أبو فاضل المرهبي اليمني
[ ٢٧٣ ]
أحد فضلاء اليمن. وواحد أدباء الزمن. إن نثر أزري بزهر المروج. وأوفى على زهر البروج. وإن نظم أخجل جواهر العقود. وفعل بالألباب فعل ابنة العنقود. وكلامه يطرب الأسماع. ويأخذ بمجامع القلوب والأسماع. على أنه كان مغاليًا بشعره. أسفا أن يقرن شعر أقرانه بشعره. وإذا ذكر معه أحد من الشعراء. قال ايقاس الفحل بالعشراء. وقد وقفت له على نثر اتبعه بنظم. نهك فيه من أدباء بلده اللحم والعظم. وهو رسالة كتبها إلى جمال الاسلام والمسلمين. علي بن المتوكل على الله أمير المؤمنين. وقد أحسن التوجيه فيها بأسماء السور. وجلا معانيها في أحسن الصور. وصورتها مولانا جمال الاسلام. وبهجة الايام. لا زالت آيات الثنا عليه منزلة. وسور المدائح لديه مجملة ومفصلة. فإن الشعراء ببابك العالي كالنمل. ولو طاب ما يخرج في أفواههم لقلت كالنحل. قد ملؤا الحجرات. وأشبهوا بأكمامهم الصافات. وبسرعة عدوهم إلى السفرة العاديات. فهم كالانعام لدى المائده. ما منهم إلا من يرى الحذر في الأطعمة. ولا يجيز الترتيل للقم البارده. قد جودوا الأكل لكنهم يرون اظهار البلع في موضع الاخفاه. ويلزمون العشا القصر والمقلاة الامالة وهذا مخالف لما عليه القراء طالما وقفوا في السفرة حيث لا يحسن الوقوف. وكم سمعت لهم عند رؤية الثريد غنة تنبىء عن معرفتهم بمخارج الحروف. يستجيدون في اللقم الادغام. ولا يقنعون من الطبائخ بالاشمام. لهم في تسهيل النجم تدقيق. وعند تفخيم الهضبات ترقيق. فأما فلان فللوغد عند صوته فخامه. ومتى أنشد قصيدة ظن السامع أنها الحاقة أو القيامه. لا يحسن العصص. ولا يجيد الفاتحة ولا المخلص. ليس له حجر إبراهيم. ولا عرفات بالطلاق والتحريم. يروم أن ينظم ما حرروه لقمان من الحكم. فيأتي من كهف خياله بقصة يونس وما لقي من الألم. فسبحان من أسرى بعقله من تلك الثياب. وصيره ضحكة بين الأحزاب. وأما فلان فما أحقه أن يتلى له الواقعه. ويرمي بجميع ما قاله في القارعه. لأن البقرة عنده انسان. وله عند الأنفال نضنضة افعوان. طالما نسجت على شعره العنكبوت. وضاقت بما قاله المنازل والبيوت. وتبرم به البلد. واستجار بالمعوذات منه كل أحد. يحب التكاثر ويبخل بالماعون. ويحضر الجمعة هو والمنافقون. وأما فلان وإن عز ببابه الغاشيه. وأعجب قاعدًا بالانشاد على ركبه الجاثيه. وادعى أنه فرد العصر. وأنه لا يأتي الزمان بمثل إلى الحشر. فإنه يستعين في زخرف نظمه بالزمر. وكثيرًا ما تراه لا يفرق في البروج بين النجم والشمس والقمر. فإذا رأيته يزمزم بالفتح في الكلام. ويتشبه بمحمد ﵊. فنعوذ بالله من جهل كالليل المظلم. وانسان في صورة الفيل المفلم. نعم أجمع أهل الشورى على أن يذري جميع ما قالوه في الذاريات. ويحال جوائزهم فيه على النازعات. ويؤمروا بالحج والتوبه. وأن لا يكون لهم إلى تعاطي الشعر من أوبه. ويخوفوا بالنبأ. وتتلى عليهم الأواخر من سبأ. وقد نظم المملوك قصيدة صعد بها الأعراف. وأتى فيها من أوصاف النساء بمحاسن الأوصاف. وأجاد فيها تشبيه العذار بالدخان والأرداف بالأحقاف. ووشحها بتقاصير الحكم. وعوذها من الناس بتبارك وحصنها من الجن بالقلم. وقطع في تنقيح مرسلات أمثالها شطر الدهر. واشتغل بتنميقها عن رعاية القدر في ليالي هذا الشهر. قضاء لحق نعمتك التي أحلتني الطور. وأقبستني النور. فإن تقض بالفرق بين شعري وشعرهم فكرتك الممتحنة. وتحقق أن فضل قافيتي على قوافيهم كالضحى مردوفة بالبينة. وتميز بين النظمين بالتباين. وإلا وقع في المعارج التغابن. وربما قطعت عليهم النشيد. وبرزت في الصف شاكًا في الحديد. لا زال النصر قرين لوائك. والزلزلة في بيوت أعدائك. وتبت يدا معاديك. وقر بالاخلاص قلب مواليك. والقصيدة الموعود بها هي هذه
أما آن أن ترقي الجفون السواجم وتقصر هاتيك القلوب الهوائم
وقد سمعت زهر النجوم دعايتي وملت مناجاتي لهن الحمائم
إلى الله حتى البرق أعداه رقة نحولي واعتلت لجسمي النسائم
ومن حر ما ألقاه من مهيع الصبا غدت نسمات الحي وهي سمائم
وقد ذهبت لوني يد الشوق واكتسى أصيل الحمى من صغرتي وهو نائم
[ ٢٧٤ ]
ولولا بكاي في المعاهد سحرة لما سمعت للطير فيها مآثم
وكم يستمد القيظ من حر زفرتي وتمتار من أجفان عيني الغمائم
وما الرعد إلا أنه من جوانحي تنم بما زارته مني الحياء دم
فحتام قلبي في الصبابة هائم وإنسان عيني في المدامع عائم
خليلي كم أخفى الهوى وتذيعه جفون مساعي الدمع فيها النمائم
ولم أر مثل القلب عونًا على الهوى تشب به نار الجوى وهو كاتم
وفي كبدي من حب اسما جراحة تعز على الأسى فيها المراهم
وإن شفائي ما استدار نطاقها عليه وما ضمنته منه المباسم
ودون لقاء أسماء من بأس قومها سباسب ما سارت عليها المناسم
ومن ذا على خوض المهالك مسعدي وقد قل في هذا الزمان المسالم
أخلاي طرا حاسد ومفند وقال ومغتاب وواش ولائم
سقى تلعات الجزع فالشط فاللوى فسفح النقا سار من المزن ساجم
مغان قضت فيها الشبيبة حقها سرورًا وغصن اللهو ريان ناعم
ولي بين هاتيك المعاهد ظبية تبات حواليها الليوث الضراغم
من الهيف نعساء النواظر طفلة لها السمر والبيض الرقاق تمائم
تنام فلم يلمم بها الطيف غرة بفحش ولم يحلم بها قط حالم
ترى علمت أني بها الدهر مغرم وأن فؤادي في الصبابة هائم
وإن لقلب لوعة يستثيرها إذا هدأت جنح الظلام الهمائم
لئن درست تلك المعاهد أو عفت فلم تعف من شهوى إليها معالم
وأن زمانًا قد قضت لي صروفه بفرقة هاتيك الديار لظالم
وهل جاز لي أرض عن الدهر أواري به ضاحكًا والفضل غضبان واجم
ومالي لا أشكو الزمان وقد هوت بأهل النهى أحقاده والسخائم
يحار ذا ما سيل لم أخصب الفتى جهولًا ولم أكدى بها وهو عالم
وما هي إلا حكمة دون فهمها فلاة مطي العقل فيها روارم
تقاصرت الأوهام عنها كأنما عليها لتضليل العقول طلاسم
وأسلم شيءٍ أن يقال بأنها حظوظ قضى الباري بها ومقاسم
ألم ترني أستنهض الجد عاثرًا وأستنطق الأقدار وهي أعاجم
وأستنجح الأيام وهي حوائل وأستمطر الأنواء وهي حوائم
وذنبي أن في البلاغة صادح وغيري في أسر الفهاهة باغم
وفي الناس من يستقصر الشعر رتبة وما الناس لولا الشعر إلا بهائم
فبي ختمت رسل الفصاحة وانتهت إلى ابن أمير المؤمنين المكارم
فتى يسعد الآمال والفضل عنده وتشقى القنا في كفه والدراهم
بمن ذا من الأجواد يومًا أقيسه وقد جاز في مسعاه كعب وحاتم
أنال الخراد البيض وهي كواعب وأعطي عتاق الخيل وهي كوائم
غدا حاكمًا شرق البلاد وغربها وآمالنا فيما حواه حواكم
يجل صغير الأمر في عين غيره وتصغر في عينيه منه العظائم
أنيطت به الأحكام طفلًا وأنها تمائم مخصوص بهن الأكارم
نديماه يوم السلم شعر وعالم وخدناه يوم الروع رمح وصارم
ترج نداه المغني وهو نافع ولذ بحماه أمنًا وهو عاصم
تخيلته في الدست بدرًا متوجًا ولكنه في السرج ليث ضيارم
رسائله السمر العوالي إلى العدا وكم حمدت سمر العوالي العوالم
إذا سارا قذى مقلة الشمس عثيرًا وروعت الجوازا به والنعائم
وسد الفضا الرحب بالخيل والقنا وضاقت به أنجاده والتهائم
[ ٢٧٥ ]
وأدلج في ليل من النقع مظلم كواكبه فيه الظبا واللهازم
له كل يوم غارة ينتجي بها أساطين من باس العدا ودعائم
فتنفعل الاشيا له قبل كونها ويهزم من بعد إذا قيل قادم
فأراؤه تردي أعاديه لا القنا وصولته تغتالهم لا الصوارم
وذا حال من يعنا الاله بشانه يعاد القضا في أمره وهو نائم
ويسعده برجيس فيما يرومه ويمسى بهرام عليه يصادم
أبو الحسن الراقي من المجد منصبًا نسيف الخوافي دونه والقوادم
وأكرم من ترجى المطايا لبابه وترسم في البيدا ثناه الرواسم
ترحل شهر الصوم عنا فأعلنت عليك المبادي بالثنا والخواتم
ولو كان معني الصوم شرعًا موافقًا له لغة ما قيل أنك صائم
لأنك لا تفنك بالخير آمرًا وكفك فيها للنوال مزاحم
لقد جردت منك السماحة مرهفًا تجذبه للعس عنا غلاصم
وبحر نوال كلما غب زاخرًا رأيت بحار الأرض وهي كظائم
إذا لم أشم في المحل برق غمامه فإني لبرق العرف منك لشائم
وإن لاح وجه الأرض في الجذب عابسًا فإن ثغور الجود منك بواسم
وهاك ثناء أبرزته قريحتي كما أبرزت زهر الرياض الكمائم
وما كل شعر يشبه الدر نظمه فما الدر إلا ما أنا فيك ناظم
بقيت بقاء الشمس في أفق العلا يرجيك مظلم ويخشاك ظالم
ولا زلت مخدومًا لك الفلك الذي عليه مدار الأمر والسعد خادم
فلا تحرم الأقدار ما أنت رازق ولا ترزق الأقدار ما أنت حارم