أبو السعود يحيى بن محيي الدين بن محمد بن يحيى بن عبد الحق أخذ
[ ١ / ٥٨ ]
عن إسماعيل اليازجي وقرأ على الشهاب أحمد الغزي الدمشقي وحضر دروسه بالفقه والحديث وأجازه وقرأ أيضًا على الياس بن إبراهيم الكردي في فنون كثيرة وصحبه في بعض الأسفار وقرأ أيضًا طرفًا من الفرائض على عبد القادر التغلبي وأخذ عنه وقرأ على عثمان بن حموده ولازمه وأنتفع به الشهير بالمتنبي العباسي الشافعي الدمشقي أحد العلماء والأفاضل الذين طلبت مواردهم بالأدب ومهروا بالعلوم واقتبسوا من مشكاة المنطوق والمفهوم الأديب المجيد الشاعر الواعظ قرأ على أشياخ وأخذ عنهم كالاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي الدمشقي والشيخ محمد بن عبد الهادي والشيخ عبد القادر العمري واستجاز من الاستاذ الرباني الشيخ إبراهيم الكوراني نزيل المدينة والشيخ أبي المواهب الحنبلي والشيخ أبي السعود التاجي القبافبي والشيخ محمد الكامل والشيخ عبد الرحمن المجلد والشيخ السيد سلمان القادري الدمشقي وكان من الأدباء المشاهير وجدت له ديوانًا نظمه سماه مدائح الحضرات بلسان الاشارات وقد ترجمه السيد محمد الأمين المحبي في ذيل نفحته وذكر له من شعره وقال في وصفه أديب محاسنه سافرة النقب ومعانيه لم تستمع أبدع منها مسامع الحقب فهو سلك السبك متقن الرصف جار في خلائقه على أحسن ما يقال من الوصف جرى في حلبه الشعراء ملء العنان فاعترف له السبق بمزية البيان والبنان فيشف أدبه عن عقد الثريا وتحلى شعره تحلى الروضة الريا وقد اجتمعت به مرات حمدت بها مسرات ومبرات فجعلت حجتي عليه مقصوره واثنيته في فمي غير محصور واستمليته من أشعاره فاخرجها في درج وكأنما اطلع لي منها كواكب مجموعة في برج فكتبت ما راق وطاب وكساه الدهر برداء طرزه فصل خطاب فمنه قوله من قصيدة مطلعها
خذا حيث بدر التم طاف بها صرفا وأبرزها من خدرها تنجلي كشفا
وعوجا بسفح كم سفحت مدامعي خليلي فيه والهوى يوجب الحنفا
فإن به هيفاء ذات محاسن إذا ما بدت عاد الأنام إلى الزلفى
فريدة حسن قد تثنت فأخجلت بكل قوام مائس قد ثنت عطفا
أعارت سناها للبلد ورفا شرقت وأهدت لورد الروض من عرفها عرفا
وقد عمت الاكوان حسنًا فما ترى سوى أغيديسيك أو غادة هيفا
ووجه غزال قد غزانا بلحظه وغازلنا بالطرف والمقلة الوطفا
فكل مليح راح يختال في الورى بثوب جمال عن محاسنها شفا
وهي طويلة وقد تخلص فيها بمدحه لشيخه الاستاذ عبد الغني النابلسي منها
[ ١ / ٥٩ ]
وأوردنا عين الحياة وقد غدت شموس الهدى تجلى بمورده الاصفى
وفي جنة العرفان كم سال كوثر لديه فأسدى من مياه الهدى غرفا
ومغرسه النامي بروض علومه قطفنا ثمار الفضل من غصنه قطفا
وقوله من قصيدة مطلعها
نطق عين الوجود وصف ثناكا يا حبيبي والبدر يحكي سناكا
وجهك الحق والأنام مرائي ايما شاهد المحب رآكا
وشموس الجمال عنك تبدت مشرقات على الورى بضياكا
وبروق الحمى بريق ثنايا ثغرك الدر حين يبسم فاكا
يا رعى الله حضرة جمعتنا يا بديع الجمال في مغناكا
حيث شمس المدام يجلو محيا ك سناها والراح من معناكا
ونداماي كل أحور طرف لم يكن عرشه سوى مستواكا
وسلمى عنها اللثام أماطت فمحتنا واثبتتنا هناكا
فشهدنا في ذاتنا ذات حسن ورشفنا من ثغرنا للملكا
وتبدت عروسة الحي تجلى من محياك وانجلت بحلاكا
وهي في غيبها النزيه ولكن شمسها أشرقت بأفق سماكا
فعجبا لوحدة قد تدأنت مذ تجلت وما حوت اشراكا
يا وحيدا في ذاته أنت وتر وكثير بمقتضى اشماكا
عينت ذاتك الذوات لعيني فاجتلينا الوجود في مجلاكا
ولعيني كنت الضيا فلهذا بك قرت وما رآك سواكا
فلذا إن أقل بنك اني أنت قد قلته فإني أناكا
أو أقل أنني سواك فقولي عنك باد لأنني مرآكا
حضرات لها بها صورتني كيف شاءت وقلبتني يداكا
جنة زخرف الشهود رباها فنعمنا فيها بطيب لقاكا
فالمثاني تتلو المثاني إذا ما كنت تصغي بمسمعي لغناكا
وفؤادي يهواك في كل قلب وعيوني في كل عين تراكا
وإذا ما بدا من الحسن مرآ ك لعيني سجدت شكرًا هناكا
يا حبيبًا أفنى هواه محبي هـ حبذا حبذا الفنا في هواكا
أنت أنت الوجود والكل فان يا حبيبي لك الهنا ببقاكا
مذ تجليت لي بافق سعودي شمت عبد الغني بدر حماكا
[ ١ / ٦٠ ]
شاخصًا للوجود إن شام برقا من سماء الشهود طار لذاكا
وقال مخمسًا
إن من في حماه قتلى أباحاكم محبوه اتلفت أرواحاوشذاه لما به الروض فاحا
غرد الطير في الرياض وناحا وشكا العشق والغرام وباحا
وجه حق بدا فلم يبق غيرافاجتلى حسنه ولا تخش ضيراعن ثناه تثنى العوالم خيرا
ونسيم الشمال أهدى سحيرا من شذا المسك عرفه الفياحا
بدر تم فيه المتيم هاماإذ تجلى بجلوسنا الظلاماقد شربنا من راحتيه مداما
واجتلينا على الندى والنداما بكردن في راسها الشيب لاحا
خرمة الذات تلك ذات النعيمفاسقينيها من حادث وقديمهي أم الأفراح برء السقيم
بنت كرم تجلى لكل كريم وسنا نورها كسا الأقداحا
كعبة الحسن كم إليها سعيناوالي قدس ذاها قد سزيناوسنا وجهها يضىء لدينا
كلما أظلم الظلام علينا اقتبسنا من نورها مصباحا
أقبلت تنجلي بسلمى وليلىوأمالت معاطف الغصن ميلاخمرة للعديم تمنح نيلا
أشرقت في الكؤس كالشمس ليلا فحسبنا أن المساء صباحا
وله
ومليح أدار كأس سلاف واحمرار الخدود للكاس كاسي
فأراج الخيال يقطف وردا من رياض الخدود بالاختلاس
فأرانا لآلئا فوق ورد وأسال العقيق حول الآس
وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول الأمير المنجكي ﵀
لقد زارني من بعد عام مودعا وطوق الدجى قد صار في راحة الفجر
فأخجلته بالعتب حتى رأيته يزيح الثريا بالهلال عن البدر
وله
لو لم يكن راعها فكر تصورها من واله وثنتها مقلة الأمل
ما قابلت نصف بدر بابن ليلته وألقت الزهو فوق الشمس من حجل
وفي المعنى قول أبي جعفر محمد من شعراء الدمية
قلت هبيني منك تقبيلة يا منية القلب وياقوتها
فأغمضت من عينها موخرا ورصعت بالدر ياقوتها
ومثله قول الأديب الألمعي إبراهيم السفرجلاني الدمشقي وهو
[ ١ / ٦١ ]
نظر البنفسج في الشقيق مؤثرًا فارتاع حتى انهل ماء جهاله
فغدا يرصع دره ياقوته ويزيح أنجم بدره بهلاله
ومنه ما جادت به قريحتي السقيمة وهو قولي
حين آن الفراق فاضت دموعي وهمى دمعه بخد أنيق
فأسلت العقيق فوق لجين واسال اللجين فوق العقيق
ويقرب منه قول الأديب المفنن الشيخ سعيد السمان الدمشقي حيث قال
لولا الحياء وعفتي يا موردي كأس الردى لأعدت ياقوت الشفاه وإن أبيت زبرجدا
وهو مأخوذ من قول بعض الأندلسيين وهو
والله لولا أن يقال تغيرا وصبا وإن كان التصأبي أجدرا
لأعدت تفاح الخدود بنفسجا لثما وكافور الترائب عنبر
ومن معشرات المترجم قوله
جاء بالحق من أنار الدياجى فهدانا بنوره الوهاج
جل من بالجمال فيه تجلى واجتباه لقربه والتناجي
جرد العزم فهو خير نبي من أولى العزم واضح المنهاج
جدد الدين بعد ما فرقته عصبة بين زائغ ومداجى
جوده عمر الوجود وجدوا هـ بحار والخلق كالأمواج
جحدته عيون قوم فأطفا إذ رمى الله نورها بالعجاج
جمع المر بين حق وخلق وانطوى الكل فيه بالاندارج
جبرائيل الأمين منه يناجي بطور الفؤاد وهو المناجي
جال في لجة الغيوب وأسرى ورأى الله ليلة المعراج
جد بعفو يا خير من بذل الجو د لعبد ما زال للفضل راجي
وله غير ذلك من الشعر المعجب ذكر له منه الأمين في ذيل نفحته كثيرًا وكأنت وفاته يوم الأربعاء ثاني عشر صفر سنة تسع وعشرين ومائة وألف ودفن بتربة مرج الدحداح وفرغ بمرض موته وظائفه بمال وأوصى منها بجانب لطلبة العلم بدمشق رحمه الله تعالى