إن الأساس في التعرف على حياة كاتب جلبي هو ما استمددناه من ترجمته هو لنفسه في نهاية كتابيه "سُلّم الوصول إلى طبقات الفحول" (٤) و"ميزان الحق في اختيار الأحق" (٥). ثم من المعلومات التي سردها في مواضع مختلفة من مؤلفاته كلما وجد لذلك مناسبة، ومن بعض الملاحظات والإشارات المقتضبة، وغير ذلك من الشوارد التي لا تُقَارَنُ بما جاء في كتابيه المذكورين. فعندما نضم هاتين الترجمتين إلى تلك الملاحظات والإشارات يمكننا الحصول على سيرته وحياته بشكل كاف، وهو ما فعله المرحوم الأستاذ أورخان شائق كوكياي في دراسته المطولة عن صاحب الترجمة (٦)، والتي اعتمدناها أساسًا لهذه المقدمة.
أصل اسمه مصطفى، واسم أبيه عبد الله، وهو يكتفي على غير العادة بذكر اسم والده فحسب، وكانت شهرته بين علماء المدينة باسم "كاتب جلبي"، وبين أهل الديوان باسم "حاجي خليفة" [وكلمة خليفة في المصطلح العثماني تعني آمر القلم ورئيسه] وهو حين يعرِّف بنفسه يقول إنه "حنفي المذهب إشراقي المشرب". وقد ولد -حسبما ذكرته والدته- في شهر ذي القعدة عام ١٠١٧ هـ (فبراير/ شباط ١٦٠٩ م) في مدينة إستانبول، حيث كانت دارهم أيضًا. وهو بحسب قوله: "قسطنطيني المولد والدار". وعمل والده في قسم الـ (أندرون) (٧) بالسراي العثماني، ثم "خرج" منه بوظيفة ملحقة بزمرة السلحدارية (٨)، وقنعت نفسه بتلك الوظيفة، فكان يشارك في الحروب والأسفار، وكان على دين وخلق، مواظبًا على مجالس العلماء والشيوخ، حتى إن ليله كان يقضيه في العبادة. ولما بلغ ابنه الخامسة أو السادسة من عمره اتخذ له معلمًا يعلمه القرآن وتجويده، هو الإمام عيسى خليفة القريمي، فتعلم على يديه قراءة القرآن والمقدمة الجزرية في التجويد، كما تعلم مبادئ الصلاة. ثم أسمعه بعد ذلك ما قرأه عليه وحفظه في دار القراء التي تعرف باسم مؤسسها مسيح باشا بإستانبول. وتعلم أيضًا
_________________
(١) مكتبة شهيد علي باشا، رقم ١٨٧٧/ ١٢٧ أ.
(٢) نشره أبو الضيا، إستانبول ١٣٠٦، ص ١٢٩ وما بعدها.
(٣) انظر: katip celebi hayan ve eserleri hakkinda incelemeler، ankara ١٩٩١، ٣ - ٩٠.
(٤) الاندرون: هو القسم الداخلي في السراي العثماني، وبمثابة المدرسة التي تقوم في إطار نظام محكم على تنشئة فئات مختلفة ممن سيعملون في وظائف الدولة.
(٥) السلحدارية: مجموعة من كبار الضباط الذين يحتفظون بأسلحة السلطان في القصر، ويحملونها له عند خروجه الى الحرب.
[ مقدمة / ١٢ ]
على يدي زكريا علي إبراهيم أفندي، ونَفَس زاده مصطفى أفندي (ت ١١ ذو القعدة ١٠١١ ص) (٩)، واكتفى بحفظ نصف القرآن.
وقرأ بعد ذلك كتابي التصريف والعوامل على إلياس خوجه، وتعلم الخط على يدي
الخطاط أحمد جلبي الأحدب (بوكرى) (١٠). ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره بدأ والده يمنحه مصروفًا يوميًا قدره أربعة عشر درهمًا من راتبه، ثم اصطحبه إلى جانبه. وعلى هذا النحو انخرط للعمل مساعدًا (شاكرد) في "قلم محاسبة الأناضول" أحد أقلام الديوان الهمايوني (١١) (١٠٣٢ هـ / ١٦٢٢ - ١٦٢٣ م). وهناك تعلم مبادئ الحساب من أحد خلفاء القلم، وتعلم معها الأرقام وخط "السياقت" (١٢) فأجاده حتى تقدم على أستاذه، أي "الخليفة" نفسه. ولما غادر الجيش إستانبول عام ١٠٣٣ هـ / ١٦٢٣ - ٢٤) لإخماد ثورة أباظة باشا سافر مع والده ليشارك في حملة ترجان. وكان آنذاك في آلاي السلحدار. وفي الوقت الذي حمي فيه وطيس الحرب مع اباظة باشا بالقرب من قيسري في ٢٢ ذي القعدة ١٠٣٣ هـ (٧ سبتمبر/ أيلول ١٦٢٤ م)، سنحت له الفرصة من فوق ربوة عالية "أن يشهد بعينيه عن كثب أحوال تلك الحرب".
ويقول في كتابه (فذلكه) وهو يروي قصة المعركة تلك مجددًا بها الذكرى: "وكان الفقير [يقصد نفسه كعادة العلماء العثمانيين عند الحديث عن أنفسهم تواضعًا] واقفا في ذلك المحل، فرأيت الباشا المرحوم الصدر الأعظم (طباني ياصِّى محمد باشا) وقد وضع على رأسه خوذة محلاة بماء الذهب، ولا يزال صليل رمحه في أذني إلى الآن". وشارك كاتب جلبي في حملة العراق عام ١٠٣٥ هـ - (١٦٢٥ - ١٦٢٦ م)، وفي ١٢ رمضان من نفس العام (٧ يونية / حزيران ١٦٢٦ م) فتسلق برجًا عاليًا خلف جناح السلحدارية، وشاهد سير المعركة، وكانت طلقات المدافع من برج الأعاجم تمر من فوقه، رغم بعد المسافة (١٣). واستمر الحصار هناك تسعة أشهر، وشهد بعينيه كيف تكون ضراوة الحروب. ونتيجة لغلبة الخصم بسبب القحط انقطع الأمل وبدأت رحلة العودة، وعندها عانى من الضيق أعظمه مع الجميع. ولكنه راح يسلي نفسه متعللًا بأن البلية إذا عمت طابت.
_________________
(١) انظر: فذلكه ١/ ١٩٤ وما بعدها، وذيل الشقائق، ٤٥٨ وما بعدها، ومستقيم زاده، مجلة النصاب، مكتبة حالت أفندي، رقم ٦٢٨، ٤٢٦ أ.
(٢) انظر: أحمد الأحدب في تحفة الخطاطين، نشر: تاريخ عثماني انجمنى، ص ٩٨.
(٣) الديوان الهمايوني: هو الهيئة التنفيذية العليا التي تتولى إدارة شؤون الدولة في شتى المجالات تحت رئاسة الصدر الأعظم.
(٤) نوع من الخط لا يستخدم التنقيط، ويأخذ شكلًا رمزيًا لا يعرفه إلّا من تعاطوه. وقد استخدمه العثمانيون بوجه خاص في شئون الحسابات والمالية.
(٥) فذلكه، ٢/ ٨٣ وما بعدها.
[ مقدمة / ١٣ ]
وقد أوجز كاتب جلبي تصويره المؤلم لتلك العودة بقوله: "لم تكن المشقة التي عاناها عساكر الإسلام في هذا الطريق شيئًا حدث في التاريخ من قبل"، ولما بلغوا مدينة الموصل توفي والده في شهر ذي القعدة عام ١٠٣٥ هـ (أغسطس- سبتمبر ١٦٢٦ م)، ودفن هناك في مقبرة الجامع الكبير. ولم يمض شهر آخر حتى توفي عمه عند موضع (جَرّاحْلو) بالقرب من نصيبين. وعلى هذا رجع كاتب جلبي إلى ديار بكر مع أحد أقربائه، ومكث هناك مدة. وقام أحد زملاء والده ويدعى أحمد خليفة بتعيينه مساعدًا في "قلم مقابلة السواري". (١٤)
وفي عام ١٠٣٧ هـ (١٦٢٧ - ١٦٢٨ م) عاد إلى إستانبول، وراح يواظب على دروس قاضي زاده منلا قاسم (ت ٨٩٩ هـ / ١٤٩٤ م). ثم شارك بعد ذلك في حصار مدينة أرضروم، وبعد الحصار الذي دام سبعين يومًا بلا طائل لقي مع غيره عناءً كبيرًا في الطريق إلى توقاد، فقد تجمدت أيادي وأرجل الغالبية من شدة البرد وبترت بعضها، ومات من مات، وتعرض هو خلال تلك الكارثة للكثير من المحن والآلام "التي لم تحدث من قبل".
وفي عام ١٠٣٨ ص (١٦٢٨ - ١٦٢٩ م) حضر مدة إلى إستانبول، وراح يواظب على دروس قاضي زاده منلا قاسم (ت ٨٩٩ هـ / ١٤٩٤ م)، وتأثر به كثيرًا، فقد كان الرجل عالمًا طلق اللسان عظيم التأثير في نفوس سامعيه، يحضهم على طلب العلم والتخلص من الجهل، فجعله يتعلق به" وجذبه إلى طريق الشغل وتحصيل العلم جذبة وأي جذبة". وبدأ يتذاكر معه العلوم العالية التي درسها من قبل، وظل مداومًا على دروسه ووعظه حتى خرج للحرب مرة أخرى مع خسرو باشا (١٥). وفي عام ١٠٣٩ هـ (١٦٢٩ - ١٦٣٠ م) كان في حاشية خسرو باشا مشاركًا إياه في حملتي همدان وبغداد، وقد رَوَى فيما بعد ما تعرضوا له أثناء تلك الحرب، وأشار إلى المدن والمواقع التي استولوا عليها، مثل قلعة كلعنبر وحسن آباد وهمدان وبستون وغيرها، وذلك في كتابه الكبير في الجغرافيا المعروف باسم (جهاننما) (١٦) وفي كتابه (فذلكه) (١٧). وعقب حرب همدان في عام ١٠٤٠ هـ (١٦٣٠ - ١٦٣١ م) رافق الجيش عندما نزل به خسرو باشا إلى بغداد.
ويذكر كاتب جلبي حصار الجيش العثماني لبغداد الذي بدأ في ٢٢ صفر ١٠٤٠ هـ (٣٠ سبتمبر ١٦٣٠ م) في كتابه (فذلكه)، فيقول إنه بسبب الأمر الصادر خلافًا للقاعدة العامة جاء
_________________
(١) هو أحد أقلام الديوان الهمايوني، وكانت مهمته مسك دفاتر جنود سواري القبوقولية، وتنظيم تذاكر علوفاتهم ورواتبهم.
(٢) ميزان الحق، ص ١٣٠.
(٣) نشر إبراهيم متفرقة، ص ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٠٢.
(٤) فذلكة، ٢/ ١١٨ وما بعدها.
[ مقدمة / ١٤ ]
الجيش كله إلى قرب المتاريس ورابط هناك، فارتبك الجميع ورفعوا خيامهم ثم نصبوها خلف المتاريس، وقام كل واحد بحفر خندق أمام خيمته، ثم يصور كاتب جلبي الأمور ببعض الصور الحية عندما يقول: "وكنا نقوم بتكويم القرب الجرداء ونفتح دفتر المقابلة ونجلس وراءه، وفي الليل نحفر حفرة ننام فيها مثل القبر" (١٨).
وفي عام ١٠٤١ هـ (١٦٣١ - ١٦٣٢ م) عاد كاتب جلبي مرة أخرى إلى إستانبول، وراح يواظب على دروس قاضي زاده، وقرأ عليه التفسير وإحياء العلوم، وشرح المواقف، والدرر، والطريقة المحمدية.
وفي عام ١٠٤٣ هـ (١٦٣٣ - ١٦٣٤ م) عندما انسحب الجيش تحت قيادة الوزير الأعظم محمد باشا إلى حلب لقضاء الشتاء هناك سافر كاتب جلبي من حلب إلى الحجاز، وفي عودته كان الجيش آنذاك في ديار بكر فقضى فصل الشتاء في تلك المدينة بمصاحبة بعض العلماء والتباحث معهم.
وفي عام ١٠٤٤ هـ (١٦٣٤ - ١٦٣٥ م) سافر مع السلطان مراد الرابع في حملته على رَوَان، وروى لنا بالتفصيل مشاهداته وانطباعاته عن تلك الحرب.
وبعد أن قضى قدر عشر سنوات يصاحب الجيش في الحروب والحملات المختلفة، و"تم له بذلك أمر الحج والجهاد" عاد إلى إستانبول بقصد التفرغ الكامل لتحصيل "العلم الشريف"، والانتقال من "الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" كما هو شائع. وفي إستانبول أنفق على شراء الكتب إرثًا صغيرًا كان له. وكان أثناء إقامته في حلب قد بدأ يسجل أسماء الكتب التي يراها في حوانيت الوراقين، وكان يميل بطبعه إلى مطالعة كتب التاريخ والطبقات والوفيات أكثر من غيرها، حتى استكمل قراءة كل ما وقع تحت يده منها في عام ١٠٤٦ هـ (١٦٣٦ - ١٦٣٧ م). ولما توفي أحد أقربائه عام ١٠٤٧ هـ (١٦٣٨ م) وكان تاجرًا ثريًا ورث عنه عدة أحمال من الأقجه (اسم العملة العثمانية)، فانفق قدر ثلاثة منها على شراء الكتب، والباقي على تعمير وإصلاح دار له كانت تقع في الجانب الشمالي لجامع الفاتح (١٩)، وفي موضع متوسط بين الجامع المذكور وجامع السلطان سليم، ثم تزوج في السنة نفسها.
ولأنه كان قد عزم على الانقطاع للبحث والتأليف لم يشارك هذه المرة في حملة السلطان مراد الرابع على بغداد، وراح يواظب على دروس مصطفى أفندي الأعرج الذي اشتهر بالعلم
_________________
(١) نفس المصدر، ٢/ ١٢٨ وما بعدها.
(٢) هو الجامع الذي بناه فاتح إستانبول السلطان محمد الثاني.
[ مقدمة / ١٥ ]
والفضل (٢٠)، فقد وجد في ذلك الرجل عِلْمًا وفيضًا يزيد عما وجده لدى كل العلماء الذين حضر دروسهم من قبل، فاتخذه أستاذًا له. كما أبدى الأستاذ أيضًا اهتمامًا بكاتب جلبي يزيد عن اهتمامه بباقي طلابه. وقد قرأ على هذا الأستاذ الأندلسية في العروض، وهداية الحكمة (حتى نهاية الباب الرابع)، والملخص في علم الهيئة، وأشكال التأسيس في علم الهندسة مع شرحه (٢١).
وفي عام ١٠٤٩ هـ (١٦٣٩ - ١٦٤٠ م) واظب على سماع دروس الشيخ كُرْد عبد الله واعظ جامع آياصوفيا، وانتقل في العام التالي إلى سماع دروس الشيخ كجه جي محمد أفندي واعظ جامع السليمانية.
أما في عام ١٠٥٢ هـ (١٦٤٢ - ١٦٤٣ م) فقد قرأ على الواعظ ولي أفندي نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر لابن حجر العسقلاني، وبدأ يسمع دروسه في النخبة أيضًا والألفية. واستطاع في عامين أن يكمل أصول الحديث. ولأن هذا الواعظ كان قد أخذ هذا الفنّ عن الشيخ إبراهيم اللقاني في مصر، فإن كاتب جلبي كان يعد نفسه تلميذًا للأخير بالواسطة. كما قرأ كتاب تلخيص المفتاح على المولى ولي الدين تلميذ المولى أحمد حيدر السُّهْرَاني ومفتي أَرْمَنَاك، وقرأ كتاب الفرائض للإمام سراج الدين محمد وشمسية كاتبي في المنطق.
والتقى عدة مرات بالشيخ المصري سري الدين الرضا الذي جاء إلى إستانبول عام ١٠٥٧ هـ (١٦٤٧ م) وسمع بعض دروسه. وظل كاتب جلبي قدر عشر سنوات منكبًا ليل نهار على القراءة والبحث، وقد ينسى نفسه أحيانًا مع كتاب، ويظل الشمع مشتعلًا في غرفته من مغيب الشمس إلى مطلعها، فلا يكل ولا يمل أبدًا. وكان يتردد عليه في تلك الآونة بعض الطلاب ليتعلموا على يديه.
واستطاع في عام ١٠٥٥ هـ (١٦٤٥ - ١٦٤٦ م) أن يشهد بنفسه بمناسبة حملة الجيش العثماني على جزيرة كريت كيف يجري إعداد الخرائط ورسْمها، ورأى الكتب المؤلفة في ذلك الموضوع، واطلع على كافة الخرائط. وفي تلك الأثناء حصلت قطيعة بينه وبين كبير موظفي قلم المقابلة (باش خليفه)، لأنه قال له "إن العادة الجارية عند السلف هي تبديل النوبة على خلافة هذا القلم كل عشرين سنة، فهل النوبة لم تأت بعد علينا بحسب أصول الطريق"، فلما رد عليه "الباش خليفة" بأن النوبة "مدى الحياة"، بادر هو بطلب الاستعفاء. وعاش نحو ثلاث سنوات منزويًا بعيدًا عن الحياة الوظيفية، وكان يدرس عليه في تلك الأثناء عدد من
_________________
(١) انظر: فذلكه، ٢/ ٣٩٢
(٢) انظر: جامع المتون، طوب قابي سراي، امانت خزينه سى، رقم ١٧٦٣، ٥ أ.
[ مقدمة / ١٦ ]
الطلاب في موضوعات مختلفة، لكنه مرض، فكان يقرأ كتب الطب، وطالع أيضًا كتب الأسماء والخواص بقصد البحث عن سبل ووسائل للتداوي من ناحية، والتنقيب عن الشفاء بالطرق الروحانية من ناحية أخرى.
وكان ينعزل عن الناس، ويتقرب إلى الله ثقة منه أن دعواته إليه بقلب سليم والتعويذات التي صنعها سوف تأتي بالنتيجة (٢٢). وفي أثناء عام ١٠٥٧ هـ (١٦٤٧ م) قام بتدريس شرح الأشكال في الهندسة والمحمدية لعلي قوشجي في الحساب لكل من مولانا محمد بن أحمد الرومي ولولده هو نفسه، كما علمهما من الزيج قاعدة استخراج دستور التقويم.
وفي أواخر عام ١٠٥٨ ص (١٦٤٨ م) حصل على وظيفة "الخليفة الثاني" في القلم الذي كان يعمل فيه، وذلك بتوصية من شيخ الإسلام عبد الرحيم أفندي إلى الصدر الأعظم قوجه محمد باشا بسبب كتاب تقويم التواريخ، وذلك رغم ما بذله المعارضون له من مساعٍ لرفض طلبه وجهود مادية ومعنوية للحيلولة دون ذلك (٢٣). وكان عبد الرحيم أفندي هذا صديقًا ودودًا له، مطلعًا على سرّه، يحادثه في شئون الدولة، ويستعين بمشورته في موضوعات شتى (٢٤). والشاهد على ذلك أنه أفتى بأن كتاب ميزان الحق كتاب مفيد. وقنع كاتب جلبي بما كان يتقاضاه من نقود تكفيه على معيشته، ولم يطلب المزيد. وقد ظهر عدد كبير من مؤلفاته في غضون تلك السنوات الأخيرة، كما استطاع بمساعدة الشيخ محمد إخلاصي (٢٥) أن ينقل إلى التركية بعض الكتب اللاتينية.
وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من ذي الحجة عام ١٠٦٧ هـ (٦ أكتوبر ١٦٥٧ م) شعر كاتب جلبي بضيق وهو يشرب قهوة الصباح، فسقط الفنجان من يده ومات فجأة (٢٦). وكان قد كشف عن ذلك من قبلها لزوجته وخادمه، فقال لهما بعد أن سيطر عليه الخوف عندما أكل بطيخًا فجًّا في تلك الليلة، ثم اغتسل في الصباح بماء بارد: "ماذا يا ترى، فقد فعلنا أشياء تُنَاقِضُ بعضها بعضًا، حفظنا الله تعالى من الضر" (٢٧). وتكررت نفس الأقوال سببًا للوفاة في نسخة من كتاب ميزان الحق جرى استنساخها عام ١١٣٨ هـ (٢٨)، ولكن يضاف إلى الحادثة
_________________
(١) انظر: كشف الظنون، علم الخواص، ١/ ٧٢٥ وما بعدها، وعلم العزائم، ٢/ ١١٣٧.
(٢) انظر: تقويم التواريخ، نشر إبراهيم متفرقة، ٢٤٧ وميزان الحق في اختيار الأحق، ١٤٠.
(٣) انظر: مثلًا فذلكه، ٢/ ٢٩٣ وتحفة الكبار، ١٢٥.
(٤) وهو الراهب الفرنسي الذي اهتدى إلى الإسلام.
(٥) انظر: تقويم التواريخ، أحداث ١٠٦٧ هـ، ص ١٣٦.
(٦) انظر: جهاننما، طوب قابي، روان، رقم ١٦٢٤، ١ / أ.
(٧) انظر: مكتبة الفاتح، رقم ٥٣٣٥، ٤٤/ أ.
[ مقدمة / ١٧ ]
بعض التفاصيل. إذ تقول الروايات التاريخية إن كاتب جلبي قد فسدت معدته بسبب البطيخ غير الناضج الذي أكله مساءً، فذكر أن في صدره ألمًا ظهر، "فاستعمل بعض المعاجين والمسهلات، وبينما هو يشرب القهوة بعدها تغيرت حاله، وسقط الفنجان من يده، وراح وهو في هذا الاضطراب يفتش بغير حيلة في كتب الطب، وإذا به يموت فجأة".
وهناك تباين في بعض المصادر حول تاريخ وفاته، إذ يُلاحظ أن تاريخ الوفاة في هذه المخطوطة كان مكتوبًا على شكل (١٠٦٧) ثم تم مَسْحه من بعد وجُعل على شكل (١٠٦٨). كما ذكر محمد عُبَيْدي في (تذكره شكوفجيان) التي تحمل اسم (نتائج الأزهار) أن كاتب جلبي توفي عام ١٠٧٤ هـ (١٦٦٣ - ١٦٦٤ م) وهو خطأ (٢٩). بينما يذكر مستقيم زاده في مجلة النصاب أنه توفي في أدرنة عام ١٠٦٤ هـ وهذا خطأ أكبر (٣٠). والواقع أن هذه المخطوطة كتبت بخط بديع الجمال، إلّا أن عدم معرفة الناسخ للعربية جعلتها تفيض بالأخطاء.
ويذكر المؤرخ التركي المعاصر إسماعيل حامي دانشمند تاريخ وفاته على أنه ١٥ من ذي الحجة ١٠٦٨ هـ (٢٤ سبتمبر ١٦٥٧). إلّا أنه لا يذكر كالعادة المصدر الذي اعتمد عليه (٣١).
ويقع قبر كاتب جلبي في مقبرة صغيرة تلاصق سبيل مياه في أسفل مدرسة بالقرب من جامع زَيْرَك بإستانبول، وهناك صورة فوتوغرافية لشاهد قبره القديم، نشرها شرف الدين يالتقايا في مقدمة كشف الظنون. وفي عام ١٩٥٣ م شُيِّدت له مقبرة جديدة ونُقِشَ على شاهدها الجديد اسمه وتاريخ وفاته.