سبق أن ذكرنا أن أزواج النبي - ﷺ - كن حزبين، وكان الحزب الأول يضم عائشة وحفصة وسودة وصفية ﵅، والحزب الآخر يضم زينب وبقية الأزواج المطهرات، وكان من عادته - ﷺ - أن يزور سائر أزواجه ويقضي معهن شيئا من الوقت بعد صلاة العصر، ويعدل في الجلوس عندهن حتى لا يمكن أن ترجح كفة واحدة على الأخرى، إذا به يجلس عند أم المؤمنين زينب (ض) فوق العادة، وظلت بقية الأزواج ينتظرنه في أوقاتهن المحددة والمعتادة، فأرابهن ذلك، وسألت عائشة النبي - ﷺ - عن سبب التأخير، فقال - ﷺ -: إن امرأة من قوم زينب أهدت لها عكة من العسل -وكان العسل من أحب الأشياء إلى رسول الله - ﷺ - - وهي تسقيه منه كل يوم، فيتناوله ولا يرفض حتى لا ينكسر خاطرها، وهذا هو سبب التأخير، فتواطأت عائشة وحفصة وسودة أن يحتلن له، وقلن: أيتنا دخل عليها النبي - ﷺ - فلتقل له: ماذا شربت؟ وما هذه الريح التي أجد منك؟ - وكان الرسول - ﷺ - يكره أن توجد منه الريح (١) - فإن قال: شربت عسلا، فلتقل: جرست نحله العرفط (شجر الطلح)، ولعله عسل المغافير - والمغافير شيء ينضحه شجر العرفط حلو كالناطف، وله ريح منكرة - وهكذا وقع، فقال النبي - ﷺ -: لا، ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش، فلن أعود له وقد حلفت (٢). وهكذا بدأ النبي - ﷺ - يكره العسل وحلف أن لا يشربه.
_________________
(١) انظر: مسند الإمام أحمد ٢٤٩/ ٦ برقم ٢٦١٦٢.
(٢) صحيح البخاري كتاب تفسير القرآن برقم ٤٩١٢ وكتاب الأيمان والنذور برقم ٦٦٠٩١.
[ ١٤٢ ]
ولو صدر ذلك الحلف من إنسان عادي لم تكن له أية أهمية، ولكنه صدر من الشارع العظيم الذي يكون كل قول مما نطق به لسانه سببا لتشريع الشرائع وتأصيل الأصول. ولذلك أنزل الله تعالى العتاب ونزلت آيات من سورة التحريم:
﴿يا يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ١ - ٢].
وأثناء هذه الفترة أسر النبي - ﷺ - إلى حفصة شيئا، فأخبرت عائشة بذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٣ - ٤].
إذن ما هو السر الذي طلب من حفصة أن تخفيه؟ وقد ورد في صحيح البخاري أن ذلك كان حادث تحريم العسل (١)، كما ورد في بعض الروايات الضعيفة أن رسول الله - ﷺ - كانت له أمة تسمى مارية يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، وأكد على حفصة أن تحافظ على هذا السر ولا تفشيه عند أحد، فأخبرت بها عائشة فنزلت هذه الآية (٢).
_________________
(١) أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة (ض) أن النبي - ﷺ - كان يمكث عند زيب بنت جحش ويشرب عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي - ﷺ - فلتقل إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ لقوله: بل شربت عسلا. (البخاري كتاب الطلاق برقم ٥٢٦٧، صحيح مسلم كتاب الطلاق برقم ١٤٧٤، سنن النسائي كتاب الطلاق برقم ٣٤٢١، كتاب الأيمان والنذور برقم ٣٧٩٥).
(٢) أشار به المؤلف إلى الرواية التي أخرجها البيهقي وغيره أن حفصة أم المؤمنين (ض) زارت أباها ذات يوم وكان يومها فلما جاء النبي - ﷺ - فلم يرها في المنزل فأرسل إلى أمته مارية القبطية فأصاب منها في بيت حفصة، فجاءت حفصة على تلك الحالة =
[ ١٤٣ ]
ولكن هنا ينشأ السؤال أنه لما لم يكن قصد النبي - ﷺ - بالتحريم إرضاء عائشة وحدها كما هو منصوص في الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ فلا معنى لإخفاء هذا السر فقط عن عائشة. لأنه قد أمكن الحصول على رضاها بعدما اطلعت على هذه الواقعة، كما أن الآية الكريمة تدل على أن ما حرمه الرسول - ﷺ - ليس له أي علاقة بالأمة، لأننا حنى لو سلمنا بصحة هذه الرواية، فإنها تدل على أن حفصة هي التي طلبت من النبي - ﷺ - ذلك. بينما الآية تستوجب أن يكون ذلك رغبة مشتركة من ثلاثة من الأزواج على الأقل. وليس من واحدة فقط. ثم سر الاحتراز عن طعام أو أمة ليس بذاك الأهمية حتى يتطلب مؤازرة المسلمين في الأرض والملائكة في السماء، لأنه - ﷺ - لو لم يتناول العسل ولم تبق له علاقة ظاهرية مع الأمة لعرف الناس أنه - ﷺ - فعل كذا، مثل ما كان الأمر في الضب، حيث كان العرب كلهم يأكلونه، لكن النبي - ﷺ - لا يعجبه ذلك، كما أنه - ﷺ - كان قد طلق بعض أزواجه أو فكر بذلك، ولكن لم يكن شيء من ذلك سرا مخفيا عن الناس، والذين لديهم إلمام بأساليب القرآن الكريم العامة ومناهجه في البيان والتوضيح، واطلاع على اللغة العربية وقواعدها، يعرفون حق المعرفة أن الكلمة التي تأتي بعد «إذ» تكون جملة مستأنفة وقصة جديدة، فالآية السابقة تناولت موضوع التحريم، ثم استأنفت موضوعا جديدا، وما هو هذا الموضوع؟ قد بينه القرآن الكريم في آية أخرى ألا وهو «الظهار» (١) وسوف نذكر تفاصيل موضوع الظهار لاحقا.
_________________
(١) = فقالت: يا رسول الله أتفعل هذا في بيتي وفي يومي، قال: فإنها علي حرام لا تخبري بذلك أحدا، فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخذتها بذلك، فأنزل الله ﷿ في كتابه ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ الآية هذا الحديث مرسل، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣٥٣ برقم ١٤٨٥٤، وأخرجه موصولا أصحاب السنن عن أنس كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله ﷿ الآيات. انظر: سنن النسائي الكبرى ٥/ ٢٨٦ رقم ٨٩٠٧ و٦/ ٤٩٥ برقم ١١٦٠٧، والمقدسي في الأحاديث المختارة ٥/ ٦٩ برقم ١٦٩٤. هذا وقد صرح كبار المحدثين أن هذه الرواية لم تثبت من طريق صحيح.
(٢) الظهار هو تشبيه المسلم زوجته أو تشبيه ما يعبر به عنها من أعضائها أو تشبيه جزء =
[ ١٤٤ ]
إن منافقي المدينة المنورة الذين سبق أن ذكرنا بعض نماذج من خبثهم ومكرهم وحقدهم على الإسلام والمسلمين لم تسنح لهم فرصة أغلى وأثمن لإبداء كراهيتهم والضغينة الدفينة في قلوبهم تجاه النبي - ﷺ - من هذه الفرصة، ولا عجب أن غرسوا بذورا من المؤامرة الخطيرة، ولا نقول ذلك قياسا أو استنباطا، وإنما يدل عليه آيات من القرآن الكريم، والآية السابقة بما لها من الأهمية البالغة تشير إلى هذا الواقع، والآية بعدما بينت وأرشدت الناس إلى أن لا يكون حب الأهل والأولاد عائقا لهم دون الصراط المستقيم جاء قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم: ٩] ثم في الخطاب نفسه ساقت الآية قصة أزواج نوح ولوط (س) ووضحت أنهما لو لم يتبعا طريق الحق، وانحرفتا عن سواء السبيل فماذا أضرتا بالأنبياء، أو بدعوتهم؟ وهكذا أنتم ياأيها المنافقون ماذا بوسعكم أن تؤذوا النبي - ﷺ - أو تضروه بشيء بموجدة زوجاته المؤقتة عليه؟ كما يدل على صحة هذا القياس ما نزل من الآيات ضمن هذه القصة (١) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].