قال الليث بن سعد: حدثني سعيد المقبري أنه سمع أبا هريرة يقول: بعث رسول الله ﷺ خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: "ما عندك"؟ قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ، حتى كان من الغد، فقال: "ما عندك يا ثُمامة"؟ قال: عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال: "أطلقوه". فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض أبغض إليَّ من وجهك، وقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ. والله ما كان دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ. والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ، وأمره أن يعتمر. فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت يا ثمامة. قال: لا، ولكني أسلمت، فوالله لا يأتيكم من اليمامة حبة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ. متفق عليه (^١)، "وأخرجه" مسلم أيضًا من حديث عبد الحميد بن جعفر عن المقبري، به (^٢).
خالفهما محمد بن إسحاق، فيما روى يونس بن بكير عنه: حدثني سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: كان إسلام ثمامة بن أثال أن رسول الله ﷺ دعا الله حين عرض لرسول الله ﷺ بما عرض له وهو مشرك، فأراد قتله، فأقبل معتمرًا حتى دخل المدينة، فتحير فيها حتى أخذ، فأتى به رسول الله ﷺ، فأمر به فَرُبِطَ إلى عمود من عمد المسجد. وفيه: وإن تسأل مالًا تعطه.
قال أبو هريرة: فجعلنا المساكين نقول: ما نصنع بدم ثمامة؟ والله لأكلهٌ من جزور سمينة من فدائه أحب إلينا من دمه.
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد "٢/ ٤٥٣"، والبخاري "٤٦٢" و"٤٦٩" و"٢٤٢٢" و"٢٤٢٣" و"٤٣٧٢"، ومسلم "١٧٦٤"، وأبو داود "٢٦٧٩"، والنسائي "١/ ١٠٩ - ١١٠"، وابن خزيمة "٢٥٢"، والبيهقي في "السنن "١/ ١٧١" وفي "دلائل النبوة" "٤/ ٧٨" من طرق عن الليث، به.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم "١٧٦٤" "٦٠" حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، به.
[ ٢ / ١٤ ]
قلت: وهذا يدل على أن إسلام ثمامة كان بعد إسلام أبي هريرة، وهو في سنة سبع فذكر الحديث، وفيه: فانصرف من مكة إلى اليمامة، ومنع الحمل إلى مكة حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي لهم حمل الطعام. وكانت اليمامة ريف مكة. قال: فأذن النبي ﷺ.
وفيها: كان من السرايا، على ما زعم الواقدي: قال: بعث رسول الله ﷺ في ربيع الأول أو الآخر عُكاشة بن محصن في أربعين رجلًا إلى الغمْر، وفيهم ثابت بن أقرم وشجاع بن وهب. فأسرعوا، ونذر بهم القوم وهربوا. فنزل عكاشة على مياههم وبعث الطلائع فأصابوا من دلهم على بعض ماشيتهم، فوجدوا مائتي بعير، فساقوها إلى المدينة.
وقال: وفيها بعث سرية أبي عبيدة إلى القصة، في أربعين رجلًا، فساروا ليلهم مشاة ووافوا ذا القصة مع عماية الصبح، فأغار عليهم وأعجزهم هربًا في الجبال. وأصابوا رجلًا فأسلم، وبعث رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة، في عشرة، فكمن القوم لهم حتى نام هو وأصحابه، فما شعروا إلا بالقوم، فقتل أصحاب محمد، وأفلت هو جريحًا.
قال: وفيها كانت سرية زيد بن حارثة بالجموم. فأصاب امرأة من مزينة، يقال لها: حليمة، فدلتهم على مكان فأصابوا مواشي، أسراء، منهم زوجها، فوهبها النبي ﷺ نفسها وزوجها.
وفيها سرية زيد بن حارثة إلى الطرف؛ إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلًا. فهربت الأعراب وخافوا، فأصاب من نعمهم عشرين بعيرًا. وغاب أربع ليال.
وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص؛ في جمادى الأولى؛ وأخذت الأموال التي كانت مع أبي العاص، فاستجار بزينب بنت رسول الله ﷺ فأجارته.
وحدثني موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: أقبل دحية الكلبي من عند قيصر، قد أجازه بمال. فأقبل حتى كان بُحْسمي، فلقيه ناس من جُذَام، فقطعوا عليه الطريق وسلبوه، فجاء رسول الله ﷺ قبل أن يدخل بيته فأخبره. فبعث زيد بن حارثة إلى حُسْمَى؛ وهي وراء وادي القرى وكانت في جمادى الآخرة.
ثم سرية زيد إلى وادي القرى في رجب.
ثم قال: وحدثني عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن عتبة، قال: خرج علي ﵁ في مائة إلى فدك إلى حي من بني سعد بن بكر. وذلك أن رسول الله ﷺ بلغه عنهم أن
[ ٢ / ١٥ ]
لهم جمعًا يريدون أن يمدوا يهود خيبر. فسار إليهم الليل وكمن النهار، وأصاب عينا فأقر له أنه بُعِثَ إلى خيبر يعرض عليهم نصرهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر.
قال الواقدي: وذلك في شعبان.
وكانت غزوة أم قرفة في رمضان سار إليها زيد بن حارثة؛ لأنها كانت تؤذي النبي ﷺ، ذكره الواقدي.
قال: وفيها سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دُومة الجندل في شعبان، فقال له رسول الله ﷺ: "إن أطاعوا فتزوج ابنة ملكهم". فأسلم القم، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ؛ والدة أبي سلمة، وكان أبوها ملكهم.
وفي شوال كانت سرية كُرز بن جابر الفهري إلى العُرنيين الذي قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الإبل. فبعثه في عشرين فارسًا وراءهم.
وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: أن رهطًا من عكل وعرينة أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: إنا أناس من أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، فاستوخمنا المدينة. فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود وزاد، وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها. فانطلقوا حتى إذا كانوا في ناحية الحرة قتلوا راعي رسول الله ﷺ واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم. فبعث النبي ﷺ في طلبهم، فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا وهم كذلك.
قال قتادة: فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، قال قتادة: بلغنا أن رسول الله ﷺ كان يحث في خطبته بعد ذلك على الصدقة وينهى عن المثلة. متفق عليه (^١).
وفي بعض طرقه: من عكل، أو عُرينة.
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد "٣/ ١٦٣ و١٧٠ و١٧٧ و٢٣٣ و٢٨٧ و٢٩٠"، والبخاري "١٥٠١" و"٤١٩٢" و"٥٧٢٧"، ومسلم "١٦٧١" "١٣"، والنسائي "١/ ١٥٨" و"٧/ ٩٧"، وابن خزيمة "١١٥"، والبيهقي "١٠/ ٤" من طرق عن قتادة، به. وأخرجه البخاري "٤١٩٣" و"٤٦١٠"، ومسلم "١٦٧١" "١٠" و"١١" و"١٢"، والنسائي "٧/ ٩٣ - ٩٤" من طريق أبي رجاء مولى أبي قلابة، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، به. وأخرجه البخاري "٣٣٣" و"٦٨٠٥"، وأبو داود "٤٣٦٤" من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، به.
[ ٢ / ١٦ ]
ورواه شعبة، وهمام، وغيرهما، عن قتادة فقال: من عرينة؛ من غير شكٍّ.
وكذلك قال حميد، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب، عن أنس.
وقال زهير: حدثنا سماك بن حرب، عن معاوية بن قرة، عن أنس: أن نفرًا من عرينة أتوا رسول الله ﷺ فبايعوه، وقد وقع في المدينة الموم -وهو البرسام- فقالوا: هذا الوجع قد وقع يا رسول الله، فلو أذنت لنا فرحنا لي الإبل. قال: "نعم، فاخرجوا وكونوا فيها". أخرجوا، فقتلوا أحد الراعيين وذهبوا بالإبل، وجاء الآخر وقد جُرحَ، قال: قد قتلوا صاحبي ذهبوا بالإبل. وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفًا يقتص أثرهم. فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم. أخرجه مسلم (^١).
وقال أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قدم رهط من عُكْل فأسلموا فاجتووا الأرض، فذكره، وفيه: فلم ترتفع الشمس حتى أتى بهم، فأمر بمسامير فأحميت لهم، فكواهم وقطع أيديهم وأرجلهم، ولم يحسمهم (^٢) وألقاهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. أخرجه البخاري (^٣).
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم "١٦٧١" "١٣"، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" "٣/ ١٨٠" من طريق زهير بن معاوية، به. وقوله "الموم": هو نوع من اختلال العقل. ويطلق على ورم الرأس وورم الصدر. وهو معرب. وأصل اللفظة سريانية.
(٢) وقوله: "ولم يحسمهم" أي لم يكوهم. والحسم في اللغة: كي العرق بالنار لينقطع الدم.
(٣) صحيح: راجع تخريجنا السابق رقم "٣٥٨". وهو عند البخاري "٢٣٣" و"٦٨٠٥" وغير فراجعه ثمت.
[ ٢ / ١٧ ]