لقد كان الذهبي -رحمه الله تعالى- واسع العلم جدا غزير المعرفة في كل العلوم الشرعية من عقيدة، وفقه، وحديث وقراءات، وأصول، وغيرها؛ يظهر ذلك من خلال مؤلفات الكثيرة المتنوعة التي تتركز على الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ الصحيحة، وفهمها على النحو الذي فهمه السلف الصالح، وترك ما يخالفها، وتنقية السنة المشرفة من الزغل الدخيل الذي وضعه الأفاكون وانتحله المبطلون وتجديد ما اندرس من معالم الدين القويم، وتحذير المسلمين من خرافات وترهات الصوفية التي شوهت جمال الدين وبهاءه، ونبذ التقليد الأعمى المقيت الخالي عن الدليل.
ولقد أبان الحافظ الذهبي ﵀ منهج أهل السنة والجماعة، وأبان الصراط المستقيم الذي يعد وسطا بين المغالين من أهل التنطع والتشدد من الخوارج وبين المفرطين والمضيعين لهدى وسنن خير المرسلين من أهل الإرجاء وغيرهم.
لقد دعا الحافظ ﵀ إلى إثبات صفات الله تعالى كما جاءت عن الله ورسوله ﷺ دون تأويل أو تكييف أو تمثيل، يظهر ذلك من ردوده على أصحاب الأقوال الشاذة من الفرق والنحل التي تنكبت طريق خير المرسلين وصحابته الغر الميامين بعدم إمرار صفات الله كما جاءت، وهذا مبثوث في أقواله التي ذكرناها وحرصنا على أن ننقلها كما هي ليقف القارئ الكريم على علمه الجم الغزير، ومنافحته عن عقيدة أهل السنة والجماعة برد شبه الزيغ والارتياب لهاتيك الفرق التي تنكبت الطريق.
لقد كان الحافظ -رحمه الله تعالى- رأسا في معرفة الحلال والحرام، وهذا واضح جلي من بيانه وردوده في كثير من المسائل التي نقلناها من كلامه المبثوث في هذا الكتاب ليعلم القارئ الكريم أن الحافظ ﵀ كان راسخ القدم في علم الفقه، وأنه وصل فيه إلى مرتبة سنية ودرجة علية قل أن يصل إليها عالم من علماء زماننا، وهذا واضح في فتاويه الدقيقة السديدة، والتي لو عرضت على فقهاء زماننا لضلوا عن الحق وأخطئوه.
لقد كان الحافظ -رحمه الله تعالى- رأسا في علم التراجم والتاريخ سبق فيه من سلف، ولم يستطع اللحاق به من خلف؛ فترجم لكثير من الملوك، والأمراء، والوزراء، والأطباء،
[ ١ / ٣٣ ]
والمحدثين، والفقهاء، والنحاة والشعراء، وأبان ﵀ زيغ وضلال بعض من ترجم لهم وانحرافهم عن سبيل الهدى والرشاد الذي كان عليه سيد الأولين ﷺ وصحابته المكرمين فترك الحق واضحا جليا يتضح هذا من النقولات التي نقلناها من كلامه المبثوث في كتابه هذا وسائر كتبه؛ ليعلم القارئ الكريم أن الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- كان أمة وحده في علم الاعتقاد، والحديث، والفقه، والاجتهاد. ولا غرو فقد تخرج من مدرسة شيخه العلامة عماد الدين إسماعيل بن كثير، والحافظ العلامة صلاح الدين أبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي، وغيرهم من أعلام الهدى ومصابيح الدجى الذين ملئوا الدنيا علما وسارت بتآليفهم الركبان في مشارق الأرض ومغاربها.
ولقد آثرت وأنا أبين آراءه العقدية والفقهية والحديثية أن أنقل كلامه بنصه وردوده على أهل الزيغ والارتياب ليعلم القارئ الكريم المنزلة السامقة التي وصل إليها علم هذا الرجل العظيم، وليكون منهجا تعليميا للعلماء وطلاب العلم في بيان طرق أهل الزيغ والضلال في طرح أفكارهم الزائفة الضالة وطريقة رد هذا الحافظ العلامة لهذا الزيغ والضلال، وإقامته للحق بنيانا لا يندرس على أنقاض أباطيل أهل الضلال مشفوعا بالأدلة الدامغة والبراهين الساطعة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الحجج التي نسف بها حجج أهل الضلال.
لقد آثرت أن أنقل كلام أهل الزيغ والضلال بقضه وقضيضه ليقف القارئ الكريم على الأباطيل والأراجيف التي يبثها هؤلاء المنحرفون الذين تنكبوا طريق الهدى ليفيد العلماء وطلاب العلم في معرفة شبههم وزيغهم وضلالهم، فيكونوا على وعي وبصيرة بالمناهج الضالة الفاسدة الآسنة التي تعكر صفو الدين وبهاءه، وليرى العلماء وطلاب العلم علم هذا الحافظ الجليل الذي ينسف به هاتيك الترهات والأباطيل التي يبثها أهل الزيغ والضلال.
إن قلوب المحبين للحق ستحيا بقراءة آراء هذا الحافظ الجليل في العقيدة، والفقه، والحديث وردوده على أهل الزيغ والضلال التي أرسى بها قواعد الإسلام وأوضح بها مشكلات الأحكام، فصارت نبراسا منيرا يستضيء به كل من يدين بدين الإسلام، فدونك أيها القارئ الكريم أقوال هذا الحافظ النحرير وردوده على أقوال وأفكار أهل الزيغ والضلال.
قال الذهبي -رحمه الله تعالى- في موضوع الفتنة التي حدثت بين الصحابة الكرام قال في كتابه "السير" "٣/ ٢٧":
[ ١ / ٣٤ ]
لما خرج طلحة والزبير وعائشة للطلب بدم عثمان وقال طلحة لعلقمة بن وقاص الليثي: يا علقمة! لا تلمني، كنا أمس يدا واحدة على من سوانا، فأصبحنا اليوم جيلين من حديد، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان مني شيء في أمر عثمان، مما لا أرى كفارته إلا سفك دمي، وطلبه دمي" أخرجه الحاكم "٣/ ٣٧٢".
فكيف عقب الذهبي -رحمه الله تعالى- على قول طلحة؟! لقد أجاب بإجابة عالم بصير يستشفي بها من وساوس الصدور فقال رحمه الله تعالى:
قلت: الذي كان منه في حق عثمان تمغفل وتأليب، فعله باجتهاد، ثم تغير عندما شاهد مصرع عثمان، فندم على ترك نصرته ﵄، وكان طلحة أول من بايع عليا، أرهقه قتله عثمان، وأحضروه حتى بايع".
ولما قتل مروان بن الحكم طلحة بن عبيد الله بسهم وقع في ركبته، عقب الذهبي ﵀ "٣/ ٢٨" بقوله:
"قلت: قاتل طلحة في الوزر، بمنزلة قاتل علي".
ثم قال الذهبي في آخر ترجمة طلحة بن عبيد الله "٣/ ٣١":
"أعجب ما مر بي قول ابن الجوزي في كلام له على حديث قال: وقد خلف طلحة ثلاثمئة حمل من الذهب! ".
يقول محمد أيمن الشبراوي عفا الله عنه: تعجب الذهبي من قول ابن الجوزي إشارة منه إلى كذب هذا القول، ولكنه كان لطيف العبارة -رحمه الله تعالى- خاصة مع علماء الحديث الذي كان عظيم الإكبار لهم.
وثمة بصمات قوية تشير إلى براعته الفائقة في علم الحديث فقال ﵀ في "السير" "٣/ ٥٤ - ٥٥" حين علق على حديث دخول عبد الرحمن بن عوف الجنة حبوا؛ قال: وهو حديث منكر، وقال: إسناده واه. ثم عرج على المتن بقوله "٣/ ٥٥": وبكل حال فلو تأخر عبد الرحمن عن رفاقه للحساب، ودخل الجنة حبوا على سبيل الاستعارة، وضرب المثل، فإن منزلته في الجنة ليست بدون منزلة علي والزبير، رضي الله عن الكل.
ثم عرج على مناقب عبد الرحمن بن عوف "٣/ ٥٥" فقال: "ومن مناقبه أن النبي ﷺ شهد له بالجنة، وأنه من أهل بدر الذين قيل فيهم: "اعملوا ما شئتم" ومن أهل هذه الآية
[ ١ / ٣٥ ]
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وقد صلى رسول الله ﷺ وراءه.
وتراه أخي القارئ ينافح عن عبد الرحمن بن عوف في اتهامه بأنه حابى عثمان بن عفان في اختياره خليفة للمسلمين؛ فقال -رحمه الله تعالى- في أوجز عبارة وأخصر بيان في كتابه "السير" "٣/ ٦٢": "من أفضل أعمال عبد الرحمن بن عوف عزله نفسه من الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محابيًا فيها لأخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمَّه، وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص".
فالله الله يا ذهبي فلقد كنت ذا عقل راجح، وفكر ناضح، وفقه متين في الدين.
وتراهُ يُنافحُ عن سيد الخلق ﷺ فيجيبُ عن سؤال هام وهو: هل شارك رسول الله ﷺ أهل الجاهلية في أفعالهم قبل البعثة؟! فيُجلِّى شمائل الرسول قبل البعثة وبعدها فيقول ﵀ في كتابه "السير" "٣/ ٨٨":
ما زال المصطفى محفوظًا محروسًا قبل الوحي وبعده، ولو احتمل جواز أكله مما ذُبح على النُّصُب، فبالضرورة ندري أنه كان يأكل من ذبائح قريش قبل الوحي، وكان ذلك على الإباحة، وإنما توصف ذبائحهم بالتحريم بعد نزول الآية، كما أن الخمرة كانت على الإباحة إلى أن نزل تحريمها بالمدينة بعد يوم أحد، والذي لا ريب فيه أنه كان معصومًا قبل الوحي وبعده وقبل التشريع من الزنى قطعًا، ومن الخيانة، ومن الغدر، والكذب، والسكر. والسجود لوثن، والاستقسام بالأزلام، ومن الرذائل، والسفه، وبذاء اللسان، وكشف العورة، فلم يكن يطوف عريانًا، ولا كان يقف يوم عرفة مع قومه بمزدلفة، بل كان يقف بعرفة. وبكلِّ حال لو بدا منه شيء من ذلك، لما كان عليه تبعة، لأنه كان لا يعرف، ولكن رتبة الكمال تأبى وقوع ذلك منه ﷺ تسليمًا.
الله الله يا ذهبي فما أبرع هذا الكلام، وما أحسن هذا الفهم الذي يدُلُّ على عقل راجح، وفقه متين في الدين.
وتراهُ يبين فضل سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل أحد العشرة المبشرين بالجنة، ويبين عدل عمر بن الخطاب ونزاهته فيقول في "السير" "٣/ ٩١": لم يكن سعيد متأخرًا عن رتبة أهل
[ ١ / ٣٦ ]
الشورى في السابقة والجلالة، وإنما تركه عمر ﵁ لئلا يبقى له فيه شائبة حظ، لأنه ختنه وابن عَمَّه، ولو ذكره في أهل الشورى لقال الرافضي: حابى ابن عَمَّه، فأخرج منها ولده وعصبته، فكذلك فليكن العمل لله.
وتراهُ يُبيِّنُ فضل العشرة المبشرين بالجنة، وينعى على الرافضة الذين رفضوا التسعة، واعترفوا بفضل عليٍّ حَسْب، ويبين ذلك في أوضح بيان فيقول في "السير" "٣/ ٩٣": فهذا ما تيسر من سيرة العشرة، وهم أفضل قريش، وأفضل السابقين المهاجرين، وأفضل البدريين، وأفضل أصحاب الشجرة، وسادة هذه الأمَّة في الدنيا والآخرة، فأبعد الله الرافضة ما أغواهم، وأشد هواهم، كيف اعترفوا بفضل واحد منهم، وبخسوا التسعة حقهم! وافتروا عليهم بأنهم كتموا النص على أنه الخليفة؟ فوالله ما جرى من ذلك شيء، وأنهم زوروا الأمر عنه بزعمهم، وخالفوا نبيهم، وبادروا إلى بيعة رجل من بني تيم، يتجر ويتكسب، لا لرغبة في أمواله، ولا لرهبة من عشيرته ورجاله، ويحك أيفعل هذا من له مسكة عقل؟! ولو جاز هذا على واحد لما جاز على جماعة، ولو جاز وقوعه من جماعة، لاستحال وقوعه والحالة هذه من ألوف من سادة المهاجرين والأنصار، وفرسان الأمة، وأبطال الإسلام، لكن لا حيلة في برء الرفض، فإنه داء مزمن، والهدى نور يقذفه الله في قلب من يشاء، فلا قوة إلا بالله.
وتراه يُنافح عن مسطح بن أثاثة بأوجز عبارة وأخصر بيان؛ فقال في "السير" "٣/ ١٢٠": إياك يا جري أن تنظر إلى مسطح بن أثاثة هذا البدري شذرًا لهفوة بدت منه، فإنها قد غفرت، وهو من أهل الجنة، وإياك يا رافضي أن تلوح بقذف أم المؤمنين بعد نزول النص في براءتها، فتجب لك النار.
ويبين أن ضمة القبر لسعد بن معاذ ليست من عذاب القبر بأوجز بيان، فقال في "السير" "٣/ ١٧٨":
إن ضمة القبر لسعد بن معاذ ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن، كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود وعلى النار، ونحو ذلك، فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد، وما هي من
[ ١ / ٣٧ ]
عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩].
وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨]، فنسأل الله تعالى العفو واللطف الخفي، ومع هذه الهزات، فسعد ممن نعلم أنه من أهل الجنة، وأنه من أرفع الشهداء ﵁ كأنك يا هذا تظن أن الفائز لا يناله هول في الدارين، ولا روع، ولا ألم، ولا خوف، سل ربك العافية، وأن يحشرنا في زمرة سعد.
ويسرد الأحداث ويبينها حسب ترتيب وقوعها، فقال في "السير" "٣/ (٤٣٠) ": كان تزويجه ﷺ بعائشة إثر وفاة خديجة، فتزوج بها وبسودة في وقت واحد، ثم دخل بسودة، فتفرد بها ثلاثة أعوام حتى بني بعائشة في شوال، بعد وقعة بدر، فما تزوج بكرًا سواها، وأحبها حبًا شديدًا كان يتظاهر به، بحيث أن عمرو بن العاص -وهو ممن أسلم سنة ثمان من الهجرة- سأل النبي ﷺ: أي الناس أحبُّ إليك يا رسول الله؟ قال: "عائشة". قال: فمن الرجال؟ قال: "أبوها" (^١).
ويتكلم من غيرة عائشة من خديجة دون سائر أزواجه بأسلوب الفقيه الحاذق، فيقول في "السير" "٣/ (٤٤٦) ": من أعجب شيء أن تغار عائشة ﵂ من خديجة وهي امرأة عجوز، توفيت قبل تزوج النبي ﷺ بعائشة بمديدة، ثم يحميها الله من الغيرة من عدَّة نسوة يشاركنها في النبي ﷺ فهذا من ألطاف الله بها وبالنبي ﷺ لئلا يتكدر عيشهما، ولعله إنما خفف أمر الغيرة عليها حب النبي ﷺ لها، وميله إليها، فرضي الله عنها وأرضاها.
وتراه يبين مسألة رؤية النبي ﷺ لربه في اليقظة والمنام بأخصر عبارة وأوجز بيان؛ فيقول في "السير" "٣/ (٤٤٧) ": لم يأتنا نص جلي بأن النبي ﷺ رأى الله تعالى بعينيه، وهذه المسألة مما يسع المرء المسلم في دينه السكوت عنها، فأمَّا رؤية المنام: فجاءت من وجوه متعددة مستفيضة. وأمَّا رؤية الله عيانًا في الآخرة: فأمرٌ متيقن تواترت به النصوص، جمع أحاديثها: الدارقطني، والبيهقي، وغيرهما.
ويبين لفظة يا حميراء الواردة، ويبين أنه حديث موضوع بأنصع بيان، فيقول في "السير"
_________________
(١) صحيح: خرجته في الجزء الثالث في الكتاب بتعليقنا رقم "٩١٥" فراجعه ثمت.
[ ١ / ٣٨ ]
"٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨": قيل: إن كل حديث فيه: يا حميراء، لم يصح، وأوهى ذلك تشميس الماء، وقول النبي ﷺ لها: "لا تفعلى يا حميراء، فإنه يورث البرص". فإنه خبر موضوع. والحمراء في خطاب أهل الحجاز: هي البيضاء بشقرة، وهذا نادر فيهم، ومنه في الحديث: رجل أحمر كأنه من الموالي، يريد القائل: أنه في لون الموالي الذين سُبُوا من نصارى الشام والروم والعجم.
ثم إن العرب إذا قالت: فلان أبيض، فإنهم يريدون الحنطي اللون بحلية سوداء، فإن كان في لون أهل الهند، قالوا: أسمر، وآدم، وإن كان في سواد التكرور، قالوا: أسود وكذا كل من غلب عليه السواد، قالوا: أسود أو شديد الأدمة، ومن ذلك قوله ﷺ: "بُعثتُ إلى الأحمر والأسود". فمعنى ذلك أن بني آدم لا ينفكون عن أحد الأمرين، وكل لون بهذا الاعتبار يدور بين السواد والبياض الذي هو الحمرة.
ويبينُ طريقة السَّلَف في الجمع بين التجارة والعبادة فيقول في "السير" "٤/ ١٥": الأفضل الجمع بين التجارة، أمَّا ترك التجارة، ولزوم العبادة، فهو طريق جماعة من السَّلَف والصوفية، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يقوى على الجمع كالصِّدِّيق، وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك، وبعضهم يعجز ويقتصر على العبادة، وبعضهم يقوى في بدايته، ثم يعجز، وبالعكس، وكلٌّ سائغ، ولكن لا بد من النَّهضة بحقوق الزَّوجة والعيال.
ويُبينُ بأسلوب النَّاقد الحاذق بسبب كراهية الشيعة لأبي موسى في أوجز عبارة فيقول في "السير" "٤/ ٤٧": لا ريب أنَّ غلاة الشيعة يبغضون أبا موسى ﵁ لكونه ما قاتل مع علي، ثم لما حكمه عليٌّ على نفسه عزله، وعزل معاوية، وأشار بابن عمر، فما انتظم من ذلك حال.
ويبين كتابة المصحف من زيد بن ثابت بأمر أبي بكر، ثم بأمر عثمان بعبارة وجيزة وأسلوب حاذق؛ فيقول في "السير" "٤/ ٧٣ - ٧٤": من جلالة زيد بن ثابت أن الصديق اعتمد عليه في كتابة القرآن العظيم في صحف، وجمعه من أفواه الرجال، ومن الأكتاف، والرقاع، واحتفظوا بتلك الصحف مدة، فكانت عند الصديق، ثم تسلمها الفاروق، ثم كانت بعد عند أم المؤمنين حفصة إلى أن ندب عثمان زيد بن ثابت، ونفرًا من قريش إلى كتابة هذا
[ ١ / ٣٩ ]
المصحف العثماني الذي به الآن في الأرض أزيد من ألفي ألف نسخة، ولم يبق بأيدي الأمه قرآن سواه، ولله الحمد.
ويقول في "السير" "٤/ ١٦٨":
يجوز كتمان بعض الأحاديث التي تحرك فتنة في الأصول أو الفروع، أو المدح والذم، أما حديث يتعلق بحل أو حرام؛ فلا يحل كتمانه بوجه، فإنه من البينات والهدى.
وقال في "السير" "٤/ ١٧٠ - ١٧١":
كان عمر يقول: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهب لعمر وغيره.
فبالله عليك إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر كانوا يمنعون منه مع صدقهم وعدالتهم، وعدم الأسانيد، بل هو غض لم يشب، فما ظنك بالإكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا، مع طول الأسانيد، وكثرة الوهم والغلط، فبالحري أن نزجر القوم عنه. فيا ليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف، بل يروون -والله- الموضوعات، والأباطيل، والمستحيل في الأصول، والفروع والملاحم والزهد؛ نسأل الله العافية.
فمن روى ذلك مع علمه ببطلانه، وغر المؤمنين، فهذا ظالم لنفسه، جان على السنن والآثار، يستتاب من ذلك، فإن أناب وأقصر، وإلا فهو فاسق، كفى به إثمًا أن يحدث بكل ما سمع، وإن هو لم يعلم فليتورع، وليستعن بمن يُعينُه على تنقية مروياته -نسأل الله العافية- فلقد عمَّ البلاءُ، وشملت الغفلة، ودخل الداخل على المحدثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عتبى على الفقهاء وأهل الكلام.
ثم تراه يُنافحُ عن الحافظ أبي هريرة ﵁ بأوضح حجة وأنصع بيان فيقول في "السير" "٤/ ١٧٤":
قيل لابن عمر: هل تنكر مما يحدّث به أبو هريرة شيئًا؟ فقال: لا، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا فقال أبو هريرة: فما ذنبي إن كنت حفظت، ونسوا.
قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: كان أبو هريرة يدلس!
قلت -أي الحافظ الذهبي- تدليس الصحابة كثير، ولا عيب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول.
[ ١ / ٤٠ ]
الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: ما كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة إلا ما كان حديث جنة أو نار.
قلت -أي الذهبي: هذا لا شيء، بل احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه لحفظه، وجلالته، وإتقانه، وفقهه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه، ويقول: أفت يا أبا هريرة. وانظر إلى هذا العلامة البارع كيف يحسب عمر أحد الصحابة الأعلام، فقال "٤/ ٢٣٠":
كان عمرو بن العاص أكبر من عمر بنحو خمس سنين، كان يقول: أذكر الليلة التي ولد فيها عمر، وقد عاش بعد عمر عشرين عامًا، فينتج هذا أن مجموع عمره بضع وثمانون سنة، ما بلغ التسعين ﵁.
وتراه يفسر سبب النهي عن كتابة غير القرآن ثم الإذن في الكتابة بأوجز عبارة، وأخصر بيان بأسلوب العالم الحاذق؛ قال -طيب الله ثرى قبره وأظله بسحائب مغفرته- في كتابه العظيم "السير" "٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣":
كتب عبد الله بن عمرو بن العاص بإذن النبي ﷺ وترخيصه له في الكتابة بعد كراهيته للصحابة أن يكتبوا عنه سوى القرآن وسوغ ذلك ﷺ ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة ﵁ على الجواز والاستحباب لتقييد العلم بالكتابة.
والظاهر أن النهي كان أولا لتتوفر هممهم على القرآن، وحده، وليمتاز القرآن بالكتابة عما سواه من السنن النبوية، فيؤمن اللبس، فلما زال المحذور واللبس، ووضح أن القرآن لا يشتبه بكلام الناس، أذن في كتابة العلم والله أعلم.
وقال في "السير" "٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦":
صحَّ أن رسول الله ﷺ نازل عبد الله بن عمرو بن العاص في قراءة القرآن إلى ثلاث ليال، ونهاهُ أن يقرأهُ في أقل من ثلاث، وهذا كان في الذي نزل من القرآن، ثم بعد هذا القول نزل ما بقي من القرآن. فأقل مراتب النهي أن تكره تلاوة القرآن كله في أقل من ثلاث، فما فقه ولا تدبر من تلا في أقل من ذلك. ولو تلا في أسبوع، ولازم ذلك. لكان عملا فاضلا، فالدين اليسر، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة، والضحى، وتحية المسجد، مع الأذكار المأثورة الثابتة، والقول عند النوم واليقظة، ودُبُر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع والاشتغال به مخلصًا لله، مع الأمر
[ ١ / ٤١ ]
بالمعروف، وإرشاد الجاهل وتفهيمه، وزجر الفاسق، ونحو ذلك، مع أداء الفرائض في جماعة بخشوع وطمأنينة وانكسار وإيمان، مع أداء الواجب، واجتناب الكبائر وكثرة الدعاء والاستغفار، والصدقة، وصلة الرحم، والتواضع، والإخلاص في جميع ذلك، لشغل عظيم جسيم، ولمقام أصحاب اليمين وأولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب. فمتى تشاغل العابد بختمة في كل يوم، فقد خالف الحنيفية السمحة، ولم ينهض بأكثر ما ذكرناه، ولا تدبر ما يتلوه.
هذا السيد العابد الصاحب كان يقول لما شاخ: ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ وكذلك قال له ﵊ في الصوم، وما زال يناقصه حتى قال له: "صم يومًا، وأفطر يومًا، صوم أخي داود ﵇". وثبت أنه قال: "أفضل الصيام صيام داود" ونهى ﵊ عن صيام الدهر. وأمر ﵊ بنوم قسط من الليل، وقال: "لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وكلُّ من لم يلزم نفسه في تعبده وأوراده بالسنة النبوية، يندم ويترهب ويسوء مزاجه ويفوته خير كثير من متابعة سنة نبيه الرءوف الرحيم بالمؤمنين، والحريص على نفعهم، وما زال ﷺ معلمًا للأمة أفضل الأعمال، وأمرًا بهجر التبتل والرهبانية التي لم يبعث بها، فنهى عن سرد الصوم، ونهى عن الوصال، وعن قيام أكثر الليل إلا في العشر الأخير، ونهى عن العزبة للمستطيع، ونهى عن ترك اللحم، إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي. فالعابد بلا معرفة لكثير من ذلك معذور مأجور، والعابد العالم بالآثار المحمدية، المتجاوز لها مفضول مغرور، وأحبّ الأعمال إلى الله -تعالى- أدومها وإن قل. ألهمنا الله وإياكم حسن المتابعة وجنبنا الهوى والمخالفة.
وأورد في "السير" "٥/ ٣٩١":
أيوب، عن عكرمة قال: إنما أنزل الله متشابه القرآن ليُضَلَّ به.
فتعقبه الحافظ الذهبي بقوله: قلت: هذه عبارة رديئة، بل إنما أنزله الله -تعالى- ليهدي به المؤمنين، وما يضل به إلا الفاسقين، كما أخبرنا ﷿ في سورة البقرة.
[ ١ / ٤٢ ]
وقال في "السير" "٦/ ٥٨٧":
من أصول أهل القدر، فإن عندهم لا نجاة إلا بعمل، فأما أهل السنة، فيحضون على الاجتهاد في العمل، وليس به النجاة وحده دون رحمة الله.
وقال في "السير" "٥/ ٣٩٢":
قال مصعب بن عبد الله الزبيري: كان عكرمة يرى رأي الخوارج، فطلبه متولي المدينة، فتغيب عند داود بن الحصين حتى مات عنده.
فعقب الحافظ الذهبي ﵀ بقوله: قلت: ولهذا ينفرد عنه داود بأشياء تستغرب، وكثير من الحفاظ عدوا تلك الإفرادات مناكير، ولا سيما إذا انفرد بها مثل ابن إسحاق ونحوه. وقال في "المسير" "٥/ ٤٨٦":
عمرو بن شعيب ثقة في نفسه، وروايته عن أبيه، عن جده إما منقطعة أو مرسلة، ولا ريب أن بعضها من قبيل المسند المتصل، وبعضها يجوز أن تكون روايته وجادة أو سماعًا، فهذا محل نظر واحتمال، ولسنا ممن نعد نسخة عمرو، عن أبيه، عن جده من أقسام الصحيح الذي لا نزاع فيه من أجل الوجادة، ومن أجل أن فيها مناكير، فينبغي أن يتأمل حديثه، ويتحايد ما جاء منه منكرًا، ويروي ما عدا ذلك في السنن والأحكام محسنين لإسناده، فقد احتج به أئمة كبار، ووثقوه في الجملة، وتوقف آخرون قليلا، وما علمت أن أحدًا تركه.
وقال في "السير" "٤/ ٢٠٧":
كان بين الطائفتين من أهل صفِّين ما هو أبلغ من السَّب، فإن صحَّ شيءٌ، فسبيلنا الكف والاستغفار للصحابة، ولا نحب ما شجر بينهم، ونعوذ بالله منه، ونتولى أمير المؤمنين عليًا.
وقال "٦/ ١٠٦":
كان الناس في الصدر الأول بعد وقعة صفين على أقسام: أهل سنة: وهم أولو العلم، وهم محبون للصحابة، كافون عن الخوض فيما شجر بينهم؛ كسعد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأمم. ثم شيعة: يتوالون، وينالون ممن حاربوا عليًا، ويقولون: إنهم مسلمون بغاة ظلمة. ثم نواصب: وهم الذين حاربوا عليًا يوم صفين، ويقرون بإسلام عليٍّ وسابقيه، ويقولون: خذل الخليفة عثمان. فما علمت في ذلك الزمان شيعيًا كفر معاوية وحزبه، ولا ناصبيًا كفر عليًا وحزبه بل دخلوا في سبٍّ وبغض، ثم صار اليوم شيعة زماننا يكفرون
[ ١ / ٤٣ ]
الصحابة، ويبرءون منهم جهلا وعدوانا، ويتعدون إلى الصديق قاتلهم الله. وأما نواصب وقتنا فقليل، وما علمت فيهم من يكفر عليا ولا صحابيا.
وقال في "السير" "٧/ ٥٧ - (٥٨) ":
من سكت عن ترحم مثل الشهيد أمير المؤمنين عثمان، فإن فيه شيئا من تشيع، فمن نطق فيه بغض وتنقص، وهو شيعي جلد يؤدب، وإن ترقى إلى الشيخين بذم، فهو رافضي خبيث، وكذا من تعرض للإمام علي بذم، فهو ناصبي يعزر، فإن كفره فهو خارجي مارق، بل سبيلنا أن نستغفر للكل، ونحبهم، ونكف عما شجر بينهم.
ثم قال في "السير" "٧/ (٢٥٢) ":
التشيع الذي لا محذوف فيه إن شاء الله إلا من قبيل الكلام فيمن حارب عليا ﵁ من الصحابة فإنه قبيح يؤدب فاعله ولا نذكر أحدا من الصحابة إلا بخير، ونترضى عنهم، ونقول هم طائفة من المؤمنين بغت على الإمام علي، وذلك بنص قول المصطفى صلوات الله عليه لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" (^١). فنسأل الله أن يرضى عن الجميع وألا يجعلنا ممن في قلبه غل للمؤمنين ولا نرتاب أن عليا أفضل ممن حاربه، وأنه أولى بالحق ﵁.
وقال في "السير" "٦/ (٢١٠) ":
هشام بن عروة حجة مطلقا، ولا عبرة بما قاله الحافظ أبو الحسن بن القطان من أنه هو وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا، فإن الحافظ قد يتغير حفظه إذا كبر، وتنقص حدة ذهنه، فليس هو في شيخوخته كهو في شبيبته، وما ثم أحد بمعصوم من السهو والنسيان، وما هذا التغير بضار أصلا، وإنما الذي يضر الاختلاط، وهشام فلم يختلط قط، هذا أمر مقطوع به، وحديثه محتج به في "الموطأ، و"السنن" فقول ابن القطان: إنه اختلط، قول مردود مرذول فأرني إماما من الكبار سلم من الخطأ والوهم.
فهذا شعبة، وهو في الذروة، له أوهام، وكذلك معمر، والأوزاعي، ومالك، رحمة الله عليهم.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم "٢٩١٥" "٧٠"، وأحمد "٥/ ٣٠٦ و٣٠٧" وراجع تخريجنا له في المصدر المشار إليه
[ ١ / ٤٤ ]
وقال الحافظ في "السير" "٣/ ٢٢٦":
لم يصح الخبر الذي أعلم فيه رسول الله ﷺ العباس أن الخلافة تئول إلى ولده، ولكن آل العباس كان الناس يحبونهم، ويحبون آل علي، ويودون أن الأمر يئول إليهم، حبا لآل رسول الله ﷺ، وبغضا في آل مروان بن الحكم، فبقوا يعملون على ذلك زمانا حتى تهيأت لهم الأسباب، وأقبلت دولتهم، وظهرت من خراسان.
ثم قال الحافظ ﵀: فرحنا بمصير الأمر إليهم، ولكن -والله- ساءنا ما جرى؛ لما جرى من سيول الدماء، والسبي والنهب فإنا لله وإنا إليه راجعون فالدولة العادلة مع الأمن وحقن الدماء ولا دولة عادلة تنتهك دونها المحارم وأنى لها العدل؟ بل أتت دولة أعجمية خراسانية جبارة، ما أشبه الليلة بالبارحة.
وقال في "السير" "٦/ ٢٦٧":
لا ريب أن ابن إسحاق في "مغازية" قد كثر وطول بأنساب مستوفاة، اختصارها أملح، وبأشعار غير طائلة، حذفها أرجح، وبآثار لم تصحح، مع أنه فاته شيء كثير من الصحيح، لم يكن عنده، فكتابه محتاج إلى تنقيح وتصحيح ورواية ما فاته. وأما "مغازي موسى بن عقبة"، فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها، وغالبها صحيح ومرسل جيد، لكنها مختصرة، تحتاج إلى زيادة بيان، وتتمة.
وقد أحسن في عمل ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في تأليفه المسمى بكتاب "دلائل النبوة".
وقد لخصت أنا الترجمة النبوية، والمغازي المدنية في أول "تاريخي الكبير"، وهو كامل في معناه إن شاء الله.
فما أعظم الذهبي هذا الناقد الحاذق.
وقال في "السير" "٦/ ٤١١":
قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟ كلهم يقول: لنفسي غير ابن جريج، فإنه قال: طلبته للناس.
فعقب الذهبي الناقد البصير بقوله: قلت: ما أحسن الصدق واليوم تسأل الفقيه الغبي: لمن طلبت العلم؟ فيبادر، ويقول: طلبته لله، ويكذب، إنما طلبه للدنيا ويا قلة ما عرف منه.
[ ١ / ٤٥ ]
وقال أيضا في "السير" "٦/ ٥٧٠":
قال عون بن عمارة: سمعت هشاما الدستوائي يقول: والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوما قط أطلب الحديث، أريد به وجه الله ﷿.
فعقب الذهبي الناقد "٦/ ٥٧٠ - ٥٧١" بقوله:
قلت: والله ولا أنا، فقد كان السلف يطلبون العلم لله، قنبلوا، وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قوم منهم أولا لا لله، وحصلوه ثم استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد، وغيره: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النية بعد. وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، فهذا أيضا حسن، ثم نشروه بنية صالحة.
وقوم طلبوه بنية لأجل الدنيا، وليثنى عليهم، فلهم ما نووا. قال ﵊: "من غزا ينوي عقالا، فله ما نوى". وترى هذا الضرب لم يستضيئوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العلم، وإنما العالم من يخشى الله تعالى.
وقوم نالوا العلم، وولوا به المناصب فظلموا، وتركوا القيد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش، فتبا لهم، فما هؤلاء بعلماء!
وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار.
وبعضهم اجترأ على الله ووضع الأحاديث، فهتكه الله وذهب علمه، وصار زاده إلى النار وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئا كبيرا، وتضلعوا منه في الجملة فخلف من بعدهم خلف بان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير، أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله؛ لأنهم ما رأوا شيخا يقتدى به في العلم فصاروا همجا رعاعا، غاية المدرس منهم أن يحصل كتبا مثمنة، يخزنها، وينظر فيها يوما ما، فيصحف ما يورده، ولا يقرره. فنسأل الله النجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالم، ولا رأيت عالما.
[ ١ / ٤٦ ]
وقال الحافظ في "السير" "٧/ ٧٣":
علامة المخلص الذي قد يحب شهرة، ولا يشعر بها، أنه إذا عوتب في ذلك، لا يحرد ولا يبرئ نفسهن بل يعترف، ويقول: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي، ولا يكن معجبا بنفسه؛ لا يشعر بعيوبها، بل لا يشعر أنه يشعر، فإن هذا داء مزمن.
وقال في "السير" "٦/ ٤٨٠":
قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر قال: كان يقال: إن الرجل يطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلم حتى يكون لله.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: نعم يطلبه أولا، والحامل له حب العلم، وحب إزالة الجهل عنه، وحب الوظائف، ونحو ذلك، ولم يكن علم وجوب الإخلاص فيه، ولا صدق النية، فإذا علم، حاسب نفسه، وخاف من وبال قصده، فتجيئه النية الصالحة كلها، أو بعضها، وقد يتوب من نيته الفاسدة ويندم. وعلامة ذلك: أنه يقصر من الدعاوي وحب المناظرة، ومن قصد التكثر بعلمه، ويزري على نفسه، فإن تكثر بعلمه، أو قال: أنا أعلم من فلان، فبعدا له.
وقال في "السير" "٦/ ٤٣٧ - ٤٣٨":
روى مسعر، عن ابن عون قال: ذكر الناس داء، وذكر الله دواء.
وتعقبه الذهبي بقوله: إي والله، فالعجب منا، ومن جهلنا، كيف ندع الدواء، ونقتحم الداء؟ قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله، ومن أدمن الدعاء، ولازم قرع الباب، فتح له.
وقال الحافظ الذهبي عن أبي الفرج بن الجوزي: ما علمت أن أحدا صنف ما صنف هذا الرجل. وقال يوما في مناجاته: إلهي لا تعذب لسانا يخبر عنك، ولا عينا تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدما تمشي إلى خدمتك، ولا يدا تكتب حديث رسولك فبعزتك لا تدخلني النار، فقد علم أهلها أني كنت أذب عن دينك. نقله عن الذهبي ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب "٤/ ٣٣١".
[ ١ / ٤٧ ]
وقال الذهبي في "السير" "٦/ ٤١٢":
كان ابن جريج يروي الرواية بالإجازة، وبالمناولة، ويتوسع في ذلك، ومن ثم دخل عليه الداخل في رواياته عن الزهري، لأنه حمل عنه مناولة، وهذه الأشياء يدخلها التصحيف، ولا سيما في ذلك العصر، لم يكن حدث في الخط بعد شكل ولا نقط.
ثم قال: قال أبو غسان زنيج: سمعت جريرا الضبي يقول: كان ابن جريج يرى المتعة، تزوج بستين امرأة! وقيل: إنه عهد إلى أولاده في أسمائهن، لئلا يغلط أحد منهم يتزوج واحدة مما نكح أبوه بالمتعة!
ثم قال: في "السير" "٦/ ٤١٣":
قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: استمتع ابن جريج بتسعين امرأة، حتى إنه كان يحتقن في الليل بأوقية شيرج، طلبا للجماع.
وقال ﵀ "٦/ ٤٩٦":
لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر، ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة، وقد علم أن كثير من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر، لا عبرة به، ولا سيما إذا وثق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف. ومحمد بن إسحاق ومالك بن أنس كل منهما قد نال من صاحبه، لكن أثر كلام مالك في محمد بعض اللين، ولم يؤثر كلام محمد فيه ولا ذرة، وارتفع مالك، وصار كالنجم، والآخر فله ارتفاع بحسبه، ولا سيما في السير، وأما في أحاديث الأحكام، فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن إلا فيما شذ فيه، فإنه يعد منكرا هذا الذي عندي في حاله، والله أعلم.
وقال في "السير" "٦/ ٥١٨":
قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال حجاج ابن أرطاة: لا تتم مروءة الرجل حتى يترك الصلاة في الجماعة.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: لعن الله هذه المروءة، ما هي إلا الحمق والكبر كيلا يزاحمه السوقة وكذلك تجد رؤساء وعلماء يصلون في جماعة في غير صف، أو تبسط له سجادة كبيرة حتى لا يلتصق به مسلم، فإنا لله.
[ ١ / ٤٨ ]
وقال في "السير" "٦/ ٥٣٠":
كره طائفة من العلماء قراءة حمزة، لما فيها من السكت، وفرط المد واتباع الرسم والإضجاع -أي الإمالة- وأشياء ثم استقر اليوم الاتفاق على قبولها وبعضٌ كان حمزة لا يراه.
وقال "٦/ ٥٦٢":
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب أقدم لقيا للكبار من مالك ولكن مالكا أوسع دائرة في العلم والفتيا والحديث والإتقان منه بكثير.
ثم قال "٦/ ٥٦٣": قال أحمد بن حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أن مالكا لم يأخذ بحديث: "البيعان بالخيار". فقال: يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه. ثم قال أحمد: هو أورع وأقول بالحق من مالك.
فتعقبه الذهبي "٦/ ٥٦٤" بقوله:
قلت: لو كان ورعا كما ينبغي، لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث لأنه رآه منسوخا وقيل: عمل به، وحمل قوله: "حتى يتفرقا" على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث له أجر ولا بد، فإن أصاب، ازداد أجرا آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية -أي الخوارج- وبكل حال: فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما ﵄ ولم يسندها الإمام أحمد، فلعلها لم تصح.
وقال في "السير" "٨/ ٢٧٦ - ٢٧٨":
كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية، لا يلتفت إليه، بل يطوى ولا يروى، كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة، وقتالهم ﵃ أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين، والكتب، والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع، وضعيف وبعضه كذب وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه، لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة، وآحاد
[ ١ / ٤٩ ]
العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف، العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله -تعالى- حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠]، فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع بينهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة، وحمزة، وجعفر ومعاذ وزيد، وأمهات المؤمنين، وبنات نبينا ﷺ، وأهل بدر مع كونهم على مراتب ثم الأفضل بعدهم مثل أبي الدرداء، وسلمان الفارسي، وابن عمر، وسائر أهل بيعة الرضوان، الذين ﵃ بنص آية سورة الفتح ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس، وعبد الله بن عمرو، وهذه الحلبة، ثم سائر من صحب رسول الله ﷺ وجاهد معه أو حج معه أو سمع منه ﵃ أجمعين- وعن جميع صواحب رسول الله ﷺ المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية، وسائر الصحابيات.
فأما ما تنقله الرافضة، وأهل البدع في كتبهم من ذلك فلا نعرج عليه ولا كرامة، فأكثره باطل وكذب وافتراء فدأب الروافض رواية الأباطيل، أوْ ردِّ ما في الصحاح والمسانيد ومتى إفاقة من به سكر؟! ثم قد تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض وتحاربوا، وجرت أمور لا يمكن شرحها فلا فائدة في بثها، ووقع في كتب التواريخ، وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصم نفسه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ولحوم العلماء مسمومة، وما نقل من ذلك لتبيين غلط العالم، وكثرة وهمه، أو نقص حفظه، فليس من هذا النمط، بل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن والحسن من الضعيف.
وإمامنا الشافعي فبحمد الله ثبت في الحديث، حافظ لما وعى، عديم الغلط، موصوف بالإتقان، متين الديانة فمن نال منه بجهل وهوى، ممن علم أنه منافس له، فقد ظلم نفسه، ومقتته العلماء، ولاح لكل حافظ تخامله، وجر الناس برجله، ومن أثنى عليه، واعترف بإمامته وإتقانه، وهم أهل الحل والعقد، قديما وحديثا، فقد أصابوا، وأجملوا، وهدوا، ووفقوا.
وأما أئمتنا اليوم، وحكامنا، فإذا أعدموا ما وجد من قدح بهوى فقد يقال: أحسنوا ووفقوا وطاعتهم في ذلك مفترضة، لما قد رأوه من حسم مادة الباطل والشر.
[ ١ / ٥٠ ]
وبكل حال فالجهال والضلال، قد تكلموا في خيار الصحابة، وفي الحديث الثابت: "لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدا، وإنه ليرزقهم ويعافيهم" (^١).
وقد كنت وقفت على بعض كلام المغاربة في الإمام الشافعي ﵀ فكانت فائدتي من ذلك تضعيف حال من تعرض إلى الإمام، ولله الحمد.
ولا ريب أن الإمام لما سكن مصر، وخالف أقرانه من المالكية، ووهى بعض فروعهم بدلائل السنة، وخالف شيخه في مسائل، تألموا منه، ونالوا منه، وجرت بينهم وحشة، غفر الله للكل. وقد اعترف الإمام سحنون، وقال: لم يكن في الشافعي بدعة فصدق والله، فرحم الله الشافعي وأين مثل الشافعي والله في صدقه، وشرفه، ونبله، وسعة علمه، وفرط ذكائه، ونصره للحق، وكثرة مناقبة رحمه الله تعالى.
وقال في "السير" "٨/ ٢٧٨ - (٢٧٩) ":
قال الحافظ أبو بكر الخطيب في مسألة الاحتجاج بالإمام الشافعي، فيما قرأت على أبي الفضل بن عساكر، عن عبد العزيز بن محمد، أخبرنا يوسف بن أيوب الزاهد، أخبرنا الخطيب قال: سألني بعض إخواننا بيان علة ترك البخاري الرواية عن الشافعي في "الجامع"؟ وذكر أن بعض من يذهب إلى رأي أبي حنيفة ضعف أحاديث الشافعي، واعترض باعتراض البخاري عن روايته، ولولا ما أخذ الله على العلماء فيما يعلمونه ليبيننه للناس، لكان أولى الأشياء الإعراض عن اعتراض الجهال، وتركهم يعمهون. وذكر لي من يشار إليه خلو كتاب مسلم وغيره من حديث الشافعي فأجبته بما فتح الله علي: ومثل الشافعي من حسد، وإلى ستر معالمه قصد ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويظهر من كل حق مستوره، وكيف لا يغبط من حاز الكمال، بما جمع الله له من الخلال اللواتي لا ينكرها إلا ظاهر الجهل، أو ذاهب العقل. ثم أخذ الخطيب يعدد علوم الإمام ومناقبه، وتعظيم الأئمة له وقال:
أبى الله إلا رفعه وعلوه … وليس بما يعليه ذو العرش واضع
إلى أن قال: والبخاري هذب ما في "جامعه" غير أنه عدل عن كثير من الأصول، إيثارا للإيجاز.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري "٦٠٩٩"، ومسلم "٢٨٠٤"، وقد خرجته بإسهاب في الموضع المشار إليه فراجعه ثمت.
[ ١ / ٥١ ]
قال إبراهيم بن معقل: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتابي "الجامع" إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول.
فترك البخاري الاحتجاج بالشافعي، إنما هو لا لمعنى يوجب ضعفه، لكن غنى عنه بما هو أعلى منه، إذ أقدم شيوخ الشافعي: مالك، والدراوردي، وداود العطار، وابن عيينة، والبخاري لم يدرك الشافعي بل لقي من هو أسن منه كعبيد الله بن موسى، وأبي عاصم، ممن رووا عن التابعين، وحدثه عن شيوخ الشافعي عدة فلم ير أن يروي عن رجل، عن الشافعي، عن مالك.
فإن قيل: فقد روى عن المسندي، عن معاوية بن عمرو، عن الفزاري، عن مالك، فلا شك أن البخاري سمع هذا الخبر من أصحاب مالك، وهو في "الموطأ" فهذا ينقض عليك؟!
قلنا: إنه لم يرو حديثا نازلا وهو عنده عال، إلا لمعنى ما يجده في العالي، فأما أن يورد النازل وهو عنده عال لا لمعنى يختص به، ولا على وجه المتابعة لبعض ما اختلف فيه، فهذا غير موجود في الكتاب، وحديث الفزاري فيه بيان الخبر، وهو معدوم في غيره، وجوده الفزاري بتصريح السماع.
ثم سرد الخطيب ذلك من طرق عدة، قال: والبخاري يتبع الألفاظ بالخبر في بعض الأحاديث ويراعيها وإنا اعتبرنا روايات الشافعي التي ضمنها كتبه، فلم نجد فيها حديثا واحدا على شرط البخاري أغرب به، ولا تفرد بمعنى فيه يشبه ما بيناه. ومثل ذلك القول في ترك مسلم إياه لإدراكه ما أدرك البخاري من ذلك وأما أبو داود، فأخرج في "سننه" للشافعي غير حديث، وأخرج له الترمذي، وابن خزيمة، وابن أبي حاتم.
ثم سرد الخطيب فضلا في ثناء مشايخه وأقرانه عليه، ثم سرد أشياء في غمز بعض الأئمة فأساء ما شاء -أعني غامزه.
وقال في "السير" "١١/ ٣٠٠ - ٣٠١":
قال الشيخ محيي الدين النواوي: لابن المنذر من التحقيق في كتبه ما لا يقاربه فيه أحد، وهو في نهاية من التمكن من معرفة الحديث، وله اختيار فلا يتقيد في الاختيار بمذهب بعينه، بل يدور مع ظهور الدليل.
[ ١ / ٥٢ ]
وعقب الحافظ الذهبي بقوله: قلت: ما يتقيد بمذهب واحد إلا من هو قاصر في التمكن من العلم، كأكثر علماء زماننا، أو من هو متعصب وهذا الإمام من حملة الحجة، جار في مضمار ابن جرير، وابن سريج وتلك الحلبة ﵏.
وقال في "السير" "٧/ ١٧٦ - ١٧٨":
من التزم بتقليد إمام، فإن له مخالفة إمامه إلى إمام آخر، حجته في تلك المسألة أقوى، لا بل عليه اتباع الدليل فيما تبرهن له، ولا كمن تمذهب لإمام، فإذا لاح له ما يوافق هواه، عمل به من أي مذهب كان، ومن تتبع رخص المذاهب، وزلات المجتهدين، قد رق دينه، كما قال الأوزاعي أو غيره: من أخذ بقول المكيين في المتعة، والكوفيين في النبيذ، والمدنيين في الغناء، والشاميين في عصمة الخلفاء، ونكاح التحليل بمن توسع فيه، وشبه ذلك، فقد تعرض للانحلال، فنسأل الله العافية والتوفيق.
ولكن شأن الطالب أن يدرس أولا مصنفا في الفقه، فإذا حفظه، بحثه وطالع الشروح، فإن كان ذكيا فقيه النفس ورأى حجج الأئمة فليراقب الله وليحتط لدينه، فإن خير الدين الورع، ومن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه والمعصوم من عصمه الله.
فالمقلدون صحابة رسول الله ﷺ بشرط ثبوت الإسناد إليهم، ثم أئمة التابعين كعلقمة، ومسروق، وعبيدة السلماني، وسعيد بن المسيب، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وعبيد الله بن عبد الله، وعروة، والقاسم، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي. ثم كالزهري، وأبي الزناد، وأيوب السختياني، وربيعة، وطبقتهم.
ثم كأبي حنيفة ومالك والأوزارعي وابن جريج ومعمر وابن أبي عروبة وسفيان الثوري والحمادين وشعبة والليثي وابن الماجشون وابن أبي ذئب ثم كابن المبارك، ومسلم الزنجي والقاضي أبي يوسف والهِقْل بن زياد ووكيع والوليد بن مسلم، وطبقتهم.
ثم كالشافعي وأبي عبيد وأحمد وإسحاق وأبي ثور والبويطي وأبي بكر بن أبي شيبة ثم كالمزني وأبي بكر بن الأثرم والبخاري وداود بن علي ومحمد بن نصر المروزي وإبراهيم الحربي، وإسماعيل القاضي.
[ ١ / ٥٣ ]
ثم كمحمد بن جرير الطبري، وأبي بكر بن خزيمة، وأبي عباس بن سريج، وأبي بكر بن المنذر، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي بكر الخلال.
ثم من بعد هذا النمط تناقص الاجتهاد، ووضعت المختصرات، وأخذ الفقهاء إلى التقليد من غير نظر في الأعلم، بل بحسب الاتفاق، والتشهي، والتعظيم، والعادة، والبلد. فلو أراد الطالب اليوم أن يتمذهب في المغرب لأبي حنيفة، لعسر عليه، كما لو أراد أن يتمذهب لابن حنبل ببخارى وسمرقند، لصعب عليه، فلا يجيء منه حنبلي، ولا من المغربي حنفي، ولا من الهندي مالكي وبكل حال: فإلى فقه مالك المنتهى، فعامة آرائه مسددة، ولو لم يكن له إلا حسم مادة الحيل، ومراعاة المقاصد لكفاه.
ومذهبه قد ملأ المغرب والأندلس، وكثيرا من بلاد مصر، وبعض الشام، واليمن، والسودان، وبالبصرة وبغداد، والكوفة، وبعض خراسان.
وكذلك اشتهر مذهب الأوزاعي مدة وتلاشى أصحابه، وتفانوا. وكذلك مذهب سفيان وغيره ممن سمينا ولم يبق اليوم إلا هذه المذاهب الأربعة. وقل من ينهض بمعرفتها كما ينبغي، فضلا عن أن يكون مجتهدا وانقطع أتباع ثور بعد الثلاث مائة، وأصحاب داود إلا القليل، وبقى مذهب جرير إلى ما بعد الأربعمائة.
وللزيدية مذهب في الفروع بالحجاز وباليمن، لكنه معدود في أقوال أهل البدع، كالإمامية، ولا بأس بمذهب داود، وفيه أقوال حسنة، ومتابعة للنصوص، مع أن جماعة من العلماء لا يعتدون بخلافه، وله شذوذ في مسائل شانت مذهبه.
وأما القاضي عياض، فذكر ما يدل على جواز تقليدهم إجماعا، فإنه سمى المذاهب الأربعة والسفيانية والأوزاعية، والداودية. ثم إنه قال: فهؤلاء الذين وقع إجماع الناس على تقليدهم، مع الاختلاف في أعيانهم، واتفاق العلماء على اتباعهم، والاقتداء بمذاهبهم، ودرس كتبهم، والتفقه على مآخذهم، والتفريع على أصولهم، دون غيرهم ممن تقدمهم أو عاصرهم؛ للعلل التي ذكرناها.
وصار الناس اليوم في الدنيا إلى خمسة مذاهب، فالخامس: هو مذهب الداودية. حق على طالب العلم أن يعرف أولاهم بالتقليد، ليحصل على مذهبه. وها نحن نبين أن مالكا ﵀ هو ذلك؛ لجمعه أدوات الإمامة، وكونه أعلم القوم.
[ ١ / ٥٤ ]
ثم وجه القاضي دعواه، وحسنها، ونمقها ولكن ما يعجز كل واحد من حنفي، وشافعي، وحنبلي، وداودي عن ادعاء مثل ذلك لمتبوعه، بل ذلك لسان حاله، وإن لم يَفُهْ به.
ثم قال القاضي عياض: وعندنا -ولله الحمد- لكل إمام من المذكورين مناقب تقضي له بالإمامة.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: ولكن مالكا هذا الإمام الذي هو النجم الهادي قد أنصف، وقال قولا فصلا، حيث يقول: كل أحد يؤخذ من قوله، ويترك إلا صاحب هذا القبر ﷺ.
ولا ريب أن كل من أنس من نفسه فقها، وسعة علم، وحسن قصد، فلا يسعه التزام بمذهب واحد في كل أقواله، لأنه قد تبرهن له مذهب الغير في مسائل ولاح له الدليل، وقامت عليه الحجة، فلا يقلد فيها إمامه، بل يعمل بما تبرهن ويقل الإمام الآخر بالبرهان، لا بالتشهي والغرض. لكنه لا يفتي العامة إلا بمذهب إمامه، أو ليصمت فيما خفي عليه دليله.
قال الشافعي: العلم يدور على ثلاثة: مالك، والليث، وابن عيينة.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: بل وعلى سبعة معهم وهم: الأوزاعي، والثوري، ومعمر، وأبو حنيفة، وشعبة، والحمادان.
وقال في "السير" "١٠/ ٢٧٣ - ٢٧٤":
للعلماء قولان في الاعتداد بخلاف داود بن علي الظاهري، فمن اعتد بخلافهم قال: ما اعتدادنا بخلافهم لأن مفرداتهم حجة، بل لتحكى في الجملة، وبعضها سائغ، وبعضها قوي، وبعضها ساقط، ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني، وتندر مخالفتهم لإجماع قطعي، ومن أهدرهم، ولم يعتد بهم، لم يعدهم في مسائلهم المفردة خارجين بها من الدين، ولا كفرهم بها، بل يقول: هؤلاء في خير العوام، أو هم كالشيعة في الفروع، ولا نلتفت إلى أقوالهم، ولا ننصب معهم الخلاف، ولا يعتنى بتحصيل كتبهم، ولا ندل مستفتيا من العامة عليهم، وإذا تظاهروا بمسألة معلومة البطلان، كمسح الرجلين أدبناهم، وعزرناهم، وألزمناهم بالغسل جزما.
قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: قال الجمهور: إنهم يعني نفاة القياس -لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا يجوز تقليدهم القضاء.
[ ١ / ٥٥ ]
ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي عن أبي علي بن أبي هريرة، وطائفة من الشافعية: أنه لا اعتبار بخلاف داود، وسائر نفاة القياس في الفروع دون الأصول.
وقال إمام الحرمين أبو المعالي: الذي ذهب إليه أهل التحقيق: أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة، ولا من حملة الشريعة، لأنهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواترا، لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها، وهؤلاء ملتحقون بالعوام.
فعقب الذهبي "١٠/ ٢٧٤" بقوله:
قلت: هذا القول من أبي المعالي أداه إليه اجتهاده، وهم فأداهم اجتهادهم إلى نفي القول بالقول بالقياس، فكيف يرد الاجتهاد بمثله، وندري بالضرورة أن داود كان يقرئ مذهبه، ويناظر عليه، ويفتي به في مثل بغداد، وكثرة الأئمة بها وبغيرها، فلم نرهم قاموا عليه، ولا أنكروا فتاويه ولا تدريسه ولا سعوا في منعه من بثه وبالحضرة مثل إسماعيل القاضي شيخ المالكية، وابني الإمام أحمد، وأبي العباس أحمد بن محمد البرتي شيخ الحنفية، وأحمد بن أبي عمران القاضي، ومثل عالم بغداد إبراهيم الحربي، بل سكتوا له، حتى لقد قال قاسم بن أصبغ: ذاكرت الطبري -يعني ابن جرير وابن سريج، فقلت لهما: كتاب ابن قتيبة في الفقه أين هو عندكما؟ قالا: ليس بشيء، ولا كتاب أبي عبيد، فإذا أردت الفقه فكتب الشافعي، وداود، ونظرائهما.
وقال الذهبي "١/ ٢٧٥" قلت:
لا ريب أن كل مسألة انفرد بها داود وقطع ببطلان قوله فيها، فإنه هدر، وإنما نحكيها للتعجب، وكل مسألة له عضدها نص وسبقه إليها صاحب أو تابع، فهي من مسائل الخلاف فلا تهدر.
وقال ﵀ في "السير" "٥/ ٣٩٣":
اليمين بالطلاق في الغضب من نزغات الشيطان فلا يقع بذلك طلاق.
وقال في "السير" "١١/ ١٧١ - ١٧٢":
حكى أبو علي التنوخي في "النشوار" له، عن عثمان بن محمد السلمي قال: حدثني ابن منجو القائد قال: حدثني غلام لابن المزوق قال: اشترى مولاي جارية، فزوجنيها،
[ ١ / ٥٦ ]
فأحببتها وأبغضتني حتى ضجرت، فقلت لها: أنت طالق ثلاثا، لا تخاطبيني بشيء إلا قلت لك مثله، فكم أحتملك؟! فقالت في الحال: أنت طالق ثلاثا فأبلست فدللت على محمد بن جرير، فقال لي: أقم معها بعد أن تقول لها: أنت طالق ثلاثا إن طلقتك. فاستحسن هذا الجواب وذكره شيخ الحنابلة ابن عقيل وقال: وله جواب آخر: أن يقول كقولها سواء: أنتَ طالق ثلاثا -بفتح التاء- فلا يحنث.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: وما كان يلزمها أن يقول لها ذلك على الفور، فله التمادي إلى قبل الموت.
فكيف عقب العلامة الذهبي على هذه الواقعة؟! لقد عقب بجواب ينبئ عن حذقه ورسوخ قدمه في علم الفقه فقال -رحمه الله تعالى- "١١/ ١٧٢":
قلت: ولو قال: أنت طالق ثلاثا، وقصد الاستفهام أو عني أنها طالق من وثاق، أو عني الطلق لم يقع طلاق في باطن الأمر.
وله جواب آخر على قاعدة مراعاة سبب اليمين ونية الحالف، فما كان عليه أن يقول لها ما قالته، إذ من المعلوم بقرينة الحال استثناء ذلك قطعا، لأنه ما قصد إلا أنها إذا قالت له ما يؤذيه أن يؤذيها بمثله، ولو جاوبها بالطلاق لسرت هي، ولتأذى هو، كما استثنى من عموم قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، بقرينة الحال أنها لم تؤت لحية ولا إحليلا. ومن المعلوم استثناؤه بالضرورة التي لم يقصدها الحالف قط لو حلف: لا تقولي لي شيئا إلا قلت لك مثله، أنها لو كفرت وسبت الأنبياء فلم يجاوبها بمثل ذلك لأحسن. ثم يقول طائفة من الفقهاء: إنه لم يحنث إلا أن يكون -والعياذ بالله- قصد دخول ذلك في يمينه.
وأما على مذهب داود بن علي الظاهري، وابن حزم، والشيعة، وغيرهم، فلا شيء عليه، ورأوا الحلف والأيمان بالطلاق من أيمان اللغو، وأن اليمين لا تنعقد إلا بالله.
وذهب إمام في زماننا إلى من حلف على حض أو منع بالطلاق، أو العتاق، أو الحج، ونحو ذلك فكفارته كفارة يمين، ولا طلاق عليه.
هكذا أجاب العلامة الحاذق على هذه الواقعة المشكلة فرحم الله إمامنا العلامة الحافظ الذهبي.
[ ١ / ٥٧ ]
وقال في "السير" "١٢/ ٥٠٤":
ربما آل الأمر بالمعروف بصاحبه إلى الغضب والحدة، فيقع في الهجران المحرم، وربما أفضى إلى التكفير والسعي في الدم، وقد كان أبو عبد الله بن مندة وافر الجاه والحرمة إلى الغاية ببلده، وشغب على أحمد بن عبد الله الحافظ، بحيث أن أحمد اختفى.
وقال في "السير" "١٥/ ١٦٧ - ١٦٨":
الإمام إذا كان له عقل جيد، ودين متين صلح به أمر الممالك، فإن ضعف عقله، وحسنت ديانته حمله الدين على مشاورة أهل الحزم، فتسددت أموره، ومشت الأحوال، وإن قل دينه، ونبل رأيه، تعبت البلاد والعباد، وقد يحمله نبل رأيه على إصلاح ملكه ورعيته للدنيا، لا للتقوى، فإن نقص رأيه، وقل دينه وعقله، كثر الفساد، وضاعت الرعية، وتعبوا به، إلا أنه يكون فيه شجاعة، وله سطوة وهيبة في النفوس، فينجبر الحال، فإن كان جبانا، قليل الدين، عديم الرأي، كثير العسف، فقد تعرض لبلاء عاجل، وربما عزل وسجن إن لم يقتل، وذهبت عنه الدنيا، وأحاطت به خطاياه، وندم -والله- حيث لا يغني الندم.
ونحن آيسون اليوم من وجود إمام راشد من سائر الوجوه! فإن يسر الله للأئمة بإمام فيه كثرة محاسن وفيه مساوئ قليلة، فمن لنا به، اللهم فأصلح الراعي والرعية، وارحم عبادك ووفقهم، وأيد سلطانهم وأعنه بتوفيقك. هكذا يرسم العلامة الذهبي سياسة الحاكم الراشد الذي يتقي الله، فينصلح به حال البلاد والعباد.
وقال في "السير" "٦/ ٥٧٩":
قال أبو أسامة: سمعت مسعر بن كدام يقول: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله، وعن الصلاة فهل أنتم منتهون؟
فعقب الذهبي عليه بقوله: قلت: هذه مسألة مختلف فيها: هل طلب العلم أفضل أو صلاة النافلة والتلاوة والذكر؟ فأما من كان مخلصا لله في طلب العلم، وذهنه جيد، فالعلم أولى، ولكن مع حظ من صلاة وتعبد، فإن رأيته مجدا في طلب لا حظ له في القربات، فهذا كسلان مهين، وليس هو بصادق في حسن نيته، وأما من كان طلب الحديث والفقه غية ومحبة نفسانية، فالعبادة في حقه أفضل، بل ما بينهما أفعل تفضيل، وهذا تقسيم في الجملة، فقل -والله- من رأيته مخلصا في طلب العلم. دعنا من هذا كله، فليس طلب الحديث اليوم على
[ ١ / ٥٨ ]
الوضع المتعارف من حيز طلب العلم، بل اصطلاح وطلب أسانيد عالية، وأخذ عن شيخ لا يعي، وتسميع لطفل يلعب ولا يفهم، أو لرضيع يبكي، أو لفقيه يتحدث مع حدث، أو آخر ينسخ وفاضله مشغول عن الحديث بكتابة الأسماء أو بالنعاس، والقارئ إن كان له مشاركة، فليس عنده من الفضيلة أكثر من قراءة ما في الجزء، سواء تصحف عليه الاسم، أو اختبط المتن، أو كان من الموضوعات. فالعلم عن هؤلاء بمعزل، والعمل لا أكاد أراه، بل أرى أمورا سيئة، نسأل الله العفو.
وهكذا يرسم الحافظ الذهبي طريق الإخلاص في طلب العلم، ويوضح بأوجز عبارة وأخصر بيان أولوية طلب العلم على صلاة النافلة والتعبد لمن امتلأ قلبه بالإخلاص، وكانت نيته لله سبحانه. في طلب الحديث.
وقال "٧/ ٤٤٧":
النبيذ الذي هو نقيع التمر، ونقيع الزبيب، ونحو ذلك والفقاع حلال شربه، وأما نبيذ الكوفيين الذي يسكر كثيره، فحرام الإكثار منه عند الحنفية، وسائر العلماء، وكذلك يحرم يسيره عند الجمهور، ويتخرص فيه الكوفيون، وفي تحريمه عدة أحاديث.
وقال في "السير" "٧/ ٢٥٨":
روى أبو عمر الضرير، عن أبي عوانة قال: دخلت على همام بن يحيى، وهو مريض أعوده، فقال لي: يا أبا عوانة ادع الله أن لا يميتني حتى يبلغ ولدي الصغار.
فقلت: إن الأجل قد فرغ منه فقال لي: أنت بعد في ضلالك.
فعقب الحافظ الذهبي بقوله: قلت بئس المقال هذا، بل كل شيء بقدر سابق، ولكن وإن كان الأجل قد فرغ منه، فإن الدعاء بطول البقاء قد صح. دعا الرسول ﷺ لخادمه أنس بطول العمر، والله يمحو ما يشاء ويثبت. فقد يكون طول العمر في علم الله مشروطا بدعاء مجاب، كما أن طيران العمر قد يكون بأسباب جعلها من جور وعسف، و"لا يرد القضاء إلا الدعاء"، والكتاب الأول فلا يتغير.
وقال في "السير" "١٠/ ٣٨٥":
قال محمد بن إسماعيل الترمذي: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيها.
[ ١ / ٥٩ ]
فعقب الذهبي بقوله: قلت: أراد أن الصفات تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وفي ذاته المقدسة، فكذلك صفاته لا مثل لها، إذ فرق بين القول في الذات والقول في الصفات، هذا هو مذهب السلف.
وقال في "السير" "٩/ ٢٧":
قال نعيم بن حماد: من شبه الله بخلقه، فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه، فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه.
فعقب الحافظ الذهبي بقوله: قلت: هذا الكلام حق، نعوذ بالله من التشبيه، ومن إنكار أحاديث الصفات، فما ينكر الثابت منها من فقه، وإنما بعد الإيمان بها هنا مقامان مذموم تأويلها وصرفها عن موضوع الخطاب، فما أولها السلف، ولا حرفوا ألفاظها عن مواضعها، بل آمنوا بها، وأمروها كما جاءت.
المقام الثاني: المبالغة في إثباتها، وتصورها من جنس صفات البشر، وتشكلها في الذهن، فهذا جهل وضلال، إنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف ﷿ لم نره، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه مع قول لنا في تنزيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية البارئ -تعالى الله عن ذلك- فكذلك صفاته المقدسة، نقر بها ونعتقد أنها حقن ولا نمثلها أصلا ولا نتشكلها.
قال محمد بن مخلد العطار، حدثنا الرمادي، سألت نعيم بن حماد عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قال معناه: أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه، ألا ترى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧].
وقال "٧/ ٣٧٩":
الجهمية يقولون: إن الباري -تعالى- في كل مكان، والسلف يقولون: إن علم الباري في كل مكان، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، يعني بالعلم، ويقولون: إنه على عرشه استوى، كما نطق به القرآن والسنة.
قال الأوزاعي، وهو إمام وقته: كنا -والتابعون متوافرون- نقول إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته، ومعلوم عند أهل العلم من الطوائف أن مذهب
[ ١ / ٦٠ ]
السلف إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تأويل ولا تحريف، ولا تشبيه ولا تكييف، فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات المقدسة، وقد علم المسلمون أن ذات الباري موجودة، لا مثل لها، وكذلك صفاته -تعالى- موجودة، لا مثل لها.
وقال في "السير" "٩/ ١٢٢":
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبا معمر الهذلي يقول: من زعم أن الله لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يرضى، ولا يغضب، فهو كافر، إن رأيتموه واقفا على بئر، فألقوه فيها، بهذا أدين الله ﷿.
وعن أبي معمر القطيعي قال: آخر كلام الجهمية: أنه ليس في السماء إله!
فعقب الذهبي بقوله: قلت: بل قولهم: إنه ﷿ في السماء وفي الأرض، لا امتياز للسماء وقول عموم أمة محمد ﷺ: إن الله في السماء، يطلقون ذلك وفق ما جاءت النصوص بإطلاقه ولا يخوضون في تأويلات المتكلمين، مع جزم الكل بأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
وقال في "السير" "١١/ ٢٣٠" قال الحاكم: سمعت محمد بن صالح بن هانئ، سمعت ابن خزيمة يقول: من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئا.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: من أقر بذلك تصديقا لكتاب الله، ولأحاديث رسول الله ﷺ وآمن به مفوضا معناه إلى الله ورسوله. ولم يخض في التأويل ولا عمق، فهو المسلم المتبع، ومن أنكر ذلك، فلم يدر بثبوت ذلك في الكتاب والسنة، فهو مقصر والله يعفو عنه، إذ لم يوجب الله على كل مسلم حفظ ما ورد في ذلك، ومن أنكر ذلك بعد العلم، وقفا غير سبيل السلف الصالح، وتمعقل على النص، فأمره إلى الله، ونعوذ بالله من الضلال والهوى.
وكلام ابن خزيمة هذا -وإن كان حقا- فهو فج، لا تحتمله نفوس كثير من متأخري العلماء.
وقال في "السير" "١٠/ ٣٩٩":
من كلام عثمان بن سعيد الدارمي ﵀ في كتاب "النقض" له: اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله -تعالى- فوق عرشه، فوق سماواته.
[ ١ / ٦١ ]
فعقب الذهبي بقوله: قلت: أوضح شيء في هذا الباب قوله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فليمر كما جاء، كما هو معلوم من مذهب السلف، وينهى الشخص عن المراقبة، والجدال وتأويلات المعتزلة ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٥٣].
وقال في "السير" "٩/ (٣١٣) ":
ورد عن إسحاق بن راهويه: أن بعض المتكلمين قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء.
فعقب الذهبي بقوله: قلت هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول، قد صحت بها النصوص، ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها، فإن في ذلك محاولة للرد على الله ورسوله، أو حوما على التكييف أو التعطيل.
وقال في "السير" "١١/ (٢٤٣) ": قال أبو العباس السراج: من لم يقر بأن الله تعالى يعجب، ويضحك، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، فيقول: "من يسألني فأعطيه"، فهو زنديق، كافر يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: لا يكفر إلا إن علم أن الرسول ﷺ قاله، فإن جحد بعد ذلك، فهذا معاند -نسأل الله الهدى- وإن اعترف إن هذا حق، ولكن لا أخوض في معانيه، فقد أحسن، وإن آمن، وأول ذلك كله، أو تأول بعضه، فهو طريقه معروفة.
وقال في "السير" "٨/ (٥٠٨) ":
عن العباس الدوري سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام -وذكر الباب يروى فيه الرؤية، والكرسي موضع القدمين (^١)، وضحك ربنا، وأين كان ربنا (^٢) - فقال: هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها،
_________________
(١) حسن: راجع تخريجنا له في الجزء الثامن بتعليقنا رقم "٥٨٨".
(٢) حسن: راجع تخريجنا له في الجزء الثامن بتعليقنا رقم "٥٨٩".
[ ١ / ٦٢ ]
ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا، ولا سمعنا أحدا يفسره.
فعقب الذهبي "٨/ ٥٠٨ - (٥٠٩) " بقوله:
قلت: قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم، وما أبقوا ممكنا، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلا، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغا أو حتما، لبادروا إليه، فعلم قطعا أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، ولا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداء بالسلف، معتقدين أنها صفات الله -تعالى- استأثر الله بعلم حقائقها، ولأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نطق بها، والرسول ﷺ بلغ، وما تعرض لتأويل مع كون الباري قال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وقال في "السير" "١٢/ (١٨٦) ":
قال أبو إسماعيل الأنصاري: سمعت يحيى بن عمار الواعظ، وقد سألته عن ابن حبان، فقال: نحن أخرجناه من سجستان، كان له علم كثير، ولم يكن له كبير دين، قدم علينا، فأنكر الحد لله، فأخرجناه".
فعقب الذهبي "١٢/ (١٨٦) " بقوله:
قلت: إنكاركم عليه بدعة أيضا، والخوض في ذلك مما لم يأذن به الله، ولا أتى نص بإثبات ذلك ولا نفيه، و"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (^١)، وتعالى الله أن يحد أو يوصف إلا بما وصف به نفسه، أو علمه رسله بالمعنى الذي أراد بلا مثل ولا كيف ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقال "٧/ (٢١٩) ":
قال أبو عبيد: ما أدركنا أحدا يفسر أحاديث الصفات، ونحن لا نفسرها.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: قد صنف أبو عبيد كتاب "غريب الحديث" وما تعرض لأخبار الصفات الإلهية بتأويل أبدا، ولا فسر منها شيئا، وقد أخبر بأنه ما لحق أحدا يفسرها،
_________________
(١) صحيح: راجع تخريجنا له في الجزء الثاني عشر بتعليقنا رقم "٢٤٧".
[ ١ / ٦٣ ]
فلو كان -والله- تفسيرها سائغا، أو حتما، لأوشك أن يكون اهتمامهم بذلك فوق اهتمامهم بأحاديث الفروع والآداب، فلما لم يتعرضوا لها بتأويل وأقروها على ما وردت عليه، علم أن ذلك هو الحق الذي لا حيدة عنه.
وقال في "السير" "٧/ ٢٠٩":
كانت الأهواء والبدع خاملة في زمن الليث، والأوزاعي، والسنن ظاهرة عزيزة، فأما في زمن أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي عبيد، فظهرت البدعة، وامتحن أئمة الأثر ورفع أهل الأهواء رءوسهم بدخول الدولة معهم، فاحتاج العلاء إلى مجادلتهم بالكتاب والسنة، ثم كثر ذلك، واحتج عليهم العلماء أيضا بالمعقول، فكان الجدال، واشتد النزاع، وتولدت الشبه، نسأل الله العافية.
هذه هي عقيدة شيخ الإسلام العلامة الحافظ الذهبي ﵀ في صفات الله ﷿، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة التي كان عليها سلف الأمة الصحابة- ﵃ ومن تابعهم خير القرون. وها هو يرد على من قال أن الإيمان مخلوق والقرآن مخلوق، يرد على هذه الأقوال المنحرفة بأنصع بيان وأشفى حجة:
قال في "السير" "١٠/ ٢١٥":
ورد علي كتاب من ناحية شيراز أن فضلك الصائغ قال بناحيتهم: إن الإيمان مخلوق فبلغني أنهم أخرجوه من البلد بأعوان.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: هذه من مسائل الفضول، والسكوت أولى، والذي صح عن السلف وعلماء الأثر أن الإيمان قول وعمل، وبلا ريب أن أعمالنا مخلوقة، لقوله -تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فصح أن بعض الإيمان مخلوق.
وقولنا: لا إله إلا الله، فمن إيماننا، فتلفظنا بها أيضا من أعمالنا. وأما ماهية الكلمة الملفوظة، فهي غير مخلوقة، لأنها من القرآن، أعاذنا الله من الفتن والهوى.
وقال "١٠/ ٢٧١ - ٢٧٢":
قال أحمد بن كامل القاضي، أخبرني أبو عبد الله الوراق: أنه كان يورق على داود بن علي، وأنه سمعه يسأل عن القرآن، فقال: أما الذي في اللوح المحفوظ: فغير مخلوق، وأما الذي هو بين الناس فمخلوق.
[ ١ / ٦٤ ]
فعقب الذهبي بقوله: قلت: هذه التفرقة والتفصيل ما قالها أحد قبله، فيما علمت، وما زال المسلمون على أن القرآن العظيم كلام الله ووحيه وتنزيله، حتى أظهر المأمون القول: بأنه مخلوق، وظهرت مقالة المعتزلة، فثبت الإمام أحمد بن حنبل، وأئمة السنة على القول: بأنه غير مخلوق، إلى أن ظهرت مقالة حسين بن علي الكرابيسي، وهي: أن القرآن كلام غير مخلوق، وأن ألفاظنا به مخلوقة، فأنكر الإمام أحمد ذلك، وعده بدعة، وقال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن فهو جهمي. وقال أيضا: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع. فزجر عن الخوض في ذلك من الطرفين.
وأما داود فقال: القرآن محدث فقام على داود خلق من أئمة الحديث، وأنكروا قوله وبدعوه، وجاء من بعده طائفة من أهل النظر، فقالوا: كلام الله معنى قائم بالنفس، وهذه الكتب المنزلة دالة عليه، ودققوا وعمقوا، فنسأل الله الهدى واتباع الحق، فالقرآن العظيم، حروفه ومعانيه وألفاظه كلام رب العالمين، غير مخلوق، وتلفظنا به وأصواتنا به من أعمالنا المخلوقة، قال النبي ﷺ: "زينوا القرآن بأصواتكم".
ولكن لما كان الملفوظ لا يستقل إلا بتلفظنا، والمكتوب لا ينفك عن كتابة، والمتلو لا يسمع إلا بتلاوة قال، صعب فهم المسألة وعسر إفراز اللفظ الذي هو الملفوظ من اللفظ الذي يعني به التلفظ، فالذهن يعلم الفرق بين هذا وبين هذا، والخوض في هذا خطر -نسأل الله السلامة في الدين- وفي المسألة بحوث طويلة، الكف عنها أولى، ولا سيما في هذه الأزمنة المزمنة.
وقال في "السير" "٧/ (١٣٨) ":
نهى ﵊ أن يبنى على القبور، ولو اندفن الناس في بيوتهم، لصارت المقبرة والبيوت شيئا واحدا، والصلاة في المقبرة فمنهي عنها نهي كراهة أو نهي تحريم، وقد قال ﵊: "أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة" (^١).
فناسب ذلك ألا تتخذ المساكن قبورا.
وأما دفنه في بيت عائشة -صلوات الله عليه وسلامه- فمختص به، كما خص ببسط قطيفة تحته في لحده، وكما خص بأن صلوا عليه فرادى بلا إمام، فكان هو إمامهم حيا وميتا في
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري "٧٣١"، ومسلم "٧٨١" وقد خرجته في المصدر المشار إليه.
[ ١ / ٦٥ ]
الدنيا والآخرة، وكما خص بتأخير دفنه يومين، ويكره تأخير أمته، لأنه هو أمن عليه التغير، بخلافنا، ثم إنهم أخروه حتى صلوا كلهم عليه، داخل بيته، فطال لذلك الأمر، ولأنهم ترددوا شطر اليوم الأول في موته، حتى قدم أبو بكر الصديق من السنح، فهذا كان سبب التأخير.
ويرد الحافظ ﵀ ببيان ناصع وجواب ساطع على ترهات الصوفية وأباطيلهم وعلى أهل الحلول والاتحاد منهم:
قال في "السير" "٩/ ٥٥٠":
متى رأيت الصوفي مكبا على الحديث، فثق به، ومتى رأيته نائيا عن الحديث، فلا تفرح به، لا سيما إذا انضاف إلى جهله بالحديث عكوف على ترهات الصوفية، ورموز الباطنية نسأل الله السلامة كما قال ابن المبارك:
وهل أفسد الدين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها
وقال في "السير" "١١/ ٢١١":
قال السلمي: وحكي عن الحلاج أنه رؤي واقفا في الموقف، والناس في الدعاء وهو يقول: أنزهك عما قرفك به عبادك، وأبرأ إليك مما وحدك به الموحدون!!
فعقب الذهبي ﵀ "١١/ ٢١١ - ٢١٢" بقوله:
قلت: هذا عين الزندقة، فإنه تبرأ مما وحد الله به الموحدون الذين هم الصحابة والتابعون وسائر الأمة، فهل وحدوه تعالى إلا بكلمة الإخلاص التي قال رسول الله ﷺ: "من قالها من قلبه، فقد حرم ماله ودمه". وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، ومحمدا رسول الله، فإذا برئ الصوفي منها، فهو ملعون زنديق، وهو صوفي الزي والظاهر، متستر بالنسب إلى العارفين، وفي الباطن فهو من صوفية الفلاسفة أعداء الرسل، كما كان جماعة في أيام النبي ﷺ منتسبون إلى صحبته وإلى ملته، وهم في الباطن من مردة المنافقين، قد لا يعرفهم نبي الله ﷺ ولا يعلم بهم قال الله -تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١]، فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات، فبالأولى أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده ﵇ على العلماء من أمته، فما ينبغي لك يا فقيه أن تبادر إلى
[ ١ / ٦٦ ]
تكفير المسلم. إلا ببرهان قطعي، كا لا يسوغ لك أن تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زغله، وانهتك باطنه وزندقته، فلا هذا ولا هذا، بل العدل أن من رآه المسلمون صالحا محسنا، فهو كذلك، لأنهم شهداء لله في أرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن من رآه المسلمون فاجرا أو منافقا أو مبطلا، فهو كذلك، وأن من كان طائفة من الأمة تضلله، وأن طائفة من الأمة تثني عليه وتبجله، وطائفة ثالثة تقف فيه وتتورع من الحط عليه، فهو ممن ينبغي أن يعرض عنه، وأن يفوض أمره إلى الله، وأن يستغفر له في الجملة؛ لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريح، ويصفو قلبك من الغل للمؤمنين.
ثم اعلم أن أهل القبلة كلهم، مؤمنهم وفاسقهم، وسنيهم ومبتدعهم -سوى الصحابة- لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناج، ولم يجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصديق فرد الأمة، قد علمت تفرقهم فيه، وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك علي، وكذلك ابن الزبير، وكذلك الحجاج، وكذلك المأمون، وكذلك بشر المريسي، وكذلك أحمد بن حنبل، والشافعي، والبخاري، والنسائي، وهلم جرا من الأعيان في الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمام كامل في الخير، إلا وثم أناس من جهلة المسلمين ومبتدعيهم يذمونه، ويحطون عليه، وما من رأس في البدعة والتجهم والرفض إلا وله أناس ينتصرون له، ويذبون عنه، ويدينون بقوله بهوى وجهل، وإنما العبرة بقول جمهور الأمة الخالين من الهوى والجهل، المتصفين بالورع والعلم.
فتدبر -يا عبد الله- نحلة الحلاج الذي هو من رءوس القرامطة، ودعاة الزندقة، وأنصف وتورع واتق ذلك، وحاسب نفسك فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام، محب للرئاسة، حريص على الظهور بباطل وبحق، فتبرأ من نحلته، وإن تبرهن لك -والعياذ بالله- أنه كان والحالة هذه محقا هاديا مهديا فجدد إسلامك، واستغث بربك أن يوفقك للحق، وأن يثبت قلبك على دينه، فإنما الهدى نور الله يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله، وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رمي به، أرحت نفسك، ولم يسألك الله عنه أصلا.
وقال في "السير" "١٢/ ١٧ - ١٨":
سئل عبد الله بن منازل الزاهد عن شيخ الصوفية أبي إسحاق إبراهيم بن شيبان القرميسيني زاهد الجبل، فقال: هو حجة الله على الفقراء، وأهل المعاملات والآداب.
[ ١ / ٦٧ ]
وعن إبراهيم قال: من أراد أن يتعطل ويتبطل، فليلزم الرخص.
وقال: علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية، وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من المغالطة والزندقة.
فعقب الذهبي -رحمه الله تعالى- "١٢/ (١٨) " بقوله:
قلت: صدقت والله، فإن الفناء والبقاء من ترهات الصوفية، أطلقه بعضهم، فدخل من بابه كل إلحادي وكل زنديق، وقالوا: ما سوى الله باطل فان، والله تعالى هو الباقي، وهو هذه الكائنات، وما ثم شيء غيره.
ويقول شاعرهم:
وما أنت غير الكون … بل أنت عينه
ويقول آخر:
وما ثم إلا الله ليس سواه
فانظر إلى هذا المروق والضلال، بل كل ما سوى الله محدث موجود، قال الله -تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩].
وإنما أراد قدماء الصوفية الفناء نسيان المخلوقات، وتركها، وفناء النفس عن التشاغل بما سوى الله، ولا يسلم إليهم هذا أيضا، بل أمرنا الله ورسوله بالتشاغل بالمخلوقات ورؤيتها والإقبال عليها، وتعظيم خالقها قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال ﵇: "حبب إلي النساء والطيب" (^١).
وقال: "كأنك علمت حبنا للحم".
وكان يحب عائشة ويحب أباها، ويحب أسامة، ويحب سبطيه، ويحب الحلواء
_________________
(١) حسن: أخرجه النسائي "٧/ ٦١"، وأحمد "٣/ ٢٨"، وقد خرجته في الجزء الثاني عشر بتعليقنا رقم "١٩" فراجعه ثمت.
[ ١ / ٦٨ ]
والعسل، ويحب جبل أحد، ويحب وطنه، ويحب الأنصار، إلى أشياء لا تحصى مما لا يغني المؤمن عنها قط.
وقال في "السير" "١٢/ ٢٨":
قال الحافظ شيخ الإسلام أبو سعيد بن الأعرابي البصري الصوفي: علم المعرفة غير محصور لا نهاية له ولا لوجوده، ولا لذوقه إلى أن قال -ولقد أحسن في المقال: فإذا سمعت الرجل يسأل عن الجمع أو الفناء، أو يجيب فيهما، فاعلم أنه فارغ، ليس من أهل ذلك إذ أهلهما لا يسألون عنه لعلمهم أنه لا يدرك بالوصف.
فعقب الذهبي ﵀ "١٢/ ٢٨ - ٢٩":
قلت: إي والله، دققوا وعمقوا، وخاضوا في أسرار عظيمة، ما معهم على دعواهم فيها سوى ظن وخيال، ولا الوجود لتلك الأحوال من الفناء والمحو والصحو والسكر إلا مجرد خطرات ووساوس، وما تفوه بعبارتهم صديق ولا صاحب، ولا إمام من التابعين. فإن طالبتهم بدعاويهم مقتول، وقالوا: محجوب، وإن سلمت لهم قيادك تخبط ما معك من الإيمان، وهبط بك الحال على الحيرة والمحال، ورمقت العباد بعين المقت، وأهل القرآن، والحديث بعين البعد، وقلت: مساكين محجوبون فلا حول ولا قوة إلا بالله.
فإنما التصوف والتأله والسلوك والسير والمحبة ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ من الرضا عن الله، ولزوم تقوى الله، والجهاد في سبيل الله، والتأدب بآداب الشريعة من التلاوة بترتيل وتدبر والقيام بخشية وخشوع، وصوم وقت، وإفطار وقت، وبذل المعروف، وكثرة الإيثار، وتعليم العوام، والتواضع للمؤمنين، والتعزز على الكافرين، ومع هذا فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
والعالم إذا عري من التصوف والتأله، فهو فارغ، كما أن الصوفي إذا عري من علم السنة، زل سواء السبيل.
وقد كان ابن الأعرابي من علماء الصوفية، فتراه لا يقبل شيئا من اصطلاحات القوم إلا بحجة.
[ ١ / ٦٩ ]
وقال في "السير" "١٢/ ١١٦":
قال الخلدي شيخ الصوفية أبو محمد جعفر بن محمد بن نصير: مضيت إلى عباس الدوري، وأنا حدث، فكتبت عنه مجلسا، وخرجت فلقيني صوفي، فقال: إيش هذا؟ فأريته فقال: ويحك، تدع علم الخرق، وتأخذ علم الورق! ثم خرق الأوراق، فدخل كلامه في قلبي، فلم أعد إلى عباس، ووقفت بعرفة ستا وخمسين وقفة.
فعقب الذهبي بقوله: ماذا إلا صوفي جاهل يمزق الأحاديث النبوية، ويحض على أمر مجهول، ما أحوجه إلى العلم.
وقال في "السير" "٩/ ٣٣٦":
قال أبو زرعة: أملى علي أحمد بن عاصم الحكيم: الناس ثلاث طبقات: مطبوع غالب، وهم المؤمنون فإذا غفلوا، ذكوا، ومطبوع مغلوب، فإذا بصروا، أبصروا ورجعوا بقوة العقل، ومطبوع مغلوب غير ذي طباع، ولا سبيل إلى رد هذا بالمواعظ.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: فما الظن إذا كان واعظ الناس من هذا الضرب عبد بطنه وشهوته، وله قلب عري من الحزن والخوف، فإن انضاف إلى ذلك فسق مكين، أو انحلال من الدين، فقد خاب وخسر، ولا بد أن يفضحه الله تعالى.
وقال في "السير" "٩/ ٣٤٩":
قال أحمد بن حنبل في هشام بن عمار: أنه طياش لأنه بلغه أنه قال في خطبته: "الحمد لله الذي تجلى لخلقه بخلقه".
فعقب الذهبي بقوله: هذه الكلمة لا ينبغي إطلاقها، وإن كان لها معنى صحيح، لكن يحتج بها الحلولي والاتحادي، وما بلغنا أنه ﷾ تجلى لشيء إلا بجبل الطور فصيره دكا. وفي تجليه لنبينا ﷺ اختلاف أنكرته عائشة وأثبته ابن عباس.
وقال في "السير" "١٠/ ٥٠":
قال ابن عيينة: غضب الله داء لا دواء له.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: دواؤه كثرة الاستغفار بالأسحار، والتوبة النصوح.
ويبين الحافظ الذهبي فساد مذهب الفلاسفة ويحذر من كتبهم بأوجز عبارة وأخصر بيان:
[ ١ / ٧٠ ]
قال في "السير" "١٤/ ٢٧٠":
قد ألف أبو حامد محمد بن محمد الشافعي الغزالي في ذم الفلاسفة كتاب "التهافت" وكشف عوارهم، ووافقهم في مواضع ظنا منه أن ذلك حق، أو موافق للملة، ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب "رسائل إخوان الصفا" وهو داء عضال، وجرب مرد، وسم قتال، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف، فالحذار الحذار من هذه الكتب واهربوا بدينكم من شبه الأوائل، وإلا وقعتم في الحيرة فمن رام النجاة والفوز فليلزم العبودية وليدمن الاستغاثة بالله وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام، وأن يتوفى على إيمان الصحابة، وسادة التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم يغفر له وينجو، إن شاء الله.
وقال في "السير" "١٢/ ١٨٥":
قال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري مؤلف كتاب "ذم الكلام": سمعت عبد الصمد بن محمد، سمعت أبي يقول: أنكروا على أبي حاتم ابن حبان قوله: "النبوة": "العلم والعمل"، فحكموا عليه بالزندقة، وهجر، وكتب فيه إلى الخليفة، فكتب بقتله.
فعقب الذهبي ﵀ "١٢/ ١٨٥ - ١٨٦" بقوله:
قلت: هذه حكاية غريبة، وابن حبان فمن كبار الأئمة، ولسنا ندعي فيه العصمة من الخطأ، لكن هذه الكلمة التي أطلقها، قد يطلقها المسلم، ويطلقها الزنديق الفيلسوف، فإطلاق المسلم لها لا ينبغي، لكن يعتذر عنه، فتقول: لم يرد حصر المبتدأ في الخبر، ونظير ذلك قوله ﵊: "الحج عرفة". ومعلوم أن الحاج لا يصير بمجرد الوقوف بعرفة حاجا، بل بقي عليه فروض وواجبات، وإنما ذكر مهم الحج. وكذا هذا ذكر مهم النبوة، إذ من أكمل صفات النبي كمال العلم والعمل، فلا يكون أحد نبيا إلا بوجودهما، وليس كل من برز فيهما نبيا، لأن النبوة موهبة من الحق تعالى، لا حيلة للعبد في اكتسابها، بل بها يتولد العلم اللدني والعمل الصالح.
وأما الفيلسوف فيقول: النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل، فهذا كفر، ولا يريده أبو حاتم أصلا، وحاشاه، وإن كان في تقاسيمه من الأقوال، والتأويلات البعيدة، والأحاديث المنكرة، وعجائب، وقد اعترف أن "صحيحه" لا يقدر على الكشف منه إلا من حفظه، كمن عنده مصحف لا يقدر على موضع آية يريدها منه إلا من يحفظه.
[ ١ / ٧١ ]
وقال في "السير" "١١/ (٣٢١) ":
قال واعظ بلخ أبو عبد الله محمد بن الفضل بن العباس البلخي: ذهاب الإسلام من أربعة لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ويمنعون الناس من العلم.
فعقب الذهبي ﵀ بقوله: قلت: هذه نعوت رءوس العرب والترك وخلق من جهلة العامة، فلو عملوا بيسير ما عرفوا، لأفلحوا ولو وقفوا عن العمل بالبدعة، لوفقوا، ولو فتشوا عن دينهم وسألوا أهل الذكر -لا أهل الحيل والمكر- لسعدوا، بل يعرضون عن التعلم تيها وكسلا، فواحدة من هذه الخلال مردية، فكيف بها إذا اجتمعت؟! فما ظنك إذا انضم إليها كبر، وفجور، وإجرام وتجهرم على الله؟! نسأل الله العافية.
وقال في "السير" "١١/ (٣٩٣) ":
قال زاهر بن أحمد السرخسي: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: أشهد على أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبادات.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة، ويقول: قال النبي ﷺ: "لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (^١)، فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم.
هذه هي عقيدة الحافظ العلامة شمس الدين الذهبي ﵀، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة التي كان عليها سلف الأمة الصحابة العظماء ومن تابعهم ﵃ أجمعين. ثم يبين أن النبي ﷺ لا يبلي -وكذا سائر الأنبياء- وأنه عاش أميا ومات أميا.
قال في "السير" "٧/ (٥٧٠) ":
النبي ﷺ لا يبلى، ولا تأكل الأرض جسده، ولا يتغير ريحه، بل هو الآن -وما زال- أطيب ريحا من المسك وهو حي في لحده، حياة مثله في البرزخ التي هي أكمل من حياة سائر النبيين، وحياتهم بلا ريب أتم وأشرف من حياة الشهداء الذين هم بنص الكتاب: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ
_________________
(١) صحيح: راجع تخريجنا له في الجزء الحادي عشر بتعليقنا رقم "٤٤٠".
[ ١ / ٧٢ ]
رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وهؤلاء حياتهم الآن التي في عالم البرزخ حق، ولكن ليست هي حياة الدنيا من كل وجه، ولا حياة أهل الجنة من كل وجه، ولهم شبه بحياة أهل الكهف. ومن ذلك اجتماع آدم وموسى لما احتج عليه موسى، وحجة آدم بالعلم السابق، كان اجتماعهما حقا، وهما في عالم البرزخ، وكذلك نبينا ﷺ أخبر أنه رأى في السموات آدم، وموسى، وإبراهيم، وإدريس، وعيسى، صلى الله وسلم عليهم، وطالت محاورته مع موسى، هذا كله حق، والذي منهم لم يذق الموت بعد، هو عيسى ﵇.
فما زال نبينا طيبا مطيبا، وإن الأرض محرم عليها أكل أجساد الأنبياء، وهذا شيء سبيله التوقيف، وما عنف النبي ﷺ الصحابة ﵃ لما قالوا له بلا علم: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني: قد بليت. فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء".
وقال في "السير" "١١/ (١١٦) ":
عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه قال: ما مات النبي ﷺ حتى قرأ وكتب (^١).
فعقب الذهبي "١١/ ١١٦ - (١١٨) " بقوله:
قلت: لم يرد أنه ﷺ كتب شيئا، إلا ما في "صحيح البخاري" من أنه يوم صلح الحديبية كتب اسمه "محمد بن عبد الله" (^٢).
واحتج بذلك القاضي أبو الوليد الباجي، وقام عليه طائفة من فقهاء الأندلس بالإنكار، وبدعوه حتى كفره بعضهم. والخطب يسير، فما خرج عن كونه أميا بكتابة اسمه الكريم، فجماعة من الملوك ما علموا من الكتابة سوى مجرد العلامة، وما عدهم الناس بذلك كاتبين، بل هم أميون، فلا عبرة بالنادر، وإنما الحكم للغالب، والله -تعالى- فمن حكمته لم يلهم نبيه تعلم الكتابة، ولا قراءة الكتب حسما لمادة المبطلين، كما قال -تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، ومع هذا فقد افتروا وقالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥]، فانظر إلى قحة
_________________
(١) ضعيف: في إسناده مجالد، وهو ابن سعيد، أجمعوا على ضعفه.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري "٢٦٩٨"، ومسلم "١٧٨٣" من حديث البراء بن عازب ﵁.
[ ١ / ٧٣ ]
المعاند، فمن الذي كان بمكة وقت المبعث يدري أخبار الرسل والأمم الخالية؟ ما كان بمكة أحد بهذه الصفة أصلا. ثم ما المانع من تعلم النبي ﷺ كتابة اسمه واسم أبيه مع فرط ذكائه، وقوة فهمه، ودوام مجالسته لمن يكتب بين يديه الوحي والكتب إلى ملوك الطوائف، ثم هذا خاتمه في يده، ونقشه: محمد رسول الله (^١).
فلا يظن عاقل أنه ﵇ ما تعقل ذلك، فهذا كله يقتضي أنه عرف كتابة اسمه واسم أبيه، وقد أخبر الله بأنه -صلوات الله عليه- ما كان يدري ما الكتاب ثم علمه الله ما لم يكن يعلم، ثم الكتاب صفة مدح، قال تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤ - ٥]، فلما بلغ الرسالة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، شاء الله لنبيه أن يتعلم الكتابة النادرة التي لا يخرج بمثلها عن أن يكون أميا، ثم هو القائل: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" (^٢). فصدق إخباره بذلك، إذا الحكم للغالب، فنفى عنه وعن أمته الكتابة والحساب لندور ذلك فيهم وقلته، وإلا فقد كان فيهم كتاب الوحي وغير ذلك، وكان فيهم من يحسب، وقال تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢].
ومن علمهم الفرائض، وهي تحتاج إلى حساب وعول، وهو ﵇ فينفي عن الأمة الحساب، فعلمنا أن المنفي كمال علم ذلك ودقائقه التي يقوم بها القبط والأوائل، فإن ذلك ما لم يحتج إليه دين الإسلام ولله الحمد.
فإن القبط عمقوا في الحساب والجبر، وأشياء تضيع الزمان وأرباب الهيئة تكلموا في سير النجوم والشمس والقمر، والكسوف والقران (^٣) بأمور طويلة لم يأت الشرع بها، فلما ذكر ﷺ الشهور ومعرفتها بين أن معرفتها ليست بالطرق التي يفعلها المنجم وأصحاب التقويم، وأن ذلك لا نعبأ به في ديننا، ولا نحسب الشهر بذلك أبدا، ثم بين أن الشهر بالرؤية فقط، فيكون تسعا وعشرين، أو بتكملة ثلاثين، فلا نحتاج مع الثلاثين إلى تكلف رؤية.
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري "٥٨٧٥"، ومسلم "٢٠٩٢" "٥٦" وقد خرجته في الجزء الحادي عشر بتعليقنا رقم "١٠٦".
(٢) صحيح: أخرجه البخاري "١٩١٣"، ومسلم "١٠٨٠" "١٥" وقد خرجته في الجزء الحادي عشر بتعليقنا رقم "١٠٧" فراجعه ثمت.
(٣) القران: يعني قران الكواكب.
[ ١ / ٧٤ ]
وأما الشعر فنزهه الله تعالى عن الشعر قال -تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، فما قال الشعر مع كثرته وجودته في قريش، وجريان قرائحهم به، وقد يقع شيء نادر في كلامه ﵇ موزونا، فما صار بذلك شاعرا قط، كقوله:
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب
وقوله:
هل أنت إلا إصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت
ومثل هذا قد يقع في كتب الفقه والطب وغير ذلك مما يقع اتفاقا، ولا يقصده المؤلف ولا يشعر به، أفيقول مسلم قط: إن قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]، هو بيت؟! معاذ الله وإنما صادف وزنا في الجملة، والله أعلم.
وقال في "السير" "١٣/ ٢٠٨":
المشركون والكتابيون وغيرهم عرفوا الله -تعالى- بمعنى أنهم لم يحجدوه، وعرفوا أنه خالقهم، قال -تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وقال: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] فهؤلاء لم ينكروا البارئ، ولا جحدوا الصانع، بل عرفوه، وإنما جهلوا نعوته المقدسة، وقالوا عليه ما لا يعلمون، والمؤمن يعرف ربه بصفات الكمال، ونفى عنه سمات النقص في الجملة، وآمن بربه، وكف عما لا يعلم، فبهذا يتبين لك أن الكافر عرف الله من وجه، وجهله من وجوه، والنبيون عرفوا الله تعالى، وبعضهم أكمل معرفة لله، والأولياء فعرفوه معرفة جيدة، ولكنها دون معرفة الأنبياء، ثم المؤمنون العالمون بعدهم، ثم الصالحون دونهم. فالناس في معرفة ربهم متفاوتون، كما أن إيمانهم يزيد وينقص، بل وكذلك الأمة في الإيمان بنبيهم والمعرفة له على مراتب، فأرفعهم في ذلك أبو بكر الصديق مثلا، ثم عدد من السابقين، ثم سائر الصحابة، ثم علماء التابعين، إلى أن تنتهي المعرفة به والإيمان به إلى أعرابي جاهل وامرأة من نساء القرى، ودون كذلك وذلك القول في معرفة الناس لدين الإسلام.
وقال في "السير" "٨/ ١٤٥":
قال هارون بن عبد الله الحمال: ما رأيت أخشع لله من وكيع، وكان عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد أخشع منه.
[ ١ / ٧٥ ]
فعقب الذهبي بقوله: قلت: خشوع وكيع مع إمامته في السنة، جعله مقدما، بخلاف خشوع هذا المرجئ -عبد المجيد عبد العزيز عفا الله عنه- أعاذنا الله وإياكم من مخالفة السنة، وقد كان على الإرجاء عدد كثير من علماء الأمة، فهلا عد مذهبا، وهو قولهم: أنا مؤمن حقا عند الله الساعة مع اعترافهم بأنهم لا يدرون بما يموت عليهم المسلم من كفر أو إيمان، وهذه قوله خفيفة، وإنما الصعب من قول غلاة المرجئة: أن الإيمان هو الاعتقاد بالأفئدة، وأن تارك الصلاة والزكاة، وشارب الخمر، وقاتل الأنفس، والزاني، وجميع هؤلاء يكونون مؤمنين كاملي الإيمان، ولا يدخلون النار ولا يعذبون أبدا. فردوا أحاديث الشفاعة المتواترة، وجسروا كل فاسق وقاطع طريق على الموبقات نعوذ بالله من الخذلان.
وقال الذهبي في "السير" "١١/ ٣١٢":
كل من أحب الشيخين فليس بغال، بلى من تعرض لهما بشيء من تنقص فإنه رافضي غال، فإن سب، فهو من شرار الرافضة، فإن كفر، فقد باء بالكفر، واستحق الخزي.
وقال في "السير" "١٢/ ٤١٩":
ليس تفضيل علي برفض، ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكل من عثمان وعلي ذي فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء ﵄ ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي، وإليه نذهب والخطب في ذلك يسير، والأفضل منهما -بلا شك- أبو بكر وعمر، من خالف في ذا فهو شيعي جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سبهما واعتقد أنهما ليسا بإمامي هدى فهو من غلاة الرافضة، أبعدهم الله.
وقال في "السير" "١٣/ ٢٣١":
قال ابن حزم: الإمامية كلهم على أن القرآن مبدل، وفيه زيادة ونقص سوى المرتضى، فإنه كفر من قال ذلك، وكذلك صاحباه أبو يعلى الطوسي، وأبو القاسم الرازي.
فعقب الذهبي بقوله: وفي تواليف المرتضى -أبي طالب علي بن حسين بن موسى- سب أصحاب رسول الله ﷺ فنعوذ بالله من علم لا ينفع.
[ ١ / ٧٦ ]
هكذا يتبرأ الحافظ ﵀ من سب الصحابة الكرام، وممن بدل القرآن، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وما كان عليه سلف الأمة قد أبانها الحافظ في أقواله المبثوثة في هذا الكتاب العظيم وفي ردوده على أهل الزيغ والضلال بيانا ساطعا يستضيء به كل باحث عن الحق.
لقد كان الحافظ الذهبي ﵀ رأسا في علوم الحديث، وألف فيها كتبا كثيرة اعتمد عليها كثير من العلماء إلى يومنا هذا، وكانت له آراء حديثية هامة تهم كل عامل ومشتغل بهذا العلم الشريف، هذه الأقوال والآراء مبثوثة في كتابه "السير"، وسائر كتبه، نذكر بعض هذه الأقوال والآراء ليستضيء بها كل مشتغل بهذا العلم الجليل، وليقف القارئ على هذه المكانة السنية التي تبوأها هذا الحافظ الجليل حتى أصبح يشار إليه بالبنان بين أكابر علماء الحديث، فدونك أيها القارئ الكريم هذه الأقوال والآراء:
قال في "السير" "٧/ ١١٥":
قال جماعة سليمان بن حرب: سمعت حماد بن زيد يقول في قوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] قال: أرى رفع الصوت عليه بعد موته، كرفع الصوت عليه في حياته، إذا قرئ حديثه وجب عليك أن تنصت له، كما تنصت للقرآن يعمر.
وقال في "السير" "٩/ ٧":
ينبغي للمحدث أن لا يشهر الأحاديث التي يتشبث بظاهرها أعداء السنن من الجهمية، وأهل الأهواء، والأحاديث التي فيها صفات لم تثبت، فإنك لن تحدث قوما. بحديث لا تبلغه عقولهم، إلا كان فتنة لبعضهم، فلا تكتم العلم الذي هو علم، ولا تبذله للجهلة الذين يشغبون عليك، أو الذين يفهمون منه ما يضرهم.
وقال في "السير" "٩/ ٢٢":
قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون. وقد صح أن أبا هريرة كتم حديثا كثيرا مما لا يحتاجه المسلم في دينه، وكان يقول: لو بثثته فيكم لقطع هذا البلعوم. وليس هذا من باب كتمان العلم في شيء، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره، ويجب على الأمة حفظه، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد
[ ١ / ٧٧ ]
نشرهن وينبغي للأمة نقله، والعلم المباح لا يجب بثه، ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء.
والعلم الذي يحرم تعلمه ونشره: علم الأوائل، وإلهيات الفلاسفة، وبعض رياضتهم -بل أكثره- وعلم السحر، والسيمياء، والكيمياء، والشعبذة، والحيل، ونشر الأحاديث الموضوعة، وكثير من القصص الباطلة أو المنكرة، وسيرة البطال المختلفة، وأمثال ذلك، ورسائل إخوان الصفا، وشعر يعرض فيه إلى الجناب النبوي، فالعلوم الباطلة كثيرة جدا فلتحذر، ومن ابتلي بالنظر فيها للفرجة والمعرفة من الأذكياء فليقلل من ذلك، وليطالعه وحده وليستغفر الله تعالى وليلتجئ إلى التوحيد، والدعاء بالعافية في الدين، وكذلك أحاديث كثيرة مكذوبة وردت في الصفات، لا يحل بثها إلا للتحذير من اعتقادها، وإن أمكن إعدامها، فحسن، اللهم فاحفظ علينا إيماننا ولا قوة إلا بالله.
وقال في "السير" "٧/ ٤٥٨":
أكثر الأئمة على التشديد في أحاديث الأحكام، والترخيص قليلا، لا كل الترخيص في الفضائل والرقاق، فيقبلون في ذلك ما ضعف إسناده لا ما اتهم رواته، فإن الأحاديث الموضوعة والأحاديث الشديدة الوهن، لا يلتفتون إليها، بل يروونها للتحذير منها، والهتك لحالها، فمن دلسها، أو غطى تباينها، فهو جان على السنة، خائن لله ورسوله، فإن كان يجهل ذلك، فقد يعذر بالجهل، ولكن سلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.
وقال في "السير" "١٢/ ١٦٨":
كان الحفاظ يطلقون لفظة "ثقة" على الشيخ الذي سماعه بقراءة متقن، وإثبات عدل، وترخصوا في تسميته بالثقة، وإنما الثقة في عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل في نفسه، المتقن لما حمله، الضابط لما نقل، وله فهم ومعرفة بالفن، فتوسع المتأخرون.
وقال في "السير" "١٠/ ٣٤١":
قال محمد بن بركة الحلبي: سمعت عثمان بن خرزاذ يقول: يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عدمت واحدة فهي نقص، يحتاج إلى عقل جيد، ودين، وضبط، وحذاقة بالصناعة، مع أمانة تعرف منه.
[ ١ / ٧٨ ]
فعقب الذهبي بقوله: قلت: الأمانة جزء من الدين، والضبط داخل في الحذق، فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون تقيا ذكيا، نحويا لغويا زكيا حييا، سلفيا، يكفيه أن يكتب بيده مائتي مجلد، ويحصل من الدواوين المعتبرة خمسمائة مجلد، وأن لا يفتر من طلب العلم إلى الممات، بنية خالصة وتواضع، وإلا فلا يتعن.
وقال في "السير" "٩/ ١٢٩ - (١٣٠) ":
نحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل، لكن هم أكثر الناس صوابا، وأندرهم خطأ، وأشدهم إنصافا، وأبعدهم عن التحامل، وإذا اتفقوا على تعديل أو جرح، فتمسك به، واعضض عليه بناجذيك، ولا تتجاوزه، فتندم، ومن شذ منهم، فلا عبرة به، فخل عنك العناء، وأعط القوس باريها، فوالله لولا الحفاظ الأكابر، لخطبت الزنادقة على المنابر، ولئن خطب خاطب من أهل البدع، فإنما هو بسيف الإسلام، وبلسان الشريعة، وبجاه السنة، وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول ﷺ فنعوذ بالله من الخذلان.
وقال في "السير" "١٠/ (١٠٤) ":
من نظر في كلام البخاري في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه، فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه، فيه نظر، ونحو هذا. وقل أن يقول: فلان كذاب، أو كان يضع الحديث حتى إنه قال: إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو منهم واه. وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبت أحدا، وهذا هو والله غاية الورع.
قال محمد بن أبي حاتم الوراق: سمعته -يعني: البخاري- يقول: لا يكون لي خصم في الآخرة، فقلت: إن بعض الناس ينقمون عليك في كتاب "التاريخ" ويقولون: فيه اغتياب الناس، فقال: إنما روينا ذلك رواية لم نقله من عند أنفسنا، قال النبي ﷺ: "بئس مولى العشيرة" يعني حديث عائشة (^١). وسمعته يقول: ما اغتبت أحدا قط منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها. وقال الحافظ في "الميزان" "١/ (٦) ": نقل ابن القطان أن البخاري قال: كل من قلت فيه: منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه.
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد "٦/ ٣٨"، والحميدي "٢٤٩"، والبخاري "٦٠٥٤"، "٦١٣١"، ومسلم "٢٥٩١" "٧٣" وغيرهم وقد خرجته في الموضع المشار إليه، فراجعه ثمت.
[ ١ / ٧٩ ]
وقال في "السير" "٧/ ٥٨٣":
كان يحيى بن سعيد القطان متعنتا في نقد الرجال، فإذا رأيته قد وثق شيخا، فاعتمد عليه، أما إذا لين أحدا، فتأن في أمره حتى ترى قول غيره فيه، فقد لين مثل إسرائيل، وهمام، وجماعة احتج بهم الشيخان، وله كتاب في "الضعفاء" لم أقف عليه، ينقل منه ابن حزم وغيره، ويقع كلامه في سؤالات علي، وأبي حفص الصيرفي، وابن معين له.
وقال في "الميزان" "١/ ٦١":
لا يلتفت إلى قول الأزدي، فإن في لسانه في الجرح رهقا.
وقال الذهبي في "الميزان": لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة.
وقال في "السير" "٨/ ٣٦٥":
كل تغير يوجد في مرض الموت، فليس بقادح في الثقة، فإن غالب الناس يعتريهم في المرض الحاد نحو ذلك، ويتم لهم وقت السياق وقبله أشد من ذلك، وإنما المحذور أن يقع الاختلاط بالثقة، فيحدث في حال اختلاطه بما يضطرب في إسناده، أو متنه، فيخالف فيه.
وقال في "السير" "٩/ ٣١٤":
كل أحد يتعلل قبل موته غالبا ويمرض، فيبقى أيام مرضه متغير القوة الحافظة، ويموت إلى رحمة الله على تغيره، ثم قبل موته بيسير يختلط ذهنه، ويتلاشى علمه، فإذا قضى زال بالموت حفظه، فكان ماذا؟ أفبمثل هذا يلين عالم قط؟ كلا والله.
وقال الحافظ في "السير" "٧/ ١١٥":
المدلس داخل في قوله تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨]، قلت: والمدلس فيه شيء من الغش، وفيه عدم نصح للأمة، لا سيما إذا دلس الخبر الواهي يوهم أنه صحيح، فهذا لا يحل بوجه، بخلاف باقي أقسام التدليس، وما أحسن قول عبد الوارث بن سعيد: التدليس ذل.
وقال في "السير" "٩/ ٣١٣":
قال أبو عبد الله الحاكم: إسحاق، وابن المبارك، ومحمد ابن يحيى هؤلاء دفنوا كتبهم.
[ ١ / ٨٠ ]
فعقب الذهبي "٩/ ٣١٤" بقوله:
قلت: هذا فعله عدة من الأئمة، وهو دال أنهم لا يرون نقل العلم وجادة فإن الخط قد يتصحف على الناقل، وقد يمكن أن يزاد في الخط حرف، فيغير المعنى، ونحو ذلك. وأما اليوم فقد اتسع الخرق، وقل تحصيل العلم من أفواه الرجال، بل ومن الكتب غير المغلوطة، وبعض النقلة للمسائل قد لا يحسن أن يتهجى.
وقال في "السير" "٩/ ٣٢٦":
قال مطين: أوصى أبو كريب محمد بن العلاء بكتبه أن تدفن فدفنت.
فعقب الذهبي "٩/ ٣٢٧" بقوله:
قلت: فعل هذا بكتبه من الدفن والغسل والإحراق عدة من الحفاظ خوفا من أن يظفر بها محدث قليل الدين، فيغير فيها، ويزيد فيها، فينسب ذلك إلى الحفاظ، أو أن أصوله كان فيها مقاطيع وواهيات ما حدث بها أبدا، وإنما انتخب من أصوله ما رواه وما بقي، فرغب عنه، وما وجدوا لذلك سوى الإعدام فلهذا ونحوه دفن ﵀ كتبه.
وقال في "السير" "٦/ ٥٩٤":
قال أبو زرعة الدمشقي: حدثنا أبو اليمان قال: دخلنا على شعيب بن أبي حمزة حتى احتضر، فقال: هذه كتبي، فمن أراد أن يأخذها فليأخذها ومن أراد أن يعرض، فليعرض، ومن أراد أن يسمع، فليسمعها من ابني، فإنه سمعها مني.
فعقب عليه الذهبي "٦/ ٥٩٥" بقوله:
قلت: فهذا يدلك على أن عامة ما يرويه أبو اليمان عنه بالإجازة، ويعبر عن ذلك: بأخبرنا، وروايات أبي اليمان عنه ثابته في "الصحيحين"، وذلك بصيغة: أخبرنا ومن روى شيئا من العلم بالإجازة عن مثل شعيب بن أبي حمزة في إتقان كتبه وضبطه، فذلك حجة عند المحققين، مع اشتراط أن يكون الراوي بالإجازة ثقة، ثبتا أيضا، فمتى فقد ضبط الكتاب المجاز، وإتقانه، وتحريره، أو إتقان المجيز أو المجاز له، انحط المروي عن رتبة الاحتجاج به. ومتى فقد الصفات كلها، لم تصح الرواية عند الجمهور.
وشعيب ﵀ فقد كانت كتبه نهاية في الحسن، والإتقان، والإعراب، وعرف
[ ١ / ٨١ ]
هو ما يجيز ولمن أجاز، بل رواية كتبه بالوجادة كاف في الحجة، وفي رواية أبي اليمان عنه بذلك دليل على إطلاق: أخبرنا في الإجازة كما يتعاناه فضلاء المحدثين بالمغرب، وهو ضرب من التدليس، فإنه يوهم أنه بالسماع. والله أعلم.
وقال في "السير" "٦/ ٥٧١":
القدري، والمعتزلي، والجهمي، والرافضي إذا علم صدقه في الحديث وتقواه، ولم يكن داعيا إلى بدعته، فالذي عليه أكثر العلماء قبول روايته، والعمل بحديثه، وترددوا في الداعية، هل يؤخذ عنه؟ فذهب كثير من الحفاظ إلى تجنب حديثه، وهجرانه. وقال بعضهم: إذا علمنا صدقه، وكان داعية، ووجدنا عنده سنة تفرد بها، فكيف يسوغ لنا ترك تلك السنة؟
فجميع تصرفات أئمة الحديث تؤذن بأن المبتدع إذا لم تبح بدعته خروجه من دائرة الإسلام، ولم تبح دمه، فإن قبول ما رواه سائغ. وهذه المسألة لم تتبرهن لي كما ينبغي، والذي اتضح لي منها: أن من دخل في بدعة، ولم يعد من رءوسها، ولا أمعن فيها، يقبل حديثه، كما مثل الحافظ أبو زكريا يحيى بن معين بقتادة، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الوارث، وغيرهم، وهم يقولون بالقدر وهم ثقات، وحديثهم في كتب الإسلام لصدقهم وحفظهم.
وقال في "السير" "١٢/ ٣٨٥":
كان أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله الداركي الشافعي يتهم بالاعتزال وكان ربما يختار في الفتوى، فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم! حدث فلان عن فلان، عن رسول الله ﷺ بكذا وكذا، والأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة.
فعقب الذهبي ﵀ بقوله: هذا جيد، لكن بشرط أن يكون قد قال بذلك الحديث إمام من نظراء الإمامين مثل مالك، أو سفيان، أو الأوزاعي، وبأن يكون الحديث ثابتا سالما من علة، وبأن لا يكون حجة أبي حنيفة والشافعي حديثا صحيحا معارضا للآخر. أما من أخذ بحديث صحيح وقد تنكبه سائر أئمة الاجتهاد، فلا كخبر: "فإن شرب في الرابعة فاقتلوه"، وكحديث: "لعن الله السارق، يسرق البيضة، فتقطع يده".
وقال في السير "السير" "١١/ ٨٣":
قال أبو سعيد بن يونس في "تاريخه" كان أبو عبد الرحمن النسائي إماما حافظا ثبتا.
[ ١ / ٨٢ ]
فعقب الذهبي بقوله: قلت: هذا أصح، فإن ابن يونس حافظ يقظ، وقد أخذ عن النسائي، وهو به عارف. ولم يكن أحد في رأس الثلاثمائة أحفظ من النسائي، وهو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جار في مضمار البخاري، وأبي زرعة إلا أن فيه قليل تشيع وانحراف عن خصوم الإمام علي كمعاوية، وعمرو، والله يسامحه.
وقد صنف "مسند علي" وكتابا حافلا في الكنى، وأما كتاب: "خصائص علي" فهو داخل في "سننه الكبير"، وكذلك كتاب "عمل اليوم والليلة"، وهو مجلد، وهو جملة من "السنن الكبير" في بعض النسخ، وله كتاب "التفسير" في مجلد، وكتاب "الضعفاء"، وأشياء والذي وقع لنا من "سننه" هو الكتاب "المجتبى" منه، انتخاب أبي بكر بن السني، سمعته ملفقا من جماعة سمعوه من ابن باقا بروايته عن أبي زرعة المقدسي سماعا لمعظمه، وإجازة لفوت له محدد في الأصل. قال أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمد الدوني، قال أخبرني القاضي أحمد بن الحسين الكار حدثنا ابن السني، عنه.
وقال في "السير" "٨/ ٣٦٣ - ٣٦٤":
ما فوق عفان أحد في الثقة، وقد تناكد الحافظ ابن عدي بإيراده في كتاب "الكامل" لكنه أبدى أنه ذكره ليذب عنه، فإن إبراهيم بن أبي داود قال: سمعت سليمان بن حرب يقول: أترى عفان كان يضبط عن شعبة، والله لو جهد جهده أن يضبط عنه حديثا واحدا ما قدر عليه، كان بطيئا رديء الفهم.
ثم قال ابن عدي: عفان أشهر وأوثق من أن يقال فيه شيء، ولا أعلم له إلا أحاديث مراسيل عن حماد بن سلمة وغيره، وصلها، وأحاديث موقوفة رفعها، وهذا مما لا ينقصه، فإن الثقة قد يهم، وعفان كان قد رحل إليه أحمد بن صالح من مصر كانت رحلته إليه خاصة دون غيره.
وقال في تذكرة الحافظ "ص ٩٧٩": كلمة المفيد أول ما استعملت لقبا في هذا الوقت قبل الثلاثمائة، والحافظ أعلى من المفيد في العرف، كما أن الحجة فوق الثقة.
وقال في "السير" "١٠/ ٥١٢":
ما زلنا نسمع بهذا "التفسير" الكبير لأحمد على ألسنة الطلبة وعمدتهم حكاية ابن المنادي
[ ١ / ٨٣ ]
هذه، وهو كبير قد سمع من جده وعباس الدوري، ومن عبد الله بن أحمد، لكن ما رأينا أحدا أخبرنا عن وجود هذا "التفسير"، ولا بعضه أو كراسة منه، ولو كان له وجود، أو لشيء منه لنسخوه، ولاعتني بذلك طلبة العلم، ولحصلوا ذلك، ولنقل إلينا، ولاشتهر، ولتنافس أعيان البغداديين في تحصيله، ولنقل منه ابن جرير فمن بعده في تفاسيرهم، ولا -والله- يقتضي أن يكون عند الإمام أحمد في التفسير مائة ألف وعشرون ألف حديث، فإن هذا يكون في قدر "مسنده" بل أكثر بالضعف، ثم الإمام أحمد لو جمع شيئا في ذلك، لكان يكون منقحا مهذبا عن المشاهير، فيصغر لذلك حجمه، ولكان يكون نحوا من عشرة آلاف حديث بالجهد، بل أقل.
ثم الإمام أحمد كان لا يرى التصنيف، وهذا كتاب "المسند" له لم يصنفه هو، ولا رتبه، ولا اعتنى بتهذيبه، بل كان يرويه لولده نسخا وأجزاء ويأمره: أن أضع هذا في مسند فلان، وهذا في مسند فلان، وهذا التفسير لا وجود له، وأنا أعتقد أنه لم يكن، فبغداد لم تزل دار الخلفاء، وقبة الإسلام، ودار الحديث، ومحلة السنن، ولم يزل أحمد فيها معظما في سائر الإعصار، وله تلامذة كبار، وأصحاب أصحاب، وهلم جرا إلى الأمس حين استباحها جيش المغول، وجرت بها من الدماء سيول، وقد اشتهر ببغداد "تفسير" ابن جرير، وتزاحم على تحصيله العلماء، وسارت به الركبان، ولم نعرف مثله في معناه، ولا ألف قبله أكبر منه، وهو في عشرين مجلدة، وما يحتمل أن يكون عشرين ألف حديث، بل لعله خمسة عشر ألف إسناد، فخذه، فعده إن شئت.
وقال في "السير" "٧/ ١١٦":
لا أعلم بين العلماء نزاعا في أن حماد بن زيد من أئمة السلف، ومن أتقن الحفاظ وأعدمهم غلظا على سعة ما روى ﵀.
وقال في "السير" "٧/ ١٠٧":
كان حماد بن سلمة بحرا من بحور العلم، وله أوهام في سعة ما روى، وهو صدوق، حجة -إن شاء الله- وليس هو في الإتقان كحماد بن زيد، وتحايد البخاري إخراج حديثه، إلا حديثا خرجه في الرقاق، فقال: قال لي أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي، ولم ينحط حديثه عن رتبة الحسن. ومسلم روى له في الأصول، عن ثابت وحميد، لكونه خبيرا بهما.
[ ١ / ٨٤ ]
وقد عقد الحافظ فصلا في غاية الأهمية في التمييز بين الحمادين، حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والسفيانين سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة لن يجده الباحث في مكان غير هذا الكتاب، فقال ﵀ في السير" "٧/ ١١٨":
فصل: اشترك الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، وروى عنهما جميعا جماعة من المحدثين فربما روى الرجل منهم عن حماد، لم ينسبه، فلا يعرف أي الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عرى السند عن القرائن، وذلك قليل لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو نقدره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم، إذ مسلم قد احتج بهما جميعا.
فمن شيوخهما معا: أنس بن سيرين، وأيوب، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سويد، وبرد بن سنان، وبشر بن حرب، وبهز بن حكيم، وثابت، والجعد أبو عثمان، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، والجريري، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبي النجود، وابن عون، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وعطاء بن السائب، وعلي بن زيد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد، ومحمد بن واسع، ومطر الوراق، وأبو جمرة الضبعي، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عتيق، ويونس بن عبيد.
وحدث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وعفان، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب وشيبان، والقعنبي، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو النعمان عارم، وموسى بن إسماعيل -لكن ماله عن حماد بن زيد سوى حديث واحد- ومؤمل بن إسماعيل، وهدبة، ويحيى بن حسان، ويونس بن محمد المؤدب، وغيرهم.
والحفاظ المختصون بالإكثار، وبالرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد، وحبان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمر بن عاصم.
والمختصون بحماد بن زيد، الذين ما لحقوا ابن سلمة، فهم أكثر وأوضح: كعلي بن المديني، وأحمد بن عبدة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العقدي، وخالد بن خداش، وخلف بن هشام، وزكريا بن عدي، وسعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهراني، والقواريري، وعمرو بن عوف، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ولوين، ومحمد بن عيسى بن الطباع، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومسدد، ويحيى بن حبيب، ويحيى بن يحيى التميمي، وعدة من أقرانهم
[ ١ / ٨٥ ]
فإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن حماد وأبهمه، علمت أنه ابن زيد، وأن هذا لم يدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما، فقال: حدثنا حماد، وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو؟ فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك، ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد، عرفته بشيوخه المختصين به، ثم عادة عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما روى عن حماد بن سلمة فلا ينسبه، وكذلك يفعل حجاج بن منهال، وهدبة بن خالد، فأما سليمان بن حرب، فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا قالا: حدثنا حماد، فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التبوذكي: حدثنا حماد، فهو ابن سلمة، فهو راويته والله أعلم.
ويقع مثل هذا الاشتراك سواء في السفيانين، فأصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عيينة صغار، لم يدركوا الثوري، وذلك أبين، فمتى رأيت القديم قد روى، فقال حدثنا سفيان، وأبهم، فهو الثوري، هم كوكيع وابن مهدي والفريابي وأبي نعيم. فإن روى واحد منهم عن ابن عيينة بينه، فأما الذي لم يلحق الثوري، وأدرك ابن عيينة، فلا يحتاج أن ينسبه، لعدم الإلباس فعليك بمعرفة طبقات الناس.
وقال في "السير" "١٠/ ٣٧٤":
عن ابن ماجه قال: عرضت هذه "السنن" على أبي زرعة الرازي، فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع، أو أكثرها، ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا، مما في إسناده ضعف، أو نحو ذا.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: قد كان ابن ماجه حافظا ناقدا صادقا، واسع العلم، وغنما غض من رتبة "سننه" ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات، وقول أبي زرعة -إن صح- فإنما عني بثلاثين حديثا؛ الأحاديث المطروحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة فكثيرة، لعلها نحو الألف.
وقال في "السير" "١٠/ ١٧٩":
ليس في "صحيح مسلم" من العوالي إلا ما قل، كالقعنبي عن أفلح بن حميد، ثم حديث حماد بن سلمة، وهمام، ومالك، والليث، وليس في الكتاب حديث عال لشعبة، ولا للثوري، ولا لإسرائيل، وهو كتاب نفيس كامل في معناه، فلما رآه الحافظ أعجبوا به، ولم
[ ١ / ٨٦ ]
يسمعوه لنزوله، فعمدوا إلى أحاديث الكتاب، فساقوها من مروياتهم عالية بدرجة وبدرجتين، ونحو ذلك، حتى أتوا على الجميع هكذا، وسموه: "المستخرج على صحيح مسلم". فعل ذلك عدة من فرسان الحديث، منهم: أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني -وزاد في كتابه متونا معروفة بعضها لين- والزاهد أبو جعفر أحمد بن حمدون الحيري، وأبو الوليد حسان بن محمد الفقيه، وأبو حامد أحمد بن محمد الشاركي الهروي، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن زكريا الجوزقي، والإمام أبو علي الماسرجسي، وأبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، وآخرون لا يحضرني ذكرهم الآن.
وقال في "السير" "١٠/ ١٨١":
مسلم بن الحجاج -لحدة في خلقه- انحرف عن البخاري، ولم يذكر له حديثا، ولا سماه في "صحيحه"، بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقى لمن روى عنه بصيغة: عن، وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك. وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري، وشيخه علي بن المديني، وهو الأصوب الأقوى. وليس هذا موضع بسط هذه المسألة.
وقال في "السير" "١٠/ ١٨٢":
قال الحاكم: أراد مسلم أن يخرج "الصحيح" على ثلاثة أقسام، وعلى ثلاث طبقات من الرواة، وقد ذكر هذا في صدر خطبته، فلم يقدر له إلا الفراغ من الطبقة الأولى، ومات ثم ذكر الحاكم مقالة هي مجرد دعوى. فقال: إنه لا يذكر من الأحاديث إلا ما رواه صحابي مشهور له راويان ثقتان فأكثر ثم يرويه عنه أيضا راويان ثقتان فأكثر، ثم كذلك من بعدهم.
فقال أبو علي الجياني: المراد بهذا أن هذا الصحابي أو هذا التابعي قد روى عنه رجلان، خرج بهما عن حد الجهالة.
قال القاضي عياض: والذي تأوله الحاكم على مسلم من اخترام المنية له قبل استيفاء غرضه إلا من الطبقة الأولى، فأنا أقول: إنك إذا نظرت في تقسيم مسلم في كتابه الحديث على ثلاث طبقات من الناس على غير تكرار، فذكر أن القسم الأول حديث الحفاظ، ثم قال: إذا انقضى هذا، أتبعته بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان. وذكر أنهم لاحقون بالطبقة
[ ١ / ٨٧ ]
الأولى، فهؤلاء مذكورون في كتابه لمن تدبر الأبواب. والطبقة الثانية: قوم تكلم فيهم قوم، وزكاهم آخرون، فخرج حديثهم عمن ضعف أو اتهم ببدعة، وكذلك فعل البخاري.
ثم قال القاضي عياض: فعندي أنه أتى بطبقاته الثلاث في كتابه، وطرح الطبقة الرابعة.
فعقب الذهبي "١٠/ ١٨٢ - (١٨٣) " بقوله:
قلت: بل خرج حديث الطبقة الأولى، وحديث الثانية إلا النزر القليل مما يستنكره لأهل الطبقة الثانية. ثم خرج لأهل الطبقة الثالثة أحاديث ليست بالكثيرة في الشواهد والاعتبارات والمتابعات، وقل أن خرج لهم في الأصول شيئا، ولو استوعبت أحاديث أهل هذه الطبقة في "الصحيح"، لجاء الكتاب في حجم ما هو مرة أخرى، ولنزل كتابه بذلك الاستيعاب عن رتبة الصحة، وهم كعطاء بن السائب، وليث، ويزيد بن أبي زياد، وأبان بن صمعة، ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عمرو بن علقمة وطائفة أمثالهم فلم يخرج لهم إلا الحديث بعد الحديث إذا كان له أصل وإنما يسوق أحاديث هؤلاء ويكثر منها أحمد في "مسنده"، وأبو داود والنسائي وغيرهم فإذا انحطوا إلى إخراج أحاديث الضعفاء الذين هم أهل الطبقة الرابعة، اختاروا منها، لم يستوعبوها على حسب آرائهم واجتهاداتهم في ذلك.
وأما أهل الطبقة الخامسة، كمن أجمع على إطراحه وتركه لعدم فهمه وضبطه، أو لكونه متهما، فيندر أن يخرج لهم أحمد، والنسائي. ويورد لهم أبو عيسى فيبينه بحسب اجتهاده، لكنه قليل. ويورد لهم ابن ماجه أحاديث قليلة ولا يبين والله أعلم. وقل ما يورد منها أبو داود فإن أورد بينه في غالب الأوقات.
وأما أهل الطبقة السادسة: كغلاة الرافضة، والجهمية الدعاة، وكالكذابين والوضاعين، وكالمتروكين المهتوكين، كعمر بن الصبح، ومحمد بن المصلوب، ونوح بن أبي مريم، وأحمد ابن الجويباري، وأبي حذيفة البخاري، فما لهم في الكتب حرف ما عدا عمر، فإن ابن ماجه خرج له حديثا واحدا (^١) فلم يصب. وكذا خرج ابن ماجه للواقدي حديث واحدا، فدلس اسمه وأبهمه (^٢).
_________________
(١) ، (^٢) راجع تعليقنا رقم "١٨٦"، "١٨٧" في الجزء العاشر "ص ١٨٣".
[ ١ / ٨٨ ]
وقال في "السير" "٩/ (٢٨٤) ":
في الصحيحين أحاديث قليلة في "المسند"، لكن قد يقال: لا ترد على قولهن فإن المسلمين ما اختلفوا فيها ثم ما يلزم من هذا القول: أن ما وجد فيه أن يكون حجة، ففيه جملة من الأحاديث الضعيفة ما يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها، وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة، ولكنها قطرة في بحر وفي غضون "المسند" زيادات. جمة لعبد الله بن أحمد.
وقال الحافظ في "السير" "١٤/ (٢٧٦) ":
كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي فيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائف الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علما نافعا، تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن، وفسره الرسول ﷺ قولا وفعلا، ولم يأت نهي عنه قال ﵊: "من رغب عن سنتي فليس مني" (^١) فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في "الصحيحين" و"سنن النسائي"، و"رياض النواوي" و"أذكاره"، تفلح وتنجح، وإياك وآراء عباد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات، وجوع الرهبان، وخطاب طيش رءوس أصحاب الخلوات، فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة، فواغوثاه بالله. اللهم اهدنا إلى صراطك المستقيم.
وقال في "السير" "١٤/ (٢٧٧) ":
قال أبو الفرج ابن الجوزي: صنف أبو حامد "الإحياء" وملأه بالأحاديث الباطلة، ولم يعلم بطلانها، وتكلم على الكشف وخرج عن قانون الفقه وقال: إن المراد بالكوكب والقمر والشمس اللواتي رآهن إبراهيم أنوار هي حجب الله ﷿، ولم يرد هذه المعروفات! وهذا من جنس كلام الباطنية، وقد رد ابن الجوزي على أبي حامد في كتاب "الإحياء" وبين خطأ في مجلدات، سماه كتاب "الأحياء".
وقال في "السير" "١٢/ (١٨٧) ":
قرأت بخط الحافظ الضياء في جزء علقه مآخذ على كتاب ابن حبان فقال في حديث أنس
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري "٥٠٦٣"، ومسلم "١٤٠١"، والنسائي "٦/ ٦٠"، وأحمد "٣/ ٢٤١، ٢٥٩، ٢٨٥" من حديث أنس بن مالك.
[ ١ / ٨٩ ]
في "الوصال" (^١): فيه دليل على أن الأخبار التي فيها وضع الحجر على بطنه من الجوع كلها بواطيل، وإنما معناها الحجر، وهو طرف الرداء، إذ الله يطعم رسوله، وما يغني الحجر من الجوع (^٢).
فعقب الذهبي بقوله: قلت: فقد ساق في كتابه حديث ابن عباس في خروج أبي بكر وعمر من الجوع، فلقيا النبي ﷺ فأخبراه. فقال: "أخرجني الذي أخرجكما" فدل على أنه كان يطعم ويسقي في الوصال خاصة.
وقال في حديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لرجل: "أصمت من سرر شعبان شيئا؟ ". قال: لا قال: "إذا أفطرت فصم يومين" (^٣) فهذه لفظة استخبار، يريد الإعلام ينفي جواز ذلك كالمنكر عليه لو فعله، كقوله لعائشة: "تسترين الجدر" (^٤)، وأمره بصوم يومين من شوال، أراد به انتهاء السرار. وذلك في الشهر الكامل والسرار في الشهر الناقص يوم واحد.
ثم قال "١٢/ (١٨٨) ": قلنا لو كان منكرا عليه لما أمره بالقضاء.
وقال في "السير" "٧/ (٥٩٩) ":
وهم أبو حاتم حيث حكى أن البخاري تكلم في أبي تميلة، ومشى على ذلك أبو الفرج ابن الجوزي. ولم أر ذكرا لأبي تميلة في كتاب "الضعفاء" للبخاري، لا في الكبير ولا الصغير. ثم إن البخاري قد احتج بأبي تميلة، وقد كان محدث مرو مع الفضل بن موسى السيناني.
وقال في "السير" "٨/ (١٥) ":
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حرملة: سمعت ابن وهب يقول: نذرت أني كلما
_________________
(١) هو: ما ورد عن أنس ﵁ قال: واصل رسول الله ﷺ في أول شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين فبلغه ذلك فقال: لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا، يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي، "أو قال" إني لست مثلكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني" أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة، والبخاري "٧٢٤١"، ومسلم "١١٠٧"، وراجع تخريجنا له في الموضع المشار إليه.
(٢) قد ثبت وضع ﷺ الحجر على بطنه من الجوع عند البخاري "٤١٠١"، وأحمد "٣/ ٣٠٠" من حديث جابر بن عبد الله.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري "١٩٨٣" ومسلم "١١٦١" من حديث عمران بن حصين.
(٤) صحيح: أخرجه أحمد "٦/ ٢٤٧"، ومسلم "٢١٠٧".
[ ١ / ٩٠ ]
اغتبت إنسانا أن أصوم يوما، فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أنى كلما اغتبت إنسانا أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: هكذا -والله- كان العلماء، وهذا هو ثمرة العلم النافع وعبد الله حجة مطلقا، وحديثه كثير في الصحاح، وفي دواوين الإسلام، وحسبك بالنسائي وتعنته في النقد حيث يقول: وابن وهب ثقة، ما أعلمه روى عن الثقات حديثا منكرا.
ثم قال الذهبي "٨/ ١٥ - ١٦":
قلت: أكثر في تواليفه من المقاطيع والمعضلات، وأكثر عن ابن سمعان وبابته، وقد تمعقل بعض الأئمة على ابن وهب في أخذه للحديث، وأنه كان يترخص في الأخذ، وسواء ترخص ورأى ذلك سائغا، أو تشدد، فمن يروى مائة ألف حديث، ويندر المنكر في سعة ما روى فإليه المنتهي في الإتقان.
وقال في "السير" "١٣/ ٣٦٥":
تصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قل من جود تواليفه مثل الإمام أبي بكر، فينبغي للعالم أن يعتني بهؤلاء سيما "سننه الكبير" وقد قدم قبل موته بسنة أو أكثر إلى نيسابور، وتكاثر عليه الطلبة، وسمعوا منه كتبه، وجلبت إلى العراق والشام والنواحي، واعتنى بها الحافظ أبو القاسم الدمشقي وسمعها من أصحاب البيهقي، ونقلها إلى دمشق هو وأبو الحسن المرادي.
وبلغنا عن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني قال: ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منه إلا أبا بكر البيهقي، فإن المنة له على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه.
فعقب الذهبي بقوله: قلت: أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبا يجتهد فيه، لكان قادرا على ذلك، لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف، ولهذا تراه يلوح بنصر مسائل مما صح فيها الحديث.
[ ١ / ٩١ ]