المصري صاحب الريحانة
أحد الشهب السياره. المقتحم من بحر الفضل لجه وتياره. فرع تهدل من ذواية خفاجه وفرد سلك سبل البيان ومهد فجاجه. أجرى من ينبوع الفضل ما أخجل بمصر نيلها وبالشام سيحانه. وأهدى لمشام أرباب الأدب من رياض أدبه أطيب ريحانه. إلا أنه كان كثير الاعجاب بنفسه. ساحبًا ذيل الفخر والكبريا على أبناء جنسه. وما لابن آدم والفخار. وهو مخلوق من صلصال كالفخار. وشعره يجمع الغث والسمين. ويشتمل على الرخيص والثمين. وقد ترجم لنفسه في كتابه. فقال كنت بعد سن التمييز. في مغرس طيب النبات عزيز. ممتعًا في حجر والدي. بذخائر طريفي وتالدي مربى بغذاء على الظاهر والباطن. في النعيم المقيم بأرفع المساكن. ومقام والدي غني عن المدح. والورق بأوكارها لا تعلم الصدح. فلما درجت من عشى قرأت على خالي سيبويه زمانه علم العربية فجثوت بين يديه على الركب. ونافثت اخواني في الجد والطلب. ثم ترقيت فقرأت المعاني والمنطق وبقية العلوم الاثنى عشر ونظرت في كتب المذهبين مذهب أبي حنيفة والشافعي مؤسسًا على الأصلين من مشايخ العصر. متنزهًا في حدائق السحر موشحًا لأدبي بحلل النظم والنثر
فلولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
ومن أجل م أخذت عنه شيخ الاسلام ابن شيخ الاسلام الشمس الرملي حضرت دروسه الفرعية وقرأت عليه شيئًا من مسلم فأجازني بذلك وبجميع مؤلفاته ومروياته بروايته عن القاضي زكريا الأنصاري وجلالته أشهر من الشمس كما قلت فيه
فضائله عد الرمال ومن يكن ليحصل معشار الذي فيه من فضل
فقل لفتى قد رام احصاء فضله تربت استرح من جهد عدك للرمل
ومنهم شافعي زمانه القطب العارف بالله الشيخ نور الدين الزيادي حضرت درسه زمانًا طويلًا وهو كما قلت فيه
لنور الدين فضل ليس يخفى تضىء به الليالي المدلهمه
يريد الحاسدون ليطفوه ويأبى الله إلا أن يتمه
[ ٢٤٢ ]
ومنهم العلامة في سائر الفنون علي بن غانم المقدسي الحنفي حضرت دروسه وقرأت عليه الحديث وكتب لي إجازة بخطه. ومنهم العلامة الفهامة خاتمة الحفاظ المحدثين إبراهيم العلقمي قرأت عليه الشفا بتمامه وأجازني به وبغيره. وممن أخذت عنه الأدب في الشعر شيخنا أحمد العلقمي ومحمد الصالحي الشامي. وممن أخذت عنه العروض الشيخ محمد المغربي المعروف بركروك وممن أخذت عنه الطب الشيخ داود البصير. ثم ارتحلت مع والدي إلى الحرمين الشريفين وقرأت على الشيخ علي بن جار الله وعلى حفيد العصام وغيره. ثم ارتحلت إلى قسطنطينية فتشرفت بمن فيها من الفضلاء والمصنفين واستفدت منهم وتخرجت عليهم وهي إذ ذاك مشحونة بالفضلاء الأذكيا كابن عبد الغني ومصطفى بن عزمي. وممن أخذت عنه الرياضات وقرأت عليه اقليدس وغيره وأجلهم إذ ذاك سعد الملة والدين بن حسين ولما توفى قام مقامه صنع الله ثم ولده ثم انقرضوا في مدة يسيرة فلم يبق بها عين ولا أثر وصار الدين ملعبة وسخرية وآل الأمر إلى اجتراء السلاطين والوزراء على قتل العلماء واهانتهم. ولما عدت إليها ثانيًا بعد ما توليت قضاء العساكر رأيت تفاقم الأمر وغلبة الجهل فذكرت ذلك للوزير ظنًا بأن النصح يفيد. فإذا هو كما قيل.
هو الوزير ولا ازر يشد به مثل العروض له تجر بلا ماء
فكان ذلك سببًا لعزلي وأمري بالخروج من تلك المدينة واظهار العداوة لمن هو في زي العلماء مع أنه لم يبق بها من يحسن قراءة الفاتحة. ومن تأليفي الرسائل الأربعون وحاشية تفسير القاضي في مجلدات. وحاشية شرح الوامض. وشرح الدرر. وطراز المجالس. وكتاب السوانح. والرحلة. وحواشي الرضى. والجامي. وشرح الشفا. وغير ذلك. ولى من النظم ما هو مسطور في ديواني. ومن المنثور رسائل ومكاتيب لم أجمعها انتهى ملخصًا. وها أنا أثبت من نتائج بيانه.
بعد تمييز خزفه من عقيانه. ما يروقك ساه. ويشوقك لفظه ومعناه. فمن نثره قوله في فصوله التي سماها الفصول القصار. في نتائج الاعمار. ساعد زينته بسوار المنايح. حري بأن يمرى لك ضروع الثنا والمدايح. رب موقد نار بها يحترق. ومحسن للشيخ في اللجة غرق. كيف ينجو من ظلمة الجهل المدلهمة. ويبغى نسل الفضل والحكمة. من كان مقعد العزم عقيم الطلب عنين الهمة. الصديق والسكن. من تأنس به أنس العين بالوسن. من أمثال العامة. حمار نزلت عنه لا تبال بمن يركبه. وشهر لا خير فيه لا تعد أيامه. وكل شهر لا خير فيه عدك أيامه جنون. في الأثر مداومة أكل اللحم عشية وغدوة. تورث القلب غلظة وقسوة. وفلان يأكل ليلًا من عيور الغلمان. ونهارًا بغيبة الاخوان. لكل قلب هوى. كما أن لكل داء دوا فما اعتل نسيم الصبا. ألا تحب زهور الربى. أنا في مبارقة من أريد وصحبة من لم أرد. كواجد من لا يشتهيه ومشته ما لا يجد. نصح البليد عناء لا يفيد وصقل السيوف. بلا جوهر. يبين من عيبها ما خفى. من جهل زمانه. عد الخمول زمانه. الحوت لا يهدد بالغرق. والبحر لا يخاف من الشرق.
لو هم الفلك برفعة ماجد في الأبد. ما قدم الثور في منازلة على الأسد. ما أنصف الشيب من ستر وقاره. فسود وجهه واطفاء أنواره. الدهر خصم الد. وبلوغ الأسد البلاء الأشد. المعروف والصنيعه. عند الأحرار وديعه. ليس الصديق من إذا رآك قام. بلى من إذا أقعدك الدهر أقام. ليس باتحاد الاسمي. تتحد ذات المسمى. حمرة الخد جمال. وحمرة العين اعتلال. من كان دليله الغراب. رضي بالمنزل الخراب. الحكما الجهال. رسل عزرائيل للاستعجال. مقاومة من لا تقاومه خرف ولولا مقاومة البدر للشمس ما انكسف فصل فإذا أقول لقوم أجثوا منى ثمر مقال دانية القطاف. وقالوا في ظلال الرأفة والألطاف. فإذا عطف الدهر وهو لهم مساعد. كنت لديهم ككف بغير مساعد. فحالي معهم في المبره. كحال الناس والابره
كست قيصرًا ثوب الجمال وتبعا وكسرى وجاءت وهي عارية الجسم
وقد كنت أعيب على الخوارزمي قوله
كفى حزنًا أن لا صديق ولا أخ يفيد غنى إلا تداخله كبر
فلا نال فوق القوت مثقال ذرة صديق ولا أوفى على عسره اليسر
وما ذاك إلا رغبة في وصاله وإلا حذارا أن يميل به الدهر
[ ٢٤٣ ]
ظنًا مني أنه بدل. علي خبث الطويه. وفساد العقيدة والنيه. فإذا هو قد حلب الدهر أشطره. وذاق حلوه ومره فقلت لله دره ما أخبره. ومن شعره
لا وغصن راق للطرف ورق وعليه حلل الظرف ورق
وشموس لم تغب عن ناظري والشعور الليل والخد الشفق
وعيون حرمت نومي وما حللت لي غير دمعي والأرق
ما احمرار الراح إلا خجل من رضاب سكرت منه الحدق
والذي قد حسبوه صبيًا فوق خد الكاس قطرات العرق
وهو على منوال قول الشيخ قطب الدين الحنفي المكي المتوفي سنة تسعين وتسعمائة
لا وفرع كدجى الليل غسق وجبين ضوءه الفلق
ومحيا كلف البدر به وخدود من حواليها شفق
ما أرى الغزلان إلا سرقت منك جيدًا والتفاتًا وحدق
ثم خافت فتولت شردًا كيف لا يشرد خوفًا من سرق
رجع ومنه قوله في صدر قصيدة كتبها إلى أبي المعالي الطالوي
قبلت مصطحبًا شفاه لا كؤس والصبح يبسم لي بثغر العس
حتى غدت منه الغزالة واختفى مسك الدجى عند الجواري الكنس
والنهر سيف بالنسيم فرنده وله حمائل من خمائل سندس
أو صدر خود فتحت أطوافها أو شققت للوصل حلة أطلس
والطير تشدو والغصون رواقص في وشى ديباج الربيع السندس
وعلى الخلاعة ليس جيدي عاطلًا من حلية المجد العزيز الأنفس
ولواحظ مرضى بها اعتل الصبا والصب بالسقم المبرّح مكتسى
فتنت بأنفسها ففيها علة من وجدها وفتور مهجور نسي
فلكم قطفت ثمار لهو أينعت وغفلت عما قد جنى الزمن المسى
وطردت آمالي براحة عفتي إن التمني رأس مال المفلس
رام التلمس نزر شعري برهة فطرحته كصحيفة المتلمس
وكحلت طرفي بالسهاد صبابة ووهبت نومي للعيون النعس
ونظرت خد الورد لما احمر من خجل وقد بهتت عيون النرجس
ذكرت بهذه الأبيات قصيدة لي على هذا الوزن والروى راجعت بها السيد حسين ابن علي من شدقم الحسيني عن قصيدة مدح بها الوالد فأمرني بإجابته عنها فقلت وهو صدرها.
ماست فازرت بالغصون الميس وأتتك تخطو في غلال سندس
وتبرجت جنح الظلام كأنما شمس تحلت في دياجي الحندس
تختال بين لداتها فتخالها بدرًا بدا بين الجواري الكنس
أرجت برياها الصبا وتضوعت أنفاسها والصبح لم يتنفس
ووفت بموعدها وبات وشاتها للوجد بين عم وآخر أخرس
والبرق يخفق قلبه من غيرة والنجم يرمقنا بمقلة أشوس
يا طيب ليلتنا بشرقي الحمى ومبيتنا فوق الكثيب الأوعس
إذ بات شملي في ضمان وصالها والقرب يبدل وحشتي بتأنسى
والليل يكتم سرنا ونجومه ترنو إلينا عن لحاظ نعس
وسنا المجرة في السماء كأنه نهر تدفق في حديقة نرجس
باتت تدر على من ألحاظها كأسًا وأخرى من لماها الألعس
حتى إذا رق النسيم وأخفقت من أفق مجلسنا نجوم الاكوس
قالت وقد واليت هصر قوامها ضاق الخناق من العناق فنفس
ثم انثنت حذر الفراق مروعة في هيئة المستوحش المستأنس
تتنفس الصعداء من وجد وقد غص الظلام بصبحه المتنفس
واستعجلت شد النطاق وودعت توديع مختلس بحيرة مبلس
لله غانية غنت لضيائها شمس الضحى إذا شرقت في الأطلس
سلبت عقول أولى الغرام صبابة بجمالها الباهي السنى الأنفس
لم انسها يومًا فاذكر انسها لا كان من ينسى الأحبة أونسى
ومن شعره أيضًا قوله في مليح لابس فروة سمور
[ ٢٤٤ ]
وظبي من السمور ألبس فروة وماس كما هزت صبا سحرة سروا
والا عيون الناس من دهشة به تخلف أهدابًا فتحسبها فروا
وله أيضًا
يا يوسف الحسن الذي لم يزل عذابه للصب مستعذبا
سري نسيم منك في طيه نشر لكرب القلب قد أذهبا
لو لم أكن يعقوب حزن لما أزال أحزاني نسيم الصبا
وله أيضًا
قل للأحبة أنتم مذ غبتم لم ألق وجهًا للسلو جميلا
فجعلت أيام الوصال قصيرة ولبست ليلًا للهموم طويلا
وقال من قصيدة في خاله الشيخ أبي بكر بن إسمعيل الشفابي
فرائد تزهو في ترائب مدحه وعندي لولا الجيد ما حسن العقد
سقى الله هاتيك الربى سحب راحة لها نسمات من عواطفها تحدو
وإن بقا عاقد سقاها بنانه لينبت في أرجائها الفخر والمجد
والبيت الأول من قول المتنبي
وأصبح شعري منهما في مكانه وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
وأحسن منه قول الشيخ حسين الحكيم
وللدر فضل حيث نيطت عقوده ولكنه فوق الترائب أجمل
وأعذب من ذلك كله قول شيخنا محمد العلامة الشامي
لا يحسن الشعر إلا في مدائحه كالدر أحسن ما يبدو على الجيد
ومن شعر الشهاب المذكور قوله وأجاد
وليلة زارني والسعد وافى على رغم المنافق والمداجي
رأى ليلًا عيون الشهب رمدًا فعصبها بمسود الدياجي
وقوله أيضًا
جيوش مالها في الملك نفع حكت صورًا تصور في كتاب
رأيت قتالهم من غير نبل كمثل الضرب في كتب الحساب
وله مضمنًا
صقيل خدوده مرآت قلبي وماء الحسن رق به وراقا
تحيط به العيون إذا تبدى وهل طرف يطيق له فراقا
فخالوا صورة الأهداب فيه عذارا قد كسى بدرًا محاقا
وظلنا نجتلي منه محيا كأنّ عليه من حدق نطاقا
وهو من قول الأرجاني
أعد نظرًا فما في الخد نبت حماه الله من ريب المنون
ولكن رق ماء الخد حتى أراك خيال أهداب الجفون
وأما تضمينه فليس من الحسن في شيء فإن النطاق لا يكون للمحيا وإنما هو للخصر وما أحسنه في قول المتنبي الذي ضمنه منه
وخصر تثبت الابصار فيه كان عليه من حدق نطاقا
وفي معناه للسري الرفا
أحاطت عيون العاشقين بخصره فهن له دون النطاق نطاق
وقد نص أرباب البديع على أن أحسن التضمين ما صرف عن معنى غرض الناظم الأول كقول الشيخ شهاب الدين بن أبي حجله
قل للهلال وغيم الأفق يستره حكيت طلعة من أهواه بالبلج
لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ذكرت ثم على ما فيك من عوج
وأما إذا لم يصرفه عن معناه الأصلي فهي استعانة ليس لها موقع ومنى الشهاب المذكور بعداوة بعض شعراء عصره فقال يهجوه
إذا نظم المدائح والأهاجي شهاب الدين أحمد الخفاجي
فلا تعبأ بذلك واطرحه ومن يعبأ بقوقاة الدجاج
وقال أيضًا
شهاب الدين دع عنك اللجاجه فلست تعدّ من عليا خفاجه
نسبت إليهم ظلمًا لعمري كما نسبت إلى الطير الدجاجه
أتقوى أن تهاجيني بشعر وهل تقوى على الحجر الزجاجه
ولما وقف على كتابه الريحانة كتب عليه لما رأى من قلة جدواه
هذا الخفاجي الذي لم تزل سوأته غادية رائحه
أهدى لنا من سوء أفكاره ريحانة ليس لها رائحة
وهو من قول لسان الدين بن الخطيب في أهل سلا
أهل سلا صاحت بهم صائحه غادية في دورهم رائحه
يكفيهم من غرر أنهم ريحانهم ليس لها رائحة