خرج إليها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة ست. قاله نافع، وقتادة، والزهري، وابن إسحاق، وغيرهم، وعروة في "مغازيه"، رواية أبي الأسود.
وتفرد علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال.
وفي الصحيحين عن هدبة، عن همام، قال: حدثنا قتادة، أن أنسًا أخبره أن نبي الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا العمرة التي مع حجته: عمرة الحديبية زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته (^١).
وقال الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم منها. أخرجه البخاري (^٢).
وقال شعبة، عن عمرو بن مرَّة، سمع ابن أبي أوفى -وكان قد شهد بيعة الرضوان- قال: كنا يومئذ ألفًا وثلاث مائة. وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين. أخرجه مسلم. وعلقه البخاري في صحيحه (^٣).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري "٤١٤٨"، ومسلم "١٢٥٣" حدثنا هدبة بن خالد، به.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري "٤١٥٧" و"٤١٥٨" حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان، عن الزهري، به.
(٣) أخرجه البخاري "٤١٥٥" معلقًا قال: قال عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، به وقال الحافظ في "الفتح": كذا ذكره بصيغة التعليق، وقد وصله أبو نعيم في "المستخرج على مسلم" من طريق الحسن بن سفيان "حدثا عبيد الله بن معاذ به" وقال مسلم "حدثنا عبيد الله بن معاذ به".
[ ٢ / ٢٠ ]
وقال حصين بن عبد الرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. متفق عليه (^١).
وخالفه الأعمش، عن سالم، عن جابر، فقال: كنا أربع عشرة مائة، أصحاب الشجرة، اتفقا عليه أيضًا.
وكأن جابرًا قال ذلك على التقريب. ولعلهم كانوا أربع عشرة مائة كاملة تزيد عددًا لم يعتبره، أو خمس عشرة مائة تنقص عددًا لم يعتبره والعرب تفعل هذا كثيرًا، كما تراهم قد اختلفوا في سن رسول الله ﷺ، فاعتبروا تارة السنة التي ولد فيها والتي توفي فيها فأدخلوهما في العدد. واعتبروا تارة السنين الكاملة وسكتوا عن الشهور الفاضلة.
ويبين هذا أن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة. قلت: إن جابرًا قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمك الله، وهم. هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة. أخرجه البخاري (^٢).
وقال عمرو بن دينار: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة. فقال لنا رسول الله ﷺ: "أنتم خير أهل الأرض". اتفقا عليه من حديث ابن عيينة.
وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربع مائة. صحيح.
وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: نحرنا عام الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن سبعة. قلنا لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفًا وأربع مائة بخيلنا ورجلنا.
وكذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع، في أصح الروايتين عنه، والمسيب بن حزم، من رواية قتادة، عن سعيد، عن أبيه.
قال البخاري (^٣): معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان بن الحكم، يصدق كل واحد منهم حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري "٤١٥٢"، ومسلم "١٨٥٦" "٧٣" من طريق حصين، به.
(٢) صحيح: أخرجه البخاري "٤١٥٣" حدثنا الصَّلت بن محمد، حدثنا يزيد بن زُريع، عن سعيد، عن قتادة، به.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري "٤١٧٨" و"٤١٧٩" حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان، قال: سمعتُ الزهري حين حدث هذا الحديث حفظتُ بعضه، وثبتني معمر، عن عروة بن الزبير، به.
[ ٢ / ٢١ ]
عشرة مائة من أصحابه. حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة. وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش. وسار حتى إذا كان بعذبة الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك جموعا، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: "أشيروا علي، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن لجوا تكن عنقا قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه"؟ قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال: "فروحوا إذا".
قال الزهري في الحديث: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ: "إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين". فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش. وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التى يهبط عليهم منها بركت راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء. قال: فروحوا إذا.
قال الزهري: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ.
قال المسور ومروان في حديثهما (^١): فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ: "إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش" -رجع الحديث إلى موضعه- قال النبي ﷺ: "ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثم قال: "والذي نفسى بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها". ثم زجرها فوثبت به. قال: فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، إنما يتبرضه
_________________
(١) صحيح: أخرجه عبد الرزاق "٩٧٢٠"، وأحمد "٤/ ٣٢٨ - ٣٣١ و٣٣١ - ٣٣٢"، والبخاري "١٦٩٤" و"١٦٩٥" و"٢٧٣١"و"٢٧٣٢"، وأبو داود "٢٧٦٥" و"٤٦٥٥"، والطبري "٢٨/ ٧١ و٩٧ - ١٠١ و١٠١"، والطبراني في "الكبير" "٢٠/ ١٣ و١٤ و١٥ و٨٤٢"، البيهقي "٥/ ٢١٥"و"٧/ ١٧١" و"٩/ ١٤٤ و٢١٨ - ٢٢١"و"١٠/ ١٠٩" من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور ابن مخرمة، ومروان بن الحكم، به في حديث طويل. قوله: "حل حل": كلمة تقال للناقة إذا تركت السير. قوله: "فألحت": أي تمادت على عدم القيام. قوله: "خلأت القصواء": أي بركت فلم تبرح. والقصواء اسم ناقة رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٢٢ ]
الناس تبرضا (^١)، فلم يلبثه الناس أن نزحوه، فشكو إلى رسول الله ﷺ العطش. فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.
فبينا هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، وكانوا عيبة نصح (^٢) لرسول الله ﷺ من أهل تهامة. فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، معهم العوذ، المطافيل (^٣)، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. قال رسول الله ﷺ: "إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا (^٤)، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي (^٥) أو لينفذن الله أمره". فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشا، فقال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا؛ فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا كذا. فحدثهم بما قال النبي ﷺ.
فقال عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: هل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا (^٦) عليه جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلي. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ، فقال نحوا من قوله لبديل. فقال: أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا (^٧) من
_________________
(١) يتبرضه الناس تبرضا": أي يأخذونه قليلا قليلا.
(٢) عيبة نصح: عيبه الرجل: موضع سره، أي أنهم موضع النصح له والأمانة على سره.
(٣) العوذ المطافيل: العوذ: جمع عائذ، وهى الناقة ذات اللبن. والمطافيل: الأمهات اللاتي معها أطفالها.
(٤) جموا: استراحوا. وهو بفتح الجيم وتشديد الميم المضمومة: أي قووا.
(٥) سالفتي: السالفة: صفحة العنق، وكنى بذلك عن القتل؛ لأن القتيل تنفرد مقدمة عنقه. وقال الداودي المراد الموت: أي حتى أموت وأبقى منفردا في قبري.
(٦) بلحوا: أي امتنعوا من الإجابة. وبلح الغريم إذا امتنع من أداء ما عليه.
(٧) أوباشا: أي أخلاطا من السفلة. ووقع عند البخاري: "وإني لأرى أشوابا من الناس والأشواب: الأخلاط من أنواع شتى. والأوباش أخص من الأشواب.
[ ٢ / ٢٣ ]
الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر ﵁ امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه؟ قال: من ذا؟ قال: أبو بكر. قال: والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي ﷺ كلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي ﷺ، ضرب يده بنعل السيف وقال: أخر يدك. فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، أولست أسعى في غدرتك؟ قال: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النبي ﷺ: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء".
ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي ﷺ؛ فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروه، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له. فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا. والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعونى آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ: هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له. فبعثت له. واستقبله القوم يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: "هذا مكرز وهو رجل فاجر". فجعل يكلم النبي ﷺ. فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.
قال معمر: وأخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل قال النبي ﷺ: "قد سهل لكم من أمركم".
قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا.
[ ٢ / ٢٤ ]
فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ: "اكتب باسمك اللهم" ثم قال-: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ: "إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله".
قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها.
فقال له النبي ﷺ: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف". فقال: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن لك من العام المقبل. فكتب. فقال سهيل: على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا. فقال: المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده (^١) قد خرج من أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين. فقال سهيل: وهذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده. فقال النبي ﷺ: "إنا لم نقض الكتاب بعد". قال: فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا. قال النبي ﷺ: "فأجره لي" (^٢). قال: ما أنا بمجيره لك. قال: "بلي، فافعل" قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجرناه. قال أبو جندل: معاشر المسلمين أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله.
فقال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، ألست نبي الله؟ قال: "بلى"، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى"، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: "إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري". قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقا؟ قال: "بلي"، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا؟ قال: بلي. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى.
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيها الرجل إنه رسول وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق. قلت: أوليس كان يحدثنا أنه
_________________
(١) يرسف في قيوده: أي يمشي مشيا بطيئا بسبب القيد.
(٢) فأجره لي: أي أمض لي فعلي فيه، فلا أرده إليك أو أستثنيه من القضية.
[ ٢ / ٢٥ ]
سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به.
قال: الزهري. قال عمر: فعملت لذلك أعمالا.
فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ: "قوموا فانحروا ثم احلقوا". قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرات. فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك، ثم تدعو بحالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدا حتى فعل ذلك. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات، وأنزل الله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية، والأخرى صفوان بن أمية.
ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوه في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم. فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدا جدا. فاستله الآخر فقال: أجل، والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت.
فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه حتى برد. وفر الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال للنبي ﷺ: قتل والله صاحبي وإني لمقتول. قال: فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد أوفي الله ذمتك، والله قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ: "ويل أمه (^١) مسعر حرب (^٢) لو كان له أحد". فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم.
_________________
(١) "ويل أمه": قال الحافظ في "الفتح" "٥/ ٣٥٠" "ط. دار المعرفة": ويل بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة: وهى كلمة ذم تقولها العرب في المدح ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم؛ لأن الويل الهلاك فهو كقولهم: "لأمه الويل" قال بديع الزمان في رسالة له: والعرب تطلق "تربت يمينه" في الأمر إذا أهم ويقولون "ويل أمه" ولا يقصدون الذم. والويل يطلق على العذاب والحرب والزجر. وقال الفراء: أصل قولهم: ويل فلان "وي" لفلان: أي فكثر الاستعمال فألحقوا بها اللام، فصارت كأنها منها، وأعربوها، وتبعه ابن مالك إلا أنه قال تبعا للخليل: إن "وي" كلمة تعجب، وهي من أسماء الأفعال واللام بعدها مكسورة ويجوز ضمها اتباعا للهمزة وحذفت الهمزة تخفيفا، والله أعلم.
(٢) قوله: "مسعر حرب": بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة وبالنصب على التمييز، وأصله من مسعر حرب، أي يسعرها. قال الخطابي: كأنه يصفه بالإقدام في الحرب والتسعير لنارها.
[ ٢ / ٢٦ ]
فخرج حتى أتى سيف البحر. وينفلت منهم أبو جندل ابن سهيل فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة.
قال: فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل النبي ﷺ إليهم فأنزل: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤ - ٢٦]، وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. أخرجه البخاري، عن المسندي، عن عبد الرزاق، عن معمر، بطوله (^١).
وقال قرة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: من يصعد الثنية، ثنية المرار، فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل. فكان أول من صعد خيل بني الخزرج. ثم تبادر الناس بعد، فقال رسول الله ﷺ: "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر". فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ. قال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم. وإذا هو رجل ينشد ضالة. أخرجه مسلم (^٢).
وقال البخاري: عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فما تركنا فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء منها فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا نحن وركابنا. أخرجه البخاري (^٣).
وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: قدمنا مع رسول
_________________
(١) صحيح: سبق تخريجنا له بإسهاب في تعليقنا رقم "٣٧٢"، وهو عند البخاري "١٦٩٤" و"١٦٩٥" و"٢٧٣١" و"٢٧٣٢" فراجعه ثمت.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم "٢٨٨٠" "١٢" حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا قرة بن خالد، به. قوله: "إلا صاحب الجمل الأحمر": قال القاضي عياض: قيل: هذا الرجل هو الجد بن قيس، المنافق. وقوله: "ينشد ضالة" أي يسأل عنها.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري "٤١٥٠" حدثنا عبيد الله بن موسى، به.
[ ٢ / ٢٧ ]
الله ﷺ الحديبية، ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة ما ترويها، فقعد رسول الله ﷺ على جباها، فإما دعا وإما بزق فيها فجاشت فسقينا واستقينا. أخرجه مسلم (^١).
وقال البكائي: قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن مسور، ومروان بن الحكم أنهما حدثاه، قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا.
وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر.
قال ابن إسحاق: وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة.
قلت: قد ذكرنا عن جماعة من الصحابة كقول جابر.
ثم ساق ابن إسحاق حديث الزهري بطوله، وفيه ألفاظ غريبة، منها: وجعل عروة بن مسعود يكلم النبي ﷺ، والمغيرة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد. قال: فجعل يقرع يد عروة إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ويقول: اكفف يدك عن لحية رسول الله ﷺ أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله ﷺ. فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة". قال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟
قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك بن ثقيف، فتهايج الحيان من ثقيف رهط المقتولين، والأحلاف رهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاثة عشر دية، وأصلح الأمر.
وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال عروة: وخرجت قريش من مكة، فسبقوا النبي ﷺ إلى بلدح وإلى الماء، فنزلوا عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ أنه قد سبق نزل على الحديبية، وذلك في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة، فأشفق القوم من الظمأ وهم كثير، فنزل فيها رجال يميحونها، ودعا رسول الله ﷺ بدلو من ماء فتوضأ في الدلو ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهما من كنانته فألقاه في البئر ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، وهم جلوس على شفتها. وقد كان النبي ﷺ سلك على غير الطريق التي بلغه أن قريشا بها.
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم "١٨٠٧" من طريق عكرمة بن عمار، به. وقوله: "جباها": الجبا ما حول البئر. والركي البئر. وجاشت: أي ارتفعت وفاضت. وقال: جاش الشيء يجيش جيشانا إذا ارتفع.
[ ٢ / ٢٨ ]
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر، أن رجلا من أسلم قال: أتانا رسول الله ﷺ قال: فسلك بهم طريقا وعرا أخزل من شعاب، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين، وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ: "قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه" فقالوا ذلك. فقال: "والله إنها للحطة التى عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها".
قال عبد الملك بن هشام: فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: "اسلكوا ذات اليمين بين ظهري المحمص في طريق تخرجه على ثنية المرار، مهبط الحديبية من أسفل مكة" فلما رأت قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش.
وقال شعبة، وغيره، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، قال: قلت لجابر: كم كنتم يوم الشجرة؟ قال: كنا ألفا وخمس ومائة: وذكر عطشا أصابهم، فاتي رسول الله ﷺ بماء في تور فوضع يده فيه، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون، فشربنا ووسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا.
وقد أخرجه البخاري من أوجه أخر عن حصين.
وقال أبو عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، قال: جابر بن عبد الله: غزونا أو سافرنا مع رسول الله ﷺ، ونحن يومئذ أربع عشرة مائة، فحضرت الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: "هل في القوم من طهور"؟ فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله ﷺ في قدح ثم توضأ، ثم انصرف وترك القدح. قال: فركب الناس ذلك القدح وقالوا: تمسحوا تمسحوا. فقال رسول الله ﷺ: "على رسلكم"، حين سمعهم يقولون ذلك. قال: فوضع كفه في الماء والقدح وقال: "سبحان الله". ثم قال: "أسبغوا الوضوء". فوالذي ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابع رسول الله ﷺ ولم يرفعها حتى توضؤوا أجمعون (^١). رواه مسدد، عنه.
وقال عكرمة بن عمار العجلي: حدثنا إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا. فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا، فاجتمع زاد القوم على النطع. فتطاولت لأحزركم هو؟
فحزرته كربضة العنز ونحن أربع عشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شعبنا جميعا ثم حشونا
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد "٣/ ٢٩٢ و٣٥٧"، والدارمي "١/ ١٣ - ١٤"، وابن خزيمة "١٠٧" من طريق الأسود بن قيس، به.
[ ٢ / ٢٩ ]
جرباننا. ثم قال نبي الله ﷺ: "هل من وضوء"؟ فجاء رجل بإداوة له، فيها نطفة فأفرغها في قدح. فتوضأنا كلنا، ندغفقه دغفقة، أربع عشرة مائة. قال: ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله ﷺ: "فرغ الوضوء". أخرجه مسلم (^١).
وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: قال ابن عباس: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا: جهدنا وفي الناس ظهر فانحره. فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل. فقال رسول الله ﷺ: "ابسطوا أنطاعكم وعباءكم". ففعلوا. ثم قال: "من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره". ودعا لهم ثم قال: "قربوا أوعيتكم". فأخذوا ما شاء الله. يحدثه نافع بن جبير.
وقال يحيى بن سليم الطائفي، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لما نزل مر الظهران في صلح قريش قال أصحابه: لو انتحرنا يا رسول الله من ظهورنا فأكلنا من لحومها وشحومها وحسونا من المرق أصبحنا غدا إذا عدونا عليهم وبنا جمام. قال: "لا، ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم". فبسطوا أنطاعا ثم صبوا عليها فضول أزوادهم. فدعا لهم رسول الله ﷺ بالبركة، فأكلوا حتى تضلعوا شبعا، ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم.
مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر والتمسوا الوضوء، فلم يجدوه. فأتى بوضوء، فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء وأمر الناس أن يتوضؤوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه. فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم. متفق عليه (^٢).
_________________
(١) صحيح أخرجه مسلم "١٧٢٩" حدثنا أحمد بن يوسف الأزدي، حدثنا النضر "يعني ابن محمد اليمامي"، حدثنا عكرمة "وهو ابن عمار"، به. ووقع عند مسلم "جُرُبنا" بدل "جُرْباننا". وقوله: "جربنا" الجرب جمع جراب ككتاب وكتاب. وهو الوعاء من الجلد يجعل فيه الزاد. وقوله: "بإداوة": هي المطهرة. "فيها نطفة": أي فيها قليل من الماء. "ندغفقه دغفقة": أي نصبه صبا شديدا.
(٢) صحيح على شرط الشيخين: أخرجه مالك "١/ ٣٢"، والشافعي "٢/ ١٨٦"، وأحمد "٣/ ١٣٢"، والبخاري "١٦٩" و"٣٥٧٣"، ومسلم "٢٢٧٩" "٥"، والترمذي "٣٦٣١"، والنسائي "١/ ٦٠" عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، به.
[ ٢ / ٣٠ ]
وقال حماد بن زيد: حدثنا ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضؤون. فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين من توضأ منه، فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. متفق عليه (^١).
وقال عبد الله بن بكر: حدثنا حميد، عن أنس، قال: حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله يتوضأ وبقي قوم. فأتي النبي ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فتوضأ القوم. قلنا: كم هم؟ قال: ثمانون وزيادة. أخرجه البخاري (^٢).
وجاء: أنهم كانوا بقباء.
وقال ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي ﷺ كان بالزوراء يتوضؤون.
فوضع كفه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضؤوا. فقلنا لأنس: كم كنتم؟ قال: زهاء ثلاث مائة.
أخرجه مسلم، والبخاري أيضا بمعناه (^٣). والزوراء بالمدينة عند السوق والمسج.
وقال أبو عبد الرحمن المقرئ: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثني زياد بن نعيم الحضرمي، قال: سمعت زياد بن الحارث الصدائي، قال: بايعت رسول الله ﷺ، فذكر حديثا طويلا منه: فوضع كفه ﷺ في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور. فقال لي رسول الله ﷺ: "لولا أن أستحيي من ربي لسقينا واستقينا". عبد الرحمن ضعيف.
وهذه الأحاديث تدل على البركة في الماء غير مرة.
وقال إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا نأكل مع
_________________
(١) صحيح على شرط الشيخين: أخرجه أحمد "٣/ ١٤٧"، وابن سعد "١/ ١٧٨"، والبخاري "٢٠٠٠"، ومسلم "٢٢٧٩" "٤"، وابن خزيمة "١٢٤"، والبيهقي في "الاعتقاد" "ص ٢٧٣ - ٢٧٤" من طرق عن حماد بن زيد، به.
(٢) صحيح على شرط الشيخين: أخرجه ابن أبي شيبة "١١/ ٤٧٥"، وأحمد "٣/ ١٠٦"، والبخاري "٣٥٧٥" من طريق يزيد بن هارون، عن حميد، به.
(٣) صحيح: أخرجه أحمد "٣/ ١٧٠ و٢١٥ و٢٨٩"، والبخاري "٣٥٧٢"، ومسلم "٢٢٧٩"، وأبو يعلى "٢٨٩٥"و"٣١٧٢"و"٣١٩٣"، والبغوي "٣٧١٤"، واللالكائي في "أصول الاعتقاد" "١٤٨٠" من طرق عن قتادة، به.
[ ٢ / ٣١ ]
النبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام. وأتي بإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ. فقال: "حي على الطهور المبارك والبركة من السماء". حتى توضأنا كلنا. أخرجه البخاري (^١).
وقال أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: أتي رسول الله ﷺ بإناء من ماء، فجعل أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه، فرأيت العيون تنبع من بين أصابعه. وذكر الحديث. إسناده جيد.
وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال: قال عروة في نزوله ﷺ بالحديبية: ففزعت قريش لنزوله عليهم، فأحب أن يبعث إليهم رجلا. فدعا عمر ليبعثه فقال: إني لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي، فأرسل عثمان فإن عشيرته بها. فدعا عثمان فأرسله وقال: أخبرهم أنا لم نأت لقتال، وادعهم إلى الإسلام. وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح. فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح. فقالت قريش: إلى أين؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إليكم لأدعوكم إلى الإسلام، ويخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا. فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله ﷺ. قالوا: قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك. وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه، فحمل عليه عثمان فأجاره، وردفه أبان حتى جاء مكة. ثم إن قريشا بعثوا بديل بن ورقاء؛ فذكر الحديث والصلح. وذكر أنهم أمن بعضهم بعضا وتزاوروا. فبيناهم كذلك، وطوائف من المسلمين في المشركين، إذ رمى رجل رجلا من الفريق الآخر. فكانت معاركة، وتراموا بالنبل والحجارة، وصاح الفريقان وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو وغيره، وارتهن المشركون عثمان وغيره.
ودعا رسول الله ﷺ إلى البيعة. ونادى منادى رسول الله ﷺ: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ فأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا. فثار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدا. فذكر القصة بطولها، وفيها: فقال المسلمون وهم بالحديبية قبل أن يرجع عثمان بن عفان: خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به. فقال رسول الله ﷺ: "ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون". قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: "ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا". فرجع إليهم عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري "٣٥٧٩" حدثني محمد بن المثنى، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل به.
[ ٢ / ٣٢ ]
فقال: عثمان: بئس ما ظننتم بي، فوالذي نفسى بيده لو مكثت بها مقيما سنة ورسول الله ﷺ مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى بها رسول الله ﷺ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت.
وقال البكائي، عن ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتى نناجز القوم". فدعا الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت، وكان جابر يقول: لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر.
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني بعض آل عثمان أن رسول الله ﷺ ضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه لي وهذه لعثمان إن كان حيًّا: ثم بلغهم أن ذلك باطل، ورجع عثمان. ولم يتخلف عن بيعة رسول الله ﷺ أحد إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة. قال جابر: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقة رسول الله ﷺ، وقد ضبأ إليهايستتر بها من الناس.
قال الحسن بن بشر البجلي: حدثنا الحكم بن عبد الملك -وليس بالقوي قال النسائي- عن قتادة، عن أنس، قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان رسول الله ﷺ إلى مكة. فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ: "إن عثمان في حاجة الله ورسوله". فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم.
وقال ابن عيينة: حدثنا أبو الزبير، سمع جابرا يقول: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له: الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعير. أخرجه مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير، وبه قال: لم نبايع النبي ﷺ على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفر.
أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، وأخرجه من حديث الليث، عن أبي الزبير، وقال: فبايعناه وعمر ﵁ آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة.
وقال خالد الحذاء، عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة. ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر. أخرجه مسلم (^١).
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم "١٨٥٨" حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا يزيد بن زريع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله بن الأعرج، عن معقل بن يسار، به.
[ ٢ / ٣٣ ]
وقال ابن عيينة: حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي، قال: لم دعا النبي ﷺ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي، فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ: "علام تبايعني" قال: على ما في نفسك.
وقال مكي بن إبراهيم، وأبو عاصم -واللفظ له- عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ثم عدلت إلى ظل شجرة. فلما خف الناس قال: "يا ابن الأكوع ألا تبايع" قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: "وأيضا". فبايعته الثانية فقلت لسلمة: يا أبا مسلم على أى شي كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. متفق عليه (^١).
وقال عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، فذكر الحديث، وقال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس ويايع، حتى إذا كان في وسط الناس، قال: "بايعني يا سلمة". فقلت: يا رسول الله قد بايعتك. قال: "وأيضا".
قال: ورآني عزلا فأعطاني حجفة أو درقة. ثم بايع، حتى إذا كان في آخر الناس قال: "ألا تبايع"؟ قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: "وأيضا". فبايعت الثالثة. فقال: "يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك"؟ قلت: لقيني عامر فأعطيتها إياه. فضحك ثم قال: "إنك كالذي قال الأول: اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي". ثم إن مشركي مكة راسلونا بالصلح حتى مشى بعضنا إلى بعض فاصطلحنا. وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه (^٢) وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في ظلها. فأتاني أربعة من أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينا هم كذلك إذ ناد مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين، قتل ابن زنيم. فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة وهم رقد، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي، ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم إلا ضربت الذي فيه عيناه، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ. وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له: مكرز يقوده حتى وقفنا بهم على
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري "٤١٦٩"، ومسلم "١٨٦٠" حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم "يعني ابن إسماعيل" عن يزيد بن أبي عبيد، به.
(٢) أحسه: أنفض عنه التراب.
[ ٢ / ٣٤ ]
رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم. وقال: "دعوهم، يكون لهم بدء الفجور وثناؤه". فعفا عنهم رسول الله ﷺ، وأنزلت: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، أخرجه مسلم (^١).
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن رجالا من أهل مكة هبطوا إلى النبي ﷺ من قبل جبل التنعيم ليقاتلوه. قال: فأخذهم رسول الله ﷺ أخذا، فأعتقهم. فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآية، أخرجه مسلم (^٢).
وقال الوليد بن مسلم: حدثنا عمر بن محمد العمري، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، أن الناس كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون برسول الله ﷺ، فقال -يعني عمر: يا عبد الله انظر ما شأن الناس؟ فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع.
أخرجه البخاري (^٣) فقال: وقال هشام بن عمار، حدثنا الوليد. قلت: ورواه دحيم، عن الوليد.
قلت: وسميت بيعة الرضوان من قوله -تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].
قال أبو عوانة، عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم. متفق عليه (^٤).
وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير المكي أنه سمع جابرا يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم "١٨٠٧" من طريق عكرمة بن عمار، به. ووقع عند مسلم: "وهم رقود" بدل "رقد". وقوله: "العبلات": قال الجوهري في الصحاح: العبلات من قريش، وهم أمية الصغرى والنسبة إليهم عبلي. ترده إلى الواحد.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم "١٨٠٨" حدثني عمرو بن محمد الناقد، حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة، به.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري "٤١٨٧" حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، به.
(٤) صحيح: أخرجه البخاري "٤١٦٤"، ومسلم "١٨٥٩" "٧٧" من طريق أبي عوانة به. وأخرجه البخاري "٤١٦٥"، ومسلم "١٨٥٩" "٧٨" من طريق سفيان، عن طارق بن عبد الرحمن، به.
[ ٢ / ٣٥ ]
"الذين بايعوا تحتها أحد". قلت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فقال: قد قال -تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]، أخرجه مسلم (^١).
قرأت على عبد الحافظ بن بدران: أخبركم موسى بن عبد القادر، والحسين بن أبي بكر، قالا: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، قال: أخبرنا محمد بن أبي مسعود، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، قال: حدثنا أبو القاسم البغوي، قال: حدثنا العلاء بن موسى إملاء، سنة سبع وعشرين ومائتين، قال: أخبرنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير المكي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار". أخرجه النسائي (^٢).
وقال قتيبة: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن عبدا لحاطب بن أبي بلتعة جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا؛ قال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار. فقال رسول الله ﷺ: "كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية" (^٣).
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان في قصة الحديبية؛ قالا: فدعت قريش سهيل بن عمرو؛ قالوا: اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا تكونن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة. فخرج سهيل من عندهم، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل". فوقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر
_________________
(١) صحيح: أخرجه أحمد "٦/ ٤٢٠"، ومسلم "٢٤٩٦"، والطبري "٢٥/ ٢٦٩" من طريق ابن جريج، به. وأخرجه أحمد "٦/ ٢٨٥"، وابن ماجه "٤٢٨١"، والطبري "١٦/ ١١٢"، والطبراني "٢٣/ ٣٥٨ و٣٦٣" من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة، به. وأخرجه أحمد "٦/ ٣٦٢"، والطبري في "جامع البيان" "٦/ ١١٢"، والطبراني "٢٥/ ٢٦٦" من طريق ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، به.
(٢) صحيح: أخرجه الترمذي "٣٨٦٠"، والنسائي في "فضائل الصحابة" "١٩١" من طريق الليث بن سعد، به. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وقد سبق لنا تخريجنا لهذا الحديث في التعليق السابق فراجعه ثمت.
(٣) صحيح: أخرجه أحمد "٣/ ٣٤٩"، وابن أبي شيبة "١٢/ ١٥٥"، ومسلم "٢١٩٥"، والترمذي "٣٨٦٤"، والحاكم "٣/ ٣٠١"، والطبراني في "الكبير" "٣٠٦٤" من طرق عن الليث، به.
[ ٢ / ٣٦ ]
سنين، وأن يخلوا بينه وبين مكة من العام المقبل، فيقيم بها ثلاثا، وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك، ومن أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا، وأن بينا وبينك عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال.
وذكر الحديث.
الإسلال: الخفية، وقيل: الغارة، وقيل: سل السيوف والإغلال: الغارة.
وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما صالح رسول الله ﷺ مشركي مكة كتب بينهم كتابا: "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله". قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك. قال لعلي: "امحه". فأبى، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. واشتراطوا عليه أن يقيموا ثلاثا، وأن لا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح، يعني السيف بقرابه. متفق عليه (^١).
وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس نحوه أو قريبا منه. أخرجه مسلم (^٢).
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني بريدة بن سفيان، عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله ﷺ للصلح كان عليا ﵁ فقال رسول الله ﷺ: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو". فجعل علي يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا: محمد رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: "اكتب، فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد"، فكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله".
وقال عبد العزيز بن سياه: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال: قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ولو نرى قتالا لقاتلنا. فأتي عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في أنفسنا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: "يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولن يضيعني الله"، فانطلق متغيظا إلى أبي بكر، فقال له كما قال رسول الله ﷺ، ونزل القرآن، فأرسل النبي ﷺ إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله، أوفتح هو؟ قال: "نعم"، فطابت نفسه ورجع. متفق عليه (^٣).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري "٢٦٩٨"، ومسلم "١٧٨٣" من طريق شعبة، به.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم "١٧٨٤" حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، به.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري "٣١٨٢"، ومسلم "١٧٨٥" من طريق عبد العزيز بن سياه به.
[ ٢ / ٣٧ ]
وقال يونس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان، قالا: خرج رسول الله ﷺ من عند أم سلمة فلم يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحر وحلق. فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وحلق بعض وقصر بعض. فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر للمحلقين". فقيل: يا رسول الله والمقصرين؟ فقال: "اغفر للمحلقين"، ثلاثا. قيل: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: "وللمقصرين".
وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قيل له: لم ظاهر رسول الله ﷺ للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة؟ فقال: إنهم لم يشكوا.
وقال يونس -هو ابن بكير- عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إبراهيم، عن أبي سعيد، قال: حلق أصحاب رسول الله ﷺ يوم الحديبية كلهم غير رجلين؛ قصرا ولم يحلقا.
أبو إبراهيم مجهول.
وقال ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن وهب بن عبد الله بن قارب، قال: كنت مع أبي، فرأيت رسول الله ﷺ يقول: "يرحم الله المحلقين". قال رجل: والمقصرين يا رسول الله؟ فلما كانت الثالثة، قال: "والمقصرين".
وقال يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا زهير بن محمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: نحر يوم الحديبية سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها.
ويروى عن ابن عباس، أن النبي ﷺ أهدي في عمرة الحديبية جملا كان لأبي جهل، في أنفه برة من ذهب أهداه ليغيظ به قريشا.
وقال فليح بن سليمان، [عن نافع] عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليها إلا سيوفا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما صالحهم. فلما أن أقام بها ثلاثا، أمروه أن يخرج فخرج. أخرجه البخاري (^١).
وقال مالك عن أبي الزبير، عن جابر، نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. رواه مسلم (^٢).
_________________
(١) صحيح: أخرجه البخاري "٢٧٠١" حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سريح بن النعمان، حدثنا فليح، عن نافع، عن ابن عمر، به، ووقع في الأصل [فليح، عن رافع، عن ابن عمر] وتحرف فيه [نافع] إلى [رافع] وما أثبتناه في البخاري كما ترى.
(٢) صحيح: أخرجه مالك "٢/ ٤٨٦"، ومسلم "١٣١٨" "٣٥٠"، وأبو داود "٢٨٠٩" والترمذي "٩٠٤"، وابن ماجه "٣١٣٢"، والدارمي "٢/ ٧٨"، والبيهقي "٥/ ١٦٨ - ١٦٩ و٢١٦ و٢٣٤" و"٩/ ٢٩٤"، والبغوي "١١٣٠" عن أبي الزبير، به.
[ ٢ / ٣٨ ]