بن نعمة الله الشيرازي المكي
إمام المعاني والبيان. والمغني فضله عن الايضاح والتبيان. ومن عليه المعول. في بيان كل مختصر ومطول. هصر أفنان الاقتنان. ونطق عن لسان الاحسان. وسمع فوعى. وجمع فأوعى. وجاء منقطع القرين يكاثر بمحفوظاته رمال يبرين. إلى هدى ورشاد. وصلاح أسس بنيانه وشاد. وأما الأدب فهو جذيله المحكك وعذيقه المرجب. والمعمل فيه يده ولسانه وضميره المحجب. إن نثر فالنثرة في قلق. أو شعر عاذت الشعرى برب الفلق. وهو شيرازي المحتد. حجازي المولد. وجده الرابع من آبائه. الناهضين بأثقال الفضل وأعبائه. هو الشيخ ظهير الدين. أحد العلماء المهتدين. كان له بشيراز مدرسة وطلبه. ورتبة أحرز بها من الخير ما طلبه. جامع بين الحقيقة والشريعه. واصل إلى مراتب الفضل بأوثق ذريعه. وولد الملا على هذا بمكة المشرفة ونشأ بها. ولحظته بالسعادة عناية ربها. فأكب على طلب العلم وتحصيله. وتأثيل الفضل وتأصيله. حتى ظهر شانه. وتهدلت بفنون العلم أفنانه. فلما نبابه الوطن. وضاق عنه العطن. ارتاج السفر. وأمل حصول الظفر. وامتثل قول الأول وإذا نبابك منزل فتحول فدخل العجم أولًا والهند ثانيًا. وراح لعنانه عن أوطانه ثانيًا. فاختطفته المنيه. في بعض البلاد الهنديه. أنضر ما يكون شبابًا. وأحكم ما يكون أسبابًا. وذلك في عام إحدى وخمسين وألف. رحمه الله تعالى. وهذه نبذة من نثره المعجب. وكلامه المعرق المنجب. فمنه ما كتبه إلى الشيخ حنيف الدين ابن الشيخ عبد الرحمن المرشدي مراجعًا وهو بقرية السلامة من أعمال الطائف. ما ألحان السواجع في حدائق ذات بهجة تحتها الأنهار. وما ترجيع البلابل على أغصان خميلة رنحتها نسائم الأصائل والأسحار. بأطيب من تسجيع كتاب جمع الفضائل. فهزم جمع الأفاضل. وحاز أزهار فصاحة تقصر عنها يد المتناول. وإن اقتطفها منشئه بأطراف الأنامل. أزكى لهيب الأشواق بلطائف عباراته. فهيج أشجان الفؤاد وما يدري. وأضرم نيران الفراق بمحاسن إشاراته. فكأنما أثار بهذا طائرًا كان في صدري.
أتاني كتاب لو يمرّ نسيمه بقبر لأحيا نشره صاحب القبر
وذكرني شوقًا وما كنت ناسيًا ولكنه تجديد ذكر على ذكر
لله دره من كتاب ينعش الافئدة كما ينعش العليل نسيم السلامه. ويفعل بألباب ذوي الآداب ما يقصر عن مثل طلا الحبيب ونشوة المدامه. أزرت جواهره المنثورة بالعقد الثمين في جيد الحسنا. وقضت دراري الأفلاك بأن زواهر ألفاظه المشرقة أبهى وأسنى. ما استغرب الفكر تشييد معالي مبانيه الفائقه. ولا استنكر نسيم خمائل معانيه الرائقه. لعلمه بأن مولانا هو الذي أتقن هذا البناء وأحكم. حتى يقول من أين هذا النفس الطيب بل قال شنشنة أعرفها من أخزم. لا زلتم تحيون بهذه الآثار مآثر سيدنا الذي كان في العلوم كضوء على علم. وتثبتون في صفائح الصحائف ما يقال عند رؤيته ومن يشابه ابه فما ظلم. هذا وقد اشتغل اليراع بوصف ذلك الكتاب عن ذكر ألقاب ناظم عقده. وتاه في طيار مدحه فطوى الكشح عن نشر صفحات مفوف برده. علمًا بقصوره عن مطاولة هذا الأمر بذلك الجسم الضئيل. واعترافًا بعجزه عن محاولة ما لم تصل إليه بلاغة الصاحب ولا تفي به مهارة الخليل. فالمملوك يعتذر في هذا الباب بنظير ما اعتذر به ذلك المولى. ويعتقد أن القاب مولانا هي أحرى بتلك المعذرة وأولى. فإنه نهر من بحر فضلكم الوافر. وغصن من دوح مجدكم الزاهر. على أن مولانا لا يتأثر مجده الرفيع بعدم انتصاب القلم في مقام المدح والاطرا. ولقد غنى مقامه المنيع عن أن يدع من رام حصر القابه يقدم لحصره رجلًا ويؤخر أخرى شعر
من كان فوق محل الشمس موضعه فليس يرفعه شيءٌ ولا يضع
نرجع إلى ما يجب من اهداء سلام تصدح به حمائم القلوب في خمائل الود وغياضه. وتترنم صوادح الأنس بفنونه على أفنان حدائق الاخلاص ورياضه. وأما الشوق إلى ذلك الجناب الكريم. والمحيا السامي الوسيم. فالشاهد العدل في اثباته ما استتر في ضميركم الذي لا يعتريه الزلل ولا يأتيه الباطل. فلذلك كان هو مغنى اللبيب عن التصدي لشره الذي يطول عن غير طائل.
وما شوق أعرابية بان دارها وحنت إلى بان الحجاز ورنده
بأكثر من شوقي إليكم وإنما رماني زماني بالبعاد بجده
[ ١٠٥ ]
والمأمول من فضل تلك البراعة هو الجريان على ما سبق من الاتحاف بآثارها التي تشرح الأفئدة والصدور. وتدبج ديباجة الطروس والسطور. وتذكى نار القريحة بعد خمودها. وتجري أنهار الأفكار غب جمودها. فإن بعد العهد عن مكاتبة مولانا هو السبب في تنميق هذه الألفاظ المنحلة العرى. وطول زمان الفترة هو الموجب لتلفيق هذه الكلمات التي هي كما ترى. بعد أن كان المملوك على ما قيل ينظم من بديع الألفاظ قلائد العقيان. ويزف من عرائس الأفكار ما يقصر عن نيله يد الاكفاء والأقران. لكن المرجو بعد مراسلتكم البهية رجوع تلك الملكة ولو بعد حين. ولا يؤمن مع الترك أن يؤدي الحال إلى الانتظام في سلك الصورة التي طبعت من صلصال أو طين. وليس المخلص في هذا الملتمس كالباحث عن حتفه بظلفه. والجادع ما رن أنفه بكفه. لأنه بان على أن يكون ممن يلقى السلاح عند الكفاح. ويسعى حال المجاوبة في سلوك جادة السداد والصلاح. فإن صادف المحز فمرحبًا بالوفاق وإن كان دونه مناط الفرقد. وإن أخطأ الغرض أو فاته الشنب فما هو أول من عاوض الدر بالودع واحكم أن يشبه الشبه بالعسجد. ولقد سرنا خبر وصولكم بالسلامة إليها. وما صادفتم من رخص الاسعار عند الوفود عليها. لا زالت سحائب الخير تحل حيث حلت ركائبكم. ولا برحت نوائب الضير ترحل عن سوح تناخ فيه نجائبكم شعر
تحيا بكم كل أرض تنزلون بها كأنكم لبقاع الأرض أمطار
ومنه ما كتبه إلى الشيخ تقي الدين السنجاري وقد طلب منه اعارة الزيج وشرحه شعر
حسبت لصبري والسلو منجمًا فجاء من الهجران ما ليس يحسب
وساءلت تقويم الهوى عن صبابتي فقال لي التقويم صبرك يغلب
اللهم يا من زين السماء الدنيا بزينة الكواكب. وأودع في الأفلاك بحكمته الأنجم الثوابت والشهب الثواقب. نسألك أن تديم مولانا الذي أشرقت شموس علومه. من مقر الفلك التاسع. وبزغت نجوم فهومه فلو تأخر زمان القطب لحام حول شعاعها الساطع. وتم بدر كماله مصونًا عن كلف البدر ونقص الأهله. وامتد محيط فضله الغني عن اقامة البراهين والأدله. فأضحى يقر له بالفضل كل محقق. ويقضي له بالسعد كل منجم. أدامه الله لتحقيق كل عويصة ودقيقه. وأعلى به درجات الفضل وقوم به نهجه وطريقه. ولا زالت فضائله مذكورة بألسنة الأقلام وأفواه المحابر. ولا برحت محامده مسطورة في صدور المحارق وبطون الدفاتر. المعروض بعد اهداء سلام يخجل النيرين عند سطعه واشراقه. وعرض اشتياق يفحم اللسانين عن وصف بزوغ كواكبه من مطالع الود وآفاقه. وصول الكتاب المحوي على أزاهر الرياض وزواهر الأفلاك. المشتمل على ما هو أبهى من جواهر العقود ولآلىء الاسلاك. فحمدنا الله على صحة تلك الذات التي لم تزل تتردد في بروج المعالي. ولم تبرح تحل من منازل الاخلاء القلب ومن سماء العز أوجها العالي. وقوبل بالامتثال ما تضمنه ذلك المثال المثيل. وأرسل كلا الكتابين ومعهما من تعلق الخاطر ما يقصر عن بيانه الاجمال والتفصيل. إلا أن المخلص صار يضرب أخماسه في أسداسه. ويستعمل في أخذ الارتفاع سائر أنواعه وأجناسه. فيرفع الاسطرلاب تارة ويضعه. ويلحظ التقويم مرة ويدعه. ليعلم الخائض مع مولانا في جداول هذا الفن الذي جل عن إقامة البرهان صعوبة دقائقه الخفيه. وأبت مسائله أن تكلم الناس إلا رمزًا سيما من كان كمولانا منزهًا عن علة العجمة معدودًا من أعيان فرسان العربيه. فما أسعف الطالع باهتداء الفكر إلى من له طاقة على أن يدخل معكم من هذا الباب. اللهم إلا أن قيل أعجمي فافعل به ما شئت أو يقتبس بالالهام وليس الثاني بمستنكر فالله يرزق من يشاء بغير حساب. وكتب إلى القاضي شهاب الدين أحمد ابن القاضي حسن وكان قد توجه إلى الديار اليمنيه. ليتوصل منها إلى الأقطار الهنديه. فتعذر عليه ذلك فرجع دون الوصول إلى المقصود ولما وصل إلى جدة كتب إليه هذا الكتاب مهنئًا بالقدوم. وسالكًا في بعض فقره مسلكًا هو لديه معهود ومعلوم.
ربع الحمى مذ حللتم معشب نضر بروق أكنافه يزهو بها النظر
لا كان وادي الغضا لا تنزلون به ولا الحمى سح في أرجائه المطر
ولا الرياح وإن رقت نسائمها إن لم تعد نشركم لاضمها سحر
[ ١٠٦ ]
ولا خلت مهجتي تشكو رسيس جوى وحر قلبي بربا حبكم عطر
ولا رقت عبرتي حتى يكون لمن ذاق الهوى وضنا في عبرتي عبر
أحمد من أعاد إلى الآفاق الحرمية شهابها الذي بزغ من أسعد المطالع. بل نيرها الذي له تسجد الأقمار وهي طوالع. بل نحريرها الذي حل بفهمه الثاقب أشكال أشكال التحرير. وبر بذهنه الصائب تسيير الكواكب فوافق تدبيره التقدير. وانتهى بطبعه القويم إلى منتهى العلم ونهاية الادراك. واعتلي بذهنه الغنى عن التقويم على منازل الأنجم ومراتب الأفلاك. لا زال سالكًا مسالك قواعد الارشاد إلى سبل الشرائع. ناهجًا مناهج الاهتداء إلى ما هو منتهى المطلب من جادة الذرائع. بها مفترعًا من صهوة علم الفروع ذروتها الرفيعه. مقتطفًا من سائر الفنون أزهار مسائلها البديعه. وأنهى إلى السمع الكريم. بعد اهداء شرائف التحية والتسليم. إن مولانا لما توجه تلقاء الديار اليمنيه. وزمت رحاله عن هذه الأقطار الحرميه. ألم يومًا يقصر عنه ألم مفارقة الروح للجسد. وصادمت شواهق الأشواق فلقيت ما لم يلقه قبلي أحد. وأزفت حشاشة النفس على الرحيل عند الوقوف مع مولانا في موقف التوديع. وسارت حيث سار ذلك المولى فلم أدر أبدًا أي الظاعنين بالتشييع. وأنشد لسان الحال. متمثلًا بقول من قال.
هواي مع الركب اليمانين مصعد جنيب وجثماني بمكة موثق
فلما أن جاء البشير يخبر وصولكم الذي هو عند المخلص ألذ من نيل الوصل لدى صريع الغواني. وأشهى إلى الأسماع من رنات الأنغام ونوادر الأغاني. وأجل موقعًا من غفلة الكاشح وفقد الرقي. وأعظم خطرًا من تبلج صج الوصال لمتيم أوقعته المواعيد في شك مريب. كاد المحب أن يجعل مهجته صلة لهذه البشرى. وأن يجود بالنفس الناطقه لولا أنه تذكر تمتعها بذلك الجناب فشفعه الذكرى ولله در القائل شعر
لولا تمتع مقلتي بلقائه لوهبتها بمبشري بإيابه
على أن الروح في الحقيقة تقفوا أثر المولى الذي به انتعاش النفوس والمهج. وتحل حيث حلت ذاته التي يصير النازح عنها ذا كبد حراء ومقلة من نجيع الدمع في لجج. فلا مجال في هذا المقام لبذل النفوس وخلع الأرواح. فقد قيل الجود من الموجود وليس ها هنا سوى الصور الخالية والأشباح.
لو أن روحي في يدي ووهبتها لمبشري بقدومه لم أنصف
وقد كان المخلص استشعر تقشع سحائب الفراق. وترقب تبدل وحشة الهجر بلذة التلاق. وذلك لتجاوز ألم الصد عن غايته وجده. ووصوله إلى القدر الذي كاد ينعكس فيه إلى ضده. ولقد سلكتم من الراي الحسن منهجه القويم. وتمسكتهم في ذلك بالعروة الوثقى والصراط المستقيم. حيث وليتم الوجه شطر المسجد الحرام ورجحتم جهة المقام في سوح هذا المقام. فتحلى جيد تلك الشيم الوفية بحب الوطن الذي هو من الايمان. وتنزه ذلك الجنان الكريم عن الجفوة الكائنة فيمن يستبدل أهلًا بأهل وجيرانًا بجيران. وستشكرون سعيكم إلى هذا السوح الذي يمدح قاصده ويحمد وتحمدون السرى إذا انجلى صبح الآمال بعد الرجوع فيتبين لكم أن العود أحمد. ولله در الطغرائي حيث قال شعر
وللنجم من بعد الرجوع استقامة وللحظ من بعد الذهاب قفول
يا مولانا هلم إلينا فقد علمت تزايد لواعج الشوق بقرب المزار. وتضاعف آثار الهجر إذا دنت الديار من الديار. فالأولى حسم مادة النزاع بالوصول إلى هذه المشاعر فإن ذلك بالاخلاء ارفق وانسب. وإلى سلوك التوفيق أدنى وأقرب. والسلام ومنه ما كتبه عن لسان الوالد مراجعًا بعض أعاظم أبناء الأشراف عن كتاب يشتمل على أبيات خمرية وأشعار تتضمن البقاء على حفظ الوداد. وسلوك جادة الوفاء في حالتي القرب والبعاد. وذلك في شهر رمضان من سنة اثنتين وأربعين وألف قوله
ما الورد ينضح بالندى أثوابه والروض يهتك بالحيا جلبابه
والهائم الممطول فاز بوصله والاشيب الموخوط عاد شبابه
والنازح المهجور يقرع ليله بيدي حبيبته المليحة بابه
أوفى وأوفر بهجة ومسرة منى إذا وافى إليّ كتابه
[ ١٠٧ ]
بأي عبارة أصف براعة ذلك الكتاب الذي قد انفرد في بابه. وبأي يراعة أرتجم عن جزالة ذلك الرقيم الذي غدا كهف أهالي الأدب وأربابه. وكيف يجول جواد القلم في هذا الميدان الذي هو بيد المنال. أم كيف يجيد المدره في وصف هذا المدرج الذي هو عديم النظير والمثال. قسمًا ببلاغة تلك الكلمات البارعه. وبروضة فصاحتها التي قطوفها داني وثمارها يانعه. لو استنزلت دراري الأفلاك وسبكتها في قوالب المباني. والتقطت لطائف فن البيان ودقائق البديع من علم المعاني. مستعينًا بالموروث من بلاغة الأجوبة الهاشميه. مستعملًا ما هو مقتضى الغرائب من العلوية والفطر الفاطميه. لعجزت عن الجواب الذي يضاهي كتابًا نسجته أنامل سيد الأدباء الأفاضل. وقدوة الأشراف الأماثل. ذي النسب الذي ضربت على قمة الفلك قبابه. والحسب الذي ينبئك عن شأنه الرفيع مقوله وكتابه. المستند على مساند العزة الباذخه. المستولي على مراتب الرفعة الشامخه. المتقدم في ميدان المناضلة والمناظره. البارز في حلبتي المشاجرة والمفاخره. المحتوي على فضائل ذوي الأحساب والأنساب. المنتهي إلى المرتبة التي يقصر عن وصفها الاطناب والاسهاب. سيدنا ومولانا السيد محمد. أدام الله عزه الثابت الموطد. أما بعد فالمنهي أن المخلص مستمسك بالود الذي ما شيبت عروته الوثقى بالانفصام. ومستوثق بالمواثيق التي ما شينت قط بالنقض والانصرام
نحن الأولى بوفاء العهد يعرفنا جل العباد وفي الحالات نرعاها
لا نقطع العهد والأسياف تقطعنا ولا نحول وكأس الموت نسقاها
وأما الاشتياق إلى تلك الأخلاق الحسنة المرضيه. والشمائل العلوية المحمديه. فدون الوصول إلى غايته يكبو جواد اليراع والبيان. وقبل البلوغ إلى محزه يصدأ مرهف الفكر إذا تصدى للبيان.
إذا رأيتم سنا برق يلوح دجى فإنه شعلة من نار أشواقي
ولقد كان المخلص في الغاية القصوى من ألم الهجر والبعاد. ووحشة الأحزان الكامنة في صميم الفؤاد. إلى أن ورد كتابكم الذي إلى رقة ألفاظه ينتسب النسيم. وفي دقة معانيه يتيه قلب المعنى ويهيم. ومن طوقه ترى طورًا حلبة الكميت وأخرى ديوان الصبابه. وعن نهجه لا يعدل من سلك في الهوى مسالك الاجادة والاصابه.
فذكرني شوقًا وما كنت ناسيًا ولكنه تجديد ذكر على ذكر
والمأمول عدم العدول عن سنن المخاطبة بألسنة الأقلام. فإن ذلك اطفاء نائرة الآلام. وايقاد نبراس مشكاة الافهام. ولا يمنع مولانا من ذلك ما ذكره من عدم توفر الكتب الأدبية لديه. وفقد ما يرجع إليه في هذا الباب أو يعول عليه. فإن مولانا هو المجموع الجامع لفنون الأدب. الفائز بحيازة أساليب كلام العرب. وفي طبعه السليم ما يغنى عن حدائق المنثور وقلائد العقيان. وفي جوهر ذاته ما يكتفي به عما يؤثر من بلاغة قس وسحبان. وما تشبث به مولانا من البداوة التي استدعت خلافة طبائع الاعراب. واستبعث العدول عن جارة الصواب في صنعة الأدب وصناعة الاعراب فشواهد بعد اثرها من مولانا ظاهرة وباديه. ولطافة تلك الذات الكريمة قد طبعت في مرآة قلوب الحاضرة والباديه. هيهات أن تصدر هذه اللطائف الأدبية عمن يكون غذاؤه في الفيافي الأكمؤ والعساقل. لا بل تلك نتائج أفكار من ارتضع ثدي العلوم ونشأ في حجر الأفاضل. هذا ولا يخفى أن المخلص تيسر له الحوض في الأبحر الشعرية على وجه سلم من العوارض والعلل. وأنشد الفكر لما سبح في لجج بحره المديد لحظ أنا الغريق فما خوفي من البلل. فتوفر لنا من ذلك النصيب الكامل والحظ الوافر. وامتازت الأبحر المتشابهة عن بعضها وصار الفرق مثل الصبح ظاهر. والمأمول من كرم الله أن ييسر لنا نيل الفضائل على الوجه الأكمل. وأن يسهل لدينا كل ما أشكل من العلوم وأعضل. وينظمنا في سلك من يرى احيار رسوم السلامة من الأمور المهمه. ويصرفنا مجرد الافتخار بالعظم الرميم مع الافتخام في ظلم الجهالة المدلهمه. لنصير كمن وفق لتشييد ما أسسه الأوائل. وحق له أن يتمثل في هذا المقام بقول القائل.
لسنا وإن أحسابنا كرمت يومًا على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا
[ ١٠٨ ]
وإليكم المعذرة في مقابلة تلك الجواهر بما قد شابه الشبه والودع. وفي معاوضة تلك المقدمات المسلمة بالكلمات التي سقط جميعها عن حيز الاعتبار فليت مما يقال فيه خذ ما صفا ودع.. فقد كتبت بغاية الانفعال والخجل. ونمقت في إبان تسلط سلطان النوم واستيلاء جيوش الكسل. إذ علمتم أن ليالي هذا الشهر الشريف تحكي ليل طب لا يهجع لفراق الحبائب. فلذلك ترى الناس سهارى كأنما عقدوا كل جفن بالحواجب وكان الأولى بالمخلص أن يغلق باب المجاوبة حيث عدم القدرة والطاقه. لكن سولت له نفسه الامارة أن يسلك جادة الخطأ بكتابة هذه البطاقه. وعلى كل حال فلسان العذر عن التقصير قصير فالأنسب أن يكتفى في هذا المقام بهذا البيت شعر
قد أجبنا قول الشريف يقول وأثبنا الحصى عن المرجان
ومنه ما كتبه إلى الشيخ أحمد بن محمد علي الجوهري وكل منهما في بلد من ديار الهند.
أأحبابنا إن عفتم السفح منزلًا وأخليتم من جانب الجرع موطنًا
فقد حزتم دمعي عقيقًا ومهجتي غصنًا وسكنتم من ضلوعي منحنا
لا زال شهاب سماء الفضائل ساطع السنا باهر الضيا حالًا في بروج المجد والجلال. راقيًا غفى منازل السعد محروسًا عن الأفول والزوال. مكلوأ عن حوادث الأيام والليال. مصونًا عن الرجعة إلا إلى آفاق الديار الحرميه. موصوفًا بالاستقامة في سائر أفعاله المرضيه. سالكًا من مناهج المعالي سبيلها الأرشد. وأصلًا في مراتب الأعالي الغاية التي يقول عندها لسان الدهر أحمد أحمد. المنهي بعد اهداء سلام سطعت من آفاق الوداد أنواره. وتفتحت في رياض الاتجاد أزهاره.
سلام كنشر الروض لف بمدرج يريك بديع الود في اللف والنشر
البقاء على الود القديم. والقيام بالدعاء الصادر عن قلب سليم. وأما الاشتياق إلى تلك الذات الحسنه. ذات الصفات المستحسنه. فيقصر عن تفصيله سلك التحبير والتحرير. وينفصم دون تبيينه عقد التعبير والتقرير
الشوق أعظم أن يحيط بوصفه قلم وإن يطوى عليه كتاب
والأحوال جارية عل نهج الاستقامه. ملابسة لملابس الصحة والسلامه. إلا أن النفس اشمأزت من كثرة الحل والترحال. ومرهف العزم قد اتصف بفرط النبوة والكلال. وسئمت الرواحل من التأويب والادلاج. وكلت الصواهل من توالي الالجام والاسراج.
طاب اغترابي حتى حف راحلتي ورحلها وقوى العسالة الذبل
وضج من لغب تضوي وعج لما ألقى ركابي ولج الركب في عذلي
وليت شعري متى يقع التخلص من نوائب الزمن. وبعد هذه الغيبة الكبرى كيف يكون الرجوع إلى الوطن
يا ليت شعري والأماني كلها برق يغرّك أو سراب يلمع
هل تربعن ركائبي في بلدة أم هكذا خلقت تخب وتوضع
في كل يوم منزل واحبة كالظل يلبث في المقيل ويخلع
ولولا فسحة الأمل. والتعلل بعسي ولعل. لاوشك الدخول في خبر كان. والاندراج في حيز الطرف الآخر من شقي الامكان. مع أن المخلص لم يزل في تقربه ملحوظًا بعين الرضا. محفوفًا باللطف فيما جرى به القضا. مشمولًا بالعناية الربانية في حله وترحاله. مغمورًا بما يوجب مزيد الشكر وشكر المزيد في سائر أحواله. مصونًا عن الحالة التي أشار الحريري في أول أبياته التائيه إلى اتصاف القريب بها. مكلوأ عن متاعب السفر ومعاتبه التي يتجسم المسافر عرق القربة بسببها. ولكن هوى كل نفس حيث كان حبيبها. ومن مذهبي حب الحجاز وأهله. والانتظام في سلك ساكني الحرم وحله. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وأيامكم ممن استطاع إليه سبيلًا. ويهىء لنا العود إلى تلك المشاعر التي هي خير مستقرًا وأحسن مقيلًا. هذا ولا نصدعكم بذكر ما لا يفي الوقت بتفصيله. ولا تشرئب النفس إلى سماع تفريعه وتأصيله. فإن سلوك سبيل الاجمال أجمل. وأصلين إلى أرفع المراتب. والسلام. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الأطهار. وصحابته الأخيار. وسلم. ولنقتصر من نثره على هذا القدر. ففيه ما تسرح فيه العين ويشرح به الصدر. وأما نظمه فقد اغتالته يد الشتات. ومني نظامه الباهر بعد حسن النسق بالبتات. ولم أقف منه الأعلى قوله في صدر كتاب
أناخ بسوحي جيش هم وأوجال وأضحى قرين القلب من بعد ترحال
[ ١٠٩ ]
وما قلّ ذاك الجيش غير صحيفة تجل لعمري عن شبيه وتمثال
أتت تسلب الألباب طرا كأنها ربيبة خدر ذات سمط وخلخال
أتت من خليل قربه غاية المنى ومنظره الأسنى غدا جل آمالي
فلا زال محفوظًا عن الحزن والأسى ولا زال محفوفًا بعز واجلال
وقد عارض بهذه الأبيات قول سهل بن هارون
تكنفني همان قد كسفا بالي وقد تركا قلبي محلة بلبال
هما أذ رياد معي ولم تذر أدمعي ربيبة خدر ذات سمط وخلخال
ولكنما أبكي بعين سخينة على جلل تبكي اله عين أمثالي
فراق خليل فقده يورث الأسى وخلة حر لا يقوم لها مالي
فواحزني حتى متى أنا موجع بفقد حبيب أو تعذر أفضال
ومن شعره أيضًا قوله مضمنًا
ولما أتتني من جنابك نفحة تضوّع من أنفاسها المسك والند
وقفت فاتبعت الرسول مسائلًا وأنشدته بيتًا هو العلم الفرد
وحدثتني يا سعد عنها فزدتني جنونًا فزدني من حديثك يا سعد
والبيت المضمن وهو الأخير للعباس بن الأحنف وبعده
هواها هوى لم يعرف القلب غيره فليس له قبل وليس له بعد
ابنه