كان الحافظ الذهبي ﵀ أمة وحده في الحديث، والفقه، والعقيدة، وسائر العلوم الشرعية، وأثنى عليه كل من رآه ثناء حسنا نسوق بعضا منه:
قال الصفدي: في "الوافي بالوفيات" "٢/ (١٦٣) ":
الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله الذهبي حافظ لا يجارى، ولافظ لا يبارى أتقن الحديث ورجاله ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الإبهام في تواريخهم والإلباس، ذهن يتوقد ذكاؤه، ويصح إلى الذهبي نسبته وانتماؤه، جمع الكثير ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف ووفر بالاختصار مؤنة التطويل في التأليف، وقف الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني ﵀ على تاريخه الكبير المسمى بـ"تاريخ الإسلام" جزءا بعد جزء إلى أن أنهى مطالعته، وقال: هذا كتاب عليم، اجتمعت به، وأخذت عنه، وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه، ولم أجد عنده جمود المحدثين، ولا كودنة (^١) النقلة، بل هو
_________________
(١) كودنة: بلادة.
[ ١ / ٣٠ ]
فقيه النظر له دربة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات، وأعجبني منه ما يعاينه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يتبين ما فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده.
وقال الحافظ أبو المحاسن الحسيني الدمشقي في "ذيله على تذكرة الحفاظ" "ص ٣٥ - ٣٦":
مصنفاته ومختصراته وتخريجاته تقارب المائة، وقد سار بجملة منها الركبان في أقطار البلدان، وكان أحد الأذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين، ولي مشيخة الظاهرية قديما، ومشيخة النفيسية، والفاضلية، والتنكزية، وأم الملك الصالح، ولم يزل يكتب وينتقي ويصنف حتى أضر في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة بدمشق، ودفن بمقبرة الباب الصغير رحمه الله تعالى، وكان قد جمع القراءات السبع على الشيخ أبي عبد الله بن جبريل المصري نزيل دمشق فقرأ عليه ختمة جامعة لمذاهب القراء السبعة بما اشتمل عليه كتاب التيسير لأبي عمرو الداني، وكتاب حرز الأماني لأبي القاسم الشاطبي، وحمل عنه الكتاب والسنة خلائق والله -تعالى- يغفر له.
وقال الحافظ ابن حجر: شربت ماء زمزم لأصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ.
وقال الحافظ السيوطي في "ذيله على تذكرة الحفاظ" "ص ٣٤٧ - ٣٤٨":
الإمام الحافظ محدث العصر وخاتمة الحفاظ ومؤرخ الإسلام وفرد الدهر والقائم بأعباء هذه الصناعة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني ثم الدمشقي المقرئ ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة وطلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير ورحل، وعني بهذا الشأن وتعب فيه وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمه، وتلا بالسبع، وأذعن له الناس. والذي أقوله إن المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر.
وقال تاج الدين السبكي في "الطبقات" "٩/ ١٠٠ - ١٠١ و١٠٣":
اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ بينهم عموم وخصوص: المزي، والبرزالي، والذهبي والشيخ الإمام الوالد، لا خامس لهم في عصرنا فأما أستاذنا أبو عبد الله
[ ١ / ٣١ ]
التركماني الذهبي بصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظا، وذهب العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها وكان محط رحال تغيبت، ومنتهى رغبات من تغيبت. تعمل المطي إلى جواره، وتضرب البزل المهاري أكبادها فلا تبرح أو تنبل نحو داره. وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة وأدخلنا في عداد الجماعة، جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وجعل حظه من غرفات الجنات موفر الأجزاء، وسعده بدرا طالعا في سماء العلوم، يذعن له الكبير والصغير من الكتب، والعالي والنازل من الأجزاء. وسمع منه الجمع الكثير، وما زال يخدم هذا الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير الشمس، إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليال.
وأقام بدمشق يرحل إليه من سائر البلاد، وتناديه السؤالات من كل ناد، وهو بين أكنافها كنف لأهليها، وشرف تفتخر وتزهى به الدنيا وما فيها، طورا تراها ضاحكة عن تبسم أزهارا، وقهقهة غدرانها، وتارة تلبس ثوب الوقار والفخار، بما اشتملت عليه من إمامها المعدود في سكانها.
وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي في "البداية والنهاية" "١٤/ ٢٤٣":
الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عثمان الذهبي وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه ﵀.
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي في "الرد الوافر" "ص ٦٥" وما بعدها:
الشيخ الإمام الحافظ الهمام مفيد الشام، ومؤرخ الإسلام، ناقد المحدثين، وإمام المعدلين والمجرحين، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله التركماني الفارقي الدمشقي ابن الذهبي الشافعي … كان آية في نقد الرجال، عمدة في الجرح والتعديل، عالما بالتفريع والتأصيل، إماما في القراءات، فقيها في النظريات، له دربة بمذاهب الأئمة وأرباب المقالات، قائما بين الخلف بنشر السنة ومذهب السلف وله المصنفات المفيدة، والمختصرات الحسنة، والمصنفات السديدة، وقال شيخه وتلميذه علم الدين البرزالي المتوفى سنة "٧٣٩ هـ":
[ ١ / ٣٢ ]
رجل فاضل، صحيح الذهن، اشتغل ورحل، وكتب الكثير، وله تصانيف واختصارات مفيدة، وله معرفة بشيوخ القراءات.