بطش وفي غيل
بكل ماض صقيل نال بغيته دامت له نعمة المولى إلى الأزل
ابن البشير النذير المرتجى لغد المصطفى الطهر هادي أشرف السبل
رفيع قدر عليّ حاز كل وفا رؤف قلب على الخلان والخول
[ ١١٣ ]
كافاه ذو العرش بالاحسان عن كرم اسدى وبلغ ما يرجوه من أمل
والبيت الأول هذا نصه شعر
يا نجل أشرف قيل وافاك عيد مبارك
والبيت الثاني وهو تاريخ شعر
دم في سرور هنّى عام المنى كله دام
والبيت الثالث وهو تاريخ أيضًا شعر
مسعود أنشا باني مجد للملك دارا
وإنما أحوجه إلى هذا التكلف التزام التاريخ وهذا النمط اعتنى به المتأخرون فنفخوا في غير ضرم. واستسمنوا ذا ورم. والسلاسة والانسجام غير هذا ومن شعره أيضًا قوله في مليح اسمه عيسى
وشادن من بني ثقيف بسهم ألحاظه رميت
خالف في المعجزات عيسى فذاك يحيى وذا يميت
وتعزى إليه هذه القصيدة المشهورة
لا تلومي في ولوعي بالحبش إن عقلي حار فيهم واندهش
كيف لا أصبو إليهم ولهم مدخل في كل قلب ومحش
ملكوا رقى بملكى رقهم فأنا الموقع نفسي في البلش
وبروحي منهم انسية سلبت بالدل عقلي والورش
ذات خد مذهب ليس يرى في صفا مرآة مرآه نمش
وفم عذب حلا مرشفه لو سقى المنعوش منه لانتعش
ما إلى الورد سبل وارى عندي الماء وبي أقوي العطش
إن تحرم قربها بنت أختها ربما حلت إذا المفتى فتش
نلت منها في خفاء قبلة عند ما زاد هيامي وطفش
فجرت أدمعها في خدها فأرتني الروض مخضلًاّ برش
ثم قالت هكذا يا سيدي جال في صدرك بيعي وانقش
فاعتراني لاعج من قولها لسع الأحشاء منى ونهش
طالما بت بها في غبطة آمنًا من كاشح عنا نبش
وإلى يسراي أخرى مثلها طفلة بظلم من فيها خدش
كاعب هيفاء راقت خضرة جال في ريحانها طل الغبش
سمة الظبي حوتها واسمه فاحتواها الشبه منه واحتوش
بعتها لا عن رضي والدمع في صحن خديها وخدى قد طرش
فتنة الأولاد والزوجة ما برحت تمزج بالنصح الغشش
ذهبت تلك وأما هذه دملي منها لأني ما انتكش
رب دبرني ولاطفني عسى هذه الكربة عن قلبي تنش
وأظن لمن هذه القصيدة ليست له بل لجده الشيخ عبد العزيز الزمزمي المتوفي سنة ست وسبعين وتسعمائة وقد أرخ وفاته الشيخ عبد الرحمن الخفاجي بقوله
إن من أجرى الدموع على عز دين الله قد أفلح
قد أتى تاريخه ضبطًا بجنان الخلد قد أصبح
ومن شعر الشيخ عبد العزيز هذا قوله في جاريتيه غزال ودام السرور لما باعهما وندم عليهما قوله شعر
بجاريتيّ كنت قرير عين وافق مسرتي بهما منير
فنغر صرف أيامي غزالي فلا دامت ولا دام السرور