اليمني
شاعر حظي من الأدب بنصيب. وهو مع ذلك تارة يخطى وطورًا يصيب. ورد مكة المشرفة فمدح بها سلطانها السيد الشريف زيد بن محسن بقصيدة طويلة الذيل. فأجازه عليها جائزة سنية الذيل. على أن نظام أبياتها غير مؤتلف. وانتساق معانيها يتفاوت ويختلف. فهي كما قيل درة وآجره. وقحبة وتجاورها حرة. وأولها قوله
سلوا آل نعم بعدنا أيها السفر أعندهم علم بما صنع الدهر
تصدى لشت الشمل بيني وبينها فمنزلي البطحا ومنزلها القصر
وإني ونعمًا لاهيين ٣ فغالنا فشلت يد الدهر الخؤون ولا عذر
فوالله ما مكر العدو كمكره ولكن مكرًا صاغه فهو المكر
هذا البيت ساقط جدًا ويتلوه ما بعده
فقولًا لأحداث الليالي تمهلي ويا أيها ذا الدهر موعدك الحشر
سلام على ذاك الزمان وطيبه وعيش تقضى لي وما نبت الشعر
فتلك الرياض الباسمات كان في عواتقها من سندس حلل خضر
هذا البيت ملحون القافية إذ صوابها النصب لأنها صفة لحلل وهي اسم كان والظرف المقدم خبره رجع
تنضد فيها الاقحوان ونرجس كأعين نعم إذ يقابلها الثغر
كان غصون الورد قضب زبرجد يحال من الياقوت أعلامها الحمر
إذا خطرت في الروض نعم عشية تفاوح من فضلات أردانها العطر
وإن سحبت أذيالها خلت حية إلى الماء تسعى ما لأخمصها أثر
هذا من قبيح التشبيه على ما فيه من الخلل
كساها الحمال اليوسفي ملابسًا فأهون ملبوس لها التيه والكبر
فكم تخجل الأغصان منها إذا انثنت وتغضي حياء من لواحظها البتر
لها طرة تكسو الظلام دياجيًا على غرة إذ أسفرت طلع الفجر
وصحنان خد أشرقا فكأنما مصابيح رهبان أضاء لها الدهر
هذا البيت ملحون أيضًا إذ صوابه وصحنا خد بحذف نون التثنية لمحل الاضافة وفيه تشبيه المثنى بالجمع وقافيته مردوفة بخلاف ما قبله وما بعده وهو من السناد الذي هو من عيوب الشعر
وجيد من البلور أبيض ناعم كعنق غزال قد تكنفها الذعر
ونحر يقول الدر أن به غنى عن الحلى لكن بي إلى مثله فقر
وحقان كالكافورتين علاهما من الند مثقال فندبى الصبر
رويدك يا كافور إن قلوبنا ضعاف وما كل القلوب هي المصر
ادخل لأم التعريف على مصر وهي علم للبلدة المشهورة وهو غير جائز
بدا القد غصنًا باسقًا متأودًا على نقوى رمل يطوف به نهر
تكاد تقد الخصر من هيف به روادفها لولا الثقافة والهصر
لها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر
هذا البيت من قصيدة ذي الرمة المشهورة وقد انتحل من غير تنبيه على ذلك
رأتني سقيمًا ناحلًا والهابها فأدنت لها عودًا أناملها العشر
[ ٢٧٢ ]
وغنت ببيت يلبث الركب عنده حيارى بصوت عنده يرقص البر
أراد بالبر خلاف الفاجر
إذا كنت منظورًا فلا زلت هكذا وإن كنت مسحورًا فلا برىء السحر
فقلت لها والله يا ابنة مالك لما شفنى إلا القطيعة والهجر
رمتني العيون البابليات أسهمًا فاقصدني منها سهامكم الحمر
فقالت وألقت في الحشا من كلامها تأجج نار أنت من ملكنا حر
فوالله ما أنسى وقد بكرت لنا بإبريقها تسعى بها القينة والبكر
تدور بكاسات العقار كأنجم إذا طلعت من برجها أفل البدر
نداماي نعم والرباب وزينب ثلاث شخوص بيننا النظم والنثر
على الناي والعود الرخيم وقهوة يذكرها دينًا لأقدامنا العصر
فتقتص من ألبابنا ورؤسنا فلم ندر هل ذاك النعاس أم السكر
يريد أن هذه القهوة عصرناها بأقدامنا فاقتصت من رؤوسنا وهو معنى حسن إلا أنه ضعف التركيب غبر في وجهه وهو من قول أبي نواس
عاقرتم معقورة لو سالمت شرابها ما سميت بعقار
ذكرت حقًا يدها القديمة إذ غدت صرعى تداس بأرجل العصار
ورنت لهم حتى انتشوا وتمكنت منهم فصاحت فيهم بالثار
وإنما نبهت على ذلك كله لأن بعض أهل العصر يغالي في استحسانها زاعمًا أنها من أعلى طبقات الشعر وليس الأمر كما توهم ولا حاجة بنا إلى اثبات جميعها ومن مديحها قوله
مليك له سر خفي كأنما يناجيه بالغيب ابن داود والجفر
فإن كذبوا أعداء زيد فحسبه من الشاهد المقبول قصته البكر
ليالي إذ جاء الحصي وأكثروا أقاويل عني ضاق ذرعًا بها الصدر
فأيقظه من نومه بعد هجعة من الليل بيت زاد فخرًا به الشعر
كأن لم يكن أمر وإن كان كائن لكان به أمر نفاذ لك الأمر
وفي طي هذا عبرة لأولي النهى وذكر لمن كانت له فطنة تعر
يشير بذلك إلى ما وقع للشريف المذكور وهو أن سلطان الروم وجه خادمًا خصيًا من أعاظم خدامه إلى مكة المشرفة وأمره بالقبض على الشريف وتقييده وأن يأتي به إليه وشاع اخبر بذلك فلما بلغ الشريف قلق واهتم فسمع في بعض الليالي هاتفًا ينشد هذا البيت
كأن لم يكن أمر وإن كان كائن لكان به أمر نفاذ لك الأمر
فلم يصل الخادم إلى وادي فاطمة حتى وافى البريد يخبر موت السلطان والأمر بعدم التعرض للشريف بمكروه فعد ذلك من غرائب الوقائع والله أعلم