بن محمد بن مكي الشامي العاملي
نجيب أعرق فضله وأنجب. وكماله في العلم معجب. وأدبه أعجب. سقى روض آدابه صيب البيان. فجنت منه أزهار الكلام أسماع الأعيان. فهو للاحسان داع ومجيب. وليس ذلك بعجيب من نجيب. وله مؤلفات أبان فيها عن طول باعه. واقتفائه لآثار الفضل واتباعه. وكان قد ساح في الأرض. وطوى منها الطول والعرض. فدخل الحجاز واليمن والهند والعجم والعراق. ونظم في ذلك رحلة أودعها من بديع نظمه ما رق وراق. وقد حذا فيها حذو الصادح والباغم. ورد حاسد فضله بحسن بيانها وهو راغم. وقفت عليها فرأيت الحسن عليها موقوفًا. واجتليت محاسن ألفاظها ومعانيها أنواعًا وصنوفًا. واصطفيت منها لهذا الكتاب. ما هو أرق من لطيف العتاب. فمنه قوله
علة شيبي قبل إبانه هجر حبيبي في المقال الصحيح
ويجعل العلة في هجره شيبي وفي ذلك دور صريح
وأنشد بعضهم في المعنى
مسألة الدور جرت بيني وبي من أحب
لولا مشيبي ما جفا لولا جفاء لم أشب
ومنها قوله وهو مما كتب به إلى أهله بالشام
تفصيل ما تدري به لا يحمل حملت نفسي فيك ما لم يحمل
يا بدر تم جل عن نقص فما تلقاه إلا باذلًا لا يأفل
نور الجبين وشعره من فوقه شمس ويغشى الشمس ليل اليل
مذ شام طرفي حسنه صفد القوى وحماه عنه وأين منه الوصل
سمحت له بالعين نفسي بعدهاودموعها منها دماء تهمل
أنا في هواك كما علمت وذلتي لجلال وجهك أمرها لا يجهل
ازداد فيك تعطفا وتذللًا وتزيد فيك قساوة وتدلل
وعدلت بي وعدلت عني ظالمًا يا ليت عدلك كنت عنه تعدل
ومعرض عندي بذكر بثينة وهوى جميل ذكر هذا أجمل
دع ما تزخرفه ومل يا عاطفًا نحو الشفاعة لي فذلك أفضل
قول العواذل عندنا أهل الهوى في شرعنا مردودة لا يقبل
والنصح غش منهم وصوابهم خطاء يرى وخفيفهم مستثقل
لولا اشتغالي بادكار أحبة لقياهم عندي المهمّ الأول
ما كنت يومًا عن فناه بمعزل كلا ولم يك عنه آنا معدل
هم قيدوا منى الفؤاد واطلقوا جفني ولكن دمعه متسلسل
وحشاشتي كادت تذوب لبعدهم لكنها بوصالهم تتعلل
شط المرار بهم فعز لقاؤهم لكنهم بسواد قلبي نزّل
أقسمت لا ألوي لغير هواهم يومًا إلى أن يحتويني الجندل
هم علموني العشق حتى نالني من بعض ما لاقيت أمر مشكل
قد كنت أشكو أمر دهر سالف عمر مضى يا ليته مستقبل
تلخيص أشواقي بديع فنونه في شرح مختصر البيان مطول
أو هي القوى ذكرى أحبة مهجتي لا غادة حوت الجمال ومنزل
ورجائي في كرم المهيمن واسع ولقاهم منه دوامًا أسأل
وعليهم مني سلام نشره ما العنبر الشحري أو ما المندل
وقوله يمدح السيد مبارك بن مطلب حاكم الحويزه
[ ١٨٤ ]
يا سائلي عن أربي في سفري ومطبي لي مطلب مبارك مبارك بن مطلب
نجل علي المرتضى سبط النبي العربي الطيب بن الطيب بن الطيب بن الطيب
أمان كل خائف غياث كل مجدب منيل كل نعمة من فضة وذهب
في عدله وجوده تسمع كل عجب الأسد الكاسر لا يخشاه فرخ الثعلب
كما السخال جملة ترعى وجود الأدوب والفرس والترك له دانت وله العرب
إذا حللت أرضه نسيت أمي وأبي وأسرتي وولدي بنتًا يكون أو صبي
ومن يكن حيدرة أباه والجد النبي فكلما تصفه من دون أدنى الرتب
وقوله أيضًا
يا من يحاول ما أملت بالحيل دع ما تخال فهذا أول الخلل
واركب متون خيول السبق وأسر بها في جنح ليل الهدى من غير ما كسل
وجانب الجانب الأدني فما ظفرت بالقرب منه ذوو الآمال بالأمل
واقطع رجاك من الدنيا فما صدقت في وعدها أحدًا من سالف الأزل
وصل حبالك بالحبل المتين فما يعطى ويمنع الأعلة العلل
واسلك سبيل رضاه غير متئد فإنه للبرايا أوضح السبل
وازدد على الهجر حبالًا تملّ فما في ملة الحب أذى من أذى الملل
وقوله أيضًا
عزة النفس وانقطاع النصيب أو جبا ذلتي وهجر الحبيب
فتعوضت عن مرامي وقصدي ببعادي عنه وقرب الرقيب
وانقضى العمر في الأماني وما كنت إلى الله راجعًا من قريب
هو دائي إذا يشاء ودوائي فهو ما زال علتي وطبيبي
وقوله
هو الدهر رب الجاه فيه أخو الفضل ولو أنه عار من الدين والعقل
ورب الحجى والفضل والعلم والتقي إذا ما خلا منه فذاك أبو جهل
وقوله
يعز علينا أن تهون نفوسنا لذلك بالصبر الجميل أهنانا
وكنا نرى لو أن أتانا مفاجيًا معزلها فيها بذلك هنانا
وقال فيها عند ذكره أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه
وقلت فيه بيت شعر ما صفا يحصل منه أربعون ألفا
تلحقها ثلاثة مئينا كاملة مضافة عشرينا
أبيات شعر عدها كما ذكر والبيت هذا فتأمل واختبر
عليّ رضيّ بهيٌّ وليٌّ صغيٌّ وفيٌّ سخيٌّ عليٌّ
وشرح ذلك فقال يشتمل هذا البيت على أربعين ألف بيت وثلثمائة وعشرين بيتًا بيان ذلك أن البيت ثمانية أجزاء يمكن أن ينطبق كل جزء من أجزائه مع الآخر فتنتقل كل كلمة ثمانية انتقالات فالجزء الأول لأن علي رضي يتصور فيهما صورتان التقديم والتأخير ثم خذ الجزء الثالث فتحدث منه مع الأول ست صور لأن له ثلاثة أحوال تقدمه وتوسطه وتأخره ولهما حالان فاضرب أحواله في الحالين تكن ستة ثم خذ الجزء الرابع وله أربعة أحوال فاضربها في الستة التي لما قبله تكن أربعة وعشرين ثم خذ الخامس تجد له خمسة أحوال فاضربها في الصور المتقدمة وهي أربعة وعشرون تكن مائة وعشرين ثم خذ السادس تجد له ستة أحوال فاضربها في مائة وعشرين تكن سبعمائة وعشرين ثم خذ السابع تجد له سبعة أحوال فاضربها في سبعمائة وعشرين تكن خمسة آلاف وأربعين ثم خذ الثامن تجد له ثمانية أحوال فاضربها في خمسة آلاف وأربعين تكن أربعين ألفًا وثلثمائة وعشرين بيتًا والله أعلم ومن فوائده فيه عنه ذم الغيبة قوله
وجوزوا الغيبة في مواضع لكنها قليلة المواقع
كردع شخص يفعل القبائحا أو كان للشاهد أيضًا جارحا
أو وصفه مما به يمتانو بفعله كي يحصل احتراز
ففي الحديث الفاجر اذكروه يعرفه الناس فيحذروه
وكل ذا مع عدم التقيه والخوف من ذي الشيم الرديه
ومنها أيضًا قوله
لي نفس أشكو إلى الله منها هي أصل لكل ما أنا فيه
[ ١٨٥ ]
فجميل الخلال لا يرتضيني وقبيح الخلال لا أرتضيه
فالبرايا لذا وذاك جميعًا لي خصوم من عاقل وسفيه
وقوله
لك الله من دهر توالت صروفه علينا فأولى ضد ما نتمناه
فقرّبنا ممن نود بعاده وأبعدنا عمن نود ونهواه
وهو من قول المتنبي
أما تغلط الأيام فيّ بأن أرى بغيضًا تنئى أو حبيبًا تقرب
وله أيضًا
المرء لا يسلم من حاسد أو شامت في اليسر والعسر
فهو على الحالين لا بد أن يلحقه نوع من الشر
وله
واعجبا منا ومن حبنا للمال ما ذلك الابوار
فآخر الدرهم همّ يرى وآخر الدينار لا شك نار
البيت الثاني من قول الأول
النار آخر دينار نطقت به والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء ما دام مشغوفًا بحبهما معذب القلب بين الهم والنار
وقال أيضًا
مدت حبائلها عيون العين فاحفظ فؤادك يا نجيب الدين
في هجرها الدنيا تضيع ووصلها فيه إذا وصلت ضياع الدين
وهو من قول الآخر
يا قلب دع عنك الهوى واسترح فلست فيه حامدًا أسرًا
أضعت دنياك بهجر وإن نلت وصالًا ضاعت الأخرى
وعكس ذلك بعضهم فقال
يا قلب لا تدع الهوى وارفض مقال أولى الزهاده
إن كان وصل فالمنى أو كان هجر فالشهاده
وقال أيضًا
وإذا كانت الحياة إلى الموت فقصر الآمال أولى وأحرى
فالخطايا تزداد والعيش ضنك فهو أولى لا شك أولى وأخرى
وقال أيضًا
كل امرء دون أمرين من الأنام مقصر
أما امرؤ متوكل أو آخر متهور
وقال في السيد خلف بن مطلب وأجاد في التورية
إذا جرى ذكر ذي فضل ومكرمة ممن مضى قلت خلوًا ذكر من سلفا
الحمد لله أهل الحمد إن لنا عن كل ذي كرم ممن مضى خلفا
وقال لما بلغه نعي الشيخ حسن بن الشهيد رحمهما الله تعالى
جودي بدمع مستهل غزير يا عين فالخطب جليل خطير
وإن رقى الدمع فسحي دمًا ففادح الرزء بهذا جدير
دك لعمري جبل شامخ كادت له الشم العوالي تسير
طود على بحر نهىً يا له من أوحد ليس له من نظير
وقال أيضًا
ما لي على هجرك من طاقة ولا إلى وصلك لي مقدرة
لكنني ما بين هذا وذا فرطت في دنياي والآخرة
وقال أيضًا
ما صفا الدهر لامرء قط يومًا من البشر فإذا مشرب صفا عاند الدهر في آخر
وقال أيضًا
جبت البلاد فما وجد ت به صديقًا صادقًا
يا قلب فاحذر لا تكن فيها بخل واثقا
وقال أيضًا وهو مما ليس في رحلته
إذا كان ريح المسك ينكر ضائعًا لدى بلد فالمسك لا شك ضائع
وقد يعذر المجروح في ترك شمه ففي البين داء ذلك الداء مانع
البيت الأول ينظر إلى قول الشريف قتاده
وما أنا إلا المسك في غير أرضكم أضوع وأما عندكم فأضيع
وقال في رحلته
كنا ببستان جلوسًا إذ قدم شخص من الأعيان من أهل العجم
فقال نحن الشام ذاهبونا وحج بيت الله قاصدونا
وإن كتبتم لهناك رقعة نوصلها لكن بوجه السرعة
ولم يكن الامداد أحمر وورق صافي الأديم أصفر
فجاء في رؤيتي بيتان شعرًا بديعًا وهما هذان
فمدمعي مثل مدادي والورق لو ندّ لوني ولكني أرق
فطلق النوم جفوني فلذا عوضني عنه بتزويج الأرق
[ ١٨٦ ]