نظم الذهبي كتاب " السير " على الطبقات، فجعله في أربعين طبقة تقريبا، وآخر ما في المجلد الثالث عشر من نسخة ابن طوغان هي آخر الطبقة
_________________
(١) وفي خزانة كتب خليل الله المدراسي بحيدر آباد مجلد صورته بعثة معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية ووضعته في فهرس (التاريخ) من فهارسها (رقم ١١٠٠ ج - ٢، قسم ٣ ص ١٨٣)، قالوا: " مجلد فيه من سنة ٥٥٠ - سنة ٧٤٠ ويبدأ بترجمة أبي البركات هبة الله بن ملكا البغدادي، وينتهي بآخر الكتاب وبآخر المجلد فهرست تفصيلي لجميع تراجم الكتاب من أوله لآخرة حسب ترتيب الطبقات من وضع الذهبي نفسه ينقص قليلا ". وهذا الوصف يثير كثيرا من الإرباك إذ كيف يتصور أن مجلدا واحدا يحوي كل هذه الفترة الزمنية، ثم إن الكتاب غير مرتب على السنين حتى يقال من سنة كذا إلى سنة كذا. ولم استطع الوقوف عليه في الوقت الحاضر فلا أتمكن من الحكم عليه. سير ١ / ٧
[ المقدمة / ٩٧ ]
الخامسة والثلاثين ولا أستبعد أن يتضمن المجلد الرابع عشر خمس طبقات إذا قايسنا ذلك ببقية المجلدات.
وقد استعمل المؤلفون المسلمون هذا الأسلوب في عرض التراجم منذ فترة مبكرة من تاريخ الحركة التأليفية، وهو فيما يرى روزنتال تقسيم إسلامي أصيل قد يبدو أقدم تقسيم زمني وجد في التفكير التاريخي
الإسلامي، ولم يكن نتيجة مؤثرات خارجية، بل هو نتيجة طبيعية لفكرة: صحابة الرسول ﷺ، فالتابعون..الخ (١)، ومما يؤيد هذا حديث أورده البخاري ونصه: " خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " (٢) وقد أشار العيني في شرحه إلى أن خير القرون الصحابة ثم التابعون ثم أتباع التابعين (٣) .
وهذا المفهوم يظهر واضحا في كتب الإمام ابن حبان البستي المتوفى سنة ٣٥٤ هـ حيث قسم الرواة في كتابيه " الثقات " و" مشاهير علماء الأمصار " إلى ثلاث طبقات هم: الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين، فصارت الطبقة هنا تعني الجيل.
وقد حاول بعض العلماء أن يجعل للطبقة تحديدا زمنيا واضحا، فجعلها بعضهم عشرين سنة (٤)، وجعلها آخرون أربعين سنة (٥)، وهلم جرا.
_________________
(١) علم التاريخ عند المسلمين: ١٣٤ ١٣٣.
(٢) الصحيح ٥ / ٣ ٢ (ط. الشعب) باب فضائل أصحاب النبي ﷺ، وهو من حديث عمران ابن حصين.
(٣) عمدة القاري: ١٦ / ١٧٠.
(٤) انظر " طبق " من لسان العرب.
(٥) استنادا إلى حديث " أمتي على خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما ". (سنن ابن ماجة: ٢ / ١٣٤٩) ولا يصح، بل أورده ابن الجوزي في " الموضوعات ".
[ المقدمة / ٩٨ ]
لكن الدراسات الحديثة (١) أظهرت أن كثيرا من المؤلفين المتقدمين كابن سعد، وخليفة بن خياط، ومسلم بن الحجاج وغيرهم لم يستعملوا " الطبقة " باعتبارها وحدة زمنية ثابتة، كما لم يستعملوها بمعنى " الجيل " أيضا ففي الوقت الذي عد فيه خليفة بن خياط الصحابة طبقة واحدة عدهم ابن سعد عدة طبقات استنادا إلى سابقتهم في الإسلام.
أما طبقات التابعين ومن بعدهم، فقائم عند خليفة وابن سعد على اعتبار اللقيا بين الصحابة والتابعين، فكبار التابعين هم الذين رووا عن كبار الصحابة ذوي السابقة والفضل، وهم الطبقة الأولى من التابعين، أما التابعون الذين رووا عن صغار الصحابة ولم يلتقوا بكبارهم لعدم لحاقهم بهم، فيكونون طبقة ثالثة أو رابعة، وكذلك فإن من روى عن سعيد بن المسيب مثلا وغيرهم من كبار التابعين فإنهم يكونون الطبقة الأولى من أتباع التابعين.