تحكي لنا عائشة (ض) قصة فتاة فتقول: إن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، وأنا كارهة، قالت: اجلسي حتى يأتي النبي - ﷺ -، فجاء رسول الله - ﷺ - فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء (١).
فطلوع عائشة (ض) على منصة السياسة لدليل على أن نطاق حقوق المرأة المسلمة لا ينحصر فيما يظنه العامة، لقد أصيبت السيدة عائشة (ض) بصدمة عنيفة إثر هذا الحادث المفجع، وتألمت كثيرا بما رأته من أوضاع المسلمين وأحوالهم التي وصلت إلى أسوأ درجة، ولا سيما لما عرفت بأنه لا يوجد من ينهض للإصلاح فيما بينهم ويقوم بحل هذه العقدة التي وقعوا فريستها إبان مقتل عثمان (ض)، وكما نعرف أن أم المؤمنين عائشة كانت ذات جرأة نادرة، رابطة الجأش، ثابتة القلب والنفس، لم تزعزعها شدة المصيبة، ولم تهز كيانها المشاكل والمصائب، ومن مظاهر جرأتها العديمة المثال أنها استأذنت من النبي - ﷺ - أن تشارك في الجهاد، فقال لها النبي - ﷺ -: «جهادكن الحج» (٢).
وكانت قد شاركت في بعض الغزوات قبل أن ينزل الحجاب، وفي رواية أنها شاركت في غزوة بدر الكبرى كذلك. أما في غزوة أحد فكان لها سهم وافر في نصرة المجاهدين، فكانت تسقي الجرحى، وتحمل قرب الماء على عاتقها لتفرغها في أفواه المجاهدين، يقول أنس (ض): «ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقلان القرب على متونهما ثم
_________________
(١) أخرجه النسائي في سننه باب البكر يزوجها أبوها وهي كارهة برقم ٣٢٦٩، وفي السنن الكبرى ٢٨٤/ ٣ برقم ٥٣٩٠، وابن ماجه في سننه برقم ١٨٧٤ وأحمد في مسنده ١٣٦/ ٦ برقم ٢٥٠٨٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه باب حج النساء عن عائشة (ض) قالت: قلت: يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور.
[ ١٧٠ ]
تفرغانه في أفواههم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان تفرغانه في أفواه القوم» (١).
وفي غزوة الخندق لما كان المسلمون شبه محصورين نزلت من الحصن الذي وضع فيه النبي - ﷺ - النساء والأطفال، وتقدمت إلى الصفوف الأمامية (٢).
ولا ينكر أحد أن الإمارة والولاية لا تتفق مع تكوين المرأة النفسي والعاطفي والطبيعي، كما أن الشروط اللازمة للإمامة والإمارة لا يمكن أن يتحملها هذا الجنس اللطيف الرقيق، ولذلك لم تكلفها الشريعة بحمل هذا العبء العظيم والثقل الكبير على أكتافها، ولكن لا يحتج بذلك على عدم جواز توليها وظائف أخرى، ومساهماتها في شتى ميادين السياسة، من القيام بأعمال إصلاحية، وإرشادية في الجمهور، ولا سيما في الأوضاع الطارئة التي تسود فيها نيران الفتن والفساد كل المجتمع، ولا يوجد أحد غيرها يقوم بإخماد هذه النار، والقضاء على تلك الفتن والاضطرابات واجتثاث جذورها من المجتمع البشري.
وقد ذهب الإمام مالك، والطبري، وأبو حنيفة في رواية، وآخرون إلى جواز منح المرأة الإمارة وولاية القضاء (٣). وكانت شفاء العدوية (ض) قد استعملها عمر (ض) على السوق (٤)، وهذه عائشة (ض) ربما اجتمع عندها
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد والسير برقم ٢٨٨٠، وكتاب المناقب برقم ٣٨١١، وكتاب المغازي برقم ٤٠٦٤، ومسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير برقم ١٨١١.
(٢) تقول عائشة: خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي، فالتفت فإذا أنا يسعد بن معاذ الحديث أخرجه أحمد مفصلا في مسنده ٦/ ١٤١ برقم ٢٥١٤٠ وابن حبان في صحيحه ١٥/ ٤٩٧ برقم ٧٠٢٨، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٢٨٤/ ١.
(٣) قال الحافظ ابن حجر: قال الخطابي: في الحديث أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء، وأجازه الطبري، وهي رواية عن مالك، وعن أبي حنيفة: تلي الحكم فيما تجوز فيه شهادة النساء (فتح الباري ٤٦٩/ ٩).
(٤) أخرج أبو بكر أحمد بن عمرو الشيباني عن زيد بن أبي حبيب أن عمر (ض) استعمل الشفاء على السوق، قال: ولا نعلم امرأة كهذه (الآحاد والمثاني ٤/ ٦ رقم ٣١٧٩).
[ ١٧١ ]
النساء، فأمتهن وقامت بينهن في الوسط (١).