رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فَإِذَا هُوَ بِضَوْءِ نَارٍ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: فَاتَّبَعَ الضَّوْءَ حَتَّى دَخَلَ دَارًا فَإِذَا سِرَاجٌ فِي بَيْتٍ فَدَخَلَ - وَذَلِكَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، إِذَا شَيْخٌ جَالِسٌ وَبَيْنَ يَدَيْهِ شَرَابٌ وَقِينَةٌ تُغْنِيهِ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ مَنْظَرًا أَقْبَحَ مِنْ شَيْخٍ يَنْتَظِرُ أَجَلَهُ، قَالَ: فَرَفَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا صَنَعْتَ أَنْتَ أَقْبَحُ، إِنَّكَ تَجَسَّسْتَ، وَقَدْ
[ ١ / ١٤١ ]
نَهَى اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ، وَدَخَلْتَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: صَدَقْتَ.
ثُمَّ خَرَجَ عَاضًّا عَلَى ثَوْبِهِ وَقَالَ: ثَكَلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ إِنْ لَمْ يَغْفِرْ لَهُ رَبُّهُ، هَذَا كَانَ يَسْتَخْفِي بِهَذَا مِنْ أَهْلِهِ، فَيَقُولُ الْآنَ رَأَى عُمَرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَتَتَابَعُ فِيهِ، قَالَ: وَهَجَرَ الشَّيْخُ مَجَالِسَ عُمَرَ حِينًا، فَبَيْنَمَا عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ جَالِسٌ إِذَا هُوَ بِهِ قَدْ جَاءَ شَبِيهُ الْمُسْتَخْفِي حَتَّى جَلَسَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ فَرَآهُ عُمَرُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهَذَا الشَّيْخِ فأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَجِبْ، فَقَامَ وَهُوَ يَرَى أَنَّ عُمَرَ سَيُؤَنِّبُهُ بِمَا رَأَى مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ادْنُ مِنِّي فَمَا زَالَ يُدْنِيهِ حَتَّى جَلَسَ بِجَنْبِهِ، فَقَالَ: أَدْنِ مِنِّي أُذُنَكَ، فَالْتَقَمَ أُذُنَهُ، فَقَالَ: أَمَا وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ رَسُولًا مَا أَخْبَرْتُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بِمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مَعِيَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْنِ مِنِّي أُذُنَكَ، فَالْتَقَمَ أُذُنَهُ، فَقَالَ: وَلَا أَنَا، وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ رَسُولًا مَا عُدْتُ إِلَيْهِ حَتَّى جَلَسْتُ مَجْلِسِي هَذَا فَرَفَعَ عُمَرُ صَوْتَهُ فَكَبَّرَ، فَمَا يَدْرِي النَّاسُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يُكَبِّرُ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ تَلَقَّتْهُ الْجُنُودُ
[ ١ / ١٤٢ ]
وَعَلَيْهِ إِزَارٌ وَخُفَّانِ وَعِمَامَةٌ، وَهُوَ آخِذٌ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ يَخُوضُ الْمَاءَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يَلْقَاكَ الْجُنُودُ وَالْبَطَارِقَةُ، وَأَنْتَ عَلَى حَالِكَ هَذِهِ، فَقَالَ: إِنَّا قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَلَنْ نَلْتَمِسَ الْعِزَّ بِغَيْرِهِ.
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: نَادَى عُمَرُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَمَا تَكَلَّمَ حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لَقَدْ رَأَيْتَنِي أُؤَاجِرُ نَفْسِي بِطَعَامِ بَطْنِي، ثُمَّ أَصْبَحْتُ عَلَى مَا تَرَوْنَ، فَقِيلَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: إِظْهَارُ الشُّكْرِ.
وَعَنْ أَشْيَاخٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالُوا: أَتَانَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِقُبَاءَ، فَأَتَى بِشَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِشَرْبَةٍ هِيَ أَهْوَنُ عَلَيَّ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ هَذِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَوْصَانِي عُمَرُ ﵁، قَالَ: إِذَا وَضَعْتَنِي فِي لَحْدِي فَافْضِ بِخَدِّي إِلَى الْأَرْضِ.
قِيلَ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ عُمَرَ ﵁ كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا.
[ ١ / ١٤٣ ]