قسم الحافظ كتاب السير إلى خمس وثلاثين طبقة في أربعة عشر مجلدا، ولم يسر فيه على نسق واحد، فالطبقة الثالثة والثلاثون تمتد من سنة "٦١٨ هـ" وهي سنة وفاة ابن راجح الجماعيلي الحنبلي إلى سنة "٦٣٥ هـ" وهي سنة وفاة مكرم بن محمد بن حمزة بن أبي الصقر.
فاستوعبت هذه الطبقة سبعة عشر عاما.
وأما الطبقة الرابعة والثلاثون فبدأت من سنة "٦٣٦ هـ" وهي سنة وفاة أبي الفضل جعفر ابن علي الهمداني إلى سنة "٦٥٢ هـ" وهي سنة وفاة ابن علان القيس الدمشقي. وقد استوعبت ستة عشر عاما.
أما الطبقة الخامسة والثلاثون فبدأت من سنة "٦٥٣ هـ" وهي سنة وفاة إسماعيل بن حامد القوصي إلى سنة "٧٣٩ هـ". وهي سنة رؤية الحافظ الذهبي ﵀ لقليج قان ولد المعز عند قاضي القضاة تقي الدين السبكي. فاستوعبت هذه الطبقة ستة وثمانين عاما بينما امتدت
[ ١ / ٩٥ ]
الطبقة التاسعة عشرة من سنة "٣٣٤ هـ" وهي سنة وفاة الوزير العادل علي بن عيسى بن داود بن الجراح، وحتى سنة "٣٤٣ هـ"، وهي سنة وفاة أبي العباس محمد بن إسحاق الضبعي، فاستوعبت هذه الطبقة تسع سنوات حسب.
وقد تناولت هذه الطبقات الخمس والثلاثون جميع العصور من أول عصر الصحابة إلى عصر المؤلف.
وقد بلغت عدد تراجم المترجمين "٥٩٦٤" ترجمة، وقد كرر بعض هذه التراجم، وقد ترجم فيها لجميع الأعلام في مشارق الأرض ومغاربها من ملوك، وخلفاء، وأمراء، ووزراء، وأطباء ومحدثين وفقهاء ونحاة وشعراء وزهاد وفلاسفة ومتكلمين غير أن اهتمامه الأكبر كان بالمحدثين الذي عني بهم أيما عناية فقد كان ﵀ شديد الإجلال والإكبار لهم، ولا غرو فهم الذين ينافحون عن السنة المشرفة، ومعرفة تراجم هؤلاء المحدثين وبيان شيوخهم وتلامذتهم، كلام العلماء عليهم جرحا وتعديلا مما يساعد في دراسة الأسانيد، والحكم عليها بما يليق بها من صحة أو ضعف ونحوه.
كما جعل الحافظ الصحابة طبقة واحدة، لكنه قسم الصحابة إلى قسمين؛ قسم كبار الصحابة، وقسم لصغار الصحابة، لكنه وضع تراجم العشرة المبشرين بالجنة في مقدمة تراجم الصحابة. ولم يرتب بقية الصحابة تبعا للحوادث الزمنية؛ فجعل الحافظ الذهبي تراجم أمهات المؤمنين وبنات رسول الله ﷺ في مواضع متتالية -ليكون القارئ على علم بسيرهم- لكنه وضع ترجمة أم المؤمنين سودة بنت زمعة التي تزوجها رسول الله ﷺ بعد خديجة ﵂ وضعها بعد ترجمة جويرية، ووضع ترجمة عائشة في إثر ترجمة خديجة ﵄ فلم يرتب التراجم على الأحداث الزمنية، ولم يسر على نسق خاص في ترتيب تراجم الصحابة، ﵃.
وقسم الحافظ رحمه الله تعالى التابعين إلى ست طبقات طبقة كبراء التابعين، وتبدأ من مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية المتوفى سنة "٦٥ هـ" وتنتهي في سنة "٩٣ هـ" وهي السنة التي توفي فيها صفوان بن محرز.
ثم الطبقة الثانية من التابعين؛ وتبدأ بأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والمتوفى سنة "٩٤ هـ" والتي امتدت إلى سنة "١٠٧ هـ"، وهي السنة التي مات فيها الشاعر الفحل كثير عزة.
[ ١ / ٩٦ ]
ثم الطبقة الثالثة من التابعين؛ والتي بدأها بمعاوية بن قرة، المتوفى سنة "١١٣ هـ"، والتي امتدت إلى سنة "١٢٧ هـ" والتي مات فيها أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي.
أما الطبقة الرابعة من التابعين؛ والتي بدأها بمنصور بن المعتمر، المتوفى سنة "١٣٣ هـ"، وامتدت إلى سنة "١٥٠ هـ" والتي توفي فيها حبيب المعلم.
ثم الطبقة الخامسة من التابعين؛ والتي بدأها بجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، والمتوفى سنة "١٢٨ هـ"، وامتدت إلى سنة "١٥٦ هـ"، والتي توفي فيها عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي.
أما الطبقة السادسة من التابعين؛ وهي طبقة صغار التابعين، والتي بدأها بسعيد بن أبي عروبة، والمتوفى في سنة "١٥٦ هـ"، وامتدت إلى سنة "١٦١ هـ"، وهي السنة التي توفي فيها يزيد بن إبراهيم التستري، أبو سعيد البصري.
والملاحظ أنه لم يرتب التراجم في الطبقات على سنة الوفاة، فتراه مثلا ينهي الطبقة الرابعة بحبيب المعلم المتوفى سنة "١٥٠ هـ"، ويبدأ الطبقة الخامسة بجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المتوفى سنة "١٢٨ هـ".
وقد جمع الحافظ ﵀ بين الإخوة والأقارب في طبقة واحدة، جمع في الطبقة الثانية من التابعين بين أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المتوفى سنة "١٠٤ هـ"، وأخيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، المتوفى سنة "٩٦ هـ" لكنه وضع ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن قبل ترجمة أخيه إبراهيم بن عبد الرحمن، وبين وفاتيهما ثماني سنوات، وكان الأولى أن يقدم إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الذي توفي قبل أخيه أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والذي تأخر عنه في الوفاة، فلم يراع سنة الوفاة بينهما.
كما في الطبقة الثامنة والعشرين بين أخوين، وهما الملك شهاب الدين أبي القاسم محمود بن تاج الملوك بوري بن الأتابك طغتكين الذي قتل في سنة "٥٣٣ هـ"، وأخيه جمال الدين أبي المظفر محمد الذي توفي بعد أخيه بعشرة أشهر.
كما يجمع الحافظ بين الآباء والأبناء في طبقة واحدة، وإن تباعدت سني وفاتهم، ففي الطبقة الثلاثين وضع ترجمة قاضي القضاة أبي طالب روح بن أحمد بن محمد بن أحمد الحديثي البغدادي المتوفى سنة "٥٧٠ هـ" وأعقبه بابنه أبي المعالي عبد الملك بن روح، المتوفى
[ ١ / ٩٧ ]
سنة "٥٧٠ هـ"، وبين قاضي القضاة كمال الدين أبي الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم بن مظفر بن الشهرزوري الموصلي، المتوفى سنة "٥٧٢ هـ" وابنه قاضي القضاة أبي حامد محمد، المتوفى سنة "٥٨٦ هـ" مع التباعد بين سنتي وفاتيهما.
وفي الطبقة الثلاثين أيضا جمع بين أبي المحامد حماد بن إبراهيم بن إسماعيل بن الصفاري، المتوفى سنة "٥٧٦ هـ"، وأبيه العلامة ركن الدين أبي إسحاق إبراهيم، ولم يذكر له الحافظ سنة وفاة. وقد وضع ترجمتيهما متتاليتين.
وفي الطبقة الثلاثين أيضا جمع بين السلطان صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذي بن مروان، المتوفى سنة "٥٨٩ هـ"، وجمعه مع بنيه في تراجم متتالية، وهم أبو الفتح عماد الدين عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، المتوفى سنة "٥٩٥ هـ"، وابنه الفاضل أبو الحسن علي بن يوسف، المتوفى سنة "٦٢٢ هـ"، وابنه الظاهر سلطان حلب، غياث الدين أبو منصور، غازي ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، المتوفى سنة "٦١٣ هـ". وقد جمع الحافظ بينهم مع تباعد سني وفاتهم ووفاة أبيهم السلطان صلاح الدين.
ثم ذكر الحافظ أخا السلطان صلاح الدين في نفس الطبقة، وهو صاحب اليمن سيف الإسلام، طغتكين بن أيوب بن شاذي، المتوفى في شوال سنة "٥٩٣ هـ".
لقد كان الذهبي ذا علم ثر في كتابة التراجم، ولا غرو فهو الذي ألف تاريخ الإسلام الذي حوى تراجم كثيرة، وتذكرة الحفاظ، والعبر، وميزان الاعتدال، وغيرها من كتب التراجم، فكان ﵀ موسوعة معرفية في هذا العلم، وكان من بعده من العلماء وطلاب العلم عيال على هذه الكتب التي أثرت المكتبة الإسلامية، وأغنت العلماء في مجال طالما يحتاجون إليه في دراساتهم الحديثية والتاريخية. ولطالما بحثت عن ترجمة لأحد العلماء أو رواة الأحاديث فلم أجدها في كتب متداولة، وأقف على طلبتي في "السير"، فلا ريب أنه كتاب واسع استوعب كثيرا من تراجم الأعلام؛ ملوك وخلفاء وأمراء وولاة ووزراء وأطباء ومحدثين وفقهاء ونحاة، وشعراء، وزهاد، وفلاسفة ومتكلمين في مشارق الأرض ومغاربها لكنه عني أيما عناية بتراجم المحدثين الذين كان عظيم الإجلال والإكبار لهم، فهم الذين يحمون بيضة الإسلام، وينافحون عن حياض السنة المشرفة المصدر الثاني للتشريع، ودراسة تراجم هؤلاء المحدثين، ومعرفة شيوخهم وتلامذتهم وكلام العلماء عليهم جرحا وتعديلا مما يعوزه كل دارس للأسانيد؛ لكي يقف على درجة من صحة أو ضعف وغيره.
[ ١ / ٩٨ ]
وقد اعتنى الحافظ الذهبي ﵀ بنقد المترجمين، والرد على بعض الأخطاء والانحرافات العقدية والفقهية والحديثية يراه القارئ الكريم في ردوده المبثوثة في تراجم الكتاب. وقد ذكرت مبحثا خاصا في هذه التقدمة لآرائه العقدية والفقهية والحديثية، وذكرت بعضا من أقوال المترجمين وتعقب الحافظ الذهبي لهم، ورده عليهم بالأدلة النقلية والعقلية التي يقيم بها الحجة ساطعة على مخالفيه مما يدل على رسوخ قدمه في العلوم الشرعية وتمكنه فيها.
وقد اعتنى الحافظ أيضا بنقد المترجمين من رواة الأحاديث فيورد كلام علماء الجرح والتعديل في الرجل المترجم له، وقد يرجح رأيا على آخر في الرجل ويدلل عليه؛ فيقول الحافظ ﵀ في "السير" "٦/ ٥٦٣": قال أحمد بن حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكا لم يأخذ بحديث "البيعان بالخيار" فقال: يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، ثم قال أحمد: هو أورع وأقول بالحق من مالك.
فتعقبه الذهبي "٦/ ٥٦٤" بقوله:
قلت: لو كان ورعا كما ينبغي، لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث، لأنه رآه منسوخا. وقيل: عمل به، وحمل قوله: "حتى يتفرقا" على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث له أجر ولا بد، فإن أصاب، ازداد أجرا آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاد الحرورية -أي الخوارج- وبكل حال: فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما ﵄ ولم يسندها الإمام أحمد، فلعلها لم تصح.
وقال في "السير" "٦/ ٥٦٧":
قال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: ما حال ابن أبي ذئب في الزهري؟ فقال: ابن أبي ذئب ثقة.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: هو ثقة مرضي، وقد قال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سألت عليا عنه، فقال: كان عندنا ثقة، وكانوا يوهنونه في أشياء رواها عن الزهري. وسئل عنه أحمد، فوثقه، ولم يرضه في الزهري.
[ ١ / ٩٩ ]
وتراه يرجح بين راو حافظ، وراو آخر من معاصريه، فقال في "السير" "٧/ ١٠٧": كان حماد بن سلمة بحرا من بحور العلم، وله أوهام في سعة ما روى، وهو صدوق، حجة -إن شاء الله- وليس هو في الإتقان كحماد بن زيد، وتحايد البخاري إخراج حديثه إلا حديثا خرجه في الرقاق، فقال: قال لي أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي. ولم ينحط حديثه عن رتبة الحسن. ومسلم روى له في الأصول، عن ثابت وحميد، لكونه خبيرا بهما.
ثم عقد الحافظ الذهبي ﵀ فصلا في "السير" "٧/ ١١٨" وهو في غاية الأهمية لكل علماء الحديث وطلابه في التمييز بين الحمادين: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وفي التمييز بين السفيانين: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة. وهذا يبين سعة علمه ﵀ وعلو كعبه في علوم الحديث.
كما انتقد الحافظ ﵀ بعض علماء الجرح والتعديل في توثيق الرجال وتجريحهم فقال ﵀ في "السير" "٧/ ٥٨٣": كان يحيى بن سعيد القطان متعنتا في نقد الرجال، فإذا رأيته قد وثق شيخا، فاعتمد عليه، أما إذا لين أحدا فتأن في أمره حتى ترى قول غيره فيه، فقد لين مثل إسرائيل، وهمام وجماعة احتج بهم الشيخان.
وقال في "الميزان" "١/ ٦١":
لا يلتفت إلى قول الأزدي، فإن في لسانه في الجرح رهقا.
وقال في "السير" "٧/ ٥٩٩":
وهم أبو حاتم حيث حكى أن البخاري تكلم في أبي تميلة، ومشى على ذلك أبو الفرج ابن الجوزي. ولم أر ذكرا لأبي تميلة في كتاب "الضعفاء" للبخاري لا في الكبير ولا الصغير. ثم إن البخاري قد احتج بأبي تميلة، وقد كان محدث مرو مع الفضل ابن موسى السيناني.
ويبين الحافظ ﵀ متن يرد حديث المختلط، فيقول -رحمه الله تعالى- في "السير" "٨/ ٣٦٥": كل تغير يوجد في مرض الموت، فليس بقادح في الثقة، فإن غالب الناس يعتريهم في المرض الحاد نحو ذلك، ويتم لهم وقت السياق وقبله أشد من ذلك، وإنما المحذور أن يقع الاختلاط بالثقة، فيحدث في حال اختلاطه بما يضطرب في إسناده، أو متنه، فيخالف فيه.
[ ١ / ١٠٠ ]
وانتقد ﵀ أحاديث في "المسند" لم ترد في "الصحيحين" فقال في "السير" "٩/ ٢٨٤": في الصحيحين أحاديث قليلة ليست في "المسند"، لكن قد يقال: لا ترد على قوله، فإن المسلمين ما اختلفوا فيها، ثم ما يلزم من هذا القول: أن ما وجد فيه أن يكون حجة، فيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها، وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة، ولكنها قطرة في بحر. وفي غضون "المسند" زيادات جمة لعبد الله بن أحمد.
وينتقد الأحاديث التي وردت في كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي؛ فقال في "السير" "١٤/ ٢٧٦": كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي فيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب، ورسوم، وزهد من طرائق الحكماء، ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علما نافعا.
وتراه ينتقد أحاديث سنن ابن ماجه؛ فقال في "السير" "١٠/ ٣٧٤": قد كان ابن ماجه حافظا ناقدا صادقا، واسع العلم، وإنما غض من رتبة "سننه" ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات. وفيه أحاديث لا تقوم بها حجة نحو الألف.
وكثيرا ما يورد الحافظ -رحمه الله تعالى- في تراجم علماء الحديث ورواته أحاديث رووها بأسانيد لأنفسهم، فيعقب الحافظ عليها فيقول مثلا: إسناده واه، أو إسناده ضعيف، أو إسناده صحيح، ونحو ذلك. وقد وقع هذا كثيرا في تراجم رواة الأحاديث ولا يترك الحافظ هاتيك الأحاديث دون نقد لها، أو حكم على أسانيدها فكثير ما يقول: هذا حديث صحيح، أو ضعيف، أو موضوع.
وهذا وفق ما يراه من حال هاتيك الأحاديث التي سبر حالها فقال ﵀ في "السير": في "٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨": قيل: إن كل حديث فيه يا حميراء، لم يصح، وأوهى ذلك تشميس الماء، وقول النبي ﷺ لها: "لا تفعلي يا حميراء، فإنه يورث البرص". فإنه خبر موضوع.
لذا فقد قال الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني ﵀: أعجبني منه ما يعانيه في تصانيف من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يتبين ما فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعى هذه الفايدة فيما يورده. وأورد هذا الحافظ صلاح الدين الصفدي، تلميذ الذهبي في كتابه "الوافي بالوفيات" "٢/ ١٦٣".
[ ١ / ١٠١ ]
ويبين بلسان وقلم الناقد الحاذق أن كلام الأقران بعضهم في بعض غير مقبول، فيقول ﵀ في "السير" "٦/ ٤٩٦": لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر. ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة، وقد علم أن كثيرا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر، لا عبرة به، ولا سيما إذا وثق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف.
ومحمد بن إسحاق، ومالك بن أنس كل منهما قد نال من صاحبه، لكنه أثر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة، وارتفع مالك، وصار كالنجم، والآخر فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما في أحاديث الأحكام، فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذ فيه، فإنه يعد منكرا.
هكذا يبين قلمه ولسانه عن موهبة نقدية تنبئ عن علم ثر في الجرح والتعديل، وسائر علوم الحديث، وهي انتقادات منصفة ليس فيها حيف أو انحراف عن الجادة.
وقد أطال الحافظ ﵀ بعض تراجم الأعلام وقصر بعضا آخر، وذلك حسب حال المترجم ومنزلته العلمية أو الأدبية أو الاجتماعية، وقد اتبع منهجا خاصا في صياغة الترجمة فيذكر لقب المترجم وكنيته واسمه ونسبته، ثم يذكر تاريخ ولادته، وشيوخه، وتلاميذه، كما يذكر مؤلفاته وآثاره العلمية، ثم يذكر مكانته العلمية من خلال أقوال العلماء فيه، ثم يذكر تاريخ الوفاة، وربما يذكر عدة أقوال في تاريخ وفاة المترجم، ويرجح بينها. ويذكر من مات مع هذا المترجم في هذه السنة من الأعلام.
تاسعا: أهمية كتاب السير بين كتب التراجم:
لا جرم أن كتاب سير أعلام النبلاء من أعظم كتب التراجم التي حوت قدرا كبيرا من تراجم الأعلام في مشارق الأرض ومغاربا خلفاء، وملوك وأمراء ووزراء وأطباء، ومحدثين وفقهاء ونحاة وشعراء وزهاد وفلاسفة ومتكلمين أوعب فيها الحافظ -رحمه الله تعالى- تراجم حقبة كبيرة من الزمن ربت على السبعمائة عام من عصر الصحابة ﵃ إلى عصره الذي عاش فيه، وهي موسوعة معرفية هامة ينهل منها كل المتخصصين في التاريخ، والحديث، والنحو والشعر والفلسفة وعلم الكلام، وغيرها من المعارف.
[ ١ / ١٠٢ ]
وهذا الكتاب الفذ يعد تصويرا صادقا لا كانت عليه الأمة الإسلامية من تقدم وازدهار في كافة العلوم المعرفية، فهؤلاء هم علماء الأمة ومؤرخوها وشعراؤها الذين لا يزالون مفخرة للعرب والمسلمين في مختلف العصور، فما وجد هذا الحشد الهائل من العلماء، والمؤرخين، والنحاة والشعراء وغيرهم في أمة من الأمم.
وهؤلاء هم الملوك والأمراء الذين فتحوا البلاد، ونافحوا عن المقدسات، قد سطر التاريخ بطولاتهم بأحرف من نور يستضيء بسيرتهم أبناء الأمة الإسلامية من ملوك ورؤساء وعلماء فلا جرم أن يكونوا مفخرة للعرب والمسلمين في مختلف الدهور والعصور.
إن هذا الكتاب الفذ بهذا الحشد الهائل من العلماء، والمؤرخين، والشعراء لخير شاهد على أن أمة أنجبت هذا الحشد الكبير لهي أمة تقدس العلم والمعرفة، وهي حقيقة بأن ينظر إليها بعين الإجلال والإكبار.
ولا جرم أن هذا الكتاب بهذا الحجم الضخم من التراجم سيكون مقصد كل متعلم وباحث عن المعرفة فإذا أراد التوسع في سيرة أي علم من الأعلام فسيجد طلبته ومقصده في هذا الكتاب، وإذا لم يجد ترجمة في الكتب المتداولة فسيجدها في هذا الكتاب العظيم.
إن هذا الكتاب العظيم بهذه التراجم الكثيرة، والتي توسع فيها عن تراجم "تاريخ الإسلام" بأخباره الكثيرة، ومادته العلمية الثرة لهو حقيق بإجلال وإكبار كل العلماء على مختلف تخصصاتهم العلمية. فرحم الله عالمنا الحافظ الذهبي الذي ختم حياته بهذا المؤلف العظيم رحمة واسعة، وحشرنا في زمرته إنه سميع مجيب كريم جواد.