شهاب طلع في سماء المكارم بدرًا. وشرح لاقتناء المعالي والمآثر صدرًا. فملك أعنة المحاسن. وورد من مناهلها عذبًا غير آسن. إلى أدب لم يقصر في مداه عن غايه. ونظم رفع به للقريض رايه. ومكارم شيم وأخلاق. هي من نفائس الذخائر أعلاق. معسول ذوق الاخاء والمروه. عسال قنال الوفاء والفتوه. مع صفاء باطن وظاهر. وناهيك بفرع ينتمي إلى ذلك الأصل الطاهر. وشعره جزل الألفاظ حلو المعاني. أثبت منه ملحا عامرة الأبيات آهلة المغاني. فمنه قوله مادحًا الوالد وقد قصده بالديار الهندية سنة ١٠٧٤
سقى الله ربعًا بالأجارع من نجد وحيا الحيا وادي الاراكة والرند
مغان بها كان الزمان مساعدي بأفنان بشر من أسرته يبدي
وريم إذا ما لاح ضوء جبينه بفرع حكى ليل التباعد من هند
أرانا محيا كالغزالة في الضحى أو البدر في برج التكامل والسعد
له مقلة وسناء ترشق أسهمًا تصيب الحشى قبل الجوارح والجلد
وثغر إذا ما ضاء في جنح دامس توهمت درًا قد تنضد في عقد
يدير به ظلمًا كأن مذاقه جنا الطلع أو صرف السلاف أو الشهد
وتالع جيد ما الغزالة إن عطت بمنعرج الجرعاء طالبة الورد
وصعدة قدّ أن نقل غصن النقا يقول لنا هيهات ما ذاك من ندى
وردف تشكي الخصر اعياء ثقله فناء به حتى تضاءل عن جهد
فلله هاتيك الليالي التي خلت وعوّضت عنها بالقطيعة والبعد
وأصبحت والأحشاء يذكو لهيبها أليف النوى حلف الجوى دائم السهد
أروح وأغدو واجدًا بين أضلعي لهيب جوي لم يخل يومًا من الوقد
أعض بناني حسرة وتأسفًا وأندب عصرًا لم أبت خاليًا وحدي
وأرسل دمعًا كالغمام إذا همى فهيهات أن يغنى التأسف أو يجدي
إلى الله أشكو جور دهر إذا عدا على المرء حاجاه بالسنة لدّ
وقائلة والعيس يزعجها النوى وعبرتها كالطل يسقط في الورد
لبئس المنى أن تقطع البيد بالسرى وترحل عن وادي المحصب للهند
فقلت لها والله ما القصد منية ولا نيل سؤل من عروض ومن نقد
ولكن لا قضى شكر سالف نعمة مشيدة الأركان بالأب والجد
لا كرم مولى البست يده الورى مطارف نعماء تجل عن الحد
[ ١١٠ ]
مبيد العدا رب الندى غوث صارخ ملاذ لأهل الأرض بل غاية القصد
مليك غذى در الكلام والنهي ونيطت به العلياء وهو على المهد
مليك غدا الأملاك طوع يمينه يشير إليها بالصدور وبالورد
مليك إذا ما جال في حومة الوغا تدرع جلباب البسالة عن سرد
مليك أباد المال إلا صبابة مخافة أن تخلو يداه من الرفد
مليك هو الندب الهمام الذي غدا نظامًا لدين لله ذو الحل والعقد
به افتخرت آباؤه الصيد في العلى إذا افتخر الأبناء بالحسب العد
فلولاه لم يأمن نزيل ولا غدا مليك يجر الذيل في عيشه رغد
ألست تراه وهو مشتجر القنا هزبرًا له غب من السمر الملد
ألست تراه وهو يستلب العدى نفوسهم والحرب وارية الزند
ألست تراه والأسود حواجم يذود حماه بالمطهمة الجرد
إلى أن أعاد الجيش والسيف مغمد وذلك بالرأي المسدد والسعد
فشكرًا له قد ألبس الملك حلة مطرزة بالبيض حالية المجد
فدونكها يا نجل طه خريدة تميس اختيالًا مديحك في برد
تهنأ بعيد النحر والعسد والعلا ونحر عدو لم يزل واغل الحقد
فلا زلت منصورًا مدى الدهر ناصرًا كريم المساعي في وعيد وفي وعد
تحفك أبطال إذا شبت الوغى يؤمك نجلان المؤيد والمهدي
ويتلوكم من آل خاقان زمرة تخوض غمار الموت حاسرة الزند
وإن كنت لم أكمل مديحك حقه فذاك عباء لا يقوم به جهدي
وقد أوجب التطفيل ما ليس خافيًا عليك من الاخلاص والصدق في الوعد
فلست كشخص ودّه في لسانه وفي طيّ أحشاه خلاف الذي يبدي
ودم راقيًا من أرف المجد رتبة تؤم فناها الصيد طالبة المد
وقوله أيضًا وكتب بها إلى حين طلبت منه شيئًا من شعره لأثبته في هذا الديوان
لا ورب العيس تستقرى الفجاجا ما أرى لي من ضنا الحب علاجا
لا ولا يجدي سؤالي قائلًا ما على حاديهم لو كان عاجا
كيف يرجو البرء صب مغرم كلما لاح له ركب تلاجا
يسكب الدمع فإن هبت له نسمة من حيهم زاد انزعاجا
يا أخلائي بجرعاء الحمى ما لصافي وردنا عاد أجاجا
وليالي بمنى قضيتها مع نديم لم يكن في الحب داجا
ومليح كغزال ناعس يخجل الأقمار حسنًا وانبلاجا
فسعى في شتنا دهر ثنى بيننا من فادح البين رتاجا
فتناؤا وتبدلت بهم فتية حادت عن الحق اعوجاجا
غير فرد لودادي حافظ لم يزل ورد تصافيه مجاجا
باذخ المجد عليّ ذو العلى من به البست العلياء تاجا
وغدت أفلامه ناشرة ذكر قوم قوّضوا الدنيا اندراجا
فخر عين الملك مجدًا وسنا وبه ذكر الأولى زان وراجا
سيد تنميه أسباب العلا للمعالي وهو ينميها نتاجا
تهرع الخلق إلى أعتابه عنق السير بكورًا واّدلاجا
لا تبال هول دجن هالك إن رأت من وجهه الباهي سراجا
دام فردًا في المعالي راقيًا ما انثنى غصن به ورق تناجي
وقد عارض بهذه القصيدة قصيدة لي كنت أشرفته عليها وهي
ما على حاديهم لو كان عاجا فقضى حين مضى للصب حاجا
ظعنوا والقلب يقفو إثرهم تبع العيس بكورًا وادّلاجا
[ ١١١ ]
سلكوا من بطن وج سبلًا لاعدى صوب الحيا تلك الفجاجا
هم أراقوا بنواهم مدمعي وأهاجوا لاعج الوجد فهاجا
كم أداجي في هواهم كاشحًا أعجز الكتمان من حب فداجا
وعذولًا يظهر النصح بهم فإذا نهنهته زاد لجاجا
طارحتني الورق فيهم شجنًا والصبا أوحت شجي والبرق ناجا
يا بُريقًا لاح من نحوهم يصدع الجو ضياء وابتلاجا
أنت جددت بتذكراهم للحشى وجدا وللطرف اختلاجا
هات فاشرح لي أحاديهم إنها كانت لما أشكو علاجا
علّها تبرىء وجدًا كامنًا كلما مرت به زاد اهتياجا
خطرت سكري بريًا نشرهم وتحلت منهم عقدًا وتاجا
يحسد الروض شذاها سحرًا فترى الأغصان سرًّا تتناجا
آه من قوم سقوني في الهوى صرف حب لم أذق معه مزاجا
خلفوا جسمي وقلبي معهم كيف ما عاجت حداة الركب عاجا
أتراهم علموا كيف دجا مربع كانوا لناديه سراجا
أم دروا إنا وردنا بعدهم سائغ العذب من البلوى أجاجا
وهم غاية آمالي هم سار في الحب بهم ذكري فراجا
لا عراهم حادث الدهر ولا برحت أيامهم تبدي ابتهاجا
وعارضت أنا بهذه القصيدة قصيدة شهاب الدين حمد بن عبد المنعم الخثعمي وهي
ظن صحبي أن برق الجزع هاجا شجنا كان ببرق الثغر هاجا
غلطوا لست ببرق ماله شنب عن ثغر من أهوى مداجا
نعم الريح كساها جوهم من شذا طيبهم بُردًا وتاجا
فأنت تبرد بالبرد الجوى وسرت تملأ بالطيب الفجاجا
شطت الخرس فما أن خطرت بغصون البان ألا تتناجى
وإذا ما جاءت الوادي ضحى طرب المنهل والروض فماجا
لم تهيج لي غرامًا لم يكن إنما كانت لما عندي مزاجا
إن عندي يا أهيل المنحنا شغفًا قد مازج الروح امتزاجا
واشتياقًا كلما أسكنته بتعاليل المنى زاد هياجا
لم يزل قلبي كليما بالجوى وبسرّ الحب لم يبرج يناجى
اشرب الماء زلالًا فإذا عنّ لي ذكر الجفا صار أجاجا
وعذول رابني في نصحه كلما زدت أبا زاد لجاجا
ما عذولي قط إلا عاشق ستر الغيرة بالعذل وداجا
قال إن الحب داء قل له إن هذا الداء لم يقبل علاجا
ما على صاحب رحلي إن دنا بي من الجرعاء شيئًا ثم عاجا
وليدعني وثراها إن لي ولخدي في ثرى الجرعاء حاجا
يا رعي الله بذياك الحمى منزلًا لم أستطع عنه معاجا
وهدى الله إليه عارضًا ظل يستهدي من البرق سراجا
إن قلبي فيه مذ راح هوى مع ألحاظ الظبا الغادرين ماجا
ومن شعره أيضًا قوله مراجعًا لي عن أبيات كتبتها إليه لغرض عرض
أبا حسن لا زال سعدك غالبًا وجدك مسعودًا ونجمك ثاقبا
ولا زالت العلياء تجني ثمارها لديك وتحوي في المعالي الأطايبا
أتاني قريض منك قد جر ذيله على الأطلس الأعلى وفاق الكواكبا
يشير إلى خل تغير وده وأصبح من بعد التصافي محاربا
أبى الله أن يثني عنان وداده ولو أمطرت سحب الغوادي قواضيا
ولكنه يا مفخر العرب امرؤ تجرع من هذا الزمان مصائبا
فجرد عزمًا للتجافي عن الورى وأصبح منحازًا عن الخلق جانبا
[ ١١٢ ]
فصبرًا لهذا الدهر إن صروفه لعمرك تبدى من قضاها عجائبا
سيصفو شراب مرّ دهر مكدرًا ويرضي محب ظل حينًا مغاضبا
فإن ضمير لا يزال منازعًا بأنك ترقي في المعالي مراتبا
مراتب تسمو للسماكين رفعة تقود بها خيل الفخار جنائبا
فذلك عندي عن تقىّ مكرّم صدوق إذا ما قال لم يلف كاذبا
وما زلت أرعى قوله في مواطن فألفيته ثبت المقالة صائبا
ودم راقيًا في المجد أرفع رتبة تبيد الأعادي أو تنيل الرغائبا