لم تكن عائشة (ض) ممن تحب النبي - ﷺ - فحسب، وإنما كانت تعشقه وتعجب به إلى أقصى درجة، لقد كانت تحبه حب المسلمة لنبيها وحب الزوجة لزوجها، والمرأة لرجلها، معجبة بجماله، كما كانت معجبة بأدبه وعظمة قدره، بحيث لو ادعى أحد غيرها مثل حبها له كانت تأسى عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب أحاديث الأنبباء برقم ٣٤١١، ٣٤٣٤، وكتاب المناقب برقم ٣٧٦٩، وكتاب الأطعمة برقم ٥٤١٨، ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٣١، والترمذي في سننه كتاب الأطعمة برقم ١٨٣٤، وابن ماجه في سننه كتاب الأطعمة برقم ٣٢٨٠.
(٢) أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة (ض) قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، ولقد هلكت قبل أن يتزوجني بثلاث سنين، لما كنت أسمعه يذكرها الحديث كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٣٥، والبخاري في صحيحه كتاب المناقب ٣٨١٦، ٣٨١٧، ٣٨١٨، والترمذي في سننه كتاب البر والصلة برقم ٢٠١٧ و٣٨٧٥، و٣٨٧٦، وابن ماجه في سننه كتاب النكاح برقم ١٩٩٧.
(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة برقم ٢٤٣٥ وفيه قول عائشة (ض): فأغضبته يوما، فقلت: خديجة، فقال رسول الله - ﷺ -: إني قد رزقت حبها. وأخرجه ابن حبان في صحيحه ١٥/ ٤٦٧ برقم ٧٠٠٦، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ١٤٧/ ١ برقم ٢١٩ ط: جدة، المملكة العربية السعودية.
[ ٨١ ]
هذا وقد اعترفت أمهات المؤمنين لعائشة (ض) بهذه المكانة العالية رغم مشاعر الغيرة، لأن الحب الذي يبدو من فطنة عائشة لأسرار النبي أعمق وأقوى، فما منهن من لصقت بنفسه كما لصقت بها، ومن نفذت إلى معانيه كما نفذت إليها، ومن عاشرته في روحه وطويته، كما عاشرته بروحها وطويتها. ومن شدة حبها له - ﷺ - أنها لو استيقظت من النوم ولم تجده جنبها يصيبها القلق والاضطراب، تقول: كنت نائمة إلى جنب رسول الله - ﷺ - ففقدته من الليل - والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح -فلمسته بيدي، فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد يقول: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (١). كما تحكي لنا قصة أخرى من نفس النوعية فتقول: فقدت رسول الله - ﷺ - ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتجسسته فإذا هو راكع أو ساجد يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، فقالت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن وإنك لفي آخر» (٢).