كان بيت أم المؤمنين عائشة (ض) مسكنا ومأوى لسيد المرسلين محمد - ﷺ -، حيث لم تكن الثروات الكبيرة ولا الأموال الهائلة ولا أغراض التنعم والعيش الهنيء الرغيد، ولا هي كانت تبالي بهذه الأشياء الزائلة.
ومعلوم أن الإسلام دين يجمع بين الدين والدنيا، فما سبق في الصفحات الماضية من ذكر بعض الحقائق، وصور للجود والكرم والسخاء كانت علاقته بالفطرة البشرية والجبلة الإنسانية.
ونتحول الآن لكي نعيش حياته - ﷺ - ونطلع على صور واقعية منها في ضوء الحقائق التالية:
تقول أم المؤمنين عائشة (ض): كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل البيت تمتثل:
«لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملأ فمه إلا التراب، وما جعلنا المال إلا لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ويتوب الله على من تاب» (٢). كان غرضه - ﷺ - من تكرار هذه الكلمات يوميا هو تذكير أهل البيت بفناء هذه الدنيا الزائلة، وعدم ثباتها واستقرارها، والحط من مكانة وأهمية المال في القلوب وتقليل قيمته.
وكان - ﷺ - يدخل في الحجرة بعد صلاة العشاء فيستاك ثم ينام مباشرة،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ١١٧/ ٦ برقم ٢٤٩٠٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٥/ ٦١ برقم ٨٩٠٥، وأبو داود في سننه باب في الخضاب للنساء برقم ٤١٦٤، والنسائي في سننه برقم ٥٠٩٠ باب كراهية ريح الحناء.
(٢) مسند الإمام أحمد ٥٥/ ٦ برقم ٢٤٣٢١، كما أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن بعضهم عن أنس وآخرون عن ابن عباس ﵃ أجمعين، والإمام مسلم في صحيحه برقم ١٠٤٨ باب لو كان لابن آدم واديان لابتغى ثالثا، والترمذي في سننه باب ما جاء لو كان لابن آدم واديان من مال برقم ٢٣٣٧، والدارمي باب لو كان لابن آدم واديان من مال برقم ٢٧٧٨.
[ ٩٩ ]
فإذا كان وسط الليل يستيقظ من النوم ويتهجد، فإذا كان آخر الليل يوقظ عائشة (ض) فتصلي معه ثم توتر (١)، وإذا تبين له الفجر يصلي ركعتي الفجر ويضطجع على شقه الأيمن (٢)، ويتحدث مع عائشة (٣)، حتى يأتيه المؤذن للإقامة.
وأحيانا كانت (ض) تقوم الليل كاملا مع النبي - ﷺ - تعبد ربه، تقول (ض): كنت أقوم مع الرسول - ﷺ - ليلة التمام فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله ﷿ واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ﷿ ورغب إليه (٤).
كما إنها كانت تقوم تصلي مع الرسول - ﷺ - في الحالات الطارئة؛ مثل الكسوف وغيره وكانت تقتدي بالرسول - ﷺ - في حجرته (٥) والرسول - ﷺ - يؤم الناس في المسجد.
وكانت تواظب على الصلوات الخمس وقيام الليل، وكذلك صلاة الضحى، وتكثر من الصوم، وأحيانا يصومان معا، وحينما ترى النبي - ﷺ - يعتكف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، قد تشاركه في هذه العبادة، وتضرب الخيمة في المسجد فيصلي الرسول - ﷺ - الصبح ثم يدخله (٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٥٥ برقم ٢٤٣٢٠ و٦/ ١٥٢ برقم ٢٥٢٢٥، كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه باب صلاة الليل برقم ٧٤٤.
(٢) يراجع: صحيح الإمام مسلم باب صلاة الليل برقم ٧٣٦، وصحيح البخاري باب الضجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر برقم ٦٢٦.
(٣) صحيح البخاري باب من تحدث بعد الركعتين ولم يضطجع برقم ١١٦١، وفيه «فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة»، وسنن أبي داود كتاب الصلاة رقم ١٢٦٢.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٦/ ٩٢ برقم ٢٤٦٥٣، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٨٢.
(٥) صحيح البخاري كتاب الجمعة برقم ١٠٥١، صحيح الإمام مسلم كتاب الكسوف رقم ٩٠٥، ٩٠٦، ٩١٠.
(٦) صحيح البخاري كتاب الاعتكاف رقم ٢٠٣٣.
[ ١٠٠ ]
وقد صحبت النبي - ﷺ - في حجة الوداع سنة ١١هـ، فلما قدمت مكة حاضت فلم تطف بالبيت، فشكت ذلك إلى النبي - ﷺ - فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة، فلما قضت مناسك الحج، أرسلها النبي - ﷺ - مع شقيقها عبد الرحمن إلى التنعيم فأحرمت من هناك للعمرة واعتمرت، فقال - ﷺ -: «هذه مكان عمرتك» (١).