بعد سقوط الشام في قبضة هولاكو التتري، وخيانة ملوك الأيوبيين بمعاونتهم للتتار، كان ذلك فصل الختام لدولة الأيوبيين، وإعلانا لتنازلهم عن حقوقهم في الملك بعد أن تقاعسوا عن حماية ذلك الملك، وصار منطق الأحداث يحتم أن تزول دولة بني أيوب ليرثهم في ملكهم إما التتار وإما المماليك، حسبما تقرر المعركة المنتظرة بين هاتين القوتين.
وفي الوقت الذي أثبتت الأحداث ضعف الأيوبيين وعجزهم عن حماية المسلمين في بلاد الشام من خطر التتار؛ إذ بالمماليك يظهرون على المسرح لينزلوا بالتتار ضربة كبرى في موقعة عين جالوت سنة "١٢٦٠ م"، وبذلك ظهر المماليك في صورة القوى الكبرى في الشرق التي استطاعت أن تحمي كيان أهل مصر والشام من ذلك الخطر الوثني الرهيب.
ولا شك في أن فشل الأيوبيين في صد خطر التتار، ونجاح المماليك في القضاء على ذلك الخطر، جاء بمثابة فصل الخطاب بين المماليك والأيوبيين، وخاتمة لحركة التنافس بين هاتين القوتين على مسرح الشام، بعد أن صار من الواضح أن قوة الأيوبيين المتداعية لن تستطيع بحال الصمود في وجه قوة التتار.
وكان أن استطاعت جيوش المماليك بعد عين جالوت إجلاء التتار عن دمشق، وحماة، وحلب ومطاردتهم حتى أطراف بلاد الشام. ومعنى ذلك أن نفوذ المماليك امتد إلى بلاد الشام فجأة بعد عين جالوت.
وبعد أن استقر للماليك الأوضاع في مصر والشام حرصوا على أن يظهروا أمام أهل مصر والشام في صورة حماة المسلمين وزعمائهم في حركة الجهاد ضد الصليبيين. ولم يلبث سلاطين المماليك أن استأنفوا سياسة الأيوبيين بحيث أنه لم يكد يمضي على قيام دولة المماليك نحوا من أربعين سنة حتى تم طرد الصليبيين نهائيا من بلاد الشام، وبذلك أصبحت لا توجد قوة تهيمن على بلاد الشام غير قوة المماليك.
وقسم بلاد الشام من الناحية الإدارية إلى ستة أقسام تسمى النيابات تخضع للحكومة المركزية في القاهرة. وهذه النيابات هي نيابة دمشق، ونيابة حلب، ونيابة طرابلس، ونيابة حماة، ونيابة صفد، ونيابة الكرك. وقد كان هذا التقسيم ضروريا؛ لأنه يتفق مع طبيعة بلاد الشام الجغرافية.
[ ١ / ٩ ]
وكان في كل نيابة من نيابات الشام أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة، مثلما كان الحال تماما في مصر منذ أيام الظاهر بيبرس هذا فضلا عن الوظائف الأخرى المتعددة التي وجدت في كل نيابة من نيابات الشام والتي كان بعضها يتعلق بأرباب السيوف. والبعض الآخر يتعلق بأرباب القلم، والقسم الثالث يشغل الوظائف الدينية.
وعلى الرغم مما يتمتع به نواب النيابات الشامية من سلطان ونفوذ كبير إلا أنهم كانوا متابعين لسلطنة المماليك في القاهرة، وظل سلطان المماليك هو القوة الكبرى التي تسيطر على مصر والشام وتشرف إشرافا تاما على سير الأمور في مختلف أرجاء الدولة المماليكية الواسعة.
ووجدت ببلاد الشام على عصر سلاطين المماليك عصبيات عنصرية مثل الأكراد والتركمان والأرمن كما وجدت ببلاد الشام في ذلك العصر عصبيات عديدة مذهبية ودينية.
من هذه العصبيات والطوائف: طائفة الكسروانيين، وهم أهل جبال كسروان، وكانوا من النصيرية والعلويين والمتأولة، وكانوا يقفون موقفا عدائيا من المماليك أثناء الصراع بين المماليك والصليبيين بالشام. ومن هذه العصبيات والطوائف: طائفة التنوخيين، وهم عشائر اعتنقت الدرزية وانتشروا في جهات متفرقة في لبنان، وظلوا يتأرجحون بين الولاء للصليبيين حينا وللمسلمين أحيانا كما تأرجحوا بين الولاء للمماليك من ناحية وخصوم المماليك من أيوبيين وتتار من ناحية أخرى. ومنهم طائفة الشهابيين الدروز الذين اشتركوا بنجاح في قتال الصليبيين ثم التتار أثناء إغارتهم على بلاد الشام.
ومنهم طائفة الإسماعيلية ويعرفون أيضا باسم الباطنية، وقد قاموا بدور مشهور في تاريخ بلاد الشام على عصر الحروب الصليبية، ولم يتورعوا عن اغتيال كثير من الشخصيات الإسلامية والصليبية سواء. ولم يرض المماليك عن الباطنية بسبب شذوذهم المذهبي من ناحية، ثم بسبب موقفهم المائع بين الصليبيين والمسلمين من ناحية أخرى لذلك فرض السلطان الظاهر بيبرس ضرائب باهظة على الهدايا التي اعتاد أن يبعث بها الصليبيون إلى شيخ الباطنية، وذلك إفسادا لنواميس الإسماعيلية، وتعجيزا لمن اكتفى شرهم بالهدية. كما كانت طائفة الإسماعيلية تدفع الجزية للسلطان الظاهر بيبرس، وكانوا يضيقون ذرعا بما يحملونه إلى بيت المال من هذه الجزية. وكانوا يطلبون إنقاص هذا المال الذي يدفعونه. وكانت العلاقة سيئة بين السلطان وطائفة الإسماعيلية، ولكن ما لبث السلطان الظاهر أن استولى على حصون
[ ١ / ١٠ ]
الإسماعيلية ببلاد الشام واحدا بعد آخر حتى انتهى أمرهم ببلاد الشام، وأقطعهم السلطان بدلا من قلاعهم الشامية بعض الجهات في مصر ليعيشوا فيها.
لم تكن الشام في عصر المماليك مجرد إقليم الدولة، وإنما كان أهم من ذلك بكثير. لقد كانت بلاد الشام الجناح الأيمن الذي بدونه يتعذر على دولة المماليك الاحتفاظ بكيانها وتوازنها والثبات في وجه الأخطار الأسيوية الضخمة التي هددت تلك الدولة حينا من جانب الأيوبيين والتتار والصليبيين، وأحيانا من جانب الأرمن والتركمان ثم العثمانيين.
وهكذا أدرك سلاطين المماليك منذ أن أقاموا دولتهم في مصر أنه لا بقاء لهم ولا لدولتهم إلا في ظل وحدة تربط بين الشام ومصر تحت حكمهم، وتضمن لهم مراقبة التيارات العديدة التي يمكن أن تؤثر في كيانهم (^١).
لقد استطاعت دولة المماليك التي قامت في مصر والشام سنة " (١٢٥٠) م" أن تثبت أنها أعظم قوة معاصرة في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، فنظر إليها حكام وشعوب الدول الإسلامية والعربية نظرة إكبار وإجلال، في حين نظرت إليها القوى الأخرى -خارج المحيطين العربي والإسلامي- نظرة خوف واحترام. وحسب دولة المماليك أنها استطاعت أن تواجه الأخطار الخارجية التي هددت الوطن العربي في الشرق في شجاعة وبأس فحمت الشام ومصر من خطر التتار، وطردت الصليبيين كلية من أرض الشام بل لاحقتهم في مراكزهم القريبة مثل أرمينية الصغرى، وقبرص، ورودس هذا فضلا عن أن نجاح سلاطين المماليك في إحياء الخلافة العباسية في مصر بعد سقوطها في بغداد جعل لهم ولدولتهم مكانة مرموقة في العالم الإسلامي أجمع، إذ جعلهم يبدون في صورة الزعماء الحقيقيين للعالم الإسلامي أجمع بوصفهم حماة الخلافة المتمتعين ببيعتها (^٢).
ذلك هو الواقع السياسي في تلك الحقبة من الزمن في الشام ومصر.
ولا جرم أن النشاط العلمي في عصر المماليك قد ازدهر، وشجع بعض سلاطين المماليك العلم والعلماء. وقد وصف ابن تغري بردي السلطان الظاهر بيبرس بأنه كان يميل إلى التاريخ وأهله ميلا زائدا ويقول: "سماع التاريخ أعظم من التجارب" (^٣).
_________________
(١) العصر المماليكي في مصر والشام. الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور "ص ٢٠٠ - ٢٢٢".
(٢) المصدر السابق "ص ٢٣٣".
(٣) النجوم الزاهرة لابن تغري بردي "ج ٧ ص ١٨٢".
[ ١ / ١١ ]
لقد رعى سلاطين المماليك النشاط العلمي، فأنشئوا المدارس، فضلا عن المؤسسات الأخرى التي قامت أحيانا بوظيفة المدارس مثل المساجد. والمعروف أن السلطان صلاح الدين عني عناية خاصة بإنشاء المدارس وأنشأ بعض المدارس الشهيرة مثل المدرسة الناصرية والمدرسة الصلاحية والمدرسة القمحية. ولكن إذا كان صلاح الدين وخلفاؤه من بني أيوب قد استهدفوا من إنشاء المدارس أن تكون قبل كل شيء مراكز لنشر المذهب السني ومحاربة العقيدة الشيعية في البلاد؛ فإن سلاطين المماليك أكثروا من إنشاء المدارس إظهارا لشعور التقوى والزلفى من ناحية، وليتخذوا من المدرسة أداة تضمن بقاء الحكم في أيديهم، وتساعدهم على تدعيم مراكزهم في أعين الشعب.
ومن المدارس العديدة التي أسسها سلاطين الممالك المدرسة الظاهرية نسبة إلى السلطان الظاهر بيبرس الذي وضع أساسها سنة " (١٢٦١) م". وألحق بتلك المدرسة خزانة كتب جليلة تشتمل على مجموعة ضخمة من المراجع في مختلف العلوم. كما أنشأ المماليك مدارس كثيرة في بقاع كثيرة في مصر والشام والحجاز.
ولقد كان النشاط الديني في عصر المماليك موجها لخدمة المذهب السني ومحاربة المذهب الشيعي. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها صلاح الدين الأيوبي ومن خلفه من سلاطين بني أيوب لمحاربة الشيعة والتشيع في مصر إلا أن الكثير من آثار المذهب الشيعي ظلت قائمة في عصر المماليك.
وقد لجأ سلاطين المماليك إلى استخدام العنف أحيانا لكبت الشيعة. وأمر السلطان الظاهر بيبرس " (١٢٦٧) م-٦٦٥ هـ" باتباع المذاهب السنية الأربعة وتحريم ما عداها كما أمر بألا يولى قاض ولا تقبل شهادة أحد، ولا يرشح لإحدى وظائف الخطابة أو الإمامة أو التدريس ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب (^١).
وفي عصر سلاطين المماليك انتشر التصوف انتشارا واسعا واتسع نطاقه، فساد الجهل والاعتقاد بالخرافات والترهات، وانتشرت الشركيات فذبحت الذبائح عند القبور، وقدمت النذور لأصحابها. واهتم المماليك بهؤلاء الصوفية، وكان لهم اعتقاد فيهم، فكان للظاهر بيبرس المتوفي سنة " (٦٧٦) هـ" شيخ اسمه الخضر بن أبي بكر بن موسى العدوى، كان صاحب
_________________
(١) الدرر الكامنة لابن حجر "ج ٢ ص ٤٦".
[ ١ / ١٢ ]
حال، ونفس مؤثرة، وهمة إبليسية، وحال كاهني، وكان الظاهر بيبرس يعظمه، ويزوره أكثر من مرة في الأسبوع، ويطلعه على أسراره، ويستصحبه في أسفاره لاعتقاده التام به (^١).
وانتشرت الخرافات والخزعبلات والأباطيل، وساد تقديس هؤلاء المخرفين من الأشياخ.
في هذه البيئة ولد الحافظ ومؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وأصله تركماني، من أسرة تركمانية تنتهي بالولاء إلى بني تيم.
وقد نشأ الذهبي ﵀ في عائلة علمية متدينة؛ فوالده أحمد بن عثمان بن قايماز ابن الشيخ عبد الله التركماني، الفارقي الأصل -وهي من أشهر مدن ديار بكر- ثم الدمشقي، شهاب الدين الذهبي. قال الحافظ في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٧٥ - (٧٦) ":
والدي أحسن الله جزاءه ولد سنة إحدى وأربعين وستمائة تقريبا " (٦٤١) هـ-١٢٤٣ م" وبرع في دق الذهب وحصل منه ما أعتق منه خمس رقاب، وسمع الصحيح في سنة ست وستين وستمائة " (٦٦٦) هـ-١٢٦٧ م" من المقداد القيسي، وحج في أواخر عمره. وكان يقوم من الليل، وتوفي في آخر جمادى الأولى سنة سبع وتسعين وستمائة " (٦٩٧) هـ-١٥ مارس (١٢٩٨) م" ليلة الجمعة وصلى عليه الخلق يؤمهم قاضي القضاة ابن جماعة.
وكان جده عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الفارقي ثم الدمشقي نجارا. قال الحافظ الذهبي عنه في "معجم شيوخه الكبير" "١/ (٤٣٦) ":
رجل أمي حسن اليقين بالله -والله يغفر له- سمعت الشيخ أبا الحسن بن العطار يقول لي: كان جدك الفخر يسأل الله أن يتوفاه ليلة الجمعة، فأعطاه الله ذلك. قلت -أي الحافظ الذهبي: شهدت دفنه بسفح قاسيون عقيب الجمعة في سنة ثلاث وثمانين " (٦٨٣) هـ-١٢٨٤ م". وكان يرحمه الله يدميني في النطق بالراء فيقول: قل "جرة برا جرة جوا" وكثيرا ما كنت أسمعه يقول: يا مدبري ولم أدر. مات في عشر السبعين، ومات أبوه الحاج قايماز في سنة إحدى وستين وستمائة " (٦٦١) هـ-١٢٦٣ م" وقد أضر ودخل في الهرم وجاوز المائة بيسير.
وأما خاله، وقد كان من مشايخه الذي أوردهم في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٢٧ -
_________________
(١) تاريخ الإسلام للذهبي.
[ ١ / ١٣ ]
٢٨" وقال: علي بن سنجر بن عبد الله الموصلي ثم الدمشقي الذهبي، الحاج المبارك أبو إسماعيل خالي. مولده سنة ثمان وخمسين وستمائة "٦٥٨ هـ ١٢٦٠ م".
وسمع بإفادة مؤدبه ابن الخباز من أبي بكر الأنماطي، وبهاء الدين أيوب الحنفي، وست العرب الكندية وسمع معي ببعلبك من التاج عبد الخالق وجماعة. وكان ذا مروءة وكد على عياله وخوف من الله. توفي في الثالث والعشرين من رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة "٧٣٦ هـ ١٣٣٦ م".
وكان زوج خالته فاطمة، وهو من شيوخه الذين أوردهم في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٦٨" فقال ﵀: أحمد بن عبد الغني بن عبد الكافي بن عبد الوهاب بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري الذهبي ابن الحرستاني. مات بمصر سنة سبعمائة "٧٠٠ هـ-١٣٠٠ م" في عشر الستين، وهو زوج خالتي فاطمة، وكان حافظا للقرآن كثير التلاوة.
وكانت عمته وهي من شيوخه التي أوردها في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ٢٨٤ - ٢٨٥": قال الحافظ ﵀: ست الأهل بنت عثمان بن قايماز بن عبد الله، أم محمد، مولدها في ذي القعدة سنة ثلاثة وخمسين وستمائة "٦٥٣ هـ-١٢٥٥ م"، وهي أمي من الرضاعة.
أجاز لها ابن أبي اليسر، وجمال الدين بن مالك، وزهير بن عمر الزرعي، وجماعة.
وسمعت من عمر بن القواس، وغيره.
أقعدت مدة وتوفيت سنة تسع وعشرين في شعبان "٧٢٩ هـ-١٣٢٩ م".
وكان شيخه ومؤدبه كما قال في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٥٢ - ٥٣":
علي بن محمد الحلبي علاء الدين البصبص، مؤدبي. كان من أحسن الناس خطا وأخبرهم بتعليم الصبيان. أقمت في مكتبه أعوام، وتعلم عنده خلائق، ولم يكن في دينه بذاك. مات في حدود سنة تسعين وستمائة "٦٩٠ هـ-١٢٩١ م" عن نحو من ثمانين سنة.
وأنشده مؤدبه علي بن محمد في سنة اثنين وثمانين وستمائة "٦٨٢ هـ-١٢٩١ م" شعرا لأبي محمد القاسم بن علي الحريري.
ثم اتجه الذهبي بعد ذلك إلى شيخ آخر، قال في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٣٣٩ -
[ ١ / ١٤ ]
٣٤٠": مسعود بن عبد الله الأغزازي المقرئ الصالح. لقنني جميع القرآن ثم جردت عليه نحوا من أربعين ختمة، وقال لي: إنه قرأ لأبي عمر على الشيخ زين الدين الزواوي. وكان خيرا متواضعا، لقن خلقا. وكان إمام مسجد بالشاغور. مات في سنة عشرين وستمائة [٦٢٠ هـ-١٢٢٣ م] وله ست وثمانون سنة.
ذلكم هي البيئة العلمية التي نشأ الحافظ الذهبي ﵀ في أحضانها وترعرع فيها وشرب منها حتى اشتد عوده.
لقد بدأ الذهبي ﵀ في طلب العلم في سن الثانية عشرة، فتعلم القراءات.
قال ﵀ في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ١٣٥" عن شيخه الذي درس عليه القراءات: إبراهيم بن داود بن ظافر بن ربيعة، شيخنا جمال الدين أبو إسحاق العسقلاني ثم الدمشقي الفاضلي الشافعي شيخ القراء.
مولده في صفر سنة اثنتين وعشرين وستمائة "٦٢٢ هـ-١١٢٥ م" وسمع من ابن الزبيدي، وابن اللتي، والإربلي، ومن بعدهم، وصحب الشيخ علم الدين السخاوي مدة وجمع عليه بالسبع سبع ختم وانتفع به وتصدر للإقراء بالتربة الصالحية بعد ابن أبي زهران ثم حصل له فالج فكان يقرئ بمنزله، فقصدته في سنة إحدى وتسعين وستمائة "٦٩١ هـ-١٢٩١ م" أنا، وابن بضحان، وابن غدير، وشمس الدين الزنجبيلي. وشرع كل منا في الجمع الكبير -وهي القراءة الجامعة للروايات السبع- فانتهيت عليه إلى أواخر القصص، وأجاز لي مروياته، وأنشدنا أشياء منها نونية السخاوي. وسمعت منه بعض شرح الشاطبية بسماعه من السخاوي.
كما قرأ أيضا الجمع الكبير على شيخه إبراهيم بن غالي بن شاور البدوي الحميري الشافعي المتوفى سنة "٧٠٨ هـ" كما ذكر في "معجم شيوخه الكبير" "١/ ١٤٨ - ١٤٩".
كما قرأ أيضا القراءات السبع على شيخه أبي عبد الله بن جبريل المصري قال الحافظ الحسيني في "ذيل تذكرة الحفاظ" "ص ٣٦": وقد جمع القراءات السبع على الشيخ أبي عبد الله بن جبريل المصري نزيل دمشق، فقرأ عليه ختمة جامعة لمذاهب القراء السبعة بما اشتمل عليه كتاب التيسير لأبي عمرو الداني، وكتاب حرز الأماني لأبي القاسم الشاطبي.
لقد أصبح الحافظ الذهبي وهو لم يتجاوز العشرين من عمره عالما في القراءات، فأجازه
[ ١ / ١٥ ]
شيخ القراءات محمد بن أحمد بن خليل بن سعادة، قاضي القضاة شهاب الدين أبو عبد الله الدمشقي الشافعي. فقال في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ١٤٤" عنه: هو إمام بارع متفنن مصنف حاو للفضائل. ولد سنة ست وعشرين وستمائة "٦٢٦ هـ ١٢٢٩ م" وسمع من ابن اللتي، والسخاوي، وابن الصلاح، وغيرهم وأجاز له خلق كثير جلست بين يديه وسألني عن غير ما مسألة من القراءات، فمن الله وأجبته، وشهد في إجازتي من الحاضرين وأجاز لي مروايته. مات في رمضان سنة ثلاث وتسعين وستمائة "٦٩٣ هـ-١٢٩٤ م".
واستمر الحافظ ﵀ في دراسة علم القراءات، فتعلم من شيخه محمد بن جوهر ابن محمد بن مالك المقرئ المجود، أبي عبد الله التلعفري الصوفي الملقن المولود سنة خمس عشرة وستمائة "٦١٥ هـ-١٢١٨ م". وكان قد جود القرآن على أبي إسحاق بن وثيق الأندلسي كما صنف مقدمة في التجويد كتبها الحافظ الذهبي عنه في سنة إحدى وتسعين وستمائة "٦٩١ هـ-١٢٩٦ م" كما درس القراءات السبع على شيخه محمد بن منصور بن موسى الإمام المقرئ النحوي شمس الدين أبي عبد الله الحلبي الحاضري الشافعي، أحد المتصدرين بالعادلية وبالجامع الأموي.
قال الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٢٩٠ - ٢٩١": قرأ بجماعة، كتب على الكمال الضرير، والدهان. ولازم ابن مالك، وأخذ عنه جملة من العربية. قرأت عليه بالسبع أنا وابن غدير. مات في صفر سنة سبعمائة "٧٠٠ هـ-١٣٠١ م" وقد قارب السبعين.
لقد أصبح الحافظ الذهبي عالما في القراءات، فترى الحافظ الإمام المقرئ محمد بن عبد العزيز الدمياطي ينزل له عن حلقته. قال الحافظ في "معجم شيوخه الكبير" "٢/ ٢١٨":
أكملت على شيخنا الإمام المقرئ محمد بن عبد العزيز الدمياطي القراءات أنا، وابن غدير، والشيخ بدر الدين. وكان حسن الأخلاق طويل الروح، نزل لي عن حلقته في مرضه الذي مات فيه سنة "٦٩٣ هـ-١٢٩٣ م".
وطلب الحافظ الذهبي ﵀ الحديث وله ثماني عشرة سنة فسمع بدمشق من عمر ابن القواس، وأحمد بن هبة الله بن عساكر، ويوسف بن أحمد الغسولي، وغيرهم.
وببعلبك من عبد الخالق بن علوان، وزينب بنت عمر بن كندي، وغيرهما.
وبمصر من الأبرقوهي، وعيسى بن عبد المنعم بن شهاب، وشيخ الإسلام ابن دقيق العيد، والحافظين أبي محمد الدمياطي، وأبي العباس بن الظاهري، وغيرهم.
[ ١ / ١٦ ]
ولما دخل إلى شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، وكان المذكور شديد التحري في الإسماع، قال له: من أين جئت؟ قال: من الشام، قال: بم تعرف؟ قال: بالذهبي، قال: من أبو طاهر الذهبي؟ فقال له: المخلص، فقال: أحسنت، فقال: من أبو محمد الهلالي؟ قال: سفيان بن عيينة، قال: أحسنت، اقرأ، ومكنه من القراءة عليه حينئذ إذ رآه عارفا بالأسماء.
وسمع بالإسكندرية من أبي الحسن علي بن أحمد الغرافي، وأبي الحسن يحيى بن أحمد بن الصواف، وغيرهما.
وبمكة من التوزري وغيره.
وبحلب من سنقر الزيني وغيره.
وبنابلس من العماد بن بدران.
وأجاز له أبو زكريا ابن الصيرفي، وابن أبي الخير، والقطب ابن عصرون، والقاسم بن الإربلي.
وفي شيوخه كثرة، فلا نطيل بتعدادهم.
وسمع منه الجمع الكثير، وما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير الشمس، إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليالي.
وأقام بدمشق يرحل إليه من سائل البلاد، وتناديه السؤالات من كل ناد، وهو بين أكنافها كنف لأهلها، وشرف تفتخر وتزهى به الدنيا وما فيها، طورا تراها ضاحكة عن تبسم أزهارها وقهقهة غدرانها، وتارة تلبس ثوب الوقار والفخار، بما اشتملت عليه من إمامها المعدود في سكانها (^١).
وقال الحافظ السيوطي في "ذيله على تذكرة الحفاظ" "ص ٣٤٧ - (٣٤٨) ": طلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير، ورحل وعنى بهذا الشأن، وتعب فيه، وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمه، وتلا بالسبع، وأذعن له الناس حكى عن شيخ الإسلام أبي الفضل ابن حجر أنه قال: شربت ماء زمزم لأصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ … والذي أقوله: إن
_________________
(١) طبقات الشافعية للسبكي "٩/ ١٠٢ - ١٠٣".
[ ١ / ١٧ ]
المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر.