وقد تلقى عن الحافظ الذهبي ﵀ كثير من العلماء الحفاظ المشهود لهم بالفضل في حياة الذهبي، وانتفعوا به كما جاء في أقوالهم:
١ - فمنهم قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الشافعي. المتوفى سنة " (٧٧١) هـ" كان إماما بارعا مفتنا في سائر العلوم، وله تصانيف شتى. قال في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى" "١/ (١٠١) ": "أستاذنا أبو عبد الله التركماني الذهبي بصر لا نظير له، وكنز هو الملجأ إذا نزلت المعضلة إمام الوجود حفظا، وذهب العصر معنى ولفظا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها وهو الذي خرجنا في هذه الصناعة وأدخلنا في عداد الجماعة جزاه الله عنا أفضل الجزاء وجعل حظه من غرفات الجنان متوفر الأجزاء، وسعده بداره طالعا في سماء العلوم، يذعن له الكبير والصغير من الكتب، والعالي والنازل من الأجزاء".
وقال العلامة ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" "٦/ (٢٢١) ": "قدم دمشق مع والده في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وسمع بها من جماعة، وقرأ على الحافظ المزي ولازم الذهبي وتخرج به".
٢ - ومنهم العلامة قاضي القضاة كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد الزملكاني الدمشقي الشافعي المتوفى سنة " (٧٢٧) هـ". كان إماما علامة بصيرا بمذهبه وأصوله، قوي العربية صحيح الذهن فصيحا أديبا ناظما ناثرا، وله مصنفات كثيرة، وقد أفتى وله نيف وعشرون سنة.
وقد قال ﵀ بعد أن طالع كتاب الحافظ الذهبي "تاريخ الإسلام": هذا كتاب عليم اجتمعت به وأخذت عنه وقرأت عليه كثيرا من تصانيفه، ولم أجد عنده جمود المحدثين، ولا كودنة (^١) النقلة، بل فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة من السلف والخلف وأرباب المقالات.
_________________
(١) كودنة: بلادة.
[ ١ / ٢٨ ]
٣ - ومنهم الشيخ الحافظ تقي الدين محمد بن جمال الدين رافع بن هجرس بن محمد بن شافع السلامي المصري الشافعي المتوفى سنة "٧٧٤ هـ" بدمشق عن ستين سنة، وكان ﵀ إماما في الحديث رحل البلاد وقد سمع من الحافظ الذهبي، ﵀.
٤ - ومنهم الشيخ الإمام البارع الأديب المفتن صلاح الدين أبو الصفاء خليل بن الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله الألبكي الصفدي، الشاعر المشهور، المتوفى سنة "٧٦٤ هـ" بدمشق، وكان إماما بارعا كاتبا ناثرا شاعرا، وديوان شعره مشهور بأيدي الناس وهو من المكثرين. وله مصنفات كثيرة في التاريخ والأدب والبديع وغير ذلك. قال في تاريخه المسمى "الوافي بالوفيات" "٢/ ١٦٣": الشيخ الإمام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي: حافظ لا يجارى، ولافظ لا يبارى … جمع الكثير ونفع الجم الغفير. وقد سمع من الحافظ ﵀ وانتفع به.
٥ - ومنهم الحافظ الناقد ذو التصانيف شمس الدين أبو المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة بن محمد بن ناصر الحسيني الدمشقي الشافعي، والمولود بدمشق سنة "٧١٥ هـ" والمتوفى بدمشق في يوم الأحد سلخ شعبان سنة "٧٦٥ هـ". وقد سمع من الحافظ الذهبي وانتفع به أيما انتفاع، وله مؤلفات وتصانيف كثيرة.
٦ - ومنهم الإمام العالم الحافظ المؤرخ علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد بن يوسف ابن الحافظ زكي الدين البرزالي، المولود سنة "٦٦٥ هـ"، والمتوفى سنة "٧٣٩ هـ" وهو محرم كان فصيحا أديبا يضرب به المثل مع فضله وتواضعه. وقد سمع من الحافظ الذهبي ﵀ وانتفع به.
٧ - ومنهم الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الدمشقي المتوفى سنة "٧٧٤ هـ" صاحب المؤلفات الكثيرة أعظمها تفسيره المشهور المعروف، وكتاب البداية والنهاية وقد نشأ بدمشق وسمع من الحافظ الذهبي، وكثير من علمائها وصفه الحافظ الذهبي في "معجم شيوخه الكبير" بالفقيه المفتي المحدث ذي الفضائل. وقال: خرج وألف وناظر وصنف وفسر، وكان من شيوخ الحافظ الذهبي، ﵀، وقد سمع منه أيضا.
٨ - ومنهم الإمام المفتي الحافظ صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، المولود "٦٩٤ هـ"، والمتوفى سنة "٧٦١ هـ" له مصنفات كثيرة من أبرزها كتاب "جامع التحصيل في أحكام المراسيل"، وهو من أجمع وأحسن ما ألف في موضع الحديث المرسل. وهو من
[ ١ / ٢٩ ]
شيوخ الحافظ الذهبي ﵀ الذين ذكرهم في "معجم شيوخه" ومن تلامذته الذين سمعوا منه، وأخذوا عنه، وانتفعوا به. وتولى تدريس الحديث بالناصرية، والأسدية، ودار الحديث الحمصية، كما ولي التدريس في المدرسة الصلاحية بالقدس، ثم أضيف إليه تدريس الحديث بالتنكزية، كما تولى مشيخة دار الحديث السيفية.
٩ - ومنهم العلامة الحافظ محمد بن عبد الكريم الموصلي الأطرابلسي الشافعي المتوفى سنة " (٧٦٤) هـ" قال الحافظ ابن ناصر الدين في "الرد الوافر" "ص (٦٦) ": لما قدم الحافظ محمد بن محمد بن عبد الكريم دمشق سنة " (٧٣٤) هـ" إلى الحج، قال في الحافظ الذهبي ﵀:
ما زلت بالسمع أهواكم وما ذكرت … أخباركم قط إلا ملت من طرب
وليس من عجب أن ملت نحوكم … فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهب
وقد تخرج بالحافظ الذهبي ﵀ حفاظ كثيرون، لذا قال تلميذه الحافظ الحسيني في "ذيله على تذكرة الحفاظ" "ص (٣٦) ": وحمل عنه الكتاب والسنة خلائق.