قال تلميذه الأديب العلامة الشيخ صلاح الدين أبو الصفاء الصدفي في كتابه "الوافي بالوفيات" "٢/ ١٦٥": أخبرني العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي قال: عدت الحافظ شم الدين الذهبي ليلة مات، فقلت له: كيف تجدك؟ قال: في السياق. وكان قد أضر -رحمه الله تعالى- قبل موته بأربع سنين أو أكثر بماء نزل في عينيه، فكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قدحت هذه لرجع إليك بصرك. ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرف بنفسي؛ لأنني ما زال بصري ينقص قليلا قليلا إلى أن تكامل عدمه. ثم سأله: أدخل وقت المغرب؟ فقال له الوالد: ألم تصل العصر؟ فقال: بلى ولكن لم أصل المغرب إلى الآن، ثم
[ ١ / ١٠٣ ]
سأله الشيخ تقي الدين علي السبكي ﵀ عن الجمع بين المغرب والعشاء تقديما، فأفتاه بذلك، ففعله، ومات بعد العشاء قبل نصف الليل (^١) ليلة الإثنين ثالث ذي القعدة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة بدمشق، بالمدرسة المنسوبة لأم الصالح، في قاعة سكنه، وصلي عليه يوم الإثنين صلاة الظهر في جامع دمشق، ودفن بباب الصغيرة وحضر الصلاة عليه تلميذه تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي السكبي- صاحب "طبقات الشافعية الكبرى"- وقال في "الطبقات" "٩/ (١٠٦) ": أنشدنا شيخنا الذهبي، من لفظه لنفسه (^٢):
تولى شباب كأن لم يكن … وأقبل شيب علينا تولى
ومن عاين المنحنى والنقى … فما بعد هذين إلا المصلى
ثم قال الشيخ عبد الوهاب بن علي السبكي تاج الدين: وأنشدنا لنفسه، وأرسلها معي إلى الوالد ﵀، وهي فيما أراه آخر شعر قاله، لأن ذلك كان في مرض موته، قبل موته بيومين أو ثلاثة.
قال الحافظ الذهبي ﵀ في آخر شعر قاله- يمدح به تقي الدين علي السبكي، والد تاج الدين عبد الوهاب صاحب الطبقات:
تقي الدين يا قاضي الممالك … ومن نحن العبيد وأنت مالك
بلغت المجد في دين ودنيا … ونلت من العلوم مدى كمالك
ففي الأحكام أقضانا علي … وفي الخدام مع أنس بن مالك
وكابن معين في حفظ ونقد … وفي الفتيا كسفيان ومالك
وفخر الدين في جدل وبحث … وفي النحو المبرد وابن مالك
وتسكن عند رضوان قريبا … كما زحزحت عن نيران مالك
تشفع في أناس في فراء … لتكسوهم ولو من رأس مالك
لتعطى في اليمين كتاب خير … ولا تعطى كتابك في شمالك
ورثاه تقي الدين علي السكبي، فقال:
_________________
(١) طبقات الشافعية للسبكي "٩/ ١٠٥ - ١٠٦".
(٢) البيتان في: شذرات الذهب "٦/ ١٥٥"، وذيول تذكرة الحفاظ "٣٧".
[ ١ / ١٠٤ ]
لما قضى شيخنا وعالمنا … ومات في التاريخ والنسب
قلت عجيب وحق ذا عجبا … كيف تخطى البلى إلى الذهب
ورثاه صلاح الدين الصفدي، فقال:
أشمس الدين غبت وكل شمس … يغيب وزال عنا ظل فضلك
وكم ورخت أنت وفاة شخص … وما ورخت قط وفاة مثلك
ورثاه تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي بقصيدة مطلعها:
من للحديث وللسارين في الطلب … من بعد موت الإمام الحافظ الذهبي
من للرواية للأخبار ينشرها … بين البرية من عجم ومن عرب
من للدراية والآثار يحفظها … بالنقد من وضع أهل الغي والكذب
من للصناعة يدري حل معضلها … حتى يريك جلاء الشك والريب
من للجماعة أهل العلم تلبسهم … أعلامه الغر من أبرادها القشب
من للتخاريج يبديها ويدخل في … أبوابها فاتحا للمقفل الأشب
من في القراءات بين الناس نافعهم … وعاصم ركنها في الججفل اللجب
من للخطابة لما لاح يرفل في … ثوب السواد كبدر لاح في سحب (^١)
ومن هذه القصيدة:
وإن تغب ذات شمس الدين لا عجب … فأي شمس رأيناها ولم تغب
هو الإمام الذي روت روايته … وطبق الأرض من طلابه النجب
مهذب القول لاعي ولجلجة … مثبت النقل سامي القصد والحسب
ثبت صدوق خبير حافظ يقظ … في النقل أصدق أنباء من الكتب
كالزهر في حسب والزهر في نسب … والنهر في حدب والدهر في رتب (^٢)
_________________
(١) طبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي "٩/ ١٠٩".
(٢) طبقات الشافعية الكبرى "٩/ ١١٠ - ١١١".
[ ١ / ١٠٥ ]