[ ١ / ٨٧ ]
بَاب ذكر وُرُود كتاب المتَوَكل إِلَى عبد الله بن إِسْحَاق فِي سَبَب الْعلوِي الَّذِي طلبه
اُخْبُرْنَا الْأُسْتَاذ الإِمَام أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن الصَّابُونِي ﵁ قِرَاءَة عَلَيْهِ قدم علينا دمشق فِي رَجَب سنة اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة قَالَ اُخْبُرْنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن احْمَد المخلدي ﵁ قَالَ اُخْبُرْنَا أَبُو بكر عبد الله الاسفرايني قَالَ سَمِعت أَبَا الْفضل صَالح بن احْمَد يَقُول
لما توفّي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَولى ابْنه مُحَمَّد بن عبد الله بن إِسْحَاق كتب المتَوَكل إِلَيْهِ أَن وَجه إِلَى احْمَد بن حَنْبَل أَن عنْدك طلبة أَمِير الْمُؤمنِينَ فوجهه بحاجبه مظفر وَحضر صَاحب الْبَرِيد وَكَانَ يعرف بِابْن الْكَلْبِيّ وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا
قَالَ مظفر يَقُول لَك الْأَمِير قد كتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن عنْدك طلبته
وَقَالَ لَهُ ابْن الْكَلْبِيّ مثل ذَلِك وَكَانَ قد نَام النَّاس فدق الْبَاب وَكَانَ على أبي ازار فَفتح لَهُم الْبَاب وقعدوا على بَابه وَمَعَهُمْ شَيْء فَلَمَّا قرئَ عَلَيْهِ الْكتاب
[ ١ / ٩٣ ]
فَقَالَ لَهُم أبي مَا اعرف هَذَا واني لارى طَاعَته فِي الْعسر واليسر والمنشط وَالْمكْره والاثرة
واني لاسف عَن تخلفي عَن الصَّلَاة جمَاعَة وَعَن حُضُور الْجُمُعَة ودعوة الْمُسلمين
قَالَ أَبُو الْفضل وَقد كَانَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَجه إِلَى أبي
الزم بَيْتك وَلَا تخرج إِلَى جُمُعَة وَلَا جمَاعَة وَإِلَّا نزل بك مَا نزل بك فِي أَيَّام أبي إِسْحَاق
قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ قد امرني أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أحلفك مَا عنْدك طلبة فتحلف
قَالَ إِن استحلفني حَلَفت - فاحلفه بِاللَّه وبالطلاق أَن مَا عنْدك طلبة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَأَنَّهُم اومأوا إِلَيّ أَن عِنْده علويا ثمَّ قَالَ لَهُ أُرِيد أَن أفتش مَنْزِلك _
قَالَ أَبُو الْفضل وَكنت حَاضرا فَقَالَ ومنزل ابْنك
فَقَامَ مظفر وَابْن الْكَلْبِيّ وَامْرَأَتَانِ مَعَهُمَا فدفلا فَفَتَّشَا الْبَيْت ثمَّ فتشتا الْمَرْأَتَانِ النِّسَاء
[ ١ / ٩٤ ]
وَقَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ دخلُوا إِلَى منزلي ففتشوا الْحَرِيم ثمَّ خَرجُوا
فَلَمَّا كَانَ بعد يَوْمَيْنِ ورد كتاب عَليّ بن الجهم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد صَحَّ عِنْده براءتك مِمَّا قذفت بِهِ وَقد كَانَ أهل الْبدع قد مدوا أَعينهم فَالْحَمْد لله الَّذِي لم يشمتهم بك وَقد وَجه إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ بِيَعْقُوب الْمَعْرُوف بقوصرة وَمَعَهُ جَائِزَة ويأمرك بِالْخرُوجِ فَالله الله أَن تستعفي أَو ترد المَال
[ ١ / ٩٥ ]
بَاب ذكر وُرُود كتاب المتَوَكل إِلَى أبي وَمَعَهُ الْجَائِزَة وبأشخاصه إِلَى المعسكر
قَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ ورد من الْغَد يَعْقُوب قوصرة فَدخل إِلَى أبي فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ يقرا عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول قد صَحَّ عندنَا نقاء ساحتك وَقد أَحْبَبْت أَن اسر بقربك واتبرك بدعائك وَقد وجهت إِلَيْك عشرَة الآف دِرْهَم مَعُونَة على سفرك واخرج بدرة فِيهَا صرة نَحْو مِائَتي دِينَار وَالْبَاقِي دَرَاهِم صِحَاح فَلم ينظر إِلَيْهَا ثمَّ شدها يَعْقُوب وَقَالَ لَهُ أَعُود غَدا حَتَّى انْظُر مَا تعزم عَلَيْهِ - وَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله الْحَمد لله الَّذِي لم يشمت بك أهل الْبدع وَانْصَرف فَجئْت بإجانة خضراء أكبها على البدرة فَلَمَّا كَانَ عِنْد الْمغرب قَالَ يَا صَالح خُذ هَذِه الصرة عنْدك فصيرتها عِنْد رَأْسِي فَوق الْبَيْت فَلَمَّا كَانَ سحرًا إِذْ هُوَ يُنَادي يَا صَالح فَقُمْت فَصَعدت إِلَيْهِ
فَقَالَ يَا صَالح مَا نمت لَيْلَتي هَذِه _
فَقلت لَهُ يَا أبه لم - فَجعل يبكي وَقَالَ سلمت من هَؤُلَاءِ حَتَّى إِذا كَانَ فِي أخر عمري بليت بهم وَقد عزمت على أَن تفرق هَذَا الشَّيْء إِذا أَصبَحت فَقلت ذَلِك إِلَيْك فَلَمَّا اصبح جَاءَهُ الْحسن بن الْبَزَّار فَقَالَ
[ ١ / ٩٦ ]
يَا صَالح جئني بميزان وجهوا إِلَى أَبنَاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ثمَّ قَالَ وَجه إِلَى فلَان حَتَّى يفرق فِي ناحيته وَإِلَى فلَان فَلم يزل حَتَّى فرقها كلهَا ونفض الْكيس وَنحن فِي حَالَة الله بهَا عليم فَجَاءَنِي ابْن لي فَقَالَ لَهُ يَا ابه أَعْطِنِي درهما فَنظر إِلَيّ فأخرجت قِطْعَة أَعْطيته فَكتب صَاحب الْبَرِيد انه تصدق بِالدَّرَاهِمِ من يَوْمه حَتَّى تصدق بالكيس قَالَ عَليّ بن الجهم فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد تصدق بهَا وَعلم النَّاس انه قد قبل مِنْك مَا يصنع احْمَد بِالْمَالِ - وانما قوته رغيف
قَالَ فَقَالَ لي صدقت يَا عَليّ
[ ١ / ٩٧ ]
بَاب مسير أبي عبد الله الْعَسْكَر
قَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ أخرج أبي ﵀ لَيْلًا ومعنا حراس مَعَهم النفاطات فَلَمَّا اصبح واضاء الْفجْر قَالَ لي يَا صَالح مَعَك دَرَاهِم قلت نعم قَالَ أعطهم - فأعطيتهم درهما درهما فَلَمَّا أَصْبَحْنَا جعل يَعْقُوب يسير مَعَه فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله ابْن الثَّلْجِي بَلغنِي انه كَانَ يذكرك
فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا يُوسُف سل الله الْعَافِيَة
فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عبد الله أُرِيد أَن أودي عَنْك فِيهِ رِسَالَة إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَسكت
فَقَالَ لَهُ إِن عبد الله بن إِسْحَاق اخبرني أَن الوابصى قَالَ لَهُ أَنِّي اشْهَدْ عَلَيْهِ انه قَالَ إِن احْمَد يعبد ماني
[ ١ / ٩٨ ]
فَقَالَ يَا أَبَا يُوسُف يَكْفِي الله
فَغَضب يَعْقُوب فَالْتَفت إِلَيّ فَقَالَ مَا رَأَيْت اعْجَبْ مِمَّا نَحن فِيهِ أسأله أَن يُطلق لي كلمة اخبر أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَا يفعل
قَالَ أَبُو الْفضل وَقصر أبي الصَّلَاة فِي خُرُوجه إِلَى الْعَسْكَر وَقَالَ تقصر الصَّلَاة فِي أَرْبَعَة برد وَهِي سِتَّة عشر فرسخا فَصليت يَوْمًا بِهِ الْعَصْر فَقَالَ لي طولت بِنَا الْعَصْر تقْرَأ فِي الرَّكْعَة مِقْدَار خَمْسَة عشرَة آيَة وَكنت اصلي بِهِ فِي الْعَسْكَر
قَالَ أَبُو الْفضل فَلَمَّا صرنا بَين الحائطين قَالَ لنا يَعْقُوب أقِيمُوا ثمَّ وَجه إِلَى المتَوَكل بِمَا عمل فَدَخَلْنَا الْعَسْكَر وَأبي منكس الرَّأْس وَرَأسه مغطى فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب اكشف رَأسك يَا أَبَا عبد الله فكشفه ثمَّ جَاءَ وصيف يُرِيد الدَّار فَلَمَّا نظر إِلَى النَّاس وجمعهم قَالَ مَا هَؤُلَاءِ - قَالُوا احْمَد بن حَنْبَل
فَوجه إِلَيْهِ بعد مَا جَازَ بِيَحْيَى بن هرثمة فَقَالَ يُقْرِئك الْأَمِير يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول الْحَمد لله الَّذِي لم يشمت بك أهل الْبدع قد علمت مَا كَانَ من حَال ابْن أبي دؤاد فَيَنْبَغِي أَن تَتَكَلَّم بِمَا يجب لله وَمضى يحيى
[ ١ / ٩٩ ]
بَاب مقَام أبي عبد الله فِي الْعَسْكَر
قَالَ أَبُو الْفضل انْزِلْ أبي دَار ايتاخ فجَاء عَليّ بن الجهم فَقَالَ قد أَمر لكم أَمِير الْمُؤمنِينَ بِعشْرَة الآف مَكَان الَّتِي فرقها وامر أَن لَا يعلم شيخكم بذلك فيغتم ثمَّ جَاءَهُ مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة فَقَالَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ بكثر ذكرك وَيَقُول تقيم هَا هُنَا تحدث
فَقَالَ أَنا ضَعِيف ثمَّ وضع أُصْبُعه على بعض أَسْنَانه فَقَالَ إِن بعض أسناني يَتَحَرَّك وَمَا أخْبرت بذلك وَلَدي
ثمَّ وَجه إِلَيْهِ فَقَالَ مَا تَقول فِي بهيمتين انتطحتا فعقرت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى فَسَقَطت فذبحت
فَقَالَ إِن كَانَ أطرف بِعَيْنِه ومصع بِذَنبِهِ وسال دَمه يُؤْكَل قَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ صَار إِلَيْهِ يحيى بن خاقَان فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله قد أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أصير إِلَيْك لتركب إِلَى أبي عبد الله ثمَّ قَالَ لي امرني أَن قطع لَهُ سوادا وطليسانا وقلنسوة فَأَي قلنسوة تلبس
فَقلت لَهُ مَا رَأَيْته لبس قلنسوة قطّ فَقَالَ لَهُ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَمر ان يصير لَك مرتبَة فِي أَعلَى الْمَرَاتِب
[ ١ / ١٠٠ ]
وَيصير أَبُو عبد الله فِي حجرك ثمَّ قَالَ قد امرني أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يجْرِي عَلَيْكُم وعَلى قرأباتك أَرْبَعَة الآف دِرْهَم تفرقها عَلَيْهِم ثمَّ أعَاد يحيى من الْغَد فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله تركب _
قَالَ ذَاك إِلَيْكُم فَقَالَ استخير الله فَلبس إزَاره وخفيه وَقد كَانَ خفه قد أَتَى عِنْده نَحْو من خَمْسَة عشر سنة قد رقع برقاع عدَّة
فَأَشَارَ يحيى إِلَى أَن يلبس قلنسوة
فَقَالَ كَيفَ يدْخل عَلَيْهِ حاسرا وَيحيى قَائِم فطلبنا لَهُ دَابَّة يركبهَا فَقَالَ يحيي يُصَلِّي فَجَلَسَ على التُّرَاب وَقَالَ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم﴾ ثمَّ ركب بغل بعض التُّجَّار فمضينا مَعَه حَتَّى أَدخل دَار المعتز فاجلس فِي بَيت الدهليز ثمَّ جَاءَ يحيي فَأخذ بِيَدِهِ حَتَّى ادخله وَرفع لنا السّتْر وَنحن نَنْظُر
وَكَانَ المعتز قَاعِدا على دكان فِي الدَّار وَكَانَ قد تقدم يحيى إِلَيْهِ فَقَالَ لَا تمد يدك إِلَيْهِ فَلَمَّا صعد الدّكان قعد
[ ١ / ١٠١ ]
فَقَالَ لَهُ يحيى يَا أَبَا عبد الله إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ جَاءَ ليأنس بقربك يصير أَبَا عبد الله فِي حجرك
فاخبرني بعض الخدم أَن المتَوَكل كَانَ قَاعِدا وَرَاء ستر فَلَمَّا دخل الدَّار قَالَ لامه يَا أُمَّاهُ قد أنارت الدَّار
ثمَّ جَاءَ خَادِم بمناديل فاخذ يحيى المنديل واخرج مِنْهُ مبطنه فِيهَا قَمِيص فَادْخُلْ يَده فِي جيب الْقَمِيص والمبطنة ثمَّ أَخذ بيد أبي فأقامه ثمَّ أَدخل الْقَمِيص والمبطنة فِي راسة ثمَّ ادخل يَده الْيُمْنَى وَكَذَلِكَ الْيَسَار وَهُوَ لَا يُحَرك يَده ثمَّ اخذ قلنسوة فوضعها على رَأسه والبسه طيلسانا ولحفه بِهِ وَلم يجيئوا بخف فَبَقيَ الْخُف عَلَيْهِ ثمَّ انْصَرف وَكَانُوا قد تحدثُوا انه لَا يخلع عَلَيْهِ السوَاد فَلَمَّا صَار إِلَى الدَّار نزع الثِّيَاب عَنهُ ثمَّ جعل يبكي ثمَّ قَالَ سلمت من هَؤُلَاءِ مُنْذُ سِتِّينَ سنة حَتَّى إِذا كَانَ اخر عمري بليت بهم مَا احسبني سلمت من دخولي على هَذَا الْغُلَام فَكيف بِمن يجب عَليّ نصحه من وَقت يَقع عَيْني عَلَيْهِ إِلَى أَن أخرج من عِنْده _
ثمَّ قَالَ يَا صَالح وَجه بِهَذِهِ الثِّيَاب إِلَى بَغْدَاد يُبَاع وَيتَصَدَّق بِثمنِهَا وَلَا يَشْتَرِي أحد مِنْكُم مِنْهَا شَيْئا
قَالَ أَبُو الْفضل فوجهت بهَا إِلَى يَعْقُوب بن بحتان فَبَاعَهَا وَفرق
[ ١ / ١٠٢ ]
ثمنهَا وَبقيت عِنْدِي القلنسوة ثمَّ اُخْبُرْنَا الدَّار الَّتِي هُوَ فِيهَا ايتاخ فَقَالَ اكْتُبْ رقْعَة إِلَى مُحَمَّد بن الْجراح لتعفي لي من هَذِه الدَّار فكتبنا رقْعَة فامر المتَوَكل أَن يُعْفَى مِنْهَا وَوجه إِلَى قوم لِيخْرجُوا مَنَازِلهمْ فَسَأَلَ أَن يُعْفَى من ذَلِك واكتريت لَهُ دَار بِمِائَتي دِرْهَم فَصَارَ إِلَيْهَا واجرى لنا مائدة وثلج وَضرب الحنيش فَلَمَّا رأى الحنيش والطبري نحى نَفسه عَن ذَلِك الْموضع والقى نَفسه على مضربة لَهُ واشتكت عينه وبرئت قَالَ أَلا تعجب كَانَ عَيْني تَشْتَكِي فَمَكثَ حِين حَتَّى يبرا ثمَّ قد بَرِئت فِي سرعَة وَجعل يواصل يفْطر فِي كل ثَلَاث على تمر وَسَوِيق فَمَكثَ بذلك خمس عشر يفْطر فِي كل ثَلَاث ثمَّ جعل بعد ذَلِك يفْطر لَيْلَة وَلَيْلَة لَا يفْطر إِلَّا على رغيف وَكَانَ إِذا جىء بالمائدة تُوضَع فِي الدهليز لكَي لَا يَرَاهَا فيأكل من حضر وَكَانَ إِذا أجهده الْحر بل خرقَة فَيَضَعهَا على صَدره وَفِي كل يَوْم يُوَجه المتَوَكل إِلَيْهِ بِابْن ماسويه فَينْظر إِلَيْهِ - وَيَقُول لَهُ يَا أَبَا عبد الله أَنا أميل إِلَيْك وَإِلَى أَصْحَابك وَمَا بك عِلّة إِلَّا الضعْف وَقلة الدَّد
فَقَالَ لَهُ ابْن ماسويه أَنا امرنا عبادنَا بِأَكْل دهن الْخلّ فانه يلين وَجعل يَجِيئهُ بالشَّيْء ليشربه فيصبه
وَقطع لَهُ يحيى دراعة وطليسانا سوادا
[ ١ / ١٠٣ ]
وَجعل يَعْقُوب وعتاب يصيران إِلَيْهِ فَيَقُولَانِ لَهُ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا تَقول فِي ابْن دؤاد فِي مَاله - فَلَا يُجيب فِي ذَلِك
وَجعل يَعْقُوب وعتاب يخبرانه بِمَا يحدث من أَمر ابْن أبي دؤاد فِي كل يَوْم ثمَّ انحدر ابْن أبي دؤاد إِلَى بَغْدَاد فاشهد عَلَيْهِ بِبيع ضياعة وَكَانَ رُبمَا صَار إِلَيْهِ يحيى بن خاقَان وَهُوَ يُصَلِّي فيجلس فِي الدهليز حَتَّى يفرغ ويجىء عَليّ بن الجهم فينزع سَيْفه وقلنسوته وَيدخل عَلَيْهِ وامر المتَوَكل أَن يَشْتَرِي لنا دَارا
فَقَالَ يَا صَالح قلت لبيْك لَئِن أَقرَرت لَهُم بشرَاء دَار ليَكُون القطيعة بيني وَبَيْنكُم إِنَّمَا تُرِيدُونَ أَن تصيروا هَذَا الْبَلَد لي مأوى ومسكنا _
فَلم يزل يدْفع شِرَاء الدَّار حَتَّى انْدفع وَصَارَ إِلَى صَاحب الْمنزل فَقَالَ أُعْطِيك كل شهر ثَلَاثَة آلَاف مَكَان الْمَائِدَة - فَقلت لَا افْعَل
وَجعلت رسل المتَوَكل تَأتيه يسألونه عَن خَبره فيصيرون إِلَيْهِ وَيَقُولُونَ لَهُ هُوَ ضَعِيف وَفِي خلال ذَلِك يَقُولُونَ يَا أَبَا عبد الله لَا بُد من أَن يراك فيسكت فَإِذا خَرجُوا قَالَ إِلَّا تعجب من قَوْله لَا بُد من أَن يراك وَمَا عَلَيْهِم من أَن يراني _
وَكَانَ فِي هَذِه الدَّار حجرَة صَغِيرَة فِيهَا بيتان فَقَالَ أدخلوني تِلْكَ الْحُجْرَة وَلَا تسرجوا سِرَاجًا فأدخلناه إِلَيْهَا فَجَاءَهُ يَعْقُوب فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ مشتاق إِلَيْك وَيَقُول
[ ١ / ١٠٤ ]
انْظُر إِلَى الْيَوْم الَّذِي تصير إِلَيْهِ فِيهِ أَي يَوْم هُوَ حَتَّى اعرفه - فَقَالَ ذَاك إِلَيْكُم فَقَالَ يَوْم الْأَرْبَعَاء يَوْم خَال وَخرج يَعْقُوب فَلَمَّا كَانَ الْغَد جَاءَ فَقَالَ الْبُشْرَى يَا أَبَا عبد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَيَقُول قد أعفيتك من لبس السوَاد وَالرُّكُوب إِلَى وَالِي وُلَاة العهود وَإِلَى الدَّار فان شِئْت فالبس الْقطن وان شِئْت فالبس الصُّوف فَجعل يحمد الله على ذَلِك د
وَقَالَ لَهُ يَعْقُوب إِن لي ابْنا وَأَنا معجب وَله فِي قلبِي موقع فاحب أَن تحدثه بِأَحَادِيث فَسكت
فَلَمَّا خرج قَالَ أتراه لَا يرى مَا أَنا فِيهِ
قَالَ أَبُو الْفضل كَانَ أبي يخْتم من جُمُعَة إِلَى جُمُعَة فَإذْ ختم دَعَا فيدعو ونؤمن على دُعَائِهِ فَلَمَّا كَانَ غَدَاة الْجُمُعَة وَجه إِلَيّ وَإِلَى أخي عبد الله فَلَمَّا أَن ختم جعل يَدْعُو ونؤمن على دُعَائِهِ فَلَمَّا فرغ جعل يَقُول أستخير الله مرَارًا فَجعلت أَقُول مَا تُرِيدُ _
ثمَّ قَالَ إِنِّي أعطي الله عهدا أَن الْعَهْد كَانَ مسئولا وَقد قَالَ الله ﷿ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ إِنِّي لَا أحدث حَدِيثا تَاما حَتَّى ألْقى الله وَلَا اسْتثْنِي مِنْكُم أحدا فخرجنا وَجَاء عَليّ بن الجهم فَقُلْنَا لَهُ فَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فَأخْبر المتَوَكل بذلك
وَقَالَ إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَن أحدث فَيكون هَذَا الْبَلَد حبسي وَإِنَّمَا كَانَ
[ ١ / ١٠٥ ]
سَبَب الَّذين أَقَامُوا بِهَذَا الْبَلَد لما أعْطوا فقبلوا وَأمرُوا فَحَدثُوا وَكَانَ يخيرونه فَيتَوَجَّه لذَلِك وَجعل يَقُول وَالله لقد تمنيت الْمَوْت فِي الْأَمر الَّذِي كَانَ وَإِنِّي لأتمنى الْمَوْت فِي هَذَا وَذَاكَ إِن هَذَا فتْنَة الدُّنْيَا وَكَانَ ذَاك فتْنَة الدّين ثمَّ جعل يضم أَصَابِع يَده وَيَقُول لَو كَانَت نَفسِي فِي يَدي لأرسلتها ثمَّ يفتح أَصَابِعه وَكَانَ المتَوَكل يُوَجه إِلَيْهِ فِي كل وَقت يسْأَل عَن حَاله وَكَانَ فِي خلال ذَلِك يُؤمر لنا بِالْمَالِ فَيَقُول يُوصل إِلَيْهِم وَلَا يعلم شيخهم فيغتم مَا يُرِيد مِنْهُم إِن كَانَ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ الدُّنْيَا فَمَا يمنعهُم
وَقَالَ للمتوكل إِنَّه - كَانَ - لَا يَأْكُل من طَعَامك وَلَا يجلس على فرشك وَيحرم الَّذِي تشرب فَقَالَ لَهُم لَو نشر لي المعتصم لم أقبل مِنْهُ
[ ١ / ١٠٦ ]
بَاب خطاب أبي عبد الله إِلَيّ بِعَدَمِ الْخُرُوج إِلَيْهِ
قَالَ أَبُو الْفضل ثمَّ إِنِّي انحدرت إِلَى بَغْدَاد وخلفت عبد الله عِنْده فَإِذا عبد الله قد قدم وَجَاء بثيابي الَّتِي كَانَت عِنْده فَقلت مَا جَاءَ بك قَالَ قَالَ لي انحدر وَقَالَ لصالح لَا تخرج فَأنْتم كُنْتُم افتي وَالله لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت مَا أخرجت مِنْكُم وَاحِدًا معي لَوْلَا مَكَانكُمْ لمن كَانَ تُوضَع هَذِه الْمَائِدَة وَلمن كَانَ يفرش هَذَا الْفرش وَيجْرِي هَذَا الإجراء
قَالَ أَبُو الْفضل فَكتبت إِلَيْهِ اعلمه بِمَا قَالَ لي عبد الله فَكتب إِلَيّ بِخَطِّهِ