الخليلي
أديب أحرز من الأدب طرقًا. وحوى منه جانبًا مستظرفًا. فنظم شعرًا وسطًا. وصال به متشاعرًا وسطًا. وكان بغيضًا إلى الطباع. بعيدًا عن الانطباع. وقد حاجًا إلى مكة المعظمة. وفي نفسه ما فيها من التكبر والعظمة. فلم يلتفت إليه من أهلها أحد ولم يكن له بها من المعارف ملتحد. فخيل له فكره المريض. أن يهجوهم بالكناية والتعريض. فمنى منهم بالداء العياء. والداهية الدهياء. حتى أضرع وخضع. وألقى سلاحه وأوضع. فكفوا الألسنة. وتلافوا السيئة بالحسنة. ثم انتقل إلى المدينة المنورة فولى بها خطيبًا. واستنشق من عرف ذلك الجوار الشريف طيبًا. ولم يزل بها حتى بلغ عمره المدى. فألبسه المنون رداء الردى. وكان أول ما نظمه في أهل مكة قوله
جيران مكة جيران الاله لذا لا يعبؤن بمن قد غاب أو حضرا
لولا الطبيعة عافتهم لكان لهم اسراء روح بسر السرّ قد ظفرا
ثم قال فيهم أيضًا
علما مكة جاوزوا إلا فلاكا عزًا وحق لهم لعمرك ذاكا
لولا الرئاسة في رؤس نفوسهم كانوا وحقك كلهم أملاكا
فكان أول من انتدب لجوابه القاضي تاج الدين المالكي فقال مجيبًا له عن البيتين الأولين
جيران مكة غرس الدين أينع في قلوبهم باسقا يهدي الهدى ثمرا
سقوه من أنهر الاخلاص صافيها فاخضل يطلع من أكمامه زهرا
ومن يكن روض غرس الدين مهجته أسرى وفاز بسر السر حين سرى
به قد اتحدوا إذ كان بينهم تواصل معنوي من الست جرى
فحيث دارت كؤوس الاتحاد على الأرواح ما اعتبروا الأشباح والصورا
فلما بلغته هذه الأبيات كتب إلى القاضي تاج الدين
يا شهم مكة يا تاج الرؤوس بها يا سهم بك قد بكت من عذرا
يا حبر علم يزيد الطالبين بها يا بحر فهم به يستخرج الدررا
يا رب حذق غدا رب البيان له عبدًا وألقى عصى التسليم مقتفرا
يا ألمعيًا أضاءت من لوامعه مشارق الذهن بالذوق الذي بهرا
[ ٢٣٠ ]
يا لوذعيًا بلاعي يمازجه أعيا وأفحم من قد قال أو شعرا
يا رب ظرف ولطف كسّرا خطا أغصان غراسي على بعد وما شعرا
هل ترفين الذي أخلقت من حالي أو تقبلن الذي يأتيك معتذرا
فأجابه القاضي بقوله
كللت إكليل تاجي بالثنا دررًا لما بعثت بعقد المدح معتذرا
مضمخًا طيب شكر عرف نفحته كروض غرسك حيته الصبا سحرا
غرس من المبد الفياض قد سقيت أعراقه فنما يهدي الهدى ثمرا
غرس روى حين روّى الفضل منبته للسمع نواره عن طيبه خبرا
هدى إلى ما هو الأحرى بنا وبه إذا اقتفينا طريق القوم والأثرا
فحرفة الفقر إن لم يوف لابسها بشرطها نبذته كاسبًا بعرا
عود البدء فمم الاعتذار ولم تقر إن قلت بكت الذي عذرا
وقلت في حق من جازي وعرض لم يشعر وأغصان غرسي مخطيًا كسرا
قد حصحص الحق فاعلم إنما كسرت أغصان غرس الذي أخطا وما شعرا
إني عذرت وقد عرضت معترضًا لعرض قوم ثناهم لم يزل عطرا
أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزهم عنه فجحدك ذنب غير ما غبرا
قضى بأن جرت الأقلام منك بما جرى به القلم المحتوم حين جرى
كبا الجواد ومن يعثر يقل كرمًا فنسأل الله غفرانًا لمن عثرا
فأعاد عليه الجواد ثانيًا
استغفر الله من وهم لنا سترا لعل يرفع من البابنا كدرا
يا تاج ديني والدنيا بأجمعها يا بن السراة السراة السادة الكبرى
طولت ما قصرت عنه اساتذة الا نشا وسادة أهل العلم والشعرا
ركبت كالبرق اسراعًا براق ذكا وبت ترقي بفهم افهم النظرا
حتى وصلت إلى قاب البيان ولم يزغ فؤادك عما نال بل بهرا
وثم أوحى إلى القلب السليم أجل جبريل ذوقك ما أوحاه مستترا
آياته كلها للكل معجزة بالفعل لا صرفة عاقت لمن شعرا
كللت اكليل تاجي بالثنا دررًا فصار شمسًا على راس العلى ظهرا
وقد بعثت بعقد المدح معتذرًا إليك لكن ما ألفيت من عذرا
له ضياء تجلى من فرائده كضوء تاجك أبداه البها قمرا
تاج ولا تاج كسرى في أكاسره كلا ولا قيصر في قصره نظرا
تاج على راس للكل محتويًا على المحيط ولكن يخطف البصرا
هدى الهداة إلى عين اليقين ومن سواه أهدى إلى أتباعه أثرا
بدا لعود فما عودي بمنعطف عمن تجاريه في المضمار حين جرى
وخرقة الفقر وفاها شرائطها إذ صبر الوهم منبوذًا بظهر عرا
أولت قولي فظلت اليوم تعتبني فنفسك أعتب ولا تعتب لمن شعرا
قد حصحص الحق لكن ليس يعرفه إلا فتى مزق الأشباح والصورا
إذ لست ممن يكون الدهر معترضًا لعرض قوم ثناهم لم يزل عطرا
وجعلك الذنب لي ذنب لكم أبدًا إن قلت بالدور أو سلسلت لي خبرا
فاجمع أو أقصر ولا تفرح بها أبدًا وقصر المنظر أو طول لنا السيرا
قضى الاله بأني لا أرى لكم إلا صبورًا شكورًا ناقلًا أثرا
لله درك من بيت ختمت به نظام مسك حوى في سلكه دررا
فيه الشهادة لي أن الجواد نعم أنا الجواد بلا بخل لديّ يرا
فواجب أنكم تعفون لا كرمًا عن الكريم إذا في حيكم عثرا
[ ٢٣١ ]
لقول من جوهر الأرواح جوهره ونوره نور الأشباح والصورا
فيما روينا أقيلوا عثرة الكرما فنسأل الله غفرانًا لمن غفرا
فكتب إليه القاضي مجيبًا
يا ناطقًا ولسان الحق أنطقه حسبي جوابًا مقال منك قد بهرا
قد حصحص الحق لكن ليس يعرفه إلا فتى مزق الأشباح والصورا
در حيث دارت كؤوس الاتحاد تجد ذاك الفتى ثم ذرنا نترك الهذرا
دعنا بحقك نطوي الكشح عنه فما بنشره غير إنا نبخس الدررا
واخش الاله فقد عرضت ثانية إذ قلت لست فاتل البيت معتبرا
فحسب جيران بيت الله ربهم يردي الذي قال فيهم وافترى نكرا
لله أنت لقد وفيت شرط لبا س الفقر بالقول والفعل الذي ظهرا
ومنعك الذنب ما لم يلف مستند له مكابرة تلفى لدى النظرا
هذا إلى ما تلاه من منافضة أضحت تلوح لدى من دقق النظرا
فأجابه الشيخ غرس الدين
يا ناطقًا واله الخلق أنطقه حسبي صوابًا جواب فيك قد كبرا
قد حصحص الحق لكن ليس يعرفه إلا فتى قال شيئًا منك قد ظهرا
لولا الرياسة عاقتكم لكان لكم سعي إلى غرسنا كي نجتني ثمرا
در حيث درت فإن الطبع عاقكم عن العروج إلى شأو الذي قهرا
ولا أقول كما قلتم بلا سبب رأيتم ثم ذرنا نترك الهذرا
ها قد خرجتم عن الاداب فاقتصروا من قبل يقضي قضاء لا يرى هدرا
وأحمد المرتضى من نسل فاطمة ترضى به قاضيًا يقضى بما بصرا
أشار بهذا البيت إلى السيد أحمد بن مسعود فعند ذلك أقسم السيد أحمد على القاضي تاج الدين أن لا يجيبه ثم جمعهما في منزله وأصلح بينهما فأشار القاضي إلى الشيخ غرس الدين أن يمدح أهل مكة ليكون كفارة عما سلف فقال
علماء مكة جاوروا الأملاكا الطائفين العاكفين هناكا
فتروحنوا من قربهم وتلطفوا وبلطفهم استعبدوا النساكا
فانظر لتاج الدين تعلم صدق ما نظم البدايع من الهدى أملاكا
أعنى الامام المالكي ومن له نظم كدر زين الأسلاكا
لو كنت في بطحائها نادمته أسلاك من أحببت بل أنساكا
وأجابه القاضي تاج الدين عن بيتيه الاخيرين المقدمي الذكر بقوله
يا قائلًا في أهل مكة أنهم لولا الرياسة لاغتدوا أملاكا
في معرض التعريض قلت ولم تقل في مدحهم هذا المقال أراكا
ورميت أهل الله بالداء الذي أضحى دفينًا في صميم حشاكا
وعنيت أن الكبر يحجب ربه عن كونه ملكًا فما أقصاكا
وقصدت ذمهم فأصبح شاهدًا بكمالهم فكفاهم وكفاكا
لم تدر أنك بالذي قد قلته أخطأت فاقصر خطو رجل خطاكا
اني تضاهي من يفوقك محتدًا وعلى فلو طلت السماك سماكا
فاحفظ لهم حق الجوار ولا ترم ادراك شأوهم فلست هتاكا
وأجابه عن البيتين الأولين السيد أحمد بن مسعود أيضًا فقال
غرست باللطف غرس الدين باسقة جنيت من نعيها مستوبيًا مقرا
به دفعت يقينًا في حجاحجة يتلون من كتب آيات الهدى سورا
فاقن الهوادة واركن للهوادن إن رمت التنصر للدين الذي بهرا
كم بين عيدانة الدين التي فرعت وبين غرس راينا صابه ثمرا
وأجابه أيضًا الامام زين لعابدين الطبري بأبيات تقدم اثباتها في ترجمته وهي التي أولها
امام التقى مغرس التقوى بروضتها ذات المحاسن غرس الدين قد ظهرا
وقال القاضي تاج الدين فيه مواليًا وعزاه إلى بعض أصحابه وهو
[ ٢٣٢ ]
يا أيها الشيخ غرس الدين قد عذبت نفسك وبالتسمية بالفعل قد كذبت
جاوزت حدك وقبل الحصرمه زببت ما أنت شيخ غرس حاش الله بل شيخ نبت
ومن شعر الشيخ غرس الدين المذكور قوله معارضاَ لامية العجم كما زعم
صيانتي في فراق الفرق والحيل وحيلتي في حلى الجمع لا الحلل
لا مجد لي حيث فرق قائم أبدًا والمجد لي قاعد في الجمع بالازل
فيم الاقامة في أرض الطباع ولا سكنى سكوني بها كلا ولا أملي
ناء عن القدس في ذا الحسن منفرد كالضيف يدأب في الترحال والتنقل
فلا صديق صدوق في مصادقتي أبثه حزني أو منتهى جذلي
طال اغترابي عن قدسي الأنيس إلى أن حن كلي إليه من كوى كللي
وضج من لغب كوني وعج لما ألقاه بوني ولج الكون في عذلي
أريد بسنطة جمع أستعين بها على أداء حقوق الفرق لي قبلي
والفرق يعكس آمالي ويقنعني من الحقائق بعد الجد بالجدل
وذي نشاط إذا رام النشيطة لا يزال في ناشط كالفارس البطل
بادي النباهة في رعب وفي رعب حلو الفكاهة مرّ الجد في احلل
طرقته في ظلام الليل معتجرًا سواده خوف ومض البيض أو لاسل
والقوم ما بين صاح بعد نشوته من صرف وجدته أو شارب ثمل
فقلت أدعوك للحبلى لتجميني من فرقة الفرق أو من رفقة عطل
فشام عيني وعين الفرق ساهرة وتستحيل وصبغ الحلى لم يحل
فهل تعين على غي هممت به والرشد يزجر أحيانًا عن الرجل
أني أريد أحيي الحي من حرم وقد حماه حماة من بني ذهل
يحمون بالحجب من نور ومن ظلم كنه الحقيقة من ادراك منثحل
فالحب حيث نهى الاملاك رابضة حول الحجاب لها غاب من الغول
نؤم ناشئة نشوى بهم زجل بالذكر لا بمثاني الشعر والغزل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ما بالكرائم من رعبي ومن وجل
تبيت نار الهوى منهم على كبد حري ونور الهوى منهم على المقل
يقتلن أكباد حب لا حراك بهم ويقتلون نفوسًا في رضى الأزل
يشفى اللديغ ولا يشقى بهم أبدًا يمهل الذكر نهلًا أو على علل
لعل المامه بالحي ثانية تثني عناني عن الأغيار والعلل
ما راعني طعنة السمراء قد شغفت برشقة من نبال السمر في الكحل
ولا ثناني الصفاح البيض وامضة عن رؤية البيض في الأستار والكلل
ولا أغر بغزلان تغازلني ولو غزاني غزاة الغز عن دغل
حب المعالي يثنى لب صاحبه على العلى ويغر الغر بالدول
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقًا من النفاق تفق بالملق والحيل
ودع غمار العلى للمقدمين على ترك العلو وروض النفس بالأمل
رضى النبيل بخفض العيش مسكنة والرفع عن رسيم العيس للنقل
فاجزم بها الفقر تنفي النقر ناصبة معارضات نجوم الليل بالجدل
إن العلى حدثتني وهي صادقة إن العلى على العلم والعمل
لو أن بالجهل والبلوي بلوغ منى لكان أولى بها منا أبو جهل
أهبت بالحض لا بالحظ صاح على تقوى الاله لأن الحظ ذو خطل
إن قام أو نام عني لا أنهنهه ولا أرى نقص معتل ومعتزل
أعلل النفس بالاجال أرقبها ما أوسع العيش لولا ضيقة الأجل
[ ٢٣٣ ]
لم يهن لي العيش والأيام ضاحكة فكيف يهنا وقد أبكت على علل
غالي بنفسي عرفاني بها فلذا أصونها عن رخيص الكون مبتذل
وعادة الدر أن يزهى بمنظره وليس يعرفه إلا ذوو حيل
ما كنت آمل أن يملى عليّ بذا أبناء دهري من الأحداث والعمل
يروم أعرجهم سبقى ومقعدهم ولو عدوا فيهم مشيًا على مهل
هذا جزاء امرء أقرانه قرنوا بقرنهم فتمنى عاجل الأجل
وإن علاني أخو جهل فلا عجب إذ قد علا مدة قبلًا أبو جهل
فاصبر لها ما لها عنك الزمان ولا نضجر ففي الصبر ما يغني عن الحيل
أدنى عدوك أدنى من تعد لما يعدو عليك فعذ بالله واتكل
فإما رجل الدنيا وواحدها من وحّد الواحد الأعلى على وجل
وحسن ظنك بالآمال معجزة فظن خيرًا برب الناس لا الأمل
فاض النفاق وغاض الصدق واتسعت مسافة الخلق بين العلم والعمل
وشان جمعك عند الناس فرقهم وهل يعادل صوفي بذي جدل
إن كان ينجع شيء في مجازهم إلى الحقيقة فالتوفيق للعمل
يا صارفًا عمره من غير فائدة أنفقته مسرفًا في اللهو والجذل
فيم ارتكابك متن اللهو عن وله وأنت تسأل عن قول وعن عمل
كنز القناعة لا يغنى فكن ملكًا بها وانفق فما تحتاج للخول
ترجو البقاء بدار لا بقاء لها فهل سمعت بضيف غير مرتحل
والصمت منجاة من يصمت فكن رجلًا إذا طلعت على الأسرار ذا وجل
قد رشحوك فلا ترتع مع الهمل ورسخوك فلا تربع بلا مهل
ولما نظم هذه القصيدة أرسل بها إلى القاضي تاج الدين وكتب معها أرسلنا إليكم هذه القصيدة التي عارضنا بها لامية العجم بلسان أهل الاشارة. والمسئول النظر والامعان في العبارة. هل يصلح أن ينشر ويشكر. أو يعرض عنه ويستر. فانقده غير محاب. فذلك عندنا من المحاب. ولا ينظر إليه بعين الرضا فإنها كليلة. واصرف له زمنًا قليلًا كليلة وطابق بين الأصل والفرع. يظهر ما بين الأب والزرع. والسلام. فأجابه القاضي تاج الدين
اصالة الرأي أضحت وهي قائلة صيانتي في فراق الفرق أجدر لي
لا يخفى على مولانا أنه لا يفرق بين الفضلاء وأقوالهم. إلا من كان من أمثالهم. والمخلص ليس له بذلك يدان. ومن ذا يفاضل بين جهبذين طاع كل منهما عصر القوافي ودان. على أن المخلص أراد أن يختبر سبره وسيره وجمع بين القصيدتين فوقع في ساحل الحير حيث جريا في مضمار معرفته كفرسي دهان. وتعارضًا لديه كما يعارض لدى المجتهد البرهان. فكلما أراد أن يحكم لأحديهما قامت الأخرى بحجتها. وأيدت بهجة محاسنها ومحاسن بهجتها. وكلما قالت إحداهما وبضدها تتميز الأشياء. قالت الأخرى هذا بعينه دليلي عند المتصف بلا رياء ولا ارتياء. فعند ذلك استقلت معرفة المخلص قدرها واستقالت. وقالت اصالة الرأي ما قالت. والسلام كمل الفصل الأول من القسم الثاني من سلافة العصر. في محاسن أعيان العصر. ويتلوه الفصل الثاني في محاسن أهل مصر والقاهرة. ونجوم السماء الزاهرة.
؟ أهل مصر والقاهرة